صدرت المذكّرتان في تمّوز/ يوليو 2025، بناء على شكاوى قدّمتها عدّة منظّمات غير حكومية، وقد كشفت صحيفة Le Monde النقاب عن هذا الملفّ في 2 شباط/ فبراير 2026، ووفقاً للصحيفة الفرنسية، شاركت المتحدّثة الرسمية باسم منظّمة Tsav 9 راشيل تويتو، في قطع الطريق أمام شاحنات محمّلة بالمساعدات الإنسانية إلى قطاع غزّة وعرقلة وصولها، لا سيّما عند معبري كرم أبو سالم ونيتسانا، كما كشفت الصحيفة أن رئيسة منظّمة Israel is Forever نيلي كوفر- ناعوري، دعت إلى مساندة هذه التحرّكات.
مصادر صحافية أخرى أشارت إلى مشاركة ناعوري شخصياً في عمليّة قطع الطرق على الشاحنات، ولفتت إلى أن التحرّكات التي دفعت القضاء الفرنسي إلى إصدار مذكّرتي الجلب بحقّ تويتو وناعوري، توزّعت على فترتين زمنيتين: الأولى في الفترة الممتدّة من 1 كانون الثاني/ يناير 2024 إلى 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، والثانية في أيّار/ مايو 2025.
من الأسئلة التي طُرحت في سياق التفاعل مع الخبر، سبب عدم إماطة الأجهزة القضائية الفرنسية اللثام عن هاتين المذكّرتين في حينها، أي منذ تمّوز/ يوليو 2025، هذا السؤال نقله موقع “درج” إلى المحامية ماريون لافوج الممثّلة القانونية لـمنظّمة “اتّحاد اليهود الفرنسيين من أجل السلام”، وهي إحدى المنظّمات التي تقدّمت بالشكوى كطرف مدني.
لافوج أوضحت في حديثها إلى “درج” أن “مسار الإجراءات كان سرّياً، وهو المعتاد في هذا النوع من الملفّات، ولا يستدعي بالتالي أيّ استغراب أو تأويل”. وبحسب لافوج، خروج الموضوع إلى العلن “جاء نتيجة عمليّة تسريب من أحد الأطراف المطّلعة على الملفّ”، وبهذا التصريح تدحض لافوج ما ورد في الموقع الإلكتروني لإذاعة RFI، عن أن “تكتّم القضاء الفرنسي كان بغرض توقيف المشتبه بهما حال دخولهما الأراضي الفرنسية”.
تويتو وناعوري المقيمتان في إسرائيل منذ سنوات، وكّلتا محامين لمتابعة القضيّة، وأكّدتا امتناعهما عن السفر إلى فرنسا في الوقت الحالي، ورفضهما توجيه تهمة “التواطؤ بارتكاب إبادة جماعية” إليهما.
تويتو اعتبرت أن المذكّرتين “تجلبان العار لفرنسا”، وصنّفتهما في خانة “التضحية بالنشطاء المؤيّدين لإسرائيل”، بغرض تخفيف الاحتقان الداخلي الفرنسي، وادّعت أن الغاية من قطع الطريق على وصول المساعدات إلى قطاع غزّة، هي “منع مصادرتها من قِبل حركة “حماس”، التي ستعود وتبيعها في السوق السوداء، ما يوفّر لها تمويلاً لأنشطتها”، زاعمة أن ما قامت به منظّمة Tsav 9 كان “تحرّكاً سلمياً”.
من جهتها، فنّدت لافوج هذا الادّعاء، فقالت: “قطع الطريق على المساعدات كان عملاً منظّماً، بدليل حدوثه أيضاً في الضفّة الغربية، حيث شهدنا تحطيماً للشاحنات وإتلافاً لحمولتها، كلّ ذلك كان مصحوباً بشعارات وخطابات تحضّ على الكراهية”، وكدليل على مدى خطورة هذه الأفعال، ذكرت أن الشرطة الإسرائيلية “أقدمت في بعض الأحيان على توقيف المرتكبين”.
استنادا إلى ما أدلت به لافوج لموقع “درج”، يتّضح سبب تصنيف هذا الفعل في خانة “التواطؤ بارتكاب إبادة جماعية”، فالمادّة الثانية من اتّفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، عرّفت الإبادة الجماعية كفعل مرتكب بقصد “التدمير الكلّي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية”، ومن بين الأفعال التي تدخل ضمن هذا التصنيف، ما ورد في الفقرة “ج” من المادّة المذكورة: “إخضاع الجماعة، عمداً، لظروف معيشية يُراد بها تدميرها المادّي كلّياً، أو جزئياً”.
إقرأوا أيضاً:
صحيح أن التحرّكات التي شاركت فيها كلّ من راشيل تويتو ونيلي كوفر- ناعوري، ليست أعمالاً عسكرية بالمعنى المباشر، لكنّ قطع الطريق أمام وصول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزّة، يُعدّ “مشاركة في الإبادة الجماعية”، وفقاً لما نصّت عليه الفقرة “هـ” من المادّة الثالثة، مما يستوجب العقاب، تضاف إليها عقوبة التحريض المباشر والعلني على ارتكاب الإبادة الجماعية، التي ذكرتها الفقرة “ج” من المادّة ذاتها.
ما يميّز مذكّرتي الجلب هاتين، عن الشكاوى قيد النظر أمام القضاء الفرنسي بخصوص الحرب الأخيرة على قطاع غزّة، هو أن تويتو وناعوري لا تحملان أيّ صفة عسكرية، ليختلف وضعهما في هذا السياق عن الشكوى المقدّمة ضدّ جنديين إسرائيليين – فرنسيين، متّهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية وجريمة إبادة جماعية، أو الشكوى بحقّ جندي آخر مزدوج الجنسيّة، بتهمة التعذيب والمعاملة المهينة بحقّ معتقلين فلسطينيين، وهي ميزة تُحيلنا مجدّداً إلى ما ورد في صحيفة L’Humanité، لجهة اعتبار المذكّرتين “نقطة تحوّل قضائي”.
لافوج أوضحت أن الجهات المدّعية تأمل أن “يساهم هذا الملفّ في الحدّ من الإفلات من العقاب، ومحاكمة كلّ متورّط أياً تكن صفته”، ولفتت إلى أن المنظّمتين الإسرائيليتين المذكورتين “تضمّان العديد من مزدوجي الجنسيّة، ما يفتح الباب أمام إمكانية تحويل المسار الفرنسي إلى نقطة انطلاق لإجراء محاكمات مشابهة في دول أخرى”.
ناعوري رفضت الاعتراف بصلاحية القضاء الفرنسي في محاكمتها، كونها تُقيم في إسرائيل منذ أكثر من 30 عاماً، وفقاً لتصريحات أدلت بها، لتشير إلى تلقّيها دعماً ومساندة من وزراء ونوّاب إسرائيليين: “اتّهامي بالتواطؤ بارتكاب إبادة جماعية، ينطوي على اتّهام غير مباشر لدولة إسرائيل بارتكاب إبادة، ما يفرض على وزارة الخارجية الإسرائيلية متابعة الملفّ”.
امتناع المشتبه بهما عن الحضور إلى فرنسا، وإمكانية دخول الأجهزة الإسرائيلية على خطّ الملفّ، لا يثير قلق لافوج: “بوسعنا المضي في المسار القضائي رغم غيابهما، كما أن القضاة الفرنسيين يتمتّعون بالاستقلالية، ما يحول دون أيّ تسييس محتمل”.
إقرأوا أيضاً:












