ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

محمد حربي كمفتاح فكري لفهم الثورة الجزائرية

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

في موضوع العلاقة بين الدين والجنسية، وعلى الرغم من خلافاتهم المتعلّقة بمطلب الاستقلال السياسي عن فرنسا، اشترك  القوميون “الشعبويون” مع أعضاء “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين” في تعريف للأمّة الجزائرية يتماهى به المواطن مع المسلم. وهكذا، لم يكن يؤخذ في الحسبان عدم ولاء بعض المسلمين للوطن من جهة، ومشاركة بعض أوروبيي الجزائر ويهودها، في الكفاح ضدّ السلطات الاستعمارية الفرنسية. 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

  “في انتظار نيل الحقّ في العيش أحراراً، لقد اكتسبنا الحقّ في الموت خونةً”.

باستشهاده بهذا القول البليغ للكاتب مولود فرعون، يُلخّص محمّد حربي موقفه من الثورة الجزائرية. ففي مذكّراته السياسية التي نُشر الجزء اﻷوّل منها بالفرنسية مطلع القرن الحالي، أي بعد نحو أربعين عاماً على استقلال البلاد، لا يُعيد هذا المثقّف الملتزم النظر بمشروعية اللجوء إلى الكفاح المسلّح ضدّ السلطات الاستعمارية الفرنسية، إلا أنه يُدين الاقتتال اﻷهلي الموازي الذي لم يجرِ فقط بين التنظيمات التي انبثقت، عشيّة حرب التحرير، عن تفكّك أقدم الحركات القومية مطالَبةً بالاستقلال، بل طال أيضاً صفوف التنظيم الذي أطلق الشرارة اﻷولى للثورة في تشرين الثاني/ نوفمبر 1954، والمتمثّل بـ”جبهة التحرير الوطني”. 

ولئن لم ينشر حربي الجزء الثاني من مذكّراته كتابياً، فإنه أجرى عدّة حوارات تمّ تصويرها بعد عشرين عاماً على صدور الجزء اﻷوّل، وفيها، يستعيد بعض النقاط التي سبق أن تطرّق إليها، ويستكمل الحديث في مسائل أخرى، مثل مساهمته في تجربة “التسيير الذاتي” الاقتصادية- الاجتماعية غداة الاستقلال في عام 1962، ويتناول، من جملة قضايا متنوّعة، موقفه الرافض لانقلاب وزير الدفاع هوّاري بومدين على الرئيس أحمد بن بلّة، وما تبعه من عمل سرّي، فسِجن، ثمّ إقامة جبرية امتدّت لسنوات، إلى حين الفرار إلى فرنسا واللجوء شبه الدائم فيها.    

محمّد حربي الذي رحل في اليوم اﻷوّل من هذا العام، عن عمر تخطّى التسعين سنة، لم يكن مجرّد شاهد يُقدّم مواد أوّلية يترك عناء ترتيبها لأمناء محفوظات اﻷرشيف وتحليلها للمؤرّخين. ففضلاً عن مساهمته الملحوظة في مجال اﻹعداد العلمي لوثائق الثورة، كان في النصّ الواحد يسرد سيرته ويؤرّخ لها في آن، وقد حدا به هذا التموضع المزدوج إلى المشاركة في أعمال “معهد تاريخ الزمن الحاضر” في باريس، حيث “تحتلّ علاقة المؤرّخ مع الشاهد موقعاً مركزياً”، على ما ذهبت إليه مؤخّراً رئيسة هذا المركز مليكة رحّال.  

  في هذا المقال، لا نسعى إلى تقديم عرض شامل عن سيرة محمّد حربي، ولا إلى اﻹحاطة بكلّ جوانبها، إنما ما يهمّنا هنا هو تسليط الضوء على الوقائع والمعطيات التي تدلّ على عمق خلفيّته المعرفية وتنوّعها.  

منهجيّة مؤرّخ نقدي

إن روحية المؤرّخ التي تتّسم بها مذكّرات محمّد حربي، تتجلّى عبر استيعابه عدّة مفاهيم منهجية. ففي لفته نظر القارئ إلى هامشية مسألة الديمقراطية في نقاشات الطلّاب المغاربة في باريس مطلع خمسينيات القرن المنصرم، يُحذّر حربي من مغبّة الوقوع في فخّ المفارقات التاريخية، وهي عيب منهجي رائج. 

وفي سياق حديثه عن خبراء الغرف المغلقة الذين قاموا بعد الاستقلال، بنعت المواقف الصادرة عن بعض القوى في بداية الحرب بـ”الإصلاحية”، ينتقد حربي المنظور الاستعادي بما يحويه من تحوير للنظر، إذا لم يترافق مع أخذ اختلاف الظروف بعين الاعتبار. 

ولمّا كانت مذكّراته تندرج، بطبيعة حالها، في إطار المنظور الاستعادي إيّاه، قام حربي، من جملة أمور أخرى، بإدراج مصدر أوّليّ علّه يُبعد، عند القارئ النابه، شبهة تمليس المسارات، وتغييب التناقضات في المواقف عبر الزمن. بالفعل، من خلال إبراز رسالة طلب الاستغناء عن مسؤولياته التي وجّهها في عام 1960 إلى وزير خارجية “الحكومة المؤقّتة للجمهورية الجزائرية”، حيث ينتقد فيها طغيان المفهوم البوليسي للعمل السياسي في “جبهة التحرير”، وميل بعض القادة إلى تحويل الكوادر (أو اﻹطارات كما يُقال في الجزائر) إلى موظّفين يُطبّقون المهام من دون نقاش، أراد حربي إثبات قِدَم تمسّكه بالتلازم بين التحرير الجماعي وحرّية اﻷفراد. 

وفي معرض وصفه طبيعة القطيعة التي أحدثها الاستعمار الفرنسي في الجزائر؛ إذ لم تكن جوهرية بقدر ما تبدو، يدعو حربي إلى تجاوز الثنائيات في مجال تأريخ تلك الحقبة التي تجاوزت القرن، ولأجل ذلك، قام بتبيان حدود طرحين متضادّين يرى أوّلهما في التاريخ الجزائري مساراً حتمياً نحو الفرنسة، وإن كانت صيرورتها بطيئة، بينما يركّز الثاني على وهم تلك الفرنسة، ويتعامل مع الجزائريين ككتلة متجانسة ومنيعة. 

وقبل أن تدرج موضة “التاريخ البديل” التي تقضي بتصوّر مآلات مختلفة عن الواقع، الذي تحقّق فعلاً فيما لو استوفيت بعض الشروط، بدا حربي في نهاية مذكّراته وكأنه يتبنّى هذه المنهجية، إذ نراه يشدّد على فكرة مفادها أنه لو أَعطت نخب البرجوازية الصغيرة المدينية اﻷولوية لتحديث البيئات الريفية على مستوى الذهنيات، لكان تاريخ الجزائر المستقلّة قد اتّخذ وجهاً آخر.  

 وبالنسبة إلى ورود عدد كبير من أسماء الفاعلين الذين عاصرهم حربي في تلك المرحلة، فيُعلّله برفضه تغييب الاختلاف في شخصيّاتهم وفي مصائرهم، عبر اختزالهم في مصطلح تبسيطي كمصطلح “الشعب” مثلاً، أو عبر الركون إلى مقاربة بنيوية لا تكترث بالحيثيات المتعلّقة باﻷفراد واﻷماكن. 

غير أن هذا الاهتمام بالتفاصيل ذات الطابع المحلّي، لم يمنع حربي قط من التبنّي الواضح للمنهج المقارَن العابر لحدود الجزائر الجغرافية والثقافية والسياسية. ففي سياق تحليله البعد الاجتماعي- العاطفي لـ”الحركة من أجل انتصار الحرّيات الديمقراطية”، الحزب الاستقلالي اﻷكبر في أربعينيات القرن الماضي وبداية خمسينياته، يذكر حربي، من ناحية، أوجه الشبه مع اﻷحزاب العمّالية في أوروبا القرن التاسع عشر، مثل شعور أعضائها بالأمان الجماعي- النفسي، ومن ناحية أخرى، أوجه الاختلاف مع تلك اﻷحزاب، مثل استقلالية البعد السياسي فيها، عن البعد الثقافي والديني. 

وفي معرض حديثه عن المشاكل التي اعترت عمليّة توحيد الفصائل الجزائرية المسلّحة، بين ولايات الداخل وجيش الحدود والضبّاط الفارّين من الجيش الفرنسي، يُشير حربي إلى سوابق تاريخية كالثورة الفرنسية التي عرفت مشكلة مزج الفِرَق، وكالجيش اﻷحمر بقيادة تروتسكي الذي واجه معضلة تسمية ضبّاط منشقّين عن جيش القيصر، أو كالثورة الصينية التي حاولت الحدّ من تجاوزات جيشها حيث طغى على صفوفه ريفيون ومنبوذون اجتماعياً.                   

 وعند استماعه إلى وزير داخلية الحكومة الجزائرية المؤقّتة يقترح، قبل عامين من الاستقلال، التطهير سبيلاً وحيداً لرصّ صفوف “جبهة التحرير”، لم يكتفِ حربي باستنتاج الهلع الذي أصاب قيادة “عاجزة عن ضبط موجة ثورية ولّدتها هي بنفسها”، بل ذهب إلى تذكّر كتابات فريدريش إنجلز حول الانتفاضات الفلّاحية في ألمانيا القرن السادس عشر، ولأن كان حربي واعياً حدود سداد التحليل الطبقي خارج هذا السياق التاريخي، فقد رأى في عجز قادة الطبقات الشعبية وقتذاك عن الإمساك المحكم بالمقاومة، فكرةً قابلةً للتطبيق في الحالة الجزائرية. 

وحربي الذي وفّق بين التبنّي النقدي للماركسية والانخراط في صفوف حركة قومية، حاول مراراً (لكن ليس تكراراً) التمايز عن الشعبوية، فكان، مع شلّة رفاق هامشيين في “جبهة التحرير”،  يرى أن انتصار الثورة الجزائرية مرهون بقدرتها، هي وسائر ثورات العالم الثالث، على “إيقاظ” قوى التغيير في العالم الصناعي، بشقّيه الغربي والشرقي، بغية حثّها على إطلاق ثورة عالمية. 

وهنا، يشدّد حربي على  عدم انجراره خلف طروحات مثالية تقول بخلاص العالم الثالث عبر الاكتفاء بقواه الذاتية، ويستند في ذلك إلى ثلاث خيبات مبكرة، إذ حدثت في بداية الستينيات: انتكاسة المشروع القومي العربي عبر الانقلاب السوري الذي أنهى تجربة الوحدة مع مصر ، مصرع باتريس لومومبا في الكونغو وتواطؤ بعض رفاق السلاح مع السلطات الاستعمارية البلجيكية في هذا الاغتيال، أثر الفرز العرقي في غينيا على وضعية القيادي أميلكار كابرال (وهو الذي سوف يتمّ اغتياله بعد أكثر من عقد).     

انفتاح على سائر العلوم الاجتماعية

إن كلّ تلك المقارنات السالفة لا تعبّر فقط عن سعة ثقافة محمّد حربي التاريخية، بل تقدّم مؤشّراً على استعداده للانفتاح على سائر العلوم الاجتماعية. بالفعل، من أجل تدعيم كلامه حول وظيفة الكذب في زمن الحروب، يستشهد حربي بالمؤرّخ الفرنسي مارك بلوك، أحد مؤسّسي مدرسة الحَوليّات في عشرينيات القرن الماضي، التي شكّلت منعطفاً في الحقل المعرفي، إذ تميّزت بما سوف يُعرَف لاحقاً بالنهج العابر للاختصاصات. 

وفي إطار وصفه علاقة أبيه به وبإخوته وأخواته حيث رجّحت كفّة “الثقة والمودّة” على كفّة “السلطة والصرامة”، يعتمد حربي على التعارض الذي أقامه عالم الاجتماع الفرنسي أليكسي دو توكفيل بين العائلة الديمقراطية والعائلة اﻷرستقراطية في كتابه الشهير عن الديموقراطية في أميركا. وفي سياق تتبّعه تحوّل منظّمة “جبهة التحرير” في فرنسا من تنظيم سياسي إلى ذراع بيروقراطي وأمني، يأتي حربي على ذكر أنطونيو غرامشي بصفته منظّراً سياسياً قدّم تصنيفاً للمنظّمات، تستحيل بواسطته بعض الأحزاب الفاقدة كلّ هامش تشاوري أجهزةً بوليسية. 

وإلى جانب الركون العلني إلى المفكّرين اﻵنفي الذكر، يبدو حربي متأثّراً على نحو غير مباشر بمراجع آخرين مثل ماكس فيبر مثلاً. فعند تناوله الصدام بين أعضاء اللجنة المركزية لـ”الحركة من أجل انتصار الحرّيات الديمقراطية”، من جهة، ومصالي الحاج، الزعيم التاريخي لهذا التنظيم الذي عُرِف في السابق تحت مسمّيي”نجم شمال إفريقيا” ثم “حزب الشعب الجزائري”، من جهة أخرى، لجأ حربي ضمنياً إلى مفهوم “النموذج المثالي”، الذي نحته عالم الاجتماع اﻷلماني. 

ولئن كانت مشروعيّة مصالي الحاج مبنيّة في المقام اﻷوّل على الكاريزما الذاتية، فإن مشروعيّة أعضاء اللجنة المركزية كانت ترتكز على تعلّقهم بالقواعد العقلانية الموضوعية، وعلى الرغم من ميله إليهم، ينتقد حربي نزوعهم النخبوي وسعيهم الحثيث إلى تمييز أنفسهم عن الطبقات الشعبية. 

وبالعودة إلى تأثّره المضمر بفيبر، نراه يجهد للتوفيق قدر المستطاع بين “أخلاقيات الاقتناع” و”أخلاقيات المسؤولية” عند اتخّاذ الموقف من الإضراب المفتوح، الذي دعا إليه في أيّار/ مايو 1956، فرع الجزائر العاصمة في “الاتّحاد العامّ للطلبة المسلمين الجزائريين”. فحربي الذي لم يكن مُقتنعاً بهذا الإضراب، ولا بتعميمه على سائر الفروع بما فيها فرع فرنسا، ولا بدعوة الطلّاب إلى الالتحاق بجيش التحرير، التزم على مضض بقرار قيادة الجبهة الداعم لهذا التحرّك، غير أنه دافع عن غير الملتزمين به، ووقف في وجه المضايقات التي تعرّضوا لها، وقد وصل اﻷمر في بعض الحالات إلى التهديد بالتصفية الجسدية.  

