ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران: كيف نقرأها بعيون لبنانية؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تبدو جميع المعادلات المفروضة على لبنان اليوم شديدة التعقيد، فلا مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية تضمن وقف إطلاق نارٍ دائم… ولا المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل تضمن استرجاع الحقوق اللبنانية المسلوبة في ظلّ إصرار “حزب الله” على وضع البيض كله في السلة الإيرانية.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لم يمنع سريان مفعول وقف إطلاق النار “شبه الكلي” للمرة الأولى منذ 2 آذار/ مارس 2026، الجيش الإسرائيلي من مواصلة محاولات التقدم البري المحدود لجس النبض في عدد من المناطق في جنوب لبنان. وتتركز هذه المحاولات الميدانية على محاور كفرتبنيت – علي الطاهر ومجدل زون بشكل أساسي، مدعومةً بقصف مدفعي متواصل على مدار الساعة، مع توغل يتيم باتجاه بلدة برعشيت. وفي مقابل غياب الطيران الحربي عن الأجواء، تقتصر الهجمات الجوية المتفرّقة على الطائرات المسيّرة. وتتزامن هذه التحركات الميدانية، التي تبدو خجولة مقارنةً بالفترة السابقة من الحرب، مع تطورٍ مفاجئ تمثل بدخول مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران حيّز التنفيذ الرسمي فجر اليوم الخميس، بعد توقيع الرئيسين دونالد ترامب ومسعود بزشكيان عليها، الأول في قصر فرساي، والثاني إلكترونياً.

المذكّرة المؤلفة من 14 بنداً، والتي باتت تُعرف رسمياً بـ “مذكرة إسلام آباد”، تنص في بندها الأول على “الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك في لبنان، وتتعهد الأطراف بعدم الشروع مستقبلاً في أي حرب أو عملية عسكرية ضد بعضها البعض، والامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها، وضمان وحدة أراضي لبنان وسيادته”، مع فترة 60 يوماً للتفاوض على اتفاق نهائي قابلة للتمديد بالتراضي. وهذا يعني، نظرياً، أن الاتفاق يجب أن “يُفهَم” على أنه يفرض على إسرائيل الانسحاب الكامل من جنوب لبنان، على الرغم من أنه لا ينصّ على ذلك بوضوح.

بالإضافة إلى ذلك، وعلى الرغم من وضوح البند الأول في شمول لبنان بوقف إطلاق النار والتعهد “بضمان وحدة أراضي لبنان وسيادته”، فإن المذكرة تثير تساؤلات حول قدرة واشنطن (التي تعهَّدت وطهران في البند الثاني من المذكرة باحترام كل منهما سيادة الأخرى ووحدة أراضيها، والامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية للطرف الآخر)، على ضمان سيادة لبنان؛ إذ إن واشنطن ليست طرفاً مباشراً في النزاع في جنوب لبنان، ولا تملك آلية واضحة لإجبار إسرائيل (التي ليست موقّعة على المذكرة ولا تعتبر نفسها ملزمة بها) على الانسحاب. وما ينطبق على إسرائيل ينطبق أيضاً على “حزب الله” الذي ليس طرفاً موقعاً على المذكّرة، وعليه فإن النص لا يُلزِم إيران بمنع حليفها في لبنان من القيام بأي عمل هجومي في المستقبل.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو شدّد على “احتفاظ إسرائيل بحرية التحرك والعمل العسكري”. وكان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أعلن أيضاً أن إسرائيل “لن تلتزم بشروط الاتفاق” و”لن تنسحب من جنوب لبنان”، وأنها ستبقى “إلى أجل غير مسمى” في “المناطق الأمنية” التي تسيطر عليها في لبنان وسوريا وغزة. أما وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير فقال إن “اتفاق ترامب لا يلزمنا” وإن “إسرائيل ليست خاضعة للولايات المتحدة”. وهناك عموماً شبه إجماع داخل إسرائيل على عدم الالتزام بالبند المتعلق بلبنان في مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية.

في المقابل، يصرّ الإيرانيون على أن استمرار الهجمات الإسرائيلية في لبنان سيُعتبر “خرقاً للالتزام”. أما العلاقات الإعلامية في “حزب الله”، فأشارت في تصريح لوكالة “رويترز” إلى أن ملف انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان مؤجل الى المرحلة التالية من المحادثات بين واشنطن وطهران. ويُفهَم من هذا أن مذكرة التفاهم الحالية لا تضع انسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان شرطاً واضحاً ومسبقاً، بخلاف ما أشارت إليه المذكرة نفسها في البند الرابع: “كما تتعهد الولايات المتحدة الأميركية سحب قواتها من محيط الجمهورية الإسلامية الإيرانية خلال 30 يوماً بعد الاتفاق النهائي”. فلا وجود لمثل هذه الإشارة المباشرة والواضحة حول الانسحاب في البند الأول الذي يتحدث عن “ضمان وحدة أراضي لبنان وسيادته”. هذا التناقض بين ما ورد في البندين الأول والرابع يكشف ثغرة لا بدّ من تسليط الضوء عليها.

وبما أن التعهد للوصول إلى اتفاق نهائي سيتطلب 60 يوماً “قابلة للتمديد”، فإن بقاء قوات الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان سيمتدّ إلى 60 يوماً “قابلة للتمديد” أيضاً، إلا إذا حقَّقت المفاوضات المباشرة بين الدولة اللبنانية وإسرائيل خرقاً ما، وهو أمرٌ مستبعد في ظل تمسّك “حزب الله” بمسار المفاوضات الأميركية-الإيرانية باعتباره المسار الحصري والوحيد للتفاوض، ما يربط مصير لبنان مباشرة بالقرار الإيراني. ولهذا الربط المباشر تداعيات خطيرة، ليس أولّها الوقوع في عزلة عربية، ولن يكون آخرها خطر العقوبات الدولية، وما بينهما تعميق للشرخ الداخلي إلى درجة تهديد السلم الأهلي، إضافةً إلى الإمعان في إضعاف موقف الدولة اللبنانية، الضعيف أصلاً، إذ كان من الأكثر حكمةً أن يبني “حزب الله” معها جسور التواصل ويعزّز من قدرتها التفاوضية في واشنطن لكي لا تقع في فخ التنازلات المجانية من جهة، ولا تُشرِّع لإسرائيل التمادي في عدوانها من جهة أخرى.

إذاً، يبدو انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، حتى الآن، “نتيجة” للمفاوضات المستمرة في المرحلة المقبلة بين أميركا وإيران، لا “شرطاً مسبقاً” لتنفيذ مذكرة التفاهم التي وُقِّعَت منذ ساعات. وبينما تتعهد أميركا بعدم مهاجمة إيران وضمان سلامة لبنان، فإن المذكرة لا تُلزم أميركا بوضوح بمنع إسرائيل من مهاجمة لبنان، كما أنها لا تُلزِم إيران بوضوح بمنع “حزب الله” من مهاجمة إسرائيل، بالإضافة إلى أنها لا تذكر أي إجراءات عقابية بحق من يخرق الاتفاق. أي أن خرق الاتفاق، سواء من إسرائيل أو “حزب الله”، سيقود إلى سيناريوهين: حربٌ شاملة أو تجاهلٌ كامل.

والأرجح أن التجاهل سيكون سيّد الموقف بعد دخول العلاقات الأميركية-الإيرانية مرحلةً جديدة يُرفَع فيها الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية، ويبدأ فيها الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمّدة، وتدخل فيها الخطة الاستثمارية بقيمة 300 مليار دولار لإعادة تأهيل الاقتصاد الإيراني حيّز التطبيق، ويُفتَح فيها مضيق هرمز للملاحة. ومع الانفراجة في المضيق لن يكون الصمت عن العدوان الإسرائيلي على لبنان مصلحةً أميركية-إيرانية مشتركة فحسب، بل سيكون مصلحة أوروبية وشرق آسيوية أيضاً.

وهكذا، كيفما قلّبنا الأمر، ستتخذ القضية اللبنانية حجمها الحقيقي مجدداً، وسيُنظَر إلى الحرب في لبنان بمثابة ضرر جانبي لا بدّ من وقوعه… إلا إذا غلَّبت إيران تعهّداتها لـ “حزب الله” على حساب مصالحها الكبرى، ولا يُستبعَد هذا الأمر تماماً من نظامٍ عقائدي، على الرغم من أن التاريخ يعلّمنا العكس تماماً. فإيران، على الرغم من إظهارها بسالةً في المواجهة غير المتكافئة ضد أكبر قوة عسكرية في العالم، تعمل في النهاية على تغليب البراغماتية على الأيديولوجيا، وخير دليلٍ على ذلك صفقة “إيران-كونترا”، ومقولة الإمام الخميني “تجرّع كأس السمّ”، وقبول المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي بالتفاوض مع الأميركيين على الرغم من مقتل والده علي خامنئي بغارة إسرائيلية بدعمٍ استخباراتي ولوجيستي أميركي. 

وبعد توقيع مذكرة التفاهم تحديداً، يضعف احتمال أن تتخلى إيران عن مكتسباتها الجديدة، وربما يكون أكبرها علاقتها مع ترامب الذي ألغى معظم مطالب نتانياهو باستثناء منع إيران من حيازة أسلحة نووية، بدءاً من إسقاط النظام الإيراني، وصولاً إلى تفكيك برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية.

هذا الالتباس المتواصل في المشهد بالنسبة الى اللبنانيين يُفترض أن يبدأ بدفع “الهمروجة التخوينية”، والتي بلغت ذروتها أخيراً، نحو التراجع تدريجياً، خصوصاً مع انكشاف عمق الكارثة الإنسانية الناتجة من الحرب، وحقيقة غياب العلاجات التي تتعاظم الحاجة إليها. ويبدو أن الثمرة الوحيدة للخطاب الشعبوي، أياً كان مصدره، هي تعميق أزمة الثقة بين جمهور “حزب الله” والدولة اللبنانية، وتوظيف الكارثة لضرب ما تبقى من معالم الشرعية المؤسسية للدولة.

وإذا كان توجُّه الدولة نحو خيار التفاوض المباشر مع إسرائيل قد اتخذ طابعاً “خيانياً” في نظر الحزب وجمهوره، فإنه في المقابل كان يمثّل، من منظور قسم كبير من اللبنانيين، شبكة أمان ومخرجاً محتملاً للبنان في حال تعثّر المفاوضات الأميركية-الإيرانية، وطبقة حماية إضافية في حال نجاحها. لأن مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، كما يظهر نصها، لا تضمن كل الحقوق اللبنانية، خصوصاً في ما يتعلق بالانسحاب الكامل واستعادة الأسرى وإعادة الإعمار، بل تترك هذه الملفات الى مرحلة لاحقة، وربما تُهملها تماماً في تلك المرحلة.

هذا التباين في قراءة الوضع اللبناني سيشتدّ بعد توقيع مذكرة التفاهم، وتحديداً إذا قرَّرت إسرائيل الالتزام بوقف إطلاق النار بشكل شامل وحقيقي حتى لو لم تنسحب من الأراضي اللبنانية خلال الفترة المقبلة. إذ بلغ التفاوض المباشر تحت النار من قِبَل الدولة اللبنانية، في الفترة التي شهدت توسيعاً كبيراً للعدوان الإسرائيلي، مرحلة العبثية، وبدأ ينطوي على مخاطر تقديم تنازلات مجانية بدلاً من تحصيل المكتسبات وتحصينها. أما اليوم، فيجب إعادة النظر فيه من منطلق وطني يرى في الاستمرار بالمسار التفاوضي ضرورة مرحلية ملحّة، بشرط ألا يبقى هذا التفاوض قراراً منفرداً، بل ينطلق من حوار وطني شامل لصياغة رؤية موحدة وتحديد أسس واضحة تحمي الحقوق اللبنانية. فإنهاء هذا المسار كلياً في هذه اللحظة ينطوي على أخطار كبيرة، أولها ترك جنوب لبنان مكشوفاً أمام استفراد الاحتلال الإسرائيلي، ومنح إسرائيل الذريعة السياسية لتصعيد عدوانها، فضلاً عن خسارة قوة الدفع الدولية والعربية الراهنة للدولة في لبنان، وفقدان أي فرصة مستقبلية لتحصيل مكتسبات لم يلحظها نص مذكرة التفاهم بين أميركا وإيران، وربما لن تلحظها المراحل اللاحقة من المفاوضات بين الجانبين.

إقليمياً، من الصعب على السفينة اللبنانية الصغيرة أن تعاكس الرياح من دون التعرّض لخسائر أكبر، فيما تتقاطع المؤشرات حول اتجاه سوريا والعراق نحو إضعاف الجماعات المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة. وإذا كان لبنان قد شهد محاولة خجولة لإسقاط الحكومة في صيف 2025، فإن المناخ الحالي يشي بأن الظروف ربما أصبحت مواتية لمحاولة أكثر جدية قبل خفوت وهج الحملات التخوينية، لكنها تظلّ بلا أفق فعلي وثقلٍ سياسي قادرٍ على ملء الفراغ بغير تناحرٍ أهلي. وفيما ينجح ترامب في الضغط جزئياً على نتانياهو، واصفاً إياه بأنه “رجل صعب جداً”، من دون التخلي عن تحالفه الاستراتيجي معه، فإنه يسعى الى الحفاظ على “المكتسبات” الأميركية عبر تحييده وإبعاده موقتاً عن الملف الإيراني، تمهيداً لرسم ملامح مرحلة مقبلة يريدها ترامب أن تقوم على احتواء إيران عبر دمجها اقتصادياً وإغراقها بالاستثمارات. وربما يكون المقابل استمرار استنزاف لبنان، والسماح لإسرائيل في مرحلة لاحقة بإغراقه بالقنابل مجدداً.

وفي سياق استنزاف لبنان، تبرز مناورة ترامب عبر محاولاته تحريك الجبهة الشرقية، فتتكرّر دعواته المباشرة للرئيس السوري أحمد الشرع لإدخال قوات سورية إلى لبنان لمواجهة “حزب الله”. وعلى الرغم من رفض الشرع المعلن التدخل في لبنان، وهو أمرٌ مريح في المدى المنظور، إلا أن إصرار ترامب يعكس بوضوح أن الاحتلال الإسرائيلي لبعض مناطق جنوب سوريا يمكن أن يتحوَّل إلى ورقة ضغطٍ جديدة لابتزاز دمشق، وإجبارها على الانخراط في الوحل اللبناني مقابل انسحاب إسرائيل من المناطق المحتلّة حديثاً، والعودة إلى اتفاق فك الاشتباك الذي أعلنت إسرائيل انهياره مباشرة بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024.

تتقاطع هذه الضغوط مع سلة أهداف أوسع لترامب، تشمل السعي الى إعادة جذب تركيا مجدداً إلى مربع التنسيق المباشر مع إسرائيل بعد تدهور العلاقة بينهما، وابتزاز دول الخليج مجدداً لدفع ثمن التسوية الأميركية-الإيرانية بعدما دفعت ثمن الوجود الأميركي على أراضيها والعدوانية الإيرانية تجاهها في آنٍ، وصولاً إلى محاولة محاصرة “حزب الله” بصفقة مباشرة معه يُفرَض عليه الانصياع لشروطها. وهذه المناورة الترامبية الجديدة ربما تدفع بالاستقرار الإقليمي نحو حافة الانهيار، ففي صلبها رهانٌ على إشعال حربٍ طائفية سنية-شيعية شاملة في الشرق الأوسط قد تمتدُّ لعقود طويلة.

وإذا ما مضى ترامب قُدماً في فرض التدخل العسكري السوري في لبنان، ففي يده ورقة العقوبات لتُضاف إلى ورقة الجنوب السوري، وبذلك تكتمل حلقة الترغيب والترهيب، لتُفرَض على الشرع إعادة التفكير في “العرض” الأميركي. وحتى لو رفض الشرع هذا الابتزاز استجابةً لضغوط الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ودول الخليج، أو قاوم سيف العقوبات الأميركية التي رُفعِ معظمها أخيراً، أو تعالى على المغريات بدءاً من جلاء الاحتلال الإسرائيلي لجنوب سوريا، فلدى ترامب المزيد من الأوراق لمحاصرته ومحاولة إجباره على القبول.

على هذا الأساس، فإن الرفض السوري المبدئي للتدخل في لبنان اليوم لا يمكن الركون إليه، والحل الفعلي لمنع هذا التدخل مستقبلاً هو تمتين العلاقة الرسمية بين الدولتين السورية واللبنانية، ووضع معالم حلٍّ لمسألة سلاح “حزب الله” (حتى لو تبلور على مراحل) باقتناعٍ من الحزب نفسه، وبغطاءٍ إقليمي-عربي يمنع إقحام لبنان وسوريا معاً في وحل صراعٍ يتخذ طابعاً طائفياً دموياً، ويسفر عن سقوط آلاف القتلى من الجهتين، ونكءِ جراحٍ لم تندمل أصلاً، وربما يتّسع مداه ليشمل المشرق العربي برمّته.

تبدو جميع المعادلات المفروضة على لبنان اليوم شديدة التعقيد، فلا مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية تضمن وقف إطلاق نارٍ دائم في ظلّ تعنّت نتانياهو المستمر، وعمله الدؤوب لتقويض أي اتفاق نهائي، وتمسّكه بالبقاء في المناطق المحتلّة في جنوب لبنان، ولا المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل تضمن استرجاع الحقوق اللبنانية المسلوبة في ظلّ إصرار “حزب الله” على وضع البيض كله في السلة الإيرانية، إلى جانب الضعف البنيوي الذي تعاني منه الدولة اللبنانية، بينما تُفاقم الضغوط الأميركية على دمشق (وأنقرة ضمناً) من تعقيد المشهد وتهدِّد بزجِّ المنطقة في أتون حرب طائفية إقليمية لا تحمد عقباها.

ربما تكون إيران قد انتصرت جزئياً ببقاء نظامها وفكّ الحصار عن موانئها ورفع العقوبات عنها، وربما تكون الولايات المتحدة قد انتصرت جزئياً أيضاً بإضعاف النظام الإيراني واستهداف برنامجه النووي وتأمين مضيق هرمز. 

أما إسرائيل التي وضعت نفسها خارج أي التزامات، فقد أمعنت بتدمير قدرات “حزب الله” واحتلال جزء كبير من جنوب لبنان، إضافة إلى التسبّب (بمشاركة أميركية) بدمارٍ كبير في البنى التحتية ومجازر واسعة في إيران ولبنان. والضحية الأكبر في هذه المعادلة هي سكان جنوب لبنان، الذين دفعوا ثمن الحرب بأرواحهم وبيوتهم ومستقبلهم من دون أي ضماناتٍ حقيقية وملموسة باستثناء تمسّكٍ إيراني بوقف إطلاق النار. 

أما مذكرة التفاهم، فليست اتفاقاً نهائياً، ولا تعبّر عن ولادة توازنات إقليمية جديدة بشكل نهائي بعد، بخاصة إذا ما تمسَّكت إيران بحليفها في لبنان وسط التصعيد الإسرائيلي المتجدِّد. بَيْدَ أن تخلّي إيران عن حليفها يعني ولادة نظامٍ إقليمي جديد من رحم الدمار والاحتلال في جنوب لبنان، وهو احتمالٌ واردٌ لا يقل خطورة. وفي الحالتين، فإن لبنان معرَّض للتحول إلى كيانٍ تابع بالكامل، فاقدٍ الحدود الدنيا من الاستقلالية في القرار، سواء كان تابعاً لطهران أو واشنطن، وذلك لا يعني فقط تحوّله إلى ساحة صراعات إقليمية لا نهاية لها، بل يعني أيضاً تهديد هويته التاريخية وتنوّعه الثقافي والأيديولوجي بالطمس التدريجي.

بلدية القامشلي لوحة
شفان ابراهيم - صحافي سوري كردي | 10.07.2026

هدم مبنى بلدية القامشلي: الجرافات أسرع من “بيانات الإدانة”!