وإلى جانب اللجوء إلى المراجع اﻷوروبية، علنيةً كانت أم ضمنية، يحافظ حربي على صلة ما مع ابن خلدون. فانطلاقاً من تجربته في مدينة سكيكدة في شرق البلاد، التي وفد إليها من بلدة الحرّوش القريبة بهدف مواصلة دراسته التكميلية والثانوية، يُجري حربي مقارنة بين المدينة الجزائرية والمدينة الغربية. وفيما أفلحت اﻷخيرة في الانعتاق التامّ من أصولها الريفية، عجزت اﻷولى عن فرض نفسها كواقع مستقلّ. ومردّ ذلك، في نظر حربي، هو الفرق في وتيرة تكوين هذين الصنفين من المدن. 

ففي حين كان الوقت المتاح كافياً لدى نخب المدينة الغربية لتفرض نفسها وقيمها على الوافدين الجدد من الريف، ضاق هذا الوقت على نخب المدينة الجزائرية، التي لم تستطع الإفلات من قبضة الريفيين الوافدين والتغلّب على عصبيّتهم، فوجدت نفسها محكومةً بإعادة إنتاج مكرَّرة للقيم التقليدية.   

وبغضّ النظر عن الطابع الثقافوي لهذه المقاربة التعميمية، فإنها تقدّم دليلاً إضافياً على الإدخال المُستدام لعناصر التفكير السوسيولوجي، ضمن السرد الذاتي في مذكّرات محمّد حربي. ونقع على هذا اﻷمر في الوصف الدقيق لدار الأسرة في بلدة الحرّوش، وفي الحديث عن تنشئة الكاتب “اﻷوّليّة” بين عائلة اﻷب التي كانت تتمتّع بنفوذ اقتصادي مبنيّ على ملكيّة أراضٍ زراعية وعقارات، وعائلة اﻷمّ ذات النفوذ المعتبَر في مجال التربية الدينية. 

وحسناً فعل حربي عندما أدرج مجموعة صور في منتصف الكتاب، تُتيح للقارئ استنتاج “الطفولة المحظوظة”، من خلال رؤية السيّارة العائلية وجزء من واجهة المنزل العائلي ذات الطراز المغاربي. أمّا بالنسبة إلى تنشئة حربي “الثانوية”، فقد جرت بين المدرسة القرآنية، حيث كان يتمّ تلقين التبعيّة والرضوخ إلى جانب تحفيظ اﻵيات والسور، من ناحية، والمدرسة الابتدائية بشعبتيْها الفرنسية وتلك الخاصّة بالسكّان اﻷصليين، من ناحية أخرى. 

وعلى الرغم من وجودها الملحوظ على أكثر من صعيد، لم تصل الفروقات بين الشعبتين إلى حدّ تدشين نظام متكامل للفصل العنصري، وهي فكرة شدّد عليها حربي في كتابات أخرى، نذكر منها مقدمّة كتابه المشترك مع جيلبير مينييه والمتضمّن وثائق “جبهة التحرير الوطني” طيلة فترة حرب الاستقلال. 

والتفكير السوسيولوجي يتخّذ أحياناً طابعاً إثنوغرافياً حين يتطرّق حربي لعلاقة اﻷمّ بالابن في المجتمعات التقليدية، بحيث تعوِّض اﻷولى موقعها الضعيف كزوجة، عبر “استثمار” عاطفي مكثّف في ولدها، على أمل أن يُضحي حليفاً لها. ونعثر على الطابع المذكور في المثل الذي أورده حربي عن تجذّر جريمة الشرف، حين كان شاهداً في إحدى ليالي طفولته على المصير المفجع لعروس لم يتمّ عرض قميصها المبقّع بالدم على الحضور، ممّا اعتُبر إثباتاً لعدم عذريتها قبل الزواج. 

وثمّة تفصيل مثير  للاهتمام يكمن في عدم اقتصار أمكنة التنشئة السياسية على المقاهي، إذ إن صالونات الحلاقة لعبت دوراً في هذا المجال أيضاً، فكانت مقياساً للتأثير الشعبي للحركة القومية في أربعينيات القرن السابق.   

مثقّف سياسي يمزج بين المعرفة والموقف الشجاع

وأبعد من تبنّيه أدوات التحليل التاريخي المنهجية وانفتاحه على سائر العلوم الاجتماعية، كان حربي مثقّفاً سياسياً يُقرن  مقاربته الموضوعية للتيّار القومي باتّخاذ موقف منه. 

فهو يلفت أوّلاً الانتباه إلى البُعد الجيلي في تطوّر العلاقة بالحركة القومية في سكيكدة، إذ اكتفى الآباء عموماً بإبداء مشاعر إيجابية إزاءها، بينما ذهب الأبناء إلى حدّ الالتزام السياسي. ويُثبت ثانياً باﻷرقام البُعد الديموغرافي- الاجتماعي لانتقال سكّان بلدة الحرّوش اﻷصليين من المطالبة بالمساواة في الحقوق مع أوروبيي الجزائر في ثلاثينيات القرن الماضي، حيث كان الميسورون ومتوسّطو الحال أكثر عدداً من الفقراء، إلى المطالبة، بعد عقد واحد استحال فيه اﻷخيرون أكثريةً، باستقلال الجزائر. ثمّ يُشير ثالثاً إلى بُعد أخروي يكمن في إضفاء حكواتيي اﻷسواق سمات المهدي المنتظر على زعيم الحركة الاستقلالية مصالي الحاج، ويُدين أخيراً استغلال الدين من طرف القوميين، فبعدما كان  مجمل الجزائريين يوفّقون بين تديّن ذي طابع ثقافي وابتغاء حداثة يلِجون إليها بتأنٍّ ومن دون شعور بالاقتلاع الحضاري، حوّل الخطاب القومي هذه الثنائية إلى فصام سوف يتّخذ لاحقاً، وفي بعض الحالات، شكلاً من أشكال الذهان الهذياني.   

وفي موضوع العلاقة بين الدين والجنسية، وعلى الرغم من خلافاتهم المتعلّقة بمطلب الاستقلال السياسي عن فرنسا، اشترك  القوميون “الشعبويون” مع أعضاء “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين” في تعريف للأمّة الجزائرية يتماهى به المواطن مع المسلم. وهكذا، لم يكن يؤخذ في الحسبان عدم ولاء بعض المسلمين للوطن من جهة، ومشاركة بعض أوروبيي الجزائر ويهودها، في الكفاح ضدّ السلطات الاستعمارية الفرنسية. 

والجزائريون المسلمون، لم يسلموا أصلاً من الانقسامات المناطقية بين شرق البلاد وغربها، ومن التجاذبات اﻹثنية بين عرب وبربر أو أمازيغ، وفي هذا الصدد، يذكر حربي أكثر من واقعة تُثبّت نزوع بلقاسم كْريم إلى تعيين كوادر من منطقة “القبائل” التي ينحدر منها، في المناصب اﻷكثر أهمّية داخل وزارة القوى المسلّحة، التي كان يترّأسها ضمن الحكومة المؤقّتة. 

على أن كْريم نفسه الذي كان حريصاً على إخفاء ميوله الإثنية، لم يتردّد في تصفية قادة الحركة الثقافية الأمازيغية، لكي لا يُتّهم بـ”النزعة البربرية”، ولعلّه في ذلك يُشبه حافظ اﻷسد في علاقته بالانتماء العلوي. ولكن، نظراً لإقصاء كْريم عند استقلال البلاد في سياق اقتتال رفاق اﻷمس، ولاغتياله في منفاه اﻷلماني بعد نحو عقد من الزمن، بإمكاننا ختم هذا الاستطراد السريع بالقول إن كْريم كان نسخة مجهضة عن الرئيس السوري…    

وبالعودة إلى الانقسام المذكور، تجدر اﻹشارة إلى أن الفرز بين العرب والبربر، لم يخفِ التصدّع داخل الهويّة اﻷمازيغية نفسها، وهي متعدّدة المكوّنات. فعلى سبيل المثال لا الحصر، لم تكن علاقة المكوّن “الشاوي” الموجود في جبال اﻷوراس على ما يرام بالمكوّن الموجود في منطقة “القبائل”، وفي الكتاب المتضمّن “وثائق جبهة التحرير” إبّان حرب الاستقلال والمذكور آنفاً، يورد كلّ من حربي ومينييه نصّاً يُظهر الحساسية بين الجماعتين في سياق عمليّة نقل أسلحة بين المنطقتين.                                  

 والفرز الشاقولي الواضح عبر اﻷمثلة السابقة، لم يمنع وجود فرز أفقي عبّر عنه حربي من خلال ذكره الحوار الذي جرى بينه وبين فرحات عبّاس، أحد القادة التاريخيين الذي انتقل تدريجياً من نكران وجود أمّة جزائرية، إلى الاعتراف بها ضمن إطار فيدرالي مع فرنسا، ثم إلى الاقتناع بضرورة الاستقلال. فعبّاس الذي ترأّس أوّل حكومة مؤقّتة للجمهورية الجزائرية قبل أن يحلّ محلّه بن يوسف بن خدة، استغرب الدعم الذي تلقّاه اﻷخير من حربي، وفي استحضار ساذج للتمايز الطبقي، قام عبّاس بتذكير حربي بأن كلّاً منهما سليل “عائلة كبيرة”…        

وقد تكون هناك صلة ما بين الشعور الطبقي عند بعض قادة “جبهة التحرير” وعدائهم الحادّ لكلّ ما يمتّ إلى الشيوعية بصلة. وفي هذا الصدد، يشير حربي إلى وضع الجنود الجزائريين الذين آثروا الانضمام إلى المقاومة الفيتنامية، على بقائهم في الجيش الفرنسي أثناء الحرب في الهند الصينية في أربعينيات القرن الماضي والنصف اﻷوّل من خمسينياتها. وعند طرحها مسألة عودتهم للمشاركة في حرب استقلال بلادهم، لم تتلّقَ حكومة شمال فيتنام سوى أجوبة مراوِغة من طرف قادة “جبهة التحرير”، ولا يخفي حربي انفعاله أمام ثورة “تستقبل من سبق وخدم في الجيش الكولونيالي في الهند الصينية ثم تونس فالسويس في عام 1956، وترفض من قاتل في صفوف المقاومة الفيتنامية”، وذلك مخافةً من تفشّي “العدوى” الشيوعية بين المجاهدين.        

ومن جملة المواقف الجريئة، لا بل الشجاعة، التي اتّخذها حربي، هناك شجبه تعجرف المقاتلين الجزائريين في تونس، إذ كانوا يتصرّفون من دون مراعاة لسيادة هذا البلد الذي آواهم وأمّن لهم القاعدة الخلفية اﻷهمّ لثورتهم، وهناك أيضاً، رفضه تعرّض سكّان المناطق الصحراوية في الجزائر، وهم سود البشرة، لعنصرية مواطنيهم البيض، ففي مكانٍ ما من لاوعي اﻷخيرين الجمعي، بقيت الصور النمطية التي ولّدها نظام العبودية ماثلةً، حتى بعد القضاء عليه من قِبل الاستعمار الفرنسي.    

 ولا يُبرّئ حربي نفسه من أيّ عيب، فهو يذكر كيف كان انسياقه أثناء فترة الدراسة الجامعية خلف المروّجين لمفهوم اﻷدب الملتزم، والرافضين أيّ عمل روائي قد يكون حمّال أوجه، مدعاة قلق عند بعض الطلّاب على غرار محمّد أركون، في نظر حربي، كان ذاك الطالب الذي أصبح لاحقاً مفكّراً مرموقاً، رؤيوياً إلى حدّ بعيد، إذ وجد في التقوقع المذكور بذور “شرطة أفكار”. 

وفي السياق نفسه، عند تناوله مسألة معاداة المثقّفين التي كانت سائدة في صفوف القوميين “الشعبويين”، والتي لم تقتصر على تعيير المثقّفين بحدّ ذاتهم، بل شملت كلّ النخب التي لم تعتنق بوضوح مطلب الاستقلال السياسي، يعترف حربي بأنه ساهم بشكل فعّال في هذا النهج خلال مرحلة العمل السرّي في فرنسا، قبل أن يصبح أحد ضحاياه، إذ تمّ توظيف “التهمة” الآنفة الذكر بغية تصفية الحسابات لاحقاً ضمن إطار “جبهة التحرير الوطني”.     

قبل الختام، لا بدّ من اﻹشارة سريعاً إلى عدد من الشخصيّات التي أثّرت في مسار محمّد حربي، من “خاله” علي كافي، أحد ضبّاط جيش التحرير الذي أصبح  رئيساً لـ”المجلس اﻷعلى للدولة” بداية العشرية السوداء في التسعينيات، إلى جمال عبد الناصر الذي يظهر في صورتين مع حربي ضمن “آلبوم” منتصف الكتاب، مروراً  بفرانتس فانون حتى ولو لم يشاركه حربي نظرته التفاؤلية حيال الفلاحين الجزائريين ولا مفهومه للاصلاح الزراعي، ولا ننسى بالطبع دور التروتسكيين في تكوين حربي فكرياً، من بيار سويري أستاذ التاريخ الذي عرّفه على الماركسية في ثانوية سكيكدة، إلى ميشال رابتيس المعروف بـ”بابلو” عضو قيادة “اﻷممية الرابعة”، التي  ينوّه حربي بفضلها الكبير على الثورة الجزائرية عبر إقامة مصنع أسلحة في المغرب، على سبيل المثال لا الحصر.         

 في اليوم الذي أعقب وفاة محمّد حربي، وجّه رئيس الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية رسالة تعزية جاء فيها: “تلقّيت ببالغ الحزن وفاة المجاهد والمؤرّخ المثقّف محمّد حربي، الذي برحيله تكون الجزائر قد فقدت رجلاً فذّاً انخرط مبكراً في النضال السياسي ضدّ الاستعمار، ثم في صفوف الثورة التحريرية مجاهداً وإطاراً في الحكومة المؤقّتة للجمهورية الجزائرية، قبل أن يتفرّغ بعد الاستقلال للكتابة والبحث، فأثرى المكتبة العالمية بعدّة مؤلّفات قيّمة حول تاريخ الحركة الوطنية وثورة   التحرير المظفّرة”..                                                                                                                         

 إن صحّة كلّ ما ورد، لا تعوِّض المسكوت عنه في هذه النبذة التي تناست أن “المجاهد والمؤرّخ المثقّف” محمّد حربي، كان شاهداً على الثورة الجزائرية بقدر ما كان شاهداً لها…                                                                          

رنا زيد - كاتبة وشاعرة فلسطينية سورية | 11.07.2026

إنان م. بلاي: أهرب من العراق كلّه إلى غرفتي

تحاور الشاعرة والصحافية رنا زيد الكاتبة والنسوية إنان م. بلاي في طقس تصفه زيد بأنه يتحدّى السرد التقليدي للنساء، وللأمّهات والجدّات المشرقيات، حوار يتحدّى الفاشية المشرقية ومعها الفاشية الغربية، لضرورة أن يُسمع صوتها، صوت إنان، وصوت كلّ من تمثّله في العراق.
21.02.2026
زمن القراءة: 13 minutes

في موضوع العلاقة بين الدين والجنسية، وعلى الرغم من خلافاتهم المتعلّقة بمطلب الاستقلال السياسي عن فرنسا، اشترك  القوميون “الشعبويون” مع أعضاء “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين” في تعريف للأمّة الجزائرية يتماهى به المواطن مع المسلم. وهكذا، لم يكن يؤخذ في الحسبان عدم ولاء بعض المسلمين للوطن من جهة، ومشاركة بعض أوروبيي الجزائر ويهودها، في الكفاح ضدّ السلطات الاستعمارية الفرنسية. 