لم تتوقف "حرب البيانات" عند الأطراف الرسميّة، بل امتدت إلى ساحة المجتمع المدني، إذ أصدرت 21 منظمة مدنية محلية بياناً شجبت فيه عملية الهدم وطالبت بوقف أي إجراءات تؤدي إلى إزالة أو تغيير الطابع التاريخي لمبنى بلدية القامشلي القديم، معتبرةً أنه أحد أبرز المعالم المرتبطة بتاريخ المدينة وهويتها العمرانية. وأكدت أن الحفاظ على اللوحة التاريخية…
18.06.2026
زمن القراءة: 10 minutes

تبدو جميع المعادلات المفروضة على لبنان اليوم شديدة التعقيد، فلا مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية تضمن وقف إطلاق نارٍ دائم… ولا المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل تضمن استرجاع الحقوق اللبنانية المسلوبة في ظلّ إصرار “حزب الله” على وضع البيض كله في السلة الإيرانية.

لم يمنع سريان مفعول وقف إطلاق النار “شبه الكلي” للمرة الأولى منذ 2 آذار/ مارس 2026، الجيش الإسرائيلي من مواصلة محاولات التقدم البري المحدود لجس النبض في عدد من المناطق في جنوب لبنان. وتتركز هذه المحاولات الميدانية على محاور كفرتبنيت – علي الطاهر ومجدل زون بشكل أساسي، مدعومةً بقصف مدفعي متواصل على مدار الساعة، مع توغل يتيم باتجاه بلدة برعشيت. وفي مقابل غياب الطيران الحربي عن الأجواء، تقتصر الهجمات الجوية المتفرّقة على الطائرات المسيّرة. وتتزامن هذه التحركات الميدانية، التي تبدو خجولة مقارنةً بالفترة السابقة من الحرب، مع تطورٍ مفاجئ تمثل بدخول مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران حيّز التنفيذ الرسمي فجر اليوم الخميس، بعد توقيع الرئيسين دونالد ترامب ومسعود بزشكيان عليها، الأول في قصر فرساي، والثاني إلكترونياً.

المذكّرة المؤلفة من 14 بنداً، والتي باتت تُعرف رسمياً بـ “مذكرة إسلام آباد”، تنص في بندها الأول على “الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك في لبنان، وتتعهد الأطراف بعدم الشروع مستقبلاً في أي حرب أو عملية عسكرية ضد بعضها البعض، والامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها، وضمان وحدة أراضي لبنان وسيادته”، مع فترة 60 يوماً للتفاوض على اتفاق نهائي قابلة للتمديد بالتراضي. وهذا يعني، نظرياً، أن الاتفاق يجب أن “يُفهَم” على أنه يفرض على إسرائيل الانسحاب الكامل من جنوب لبنان، على الرغم من أنه لا ينصّ على ذلك بوضوح.

بالإضافة إلى ذلك، وعلى الرغم من وضوح البند الأول في شمول لبنان بوقف إطلاق النار والتعهد “بضمان وحدة أراضي لبنان وسيادته”، فإن المذكرة تثير تساؤلات حول قدرة واشنطن (التي تعهَّدت وطهران في البند الثاني من المذكرة باحترام كل منهما سيادة الأخرى ووحدة أراضيها، والامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية للطرف الآخر)، على ضمان سيادة لبنان؛ إذ إن واشنطن ليست طرفاً مباشراً في النزاع في جنوب لبنان، ولا تملك آلية واضحة لإجبار إسرائيل (التي ليست موقّعة على المذكرة ولا تعتبر نفسها ملزمة بها) على الانسحاب. وما ينطبق على إسرائيل ينطبق أيضاً على “حزب الله” الذي ليس طرفاً موقعاً على المذكّرة، وعليه فإن النص لا يُلزِم إيران بمنع حليفها في لبنان من القيام بأي عمل هجومي في المستقبل.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو شدّد على “احتفاظ إسرائيل بحرية التحرك والعمل العسكري”. وكان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أعلن أيضاً أن إسرائيل “لن تلتزم بشروط الاتفاق” و”لن تنسحب من جنوب لبنان”، وأنها ستبقى “إلى أجل غير مسمى” في “المناطق الأمنية” التي تسيطر عليها في لبنان وسوريا وغزة. أما وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير فقال إن “اتفاق ترامب لا يلزمنا” وإن “إسرائيل ليست خاضعة للولايات المتحدة”. وهناك عموماً شبه إجماع داخل إسرائيل على عدم الالتزام بالبند المتعلق بلبنان في مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية.

في المقابل، يصرّ الإيرانيون على أن استمرار الهجمات الإسرائيلية في لبنان سيُعتبر “خرقاً للالتزام”. أما العلاقات الإعلامية في “حزب الله”، فأشارت في تصريح لوكالة “رويترز” إلى أن ملف انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان مؤجل الى المرحلة التالية من المحادثات بين واشنطن وطهران. ويُفهَم من هذا أن مذكرة التفاهم الحالية لا تضع انسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان شرطاً واضحاً ومسبقاً، بخلاف ما أشارت إليه المذكرة نفسها في البند الرابع: “كما تتعهد الولايات المتحدة الأميركية سحب قواتها من محيط الجمهورية الإسلامية الإيرانية خلال 30 يوماً بعد الاتفاق النهائي”. فلا وجود لمثل هذه الإشارة المباشرة والواضحة حول الانسحاب في البند الأول الذي يتحدث عن “ضمان وحدة أراضي لبنان وسيادته”. هذا التناقض بين ما ورد في البندين الأول والرابع يكشف ثغرة لا بدّ من تسليط الضوء عليها.