  “في انتظار نيل الحقّ في العيش أحراراً، لقد اكتسبنا الحقّ في الموت خونةً”.

باستشهاده بهذا القول البليغ للكاتب مولود فرعون، يُلخّص محمّد حربي موقفه من الثورة الجزائرية. ففي مذكّراته السياسية التي نُشر الجزء اﻷوّل منها بالفرنسية مطلع القرن الحالي، أي بعد نحو أربعين عاماً على استقلال البلاد، لا يُعيد هذا المثقّف الملتزم النظر بمشروعية اللجوء إلى الكفاح المسلّح ضدّ السلطات الاستعمارية الفرنسية، إلا أنه يُدين الاقتتال اﻷهلي الموازي الذي لم يجرِ فقط بين التنظيمات التي انبثقت، عشيّة حرب التحرير، عن تفكّك أقدم الحركات القومية مطالَبةً بالاستقلال، بل طال أيضاً صفوف التنظيم الذي أطلق الشرارة اﻷولى للثورة في تشرين الثاني/ نوفمبر 1954، والمتمثّل بـ”جبهة التحرير الوطني”. 

ولئن لم ينشر حربي الجزء الثاني من مذكّراته كتابياً، فإنه أجرى عدّة حوارات تمّ تصويرها بعد عشرين عاماً على صدور الجزء اﻷوّل، وفيها، يستعيد بعض النقاط التي سبق أن تطرّق إليها، ويستكمل الحديث في مسائل أخرى، مثل مساهمته في تجربة “التسيير الذاتي” الاقتصادية- الاجتماعية غداة الاستقلال في عام 1962، ويتناول، من جملة قضايا متنوّعة، موقفه الرافض لانقلاب وزير الدفاع هوّاري بومدين على الرئيس أحمد بن بلّة، وما تبعه من عمل سرّي، فسِجن، ثمّ إقامة جبرية امتدّت لسنوات، إلى حين الفرار إلى فرنسا واللجوء شبه الدائم فيها.    

محمّد حربي الذي رحل في اليوم اﻷوّل من هذا العام، عن عمر تخطّى التسعين سنة، لم يكن مجرّد شاهد يُقدّم مواد أوّلية يترك عناء ترتيبها لأمناء محفوظات اﻷرشيف وتحليلها للمؤرّخين. ففضلاً عن مساهمته الملحوظة في مجال اﻹعداد العلمي لوثائق الثورة، كان في النصّ الواحد يسرد سيرته ويؤرّخ لها في آن، وقد حدا به هذا التموضع المزدوج إلى المشاركة في أعمال “معهد تاريخ الزمن الحاضر” في باريس، حيث “تحتلّ علاقة المؤرّخ مع الشاهد موقعاً مركزياً”، على ما ذهبت إليه مؤخّراً رئيسة هذا المركز مليكة رحّال.  

  في هذا المقال، لا نسعى إلى تقديم عرض شامل عن سيرة محمّد حربي، ولا إلى اﻹحاطة بكلّ جوانبها، إنما ما يهمّنا هنا هو تسليط الضوء على الوقائع والمعطيات التي تدلّ على عمق خلفيّته المعرفية وتنوّعها.  

منهجيّة مؤرّخ نقدي

إن روحية المؤرّخ التي تتّسم بها مذكّرات محمّد حربي، تتجلّى عبر استيعابه عدّة مفاهيم منهجية. ففي لفته نظر القارئ إلى هامشية مسألة الديمقراطية في نقاشات الطلّاب المغاربة في باريس مطلع خمسينيات القرن المنصرم، يُحذّر حربي من مغبّة الوقوع في فخّ المفارقات التاريخية، وهي عيب منهجي رائج. 

وفي سياق حديثه عن خبراء الغرف المغلقة الذين قاموا بعد الاستقلال، بنعت المواقف الصادرة عن بعض القوى في بداية الحرب بـ”الإصلاحية”، ينتقد حربي المنظور الاستعادي بما يحويه من تحوير للنظر، إذا لم يترافق مع أخذ اختلاف الظروف بعين الاعتبار. 

ولمّا كانت مذكّراته تندرج، بطبيعة حالها، في إطار المنظور الاستعادي إيّاه، قام حربي، من جملة أمور أخرى، بإدراج مصدر أوّليّ علّه يُبعد، عند القارئ النابه، شبهة تمليس المسارات، وتغييب التناقضات في المواقف عبر الزمن. بالفعل، من خلال إبراز رسالة طلب الاستغناء عن مسؤولياته التي وجّهها في عام 1960 إلى وزير خارجية “الحكومة المؤقّتة للجمهورية الجزائرية”، حيث ينتقد فيها طغيان المفهوم البوليسي للعمل السياسي في “جبهة التحرير”، وميل بعض القادة إلى تحويل الكوادر (أو اﻹطارات كما يُقال في الجزائر) إلى موظّفين يُطبّقون المهام من دون نقاش، أراد حربي إثبات قِدَم تمسّكه بالتلازم بين التحرير الجماعي وحرّية اﻷفراد. 

وفي معرض وصفه طبيعة القطيعة التي أحدثها الاستعمار الفرنسي في الجزائر؛ إذ لم تكن جوهرية بقدر ما تبدو، يدعو حربي إلى تجاوز الثنائيات في مجال تأريخ تلك الحقبة التي تجاوزت القرن، ولأجل ذلك، قام بتبيان حدود طرحين متضادّين يرى أوّلهما في التاريخ الجزائري مساراً حتمياً نحو الفرنسة، وإن كانت صيرورتها بطيئة، بينما يركّز الثاني على وهم تلك الفرنسة، ويتعامل مع الجزائريين ككتلة متجانسة ومنيعة. 

وقبل أن تدرج موضة “التاريخ البديل” التي تقضي بتصوّر مآلات مختلفة عن الواقع، الذي تحقّق فعلاً فيما لو استوفيت بعض الشروط، بدا حربي في نهاية مذكّراته وكأنه يتبنّى هذه المنهجية، إذ نراه يشدّد على فكرة مفادها أنه لو أَعطت نخب البرجوازية الصغيرة المدينية اﻷولوية لتحديث البيئات الريفية على مستوى الذهنيات، لكان تاريخ الجزائر المستقلّة قد اتّخذ وجهاً آخر.  

 وبالنسبة إلى ورود عدد كبير من أسماء الفاعلين الذين عاصرهم حربي في تلك المرحلة، فيُعلّله برفضه تغييب الاختلاف في شخصيّاتهم وفي مصائرهم، عبر اختزالهم في مصطلح تبسيطي كمصطلح “الشعب” مثلاً، أو عبر الركون إلى مقاربة بنيوية لا تكترث بالحيثيات المتعلّقة باﻷفراد واﻷماكن. 

غير أن هذا الاهتمام بالتفاصيل ذات الطابع المحلّي، لم يمنع حربي قط من التبنّي الواضح للمنهج المقارَن العابر لحدود الجزائر الجغرافية والثقافية والسياسية. ففي سياق تحليله البعد الاجتماعي- العاطفي لـ”الحركة من أجل انتصار الحرّيات الديمقراطية”، الحزب الاستقلالي اﻷكبر في أربعينيات القرن الماضي وبداية خمسينياته، يذكر حربي، من ناحية، أوجه الشبه مع اﻷحزاب العمّالية في أوروبا القرن التاسع عشر، مثل شعور أعضائها بالأمان الجماعي- النفسي، ومن ناحية أخرى، أوجه الاختلاف مع تلك اﻷحزاب، مثل استقلالية البعد السياسي فيها، عن البعد الثقافي والديني. 

وفي معرض حديثه عن المشاكل التي اعترت عمليّة توحيد الفصائل الجزائرية المسلّحة، بين ولايات الداخل وجيش الحدود والضبّاط الفارّين من الجيش الفرنسي، يُشير حربي إلى سوابق تاريخية كالثورة الفرنسية التي عرفت مشكلة مزج الفِرَق، وكالجيش اﻷحمر بقيادة تروتسكي الذي واجه معضلة تسمية ضبّاط منشقّين عن جيش القيصر، أو كالثورة الصينية التي حاولت الحدّ من تجاوزات جيشها حيث طغى على صفوفه ريفيون ومنبوذون اجتماعياً.                   

 وعند استماعه إلى وزير داخلية الحكومة الجزائرية المؤقّتة يقترح، قبل عامين من الاستقلال، التطهير سبيلاً وحيداً لرصّ صفوف “جبهة التحرير”، لم يكتفِ حربي باستنتاج الهلع الذي أصاب قيادة “عاجزة عن ضبط موجة ثورية ولّدتها هي بنفسها”، بل ذهب إلى تذكّر كتابات فريدريش إنجلز حول الانتفاضات الفلّاحية في ألمانيا القرن السادس عشر، ولأن كان حربي واعياً حدود سداد التحليل الطبقي خارج هذا السياق التاريخي، فقد رأى في عجز قادة الطبقات الشعبية وقتذاك عن الإمساك المحكم بالمقاومة، فكرةً قابلةً للتطبيق في الحالة الجزائرية. 

وحربي الذي وفّق بين التبنّي النقدي للماركسية والانخراط في صفوف حركة قومية، حاول مراراً (لكن ليس تكراراً) التمايز عن الشعبوية، فكان، مع شلّة رفاق هامشيين في “جبهة التحرير”،  يرى أن انتصار الثورة الجزائرية مرهون بقدرتها، هي وسائر ثورات العالم الثالث، على “إيقاظ” قوى التغيير في العالم الصناعي، بشقّيه الغربي والشرقي، بغية حثّها على إطلاق ثورة عالمية. 

وهنا، يشدّد حربي على  عدم انجراره خلف طروحات مثالية تقول بخلاص العالم الثالث عبر الاكتفاء بقواه الذاتية، ويستند في ذلك إلى ثلاث خيبات مبكرة، إذ حدثت في بداية الستينيات: انتكاسة المشروع القومي العربي عبر الانقلاب السوري الذي أنهى تجربة الوحدة مع مصر ، مصرع باتريس لومومبا في الكونغو وتواطؤ بعض رفاق السلاح مع السلطات الاستعمارية البلجيكية في هذا الاغتيال، أثر الفرز العرقي في غينيا على وضعية القيادي أميلكار كابرال (وهو الذي سوف يتمّ اغتياله بعد أكثر من عقد).     

انفتاح على سائر العلوم الاجتماعية

إن كلّ تلك المقارنات السالفة لا تعبّر فقط عن سعة ثقافة محمّد حربي التاريخية، بل تقدّم مؤشّراً على استعداده للانفتاح على سائر العلوم الاجتماعية. بالفعل، من أجل تدعيم كلامه حول وظيفة الكذب في زمن الحروب، يستشهد حربي بالمؤرّخ الفرنسي مارك بلوك، أحد مؤسّسي مدرسة الحَوليّات في عشرينيات القرن الماضي، التي شكّلت منعطفاً في الحقل المعرفي، إذ تميّزت بما سوف يُعرَف لاحقاً بالنهج العابر للاختصاصات. 

وفي إطار وصفه علاقة أبيه به وبإخوته وأخواته حيث رجّحت كفّة “الثقة والمودّة” على كفّة “السلطة والصرامة”، يعتمد حربي على التعارض الذي أقامه عالم الاجتماع الفرنسي أليكسي دو توكفيل بين العائلة الديمقراطية والعائلة اﻷرستقراطية في كتابه الشهير عن الديموقراطية في أميركا. وفي سياق تتبّعه تحوّل منظّمة “جبهة التحرير” في فرنسا من تنظيم سياسي إلى ذراع بيروقراطي وأمني، يأتي حربي على ذكر أنطونيو غرامشي بصفته منظّراً سياسياً قدّم تصنيفاً للمنظّمات، تستحيل بواسطته بعض الأحزاب الفاقدة كلّ هامش تشاوري أجهزةً بوليسية. 

وإلى جانب الركون العلني إلى المفكّرين اﻵنفي الذكر، يبدو حربي متأثّراً على نحو غير مباشر بمراجع آخرين مثل ماكس فيبر مثلاً. فعند تناوله الصدام بين أعضاء اللجنة المركزية لـ”الحركة من أجل انتصار الحرّيات الديمقراطية”، من جهة، ومصالي الحاج، الزعيم التاريخي لهذا التنظيم الذي عُرِف في السابق تحت مسمّيي”نجم شمال إفريقيا” ثم “حزب الشعب الجزائري”، من جهة أخرى، لجأ حربي ضمنياً إلى مفهوم “النموذج المثالي”، الذي نحته عالم الاجتماع اﻷلماني. 

ولئن كانت مشروعيّة مصالي الحاج مبنيّة في المقام اﻷوّل على الكاريزما الذاتية، فإن مشروعيّة أعضاء اللجنة المركزية كانت ترتكز على تعلّقهم بالقواعد العقلانية الموضوعية، وعلى الرغم من ميله إليهم، ينتقد حربي نزوعهم النخبوي وسعيهم الحثيث إلى تمييز أنفسهم عن الطبقات الشعبية. 

وبالعودة إلى تأثّره المضمر بفيبر، نراه يجهد للتوفيق قدر المستطاع بين “أخلاقيات الاقتناع” و”أخلاقيات المسؤولية” عند اتخّاذ الموقف من الإضراب المفتوح، الذي دعا إليه في أيّار/ مايو 1956، فرع الجزائر العاصمة في “الاتّحاد العامّ للطلبة المسلمين الجزائريين”. فحربي الذي لم يكن مُقتنعاً بهذا الإضراب، ولا بتعميمه على سائر الفروع بما فيها فرع فرنسا، ولا بدعوة الطلّاب إلى الالتحاق بجيش التحرير، التزم على مضض بقرار قيادة الجبهة الداعم لهذا التحرّك، غير أنه دافع عن غير الملتزمين به، ووقف في وجه المضايقات التي تعرّضوا لها، وقد وصل اﻷمر في بعض الحالات إلى التهديد بالتصفية الجسدية.  

وإلى جانب اللجوء إلى المراجع اﻷوروبية، علنيةً كانت أم ضمنية، يحافظ حربي على صلة ما مع ابن خلدون. فانطلاقاً من تجربته في مدينة سكيكدة في شرق البلاد، التي وفد إليها من بلدة الحرّوش القريبة بهدف مواصلة دراسته التكميلية والثانوية، يُجري حربي مقارنة بين المدينة الجزائرية والمدينة الغربية. وفيما أفلحت اﻷخيرة في الانعتاق التامّ من أصولها الريفية، عجزت اﻷولى عن فرض نفسها كواقع مستقلّ. ومردّ ذلك، في نظر حربي، هو الفرق في وتيرة تكوين هذين الصنفين من المدن. 

ففي حين كان الوقت المتاح كافياً لدى نخب المدينة الغربية لتفرض نفسها وقيمها على الوافدين الجدد من الريف، ضاق هذا الوقت على نخب المدينة الجزائرية، التي لم تستطع الإفلات من قبضة الريفيين الوافدين والتغلّب على عصبيّتهم، فوجدت نفسها محكومةً بإعادة إنتاج مكرَّرة للقيم التقليدية.   

وبغضّ النظر عن الطابع الثقافوي لهذه المقاربة التعميمية، فإنها تقدّم دليلاً إضافياً على الإدخال المُستدام لعناصر التفكير السوسيولوجي، ضمن السرد الذاتي في مذكّرات محمّد حربي. ونقع على هذا اﻷمر في الوصف الدقيق لدار الأسرة في بلدة الحرّوش، وفي الحديث عن تنشئة الكاتب “اﻷوّليّة” بين عائلة اﻷب التي كانت تتمتّع بنفوذ اقتصادي مبنيّ على ملكيّة أراضٍ زراعية وعقارات، وعائلة اﻷمّ ذات النفوذ المعتبَر في مجال التربية الدينية. 

وحسناً فعل حربي عندما أدرج مجموعة صور في منتصف الكتاب، تُتيح للقارئ استنتاج “الطفولة المحظوظة”، من خلال رؤية السيّارة العائلية وجزء من واجهة المنزل العائلي ذات الطراز المغاربي. أمّا بالنسبة إلى تنشئة حربي “الثانوية”، فقد جرت بين المدرسة القرآنية، حيث كان يتمّ تلقين التبعيّة والرضوخ إلى جانب تحفيظ اﻵيات والسور، من ناحية، والمدرسة الابتدائية بشعبتيْها الفرنسية وتلك الخاصّة بالسكّان اﻷصليين، من ناحية أخرى. 

وعلى الرغم من وجودها الملحوظ على أكثر من صعيد، لم تصل الفروقات بين الشعبتين إلى حدّ تدشين نظام متكامل للفصل العنصري، وهي فكرة شدّد عليها حربي في كتابات أخرى، نذكر منها مقدمّة كتابه المشترك مع جيلبير مينييه والمتضمّن وثائق “جبهة التحرير الوطني” طيلة فترة حرب الاستقلال. 

والتفكير السوسيولوجي يتخّذ أحياناً طابعاً إثنوغرافياً حين يتطرّق حربي لعلاقة اﻷمّ بالابن في المجتمعات التقليدية، بحيث تعوِّض اﻷولى موقعها الضعيف كزوجة، عبر “استثمار” عاطفي مكثّف في ولدها، على أمل أن يُضحي حليفاً لها. ونعثر على الطابع المذكور في المثل الذي أورده حربي عن تجذّر جريمة الشرف، حين كان شاهداً في إحدى ليالي طفولته على المصير المفجع لعروس لم يتمّ عرض قميصها المبقّع بالدم على الحضور، ممّا اعتُبر إثباتاً لعدم عذريتها قبل الزواج. 

وثمّة تفصيل مثير  للاهتمام يكمن في عدم اقتصار أمكنة التنشئة السياسية على المقاهي، إذ إن صالونات الحلاقة لعبت دوراً في هذا المجال أيضاً، فكانت مقياساً للتأثير الشعبي للحركة القومية في أربعينيات القرن السابق.   

مثقّف سياسي يمزج بين المعرفة والموقف الشجاع

وأبعد من تبنّيه أدوات التحليل التاريخي المنهجية وانفتاحه على سائر العلوم الاجتماعية، كان حربي مثقّفاً سياسياً يُقرن  مقاربته الموضوعية للتيّار القومي باتّخاذ موقف منه. 

فهو يلفت أوّلاً الانتباه إلى البُعد الجيلي في تطوّر العلاقة بالحركة القومية في سكيكدة، إذ اكتفى الآباء عموماً بإبداء مشاعر إيجابية إزاءها، بينما ذهب الأبناء إلى حدّ الالتزام السياسي. ويُثبت ثانياً باﻷرقام البُعد الديموغرافي- الاجتماعي لانتقال سكّان بلدة الحرّوش اﻷصليين من المطالبة بالمساواة في الحقوق مع أوروبيي الجزائر في ثلاثينيات القرن الماضي، حيث كان الميسورون ومتوسّطو الحال أكثر عدداً من الفقراء، إلى المطالبة، بعد عقد واحد استحال فيه اﻷخيرون أكثريةً، باستقلال الجزائر. ثمّ يُشير ثالثاً إلى بُعد أخروي يكمن في إضفاء حكواتيي اﻷسواق سمات المهدي المنتظر على زعيم الحركة الاستقلالية مصالي الحاج، ويُدين أخيراً استغلال الدين من طرف القوميين، فبعدما كان  مجمل الجزائريين يوفّقون بين تديّن ذي طابع ثقافي وابتغاء حداثة يلِجون إليها بتأنٍّ ومن دون شعور بالاقتلاع الحضاري، حوّل الخطاب القومي هذه الثنائية إلى فصام سوف يتّخذ لاحقاً، وفي بعض الحالات، شكلاً من أشكال الذهان الهذياني.   

وفي موضوع العلاقة بين الدين والجنسية، وعلى الرغم من خلافاتهم المتعلّقة بمطلب الاستقلال السياسي عن فرنسا، اشترك  القوميون “الشعبويون” مع أعضاء “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين” في تعريف للأمّة الجزائرية يتماهى به المواطن مع المسلم. وهكذا، لم يكن يؤخذ في الحسبان عدم ولاء بعض المسلمين للوطن من جهة، ومشاركة بعض أوروبيي الجزائر ويهودها، في الكفاح ضدّ السلطات الاستعمارية الفرنسية. 

والجزائريون المسلمون، لم يسلموا أصلاً من الانقسامات المناطقية بين شرق البلاد وغربها، ومن التجاذبات اﻹثنية بين عرب وبربر أو أمازيغ، وفي هذا الصدد، يذكر حربي أكثر من واقعة تُثبّت نزوع بلقاسم كْريم إلى تعيين كوادر من منطقة “القبائل” التي ينحدر منها، في المناصب اﻷكثر أهمّية داخل وزارة القوى المسلّحة، التي كان يترّأسها ضمن الحكومة المؤقّتة. 