وبما أن التعهد للوصول إلى اتفاق نهائي سيتطلب 60 يوماً “قابلة للتمديد”، فإن بقاء قوات الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان سيمتدّ إلى 60 يوماً “قابلة للتمديد” أيضاً، إلا إذا حقَّقت المفاوضات المباشرة بين الدولة اللبنانية وإسرائيل خرقاً ما، وهو أمرٌ مستبعد في ظل تمسّك “حزب الله” بمسار المفاوضات الأميركية-الإيرانية باعتباره المسار الحصري والوحيد للتفاوض، ما يربط مصير لبنان مباشرة بالقرار الإيراني. ولهذا الربط المباشر تداعيات خطيرة، ليس أولّها الوقوع في عزلة عربية، ولن يكون آخرها خطر العقوبات الدولية، وما بينهما تعميق للشرخ الداخلي إلى درجة تهديد السلم الأهلي، إضافةً إلى الإمعان في إضعاف موقف الدولة اللبنانية، الضعيف أصلاً، إذ كان من الأكثر حكمةً أن يبني “حزب الله” معها جسور التواصل ويعزّز من قدرتها التفاوضية في واشنطن لكي لا تقع في فخ التنازلات المجانية من جهة، ولا تُشرِّع لإسرائيل التمادي في عدوانها من جهة أخرى.

إذاً، يبدو انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، حتى الآن، “نتيجة” للمفاوضات المستمرة في المرحلة المقبلة بين أميركا وإيران، لا “شرطاً مسبقاً” لتنفيذ مذكرة التفاهم التي وُقِّعَت منذ ساعات. وبينما تتعهد أميركا بعدم مهاجمة إيران وضمان سلامة لبنان، فإن المذكرة لا تُلزم أميركا بوضوح بمنع إسرائيل من مهاجمة لبنان، كما أنها لا تُلزِم إيران بوضوح بمنع “حزب الله” من مهاجمة إسرائيل، بالإضافة إلى أنها لا تذكر أي إجراءات عقابية بحق من يخرق الاتفاق. أي أن خرق الاتفاق، سواء من إسرائيل أو “حزب الله”، سيقود إلى سيناريوهين: حربٌ شاملة أو تجاهلٌ كامل.

والأرجح أن التجاهل سيكون سيّد الموقف بعد دخول العلاقات الأميركية-الإيرانية مرحلةً جديدة يُرفَع فيها الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية، ويبدأ فيها الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمّدة، وتدخل فيها الخطة الاستثمارية بقيمة 300 مليار دولار لإعادة تأهيل الاقتصاد الإيراني حيّز التطبيق، ويُفتَح فيها مضيق هرمز للملاحة. ومع الانفراجة في المضيق لن يكون الصمت عن العدوان الإسرائيلي على لبنان مصلحةً أميركية-إيرانية مشتركة فحسب، بل سيكون مصلحة أوروبية وشرق آسيوية أيضاً.

وهكذا، كيفما قلّبنا الأمر، ستتخذ القضية اللبنانية حجمها الحقيقي مجدداً، وسيُنظَر إلى الحرب في لبنان بمثابة ضرر جانبي لا بدّ من وقوعه… إلا إذا غلَّبت إيران تعهّداتها لـ “حزب الله” على حساب مصالحها الكبرى، ولا يُستبعَد هذا الأمر تماماً من نظامٍ عقائدي، على الرغم من أن التاريخ يعلّمنا العكس تماماً. فإيران، على الرغم من إظهارها بسالةً في المواجهة غير المتكافئة ضد أكبر قوة عسكرية في العالم، تعمل في النهاية على تغليب البراغماتية على الأيديولوجيا، وخير دليلٍ على ذلك صفقة “إيران-كونترا”، ومقولة الإمام الخميني “تجرّع كأس السمّ”، وقبول المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي بالتفاوض مع الأميركيين على الرغم من مقتل والده علي خامنئي بغارة إسرائيلية بدعمٍ استخباراتي ولوجيستي أميركي. 

وبعد توقيع مذكرة التفاهم تحديداً، يضعف احتمال أن تتخلى إيران عن مكتسباتها الجديدة، وربما يكون أكبرها علاقتها مع ترامب الذي ألغى معظم مطالب نتانياهو باستثناء منع إيران من حيازة أسلحة نووية، بدءاً من إسقاط النظام الإيراني، وصولاً إلى تفكيك برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية.

هذا الالتباس المتواصل في المشهد بالنسبة الى اللبنانيين يُفترض أن يبدأ بدفع “الهمروجة التخوينية”، والتي بلغت ذروتها أخيراً، نحو التراجع تدريجياً، خصوصاً مع انكشاف عمق الكارثة الإنسانية الناتجة من الحرب، وحقيقة غياب العلاجات التي تتعاظم الحاجة إليها. ويبدو أن الثمرة الوحيدة للخطاب الشعبوي، أياً كان مصدره، هي تعميق أزمة الثقة بين جمهور “حزب الله” والدولة اللبنانية، وتوظيف الكارثة لضرب ما تبقى من معالم الشرعية المؤسسية للدولة.