على أن كْريم نفسه الذي كان حريصاً على إخفاء ميوله الإثنية، لم يتردّد في تصفية قادة الحركة الثقافية الأمازيغية، لكي لا يُتّهم بـ”النزعة البربرية”، ولعلّه في ذلك يُشبه حافظ اﻷسد في علاقته بالانتماء العلوي. ولكن، نظراً لإقصاء كْريم عند استقلال البلاد في سياق اقتتال رفاق اﻷمس، ولاغتياله في منفاه اﻷلماني بعد نحو عقد من الزمن، بإمكاننا ختم هذا الاستطراد السريع بالقول إن كْريم كان نسخة مجهضة عن الرئيس السوري…    

وبالعودة إلى الانقسام المذكور، تجدر اﻹشارة إلى أن الفرز بين العرب والبربر، لم يخفِ التصدّع داخل الهويّة اﻷمازيغية نفسها، وهي متعدّدة المكوّنات. فعلى سبيل المثال لا الحصر، لم تكن علاقة المكوّن “الشاوي” الموجود في جبال اﻷوراس على ما يرام بالمكوّن الموجود في منطقة “القبائل”، وفي الكتاب المتضمّن “وثائق جبهة التحرير” إبّان حرب الاستقلال والمذكور آنفاً، يورد كلّ من حربي ومينييه نصّاً يُظهر الحساسية بين الجماعتين في سياق عمليّة نقل أسلحة بين المنطقتين.                                  

 والفرز الشاقولي الواضح عبر اﻷمثلة السابقة، لم يمنع وجود فرز أفقي عبّر عنه حربي من خلال ذكره الحوار الذي جرى بينه وبين فرحات عبّاس، أحد القادة التاريخيين الذي انتقل تدريجياً من نكران وجود أمّة جزائرية، إلى الاعتراف بها ضمن إطار فيدرالي مع فرنسا، ثم إلى الاقتناع بضرورة الاستقلال. فعبّاس الذي ترأّس أوّل حكومة مؤقّتة للجمهورية الجزائرية قبل أن يحلّ محلّه بن يوسف بن خدة، استغرب الدعم الذي تلقّاه اﻷخير من حربي، وفي استحضار ساذج للتمايز الطبقي، قام عبّاس بتذكير حربي بأن كلّاً منهما سليل “عائلة كبيرة”…        

وقد تكون هناك صلة ما بين الشعور الطبقي عند بعض قادة “جبهة التحرير” وعدائهم الحادّ لكلّ ما يمتّ إلى الشيوعية بصلة. وفي هذا الصدد، يشير حربي إلى وضع الجنود الجزائريين الذين آثروا الانضمام إلى المقاومة الفيتنامية، على بقائهم في الجيش الفرنسي أثناء الحرب في الهند الصينية في أربعينيات القرن الماضي والنصف اﻷوّل من خمسينياتها. وعند طرحها مسألة عودتهم للمشاركة في حرب استقلال بلادهم، لم تتلّقَ حكومة شمال فيتنام سوى أجوبة مراوِغة من طرف قادة “جبهة التحرير”، ولا يخفي حربي انفعاله أمام ثورة “تستقبل من سبق وخدم في الجيش الكولونيالي في الهند الصينية ثم تونس فالسويس في عام 1956، وترفض من قاتل في صفوف المقاومة الفيتنامية”، وذلك مخافةً من تفشّي “العدوى” الشيوعية بين المجاهدين.        

ومن جملة المواقف الجريئة، لا بل الشجاعة، التي اتّخذها حربي، هناك شجبه تعجرف المقاتلين الجزائريين في تونس، إذ كانوا يتصرّفون من دون مراعاة لسيادة هذا البلد الذي آواهم وأمّن لهم القاعدة الخلفية اﻷهمّ لثورتهم، وهناك أيضاً، رفضه تعرّض سكّان المناطق الصحراوية في الجزائر، وهم سود البشرة، لعنصرية مواطنيهم البيض، ففي مكانٍ ما من لاوعي اﻷخيرين الجمعي، بقيت الصور النمطية التي ولّدها نظام العبودية ماثلةً، حتى بعد القضاء عليه من قِبل الاستعمار الفرنسي.    

 ولا يُبرّئ حربي نفسه من أيّ عيب، فهو يذكر كيف كان انسياقه أثناء فترة الدراسة الجامعية خلف المروّجين لمفهوم اﻷدب الملتزم، والرافضين أيّ عمل روائي قد يكون حمّال أوجه، مدعاة قلق عند بعض الطلّاب على غرار محمّد أركون، في نظر حربي، كان ذاك الطالب الذي أصبح لاحقاً مفكّراً مرموقاً، رؤيوياً إلى حدّ بعيد، إذ وجد في التقوقع المذكور بذور “شرطة أفكار”. 

وفي السياق نفسه، عند تناوله مسألة معاداة المثقّفين التي كانت سائدة في صفوف القوميين “الشعبويين”، والتي لم تقتصر على تعيير المثقّفين بحدّ ذاتهم، بل شملت كلّ النخب التي لم تعتنق بوضوح مطلب الاستقلال السياسي، يعترف حربي بأنه ساهم بشكل فعّال في هذا النهج خلال مرحلة العمل السرّي في فرنسا، قبل أن يصبح أحد ضحاياه، إذ تمّ توظيف “التهمة” الآنفة الذكر بغية تصفية الحسابات لاحقاً ضمن إطار “جبهة التحرير الوطني”.     

قبل الختام، لا بدّ من اﻹشارة سريعاً إلى عدد من الشخصيّات التي أثّرت في مسار محمّد حربي، من “خاله” علي كافي، أحد ضبّاط جيش التحرير الذي أصبح  رئيساً لـ”المجلس اﻷعلى للدولة” بداية العشرية السوداء في التسعينيات، إلى جمال عبد الناصر الذي يظهر في صورتين مع حربي ضمن “آلبوم” منتصف الكتاب، مروراً  بفرانتس فانون حتى ولو لم يشاركه حربي نظرته التفاؤلية حيال الفلاحين الجزائريين ولا مفهومه للاصلاح الزراعي، ولا ننسى بالطبع دور التروتسكيين في تكوين حربي فكرياً، من بيار سويري أستاذ التاريخ الذي عرّفه على الماركسية في ثانوية سكيكدة، إلى ميشال رابتيس المعروف بـ”بابلو” عضو قيادة “اﻷممية الرابعة”، التي  ينوّه حربي بفضلها الكبير على الثورة الجزائرية عبر إقامة مصنع أسلحة في المغرب، على سبيل المثال لا الحصر.         

 في اليوم الذي أعقب وفاة محمّد حربي، وجّه رئيس الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية رسالة تعزية جاء فيها: “تلقّيت ببالغ الحزن وفاة المجاهد والمؤرّخ المثقّف محمّد حربي، الذي برحيله تكون الجزائر قد فقدت رجلاً فذّاً انخرط مبكراً في النضال السياسي ضدّ الاستعمار، ثم في صفوف الثورة التحريرية مجاهداً وإطاراً في الحكومة المؤقّتة للجمهورية الجزائرية، قبل أن يتفرّغ بعد الاستقلال للكتابة والبحث، فأثرى المكتبة العالمية بعدّة مؤلّفات قيّمة حول تاريخ الحركة الوطنية وثورة   التحرير المظفّرة”..                                                                                                                         

 إن صحّة كلّ ما ورد، لا تعوِّض المسكوت عنه في هذه النبذة التي تناست أن “المجاهد والمؤرّخ المثقّف” محمّد حربي، كان شاهداً على الثورة الجزائرية بقدر ما كان شاهداً لها…                                                                          

21.02.2026
زمن القراءة: 13 minutes
|
آخر القصص
جمال سليمان وأيمن زيدان: “بوح” الخصوم!
زياد عدوان- مسرحي وأكاديمي سوري | 11.07.2026
إنان م. بلاي: أهرب من العراق كلّه إلى غرفتي
رنا زيد - كاتبة وشاعرة فلسطينية سورية | 11.07.2026

اشترك بنشرتنا البريدية