وإذا كان توجُّه الدولة نحو خيار التفاوض المباشر مع إسرائيل قد اتخذ طابعاً “خيانياً” في نظر الحزب وجمهوره، فإنه في المقابل كان يمثّل، من منظور قسم كبير من اللبنانيين، شبكة أمان ومخرجاً محتملاً للبنان في حال تعثّر المفاوضات الأميركية-الإيرانية، وطبقة حماية إضافية في حال نجاحها. لأن مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، كما يظهر نصها، لا تضمن كل الحقوق اللبنانية، خصوصاً في ما يتعلق بالانسحاب الكامل واستعادة الأسرى وإعادة الإعمار، بل تترك هذه الملفات الى مرحلة لاحقة، وربما تُهملها تماماً في تلك المرحلة.

هذا التباين في قراءة الوضع اللبناني سيشتدّ بعد توقيع مذكرة التفاهم، وتحديداً إذا قرَّرت إسرائيل الالتزام بوقف إطلاق النار بشكل شامل وحقيقي حتى لو لم تنسحب من الأراضي اللبنانية خلال الفترة المقبلة. إذ بلغ التفاوض المباشر تحت النار من قِبَل الدولة اللبنانية، في الفترة التي شهدت توسيعاً كبيراً للعدوان الإسرائيلي، مرحلة العبثية، وبدأ ينطوي على مخاطر تقديم تنازلات مجانية بدلاً من تحصيل المكتسبات وتحصينها. أما اليوم، فيجب إعادة النظر فيه من منطلق وطني يرى في الاستمرار بالمسار التفاوضي ضرورة مرحلية ملحّة، بشرط ألا يبقى هذا التفاوض قراراً منفرداً، بل ينطلق من حوار وطني شامل لصياغة رؤية موحدة وتحديد أسس واضحة تحمي الحقوق اللبنانية. فإنهاء هذا المسار كلياً في هذه اللحظة ينطوي على أخطار كبيرة، أولها ترك جنوب لبنان مكشوفاً أمام استفراد الاحتلال الإسرائيلي، ومنح إسرائيل الذريعة السياسية لتصعيد عدوانها، فضلاً عن خسارة قوة الدفع الدولية والعربية الراهنة للدولة في لبنان، وفقدان أي فرصة مستقبلية لتحصيل مكتسبات لم يلحظها نص مذكرة التفاهم بين أميركا وإيران، وربما لن تلحظها المراحل اللاحقة من المفاوضات بين الجانبين.

إقليمياً، من الصعب على السفينة اللبنانية الصغيرة أن تعاكس الرياح من دون التعرّض لخسائر أكبر، فيما تتقاطع المؤشرات حول اتجاه سوريا والعراق نحو إضعاف الجماعات المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة. وإذا كان لبنان قد شهد محاولة خجولة لإسقاط الحكومة في صيف 2025، فإن المناخ الحالي يشي بأن الظروف ربما أصبحت مواتية لمحاولة أكثر جدية قبل خفوت وهج الحملات التخوينية، لكنها تظلّ بلا أفق فعلي وثقلٍ سياسي قادرٍ على ملء الفراغ بغير تناحرٍ أهلي. وفيما ينجح ترامب في الضغط جزئياً على نتانياهو، واصفاً إياه بأنه “رجل صعب جداً”، من دون التخلي عن تحالفه الاستراتيجي معه، فإنه يسعى الى الحفاظ على “المكتسبات” الأميركية عبر تحييده وإبعاده موقتاً عن الملف الإيراني، تمهيداً لرسم ملامح مرحلة مقبلة يريدها ترامب أن تقوم على احتواء إيران عبر دمجها اقتصادياً وإغراقها بالاستثمارات. وربما يكون المقابل استمرار استنزاف لبنان، والسماح لإسرائيل في مرحلة لاحقة بإغراقه بالقنابل مجدداً.

وفي سياق استنزاف لبنان، تبرز مناورة ترامب عبر محاولاته تحريك الجبهة الشرقية، فتتكرّر دعواته المباشرة للرئيس السوري أحمد الشرع لإدخال قوات سورية إلى لبنان لمواجهة “حزب الله”. وعلى الرغم من رفض الشرع المعلن التدخل في لبنان، وهو أمرٌ مريح في المدى المنظور، إلا أن إصرار ترامب يعكس بوضوح أن الاحتلال الإسرائيلي لبعض مناطق جنوب سوريا يمكن أن يتحوَّل إلى ورقة ضغطٍ جديدة لابتزاز دمشق، وإجبارها على الانخراط في الوحل اللبناني مقابل انسحاب إسرائيل من المناطق المحتلّة حديثاً، والعودة إلى اتفاق فك الاشتباك الذي أعلنت إسرائيل انهياره مباشرة بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024.

تتقاطع هذه الضغوط مع سلة أهداف أوسع لترامب، تشمل السعي الى إعادة جذب تركيا مجدداً إلى مربع التنسيق المباشر مع إسرائيل بعد تدهور العلاقة بينهما، وابتزاز دول الخليج مجدداً لدفع ثمن التسوية الأميركية-الإيرانية بعدما دفعت ثمن الوجود الأميركي على أراضيها والعدوانية الإيرانية تجاهها في آنٍ، وصولاً إلى محاولة محاصرة “حزب الله” بصفقة مباشرة معه يُفرَض عليه الانصياع لشروطها. وهذه المناورة الترامبية الجديدة ربما تدفع بالاستقرار الإقليمي نحو حافة الانهيار، ففي صلبها رهانٌ على إشعال حربٍ طائفية سنية-شيعية شاملة في الشرق الأوسط قد تمتدُّ لعقود طويلة.

وإذا ما مضى ترامب قُدماً في فرض التدخل العسكري السوري في لبنان، ففي يده ورقة العقوبات لتُضاف إلى ورقة الجنوب السوري، وبذلك تكتمل حلقة الترغيب والترهيب، لتُفرَض على الشرع إعادة التفكير في “العرض” الأميركي. وحتى لو رفض الشرع هذا الابتزاز استجابةً لضغوط الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ودول الخليج، أو قاوم سيف العقوبات الأميركية التي رُفعِ معظمها أخيراً، أو تعالى على المغريات بدءاً من جلاء الاحتلال الإسرائيلي لجنوب سوريا، فلدى ترامب المزيد من الأوراق لمحاصرته ومحاولة إجباره على القبول.

على هذا الأساس، فإن الرفض السوري المبدئي للتدخل في لبنان اليوم لا يمكن الركون إليه، والحل الفعلي لمنع هذا التدخل مستقبلاً هو تمتين العلاقة الرسمية بين الدولتين السورية واللبنانية، ووضع معالم حلٍّ لمسألة سلاح “حزب الله” (حتى لو تبلور على مراحل) باقتناعٍ من الحزب نفسه، وبغطاءٍ إقليمي-عربي يمنع إقحام لبنان وسوريا معاً في وحل صراعٍ يتخذ طابعاً طائفياً دموياً، ويسفر عن سقوط آلاف القتلى من الجهتين، ونكءِ جراحٍ لم تندمل أصلاً، وربما يتّسع مداه ليشمل المشرق العربي برمّته.

تبدو جميع المعادلات المفروضة على لبنان اليوم شديدة التعقيد، فلا مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية تضمن وقف إطلاق نارٍ دائم في ظلّ تعنّت نتانياهو المستمر، وعمله الدؤوب لتقويض أي اتفاق نهائي، وتمسّكه بالبقاء في المناطق المحتلّة في جنوب لبنان، ولا المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل تضمن استرجاع الحقوق اللبنانية المسلوبة في ظلّ إصرار “حزب الله” على وضع البيض كله في السلة الإيرانية، إلى جانب الضعف البنيوي الذي تعاني منه الدولة اللبنانية، بينما تُفاقم الضغوط الأميركية على دمشق (وأنقرة ضمناً) من تعقيد المشهد وتهدِّد بزجِّ المنطقة في أتون حرب طائفية إقليمية لا تحمد عقباها.

ربما تكون إيران قد انتصرت جزئياً ببقاء نظامها وفكّ الحصار عن موانئها ورفع العقوبات عنها، وربما تكون الولايات المتحدة قد انتصرت جزئياً أيضاً بإضعاف النظام الإيراني واستهداف برنامجه النووي وتأمين مضيق هرمز. 

أما إسرائيل التي وضعت نفسها خارج أي التزامات، فقد أمعنت بتدمير قدرات “حزب الله” واحتلال جزء كبير من جنوب لبنان، إضافة إلى التسبّب (بمشاركة أميركية) بدمارٍ كبير في البنى التحتية ومجازر واسعة في إيران ولبنان. والضحية الأكبر في هذه المعادلة هي سكان جنوب لبنان، الذين دفعوا ثمن الحرب بأرواحهم وبيوتهم ومستقبلهم من دون أي ضماناتٍ حقيقية وملموسة باستثناء تمسّكٍ إيراني بوقف إطلاق النار. 

أما مذكرة التفاهم، فليست اتفاقاً نهائياً، ولا تعبّر عن ولادة توازنات إقليمية جديدة بشكل نهائي بعد، بخاصة إذا ما تمسَّكت إيران بحليفها في لبنان وسط التصعيد الإسرائيلي المتجدِّد. بَيْدَ أن تخلّي إيران عن حليفها يعني ولادة نظامٍ إقليمي جديد من رحم الدمار والاحتلال في جنوب لبنان، وهو احتمالٌ واردٌ لا يقل خطورة. وفي الحالتين، فإن لبنان معرَّض للتحول إلى كيانٍ تابع بالكامل، فاقدٍ الحدود الدنيا من الاستقلالية في القرار، سواء كان تابعاً لطهران أو واشنطن، وذلك لا يعني فقط تحوّله إلى ساحة صراعات إقليمية لا نهاية لها، بل يعني أيضاً تهديد هويته التاريخية وتنوّعه الثقافي والأيديولوجي بالطمس التدريجي.

18.06.2026
زمن القراءة: 10 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية