ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

“مرض السرطان لا ينتظر وقف إطلاق النار”: “كيترودا” علاج الأغنياء في زمن الحرب 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تدخل الحرب الإسرائيلية على لبنان شهرها الثاني، حاملةً معها أعباء مضاعفة على مرضى السرطان. فالسرطان، كما كتب وزير الصحّة السابق الدكتور فراس أبيض على حسابه في لينكدإن: “لا ينتظر وقف إطلاق النار… بالنسبة إلى هؤلاء المرضى، لا تكون الحرب مجرّد أزمة أمنية؛ في لبنان، تتحوّل سريعاً إلى أزمة علاج وتشخيص وتمويل، إذ يقوّض النزوح استمرارية الرعاية، ويُقطع المرضى عن أطبّائهم ومستشفياتهم وصيدلياتهم، وتغدو الطرق غير آمنة…”.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في هذا الواقع، يخوض مرضى السرطان في لبنان معركة متعدّدة الجبهات: مع المرض نفسه، ومع الحرب وما تفرضه من نزوح وصعوبات في الوصول إلى المستشفيات والدواء، ومع كلفة العلاجات الحديثة، وعلى رأسها دواء “كيترودا” (Keytruda)، أحد أبرز أدوية العلاج المناعي في العالم اليوم. وفي بلد يُعدّ من الأعلى عالمياً في معدّلات الإصابة بالسرطان نسبةً إلى عدد السكّان، يتحوّل الوصول إلى هذا الدواء إلى اختبار قاسٍ لقدرة النظام الصحّي على إدارة موارده الشحيحة وتوزيعها بعدالة.

تُظهِر البيانات المُحدَّثة تسجيل 16,226 حالة سرطان جديدة في عام 2024، مع تضاعُف معدّل الإصابة خلال العقدين الماضيين، ما يضع لبنان بين الدول الأسرع ارتفاعاً في معدّلات الإصابة بالسرطان والوفيات الناجمة عنه عالمياً. وبحسب دراسة منشورة في مجلّة “ذا لانست” (The Lancet)، ارتفعت وتيرة الحالات الجديدة للسرطان في لبنان بنسبة لافتة بلغت 162% بين العامين 1990 و2023، فيما ارتفعت الوفيات المرتبطة بالسرطان بنسبة 80% في الفترة نفسها. وفي عام 2023، سُجِّل في لبنان 233,5 حالات سرطان جديدة بين كلّ 100 ألف شخص، بحسب دراسة “العبء العالمي والإقليمي والوطني للسرطان 1990–2023 مع توقّعات حتى العام 2050: تحليل منهجي لدراسة العبء العالمي للمرض 2023” المنشورة في “ذا لانست”. 

مع ذلك، يُذكَر أن وزير الصحّة اللبناني ركان ناصر الدين أصدر بياناً علّق فيه على هذه النتائج، معتبراً أن “البيانات الواردة في المقال تستند إلى افتراضات ونماذج معدّة مسبقاً وليست إلى أرقام واقعية متاحة”، وأنه “حتى الآن لا توجد في لبنان بيانات علمية دقيقة حول الوفيات الناجمة عن مرض السرطان”، محذّراً في الوقت نفسه من أن ما ورد في الدراسة يشكّل “ناقوس خطر لكلّ المعنيين بالسياسات الصحّية في لبنان”.

يأتي هذا التحقيق في سياق مشروع “أرباح مرض السرطان” (The Cancer Calculus)، بقيادة “الاتّحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين” (ICIJ)، وبالتعاون مع 47 منصّة صحافية من بينهم موقع “درج”. شارك في هذا المشروع أكثر من 120 صحافياً من 48 مؤسّسة إعلامية في 36 دولة، للتحقيق في السعر الباهظ والممارسات التجارية التي تقف خلف دواء لمرضى السرطان.

ما هو “كيترودا” ولماذا يُستخدم؟

“كيترودا” ليس علاجاً كيميائياً ولا إشعاعياً، بل هو نوع من العلاج المناعي يعمل مع جهاز المناعة لمساعدة الجسم على محاربة أنواع معيّنة من السرطان. يمنع الدواء الخلايا السرطانية من “الاختباء” عبر حجب مسار PD‑1، ما يسهّل على الجهاز المناعي التعرّف إلى هذه الخلايا ومهاجمتها، وفق الشرح المنشور على الموقع الرسمي للدواء

تتعدّد استخدامات “كيترودا” في علاج سرطانات مختلفة، من بينها سرطان الرئة، الميلانوما (سرطان الجلد)، وسرطانات أخرى متقدّمة. تنتج هذا الدواء شركة MSD، المعروفة بشركة Merck & Co في الولايات المتّحدة وكندا، وتُعدّ من أبرز الشركات العالمية في مجال أدوية الأورام والعلاج المناعي.

كلفة هذا التقدّم العلمي باهظة. فبحسب أرقام وزارة الصحّة والأطبّاء، يبلغ سعر الجرعة الواحدة نحو 2700 دولار أميركي، فيما يحتاج المريض غالباً إلى جرعتين كلّ ثلاث أسابيع (21 يوم تحديداً)، أي أكثر من خمسة آلاف دولار شهرياً، أي نحو 13 دورة علاجية في السنة، بحسب ما شرحت فاطمة مكّي مسؤولة نظام تتبّع الدواء في وزارة الصحّة اللبنانية، في مقابلة لموقع “درج”. هذا السعر يضع الدواء عملياً، خارج متناول الغالبية الساحقة من المرضى إن لم يكن مغطى من جهة ضامنة أو من وزارة الصحّة.

“تراجيديا” مريضة سرطان 

ريتا معوّض، كباقي مرضى السرطان في لبنان، لم تكن تخوض معركة واحدة فقط. منذ إصابتها برصاصة طائشة في رأسها وهي طفلة، عانت من شلل في يدها وصعوبة في المشي، ثم جاء السرطان ليضيف طبقة جديدة من الألم والمعاناة.

خرجت ريتا منتصرة من معركتها الأولى مع سرطان الثدي في عام 2005. خضعت لكلّ البروتوكولات العلاجية المتاحة حينها: علاج كيميائي، وعلاج إشعاعي، وعلاج هرموني، وظلّت لمدّة 17 عاماً “معافاة من السرطان”. لكن في عام 2022، اكتشفت إصابتها مجدّداً بسرطان ثدي جديد، هذه المرّة من نوع ثلاثي السلبية (Triple Negative)، وهو من الأنواع التي يصعب أن تستجيب للبروتوكولات العلاجية التقليدية المعتمدة.

كانت ريتا منتسبة إلى الضمان الاجتماعي، وبالتالي يفترض “أن تغطّي الجهة الضامنة علاجاتها، لكنّ الأزمة المالية والاقتصادية جعلت الضمان “عاجزاً عن تغطية المرضى بالتغطية الكاملة التي كانت موجودة قبل الأزمة”، فتحوّلت التغطية إلى مبالغ جزئية وصغيرة “لا تقوم بالواجب” أمام كلفة أدوية السرطان الباهظة، وفق ما قال شقيقها داني، في مقابلة لموقع “درج” والـ ICIJ. 

في عام 2024، خرجت ريتا من بروتوكولات وزارة الصحّة الخاصّة بـ”كيترودا”، فتوقّفت التغطية الرسمية. تُركت عائلتها أمام خيار واحد: تأمين الدواء على نفقتها الخاصّة. عادةً، تشتري الوزارة “كيترودا” من الشركة الوكيلة في لبنان بعد الموافقة على طلب المريض، وتدفع ثمنه وتوزّعه مجّاناً. 

في حالة ريتا، اضطرّت العائلة إلى شراء الدواء مباشرة من الوكيل نفسه “من جيبنا الخاص”، كما يقول داني. لم يكن “كيترودا” العلاج الوحيد، كانت تأخذه مع أدوية أخرى، فكانت فاتورة كلّ جلسة تصل أحياناً إلى 6000 دولار. كلّ ثلاثة أسابيع، جلسة جديدة، تدفع العائلة ما بين 5500 و6000 دولار. استطاعت ريتا أن تُكمل أربع جلسات، لكن من دون استجابة تُذكر، فلذلك انتقلت ريتا إلى بروتوكول علاجي آخر. 

كان واضحاً أن كلفة الاستمرار بـ”كيترودا” لا تُحتمل لعائلة متوسطة الدخل، خصوصاً في بلد “لا يعطيك مصرياتك من البنك” كما يصف شقيقها، حيث تحوّلت المدّخرات المحتجزة في المصارف إلى عائق إضافي أمام العلاج. هكذا وُلد خيار اللجوء إلى منصّة GoFundMe، فلجأوا إلى الأصدقاء والمقرّبين وإلى الرأي العامّ عبر نشر قصّة ريتا على المنصّة، طلباً لدعم يتيح لهم شراء الدواء مباشرة من الشركة الوكيلة.

حياة ريتا كانت “شيئاً من التراجيديا”، كما يصفها داني، بحيث تحوّل البيت إلى مساحة مشتركة للألم والصمود، قبل أن ترحل ريتا في 15 آب/ أغسطس 2025، عن عمر 59 عاماً.

رقمنة التتبّع: من الفوضى إلى “مشتري عام واحد”

مع انهيار الليرة منذ العام 2019، وجائحة كورونا، وانقطاع الأدوية المدعومة، وجد النظام الصحّي نفسه أمام فوضى حقيقية في سوق الدواء، خصوصاً أدوية السرطان. يقدّر وزير الصحّة السابق الدكتور فراس أبيض، في مقابلة لموقع “درج”، عدد مرضى السرطان في لبنان بما بين عشرة وخمسة عشر ألف مريض، مع التأكيد أن “ليس جميعهم يتلقّون الدواء نفسه، لأنهم يخضعون لعلاجات دوائية متعدّدة”.

يقول أبيض إن وزارة الصحّة واجهت مشكلتين أساسيتين: “الأولى ضمان أن يصل الدواء إلى المرضى الأكثر احتمالاً للاستفادة منه، والثانية التأكّد من أن الدواء لا يُصرف لمرضى وهميين أو يتسرّب إلى السوق السوداء”. 

ولمعالجة ذلك، أُطلق تطبيقان رقميان: “Meditrack” لتتبّع الدواء “منذ لحظة وصوله إلى لبنان واستلامه، إلى أن يصل إلى المريض، بما في ذلك التحقّق من هويّة المريض”، عبر رقم صحّي موحّد يربط كلّ عبوة بمريض محدّد، ومنصّة “أمان” التي “تمكّن الطبيب الذي يريد طلب الدواء من تعبئة بيانات المريض عليها، فتُدرَس الحالة للتأكّد من أنها تقع ضمن البروتوكولات المعتمدة، وبناءً على ذلك يُصرَف الدواء”.

بحسب أبيض، لم يكن يتجاوز عدد المرضى الذين يصلهم الدواء في البداية نحو 20 في المئة، لكن “استطعنا عبر هاتين المنصّتين أن نرفع النسبة، للمرضى المشمولين بمنصّة “أمان”، إلى ما فوق 90 في المئة”.

هذه الرقمنة ارتبطت أيضاً بإصلاح جذري في طريقة الشراء، حيث تولّت وزارة الصحّة إدارة ملفّ أدوية السرطان عن جميع الجهات الضامنة “فأُتيحت لنا فرصة القيام بما كنّا نحلم به، أي توحيد المشتري العامّ، بحيث تصبح الدولة هي المشتري العامّ الواحد بدل تعدّد المشترين”، هذا ما سمح بإطلاق مناقصة موحّدة، وفقاً لأبيض. 

الأهم كان تغيير طريقة تصميم المناقصة: “إذا أجرينا المناقصة على أساس المادّة الفاعلة (molecule)، فإن كيترودا لا يواجه أيّ منافسة لأنه لا يوجد له دواء جنيس، فيبقى المنتج الوحيد. أما إذا صُمّمت المناقصة على أساس الدلالة العلاجية (indication)، مثل الأدوية المستخدمة لعلاج سرطان الرئة، فإن كيترودا يجد نفسه في منافسة مباشرة مع أدوية أخرى تحقّق النتيجة العلاجية ذاتها، حتى لو كانت مختلفة كيميائياً”. 

عندما قرّرت الوزارة أن تشتري دواء واحداً فقط لكلّ مؤشّر علاجي، اضطرّت الشركات إلى التنافس على السعر. “بهذه الآلية تمكّنا من خفض كلفة أدوية السرطان في لبنان بنحو 45 إلى 50 في المئة”، يقول أبيض، مشيراً إلى أنه ترك عند خروجه من الوزارة “مخزون أدوية بقيمة 80 مليون دولار”، في حين كان الوزراء السابقون يورّثون خلفاءهم ديناً يقارب هذا المبلغ.

وهنا ترى مكّي أنّ هذا الأسلوب أتاح الحصول على عروض أفضل وأسعار أقلّ. “ومع أن كيترودا يبقى العلاج الوحيد من نوعه، ولا يتصرّف في التسعير كما الأدوية التي لها بدائل عدّة، فإن الشركة قدّمت هذا العام 2026، سعراً أفضل بكثير للوزارة مقارنة بالسنوات السابقة”.

ردّ شركة MSD

تواصل “درج” مع مدير الشؤون الخارجية في شركة MSD المصنّعة للدواء لمنطقة المشرق العربي، ووصلنا الردّ التالي: “في شركة MSD، هدفنا هو الإسهام في إطالة وتحسين حياة المصابين بالسرطان. نحن فخورون للغاية بمحفظة أدوية الأورام لدينا، وعلى رأسها “كيترودا” KEYTRUDA، التي ساعدت في إحداث تحوّل في طريقة علاج بعض أكثر أنواع السرطان فتكاً. اليوم، يُعدّ “كيترودا” حجر الأساس في علاج العديد من حالات السرطان المتقدّمة؛ فقد حصل في الولايات المتّحدة على موافقات لـ44 استخداماً مختلفاً، وأظهر فائدة ذات دلالة إحصائية في إطالة البقاء على قيد الحياة في 28 تجربة سريرية. وعلى مستوى العالم، حاز “كيترودا” موافقات للاستخدام في 106 دول.

تملك MSD تاريخاً طويلاً في تسعير أدويتها ولقاحاتها بشكل “مسؤول” يعكس الفائدة التي تقدّمها للناس والمجتمع، وسعر “كيترودا” يعكس القيمة التي يوفّرها للمرضى وأنظمة الرعاية الصحّية.

تظلّ MSD ملتزمة بالعمل مع الجهات الدافعة (شركات التأمين والقطاعين العامّ والخاصّ) في البلدان ذات الدخل المرتفع، والانخراط بنشاط في برامج توسيع الوصول في البلدان المتوسّطة والمنخفضة الدخل. 

ومع ذلك، فإن تحسين الوصول إلى الدواء لا يعتمد على MSD وحدها؛ إذ يتعلّق الأمر أيضاً بمدى إمكانية إدخال العلاجات المناعية إلى نظام الرعاية الصحّية، واستعداد هذا النظام للاستثمار في رعاية السرطان، ومرونته في اتّفاقيات تسهيل الوصول، وغيرها من العوامل.

وباعتبارها شركة أدوية حيوية تعتمد على البحث العلمي المكثّف، فإن توسيع الوصول إلى الرعاية الصحّية يظلّ جزءاً جوهرياً من رسالتنا في إنقاذ الأرواح وتحسينها”.

“كيترودا”: رأسمالية النجاة

يشرح الدكتور حازم عاصي، مدير العيادات التخصّصية والخدمات السريرية في معهد “نايف باسيل للسرطان” وأستاذ في الطبّ السريري في المركز الطبّي للجامعة الأميركية في بيروت (AUBMC)، في مقابلة لموقع “درج”، تأثير “كيترودا”، قائلاً إن الدراسات التي استخدمت هذا الدواء في أنواع عدّة من السرطانات – من أورام الجلد إلى الرئة والكلى – أظهرت أنه “عندما نضيف العلاج المناعي، وخصوصا كيترودا، تتحسن كثيراً النتائج، ليس فقط من حيث نسب الشفاء، بل أيضاً من حيث السيطرة على المرض”، ويوضح: “أحياناً في المرحلة الرابعة من السرطان لا نستطيع شفاء المريض، لكن يمكننا إطالة حياته وتحويل مرضه من مرض قاتل إلى مرض مزمن. بهذه الطريقة يساعدنا العلاج المناعي، وقد أحدث فرقاً شاسعاً في أورام مثل سرطان الجلد وسرطان الرئة”.

لكن هذا “الفرق الشاسع” لا يستفيد منه جميع المرضى، فبحسب عاصي “مع المريض الذي نعرف أن ظروفه المادّية صعبة، كثيراً ما كنّا نتجنّب حتى ذكر العلاج المناعي. نعرف أن هناك علاجاً أفضل ممّا سنقدّمه له، لكنّنا نرى أمامنا صعوبات اقتصادية هائلة. أحياناً لا نخبره بوجود خيار أفضل حتى لا نحمّله عبئاً نفسياً إضافياً”.

هل وُضع حدّ للسوق السوداء؟ 

لا شكّ أنه في ذورة الأزمة الاقتصادية اللبنانية التي تزامنت أيضاً مع جائحة كورونا، لجأ عدد من المرضى وعائلاتهم إلى السوق السوداء لتوفير الدواء. 

هنا تقول فاطمة مكّي، من وزارة الصحّة اللبنانية في مقابلة لموقع “درج”: “في ذروة فترة الأزمة، واجهنا مشاكل كبيرة في تأمين الأدوية، وانتشرت السوق السوداء. لذلك كانت أولويتنا ضمان عدم انقطاع الدواء عن المرضى، وثانياً كان معرفة وجهة الدواء ومنع أيّ تلاعب في مسار توزيعه. لذلك، أُطلق نظام “MediTrack”. هذا النظام يتيح لنا متابعة مسار الدواء ومعرفة أين يذهب. أنشأنا نظاماً يعتمد على ما يُسمّى “الرقم الصحّي الموحّد” (UHID)، الذي يمكّننا من ربط كلّ عبوة دواء بمريض محدّد. كنّا نرسل إلى الشركة الرقم الصحّي الموحّد للمريض، وعلى أساسه تُسلَّم عبوة الدواء الخاصّة به، بحيث نستطيع تتبّع مسارها من الشركة وحتى وصولها إلى المريض. ومنذ تطبيق برنامج التتبّع الدوائي، لم يعد المريض يتسلّم الدواء مباشرة، باستثناء الأدوية الفموية، بل يُرسل الدواء إلى المستشفيات لضمان عدم تعرّضه لأي تلف أو سوء تخزين”.

هنا يوضح هاني نصّار مؤسّس جمعية “باربرا نصّار” لدعم مرضى السرطان ورئيسها، في مقابلة لـ “درج” والـ ICIJ، أن لبنان مرّ في عام 2021 بفترة امتدّت نحو خمسة أشهر “من دون أيّ أدوية مستوردة”، وخلال تلك الفترة فقدنا عدداً كبيراً من مرضى السرطان من بين الذين كنّا ندعمهم، ولذلك رفعنا الصوت عبر وسائل الإعلام ونظّمنا العديد من الاعتصامات والتحرّكات”، يقول نصّار، موضحاً أن المرضى القادرين مالياً لجأوا إلى شراء أدويتهم من السوق السوداء، بينما اضطرّ غير القادرين إلى إيقاف العلاج تماماً: “لقد توفّي المرضى لأنهم حُرموا من أدويتهم”، يضيف.

ويتابع: “الكثير من اللبنانيين سافروا إلى تركيا واشتروا أدوية، ثم أعادوها إلى لبنان ليبيعوها بهدف الربح. وبهذه الطريقة وصلتنا كميّات كبيرة من الأدوية المزوّرة، ولا سيّما كيترودا، لأن كيترودا كان الأعلى سعراً”. 

يشير نصّار إلى أن سعر “كيترودا” في لبنان اليوم يبلغ نحو 5400 دولار للجلسة (جرعتان 200 ملغ)، وأن الفارق الكبير في الأسعار بين تركيا (نحو 1000 دولار للجرعة في حينه) ولبنان (بين 2400 و2700 دولار للجرعة) ساهم في تغذية السوق السوداء.

ويشرح نصار أن الحصول على “كيترودا” مجّاناً عبر وزارة الصحّة مشروط بموافقة مسبقة وفق بروتوكولات صارمة ومقيّدة، أمّا المرضى الذين لا تشملهم هذه البروتوكولات “فليس أمامهم سوى خيارين: إمّا دفع 5400 دولار من جيبهم عن كلّ جلسة، وإمّا شراء الدواء من الخارج، من تركيا أو مصر، مع تحمّل خطر الوقوع في فخّ الأدوية المزوّرة”.

في هذا السياق، تضيف فاطمة مكّي أن انتشار السوق السوداء “تزامن مع فترة لم تكن فيها موازنة كافية لوزارة الصحّة… ما استدعى وضع بروتوكولات صرف أكثر تقييداً انسجاماً مع هذه الميزانية. هذه البروتوكولات أدّت إلى استبعاد بعض المرضى من الفئات المشمولة بالدعم، فلجأ عدد منهم إلى شراء الأدوية من تركيا أو عبر السوق السوداء. ولكن لاحقاً، ومع توفر موازنة أفضل، تمّ توسيع البروتوكولات. فعلى مستوى دواء كيترودا مثلاً، بلغ عدد الموافقات خلال ذروة الأزمة نحو خمسين موافقة. ثم أُعيد فتح الإرشادات وتوسيعها مرّتين: في آذار/ مارس وحزيران/يونيو 2025، فارتفع عدد الموافقات فوصل في شهر حزيران/ يونيو إلى ما يقارب 161 موافقة شهرية. وعندما نقول 161 موافقة في الشهر، فهذا يعني 161 مريضاً يحصلون على العلاج، مع الإشارة إلى أن المريض يحتاج عادةً إلى جرعتين (vials) في الشهر تقريباً، بجرعة تُعطى كلّ واحد وعشرين يوماً، أي نحو 13 دورة علاجية في السنة”.  

وتشير مكّي إلى أن ملفّات الرفض اليوم لا تتجاوز “5 إلى 10 في المئة”، وغالبية هذه الحالات يُعاد درسها عبر طلبات استئناف.

“درج” تواصل مع عدد من الصيدليات لسؤالها عن إمكان تأمين “كيترودا”. معظم الصيدليات اعتذرت، لكنّ إحدى الصيدليات الكبيرة قدّمت جواباً مختلفاً. 

في آذار/ مارس 2025، أكّدت الصيدلية أنها تستطيع تأمين الدواء من خارج لبنان “من دون طلب أيّ وصفة”، بكلفة 9 آلاف دولار للجرعتين، مع دفع 2250 دولاراً مسبقاً قبل طلب الدواء من الخارج. بعد ثمانية أشهر، ومع الاتّصال بالصيدلية نفسها مجدّداً، تغيّر الجواب: أصبحت الصيدلية تقول إنها تحتاج إلى “الرقم المميّز للمريض” الصادر عن وزارة الصحّة لطلب الدواء، فيما اعتذرت صيدليات أخرى عن توفير الدواء.

يؤكّد الدكتور حازم عاصي، أن نقل أدوية مثل “كيترودا” معقّد للغاية: “العلاج المناعي يحتاج إلى درجة حرارة محدّدة، وإذا لم تُحترم هذه الشروط يتلف الدواء”. هذه الأدوية “لا تُباع عادة في الصيدليات بل فقط في المستشفيات. يضيف أن جزءاً كبيراً من الأدوية التي دخلت عبر هذه القنوات “تبيّن لاحقاً أنه مزيّف”، وأن التزوير وصل إلى حدّ نسخ أرقام التشغيل (serial numbers) بطريقة “متقنة بشكل غير طبيعي”.

يحمّل عاصي الدولة مسؤولية مركزية في هذا الملفّ: “من واجب الدولة عبر وزارة الصحّة، أن تراقب وأن تقوم بحملة توعية كبيرة لتنبيه الناس إلى عدم شراء الدواء من مصادر مشبوهة”، لكنّه يقرّ في الوقت نفسه بصعوبة إلقاء اللوم على المريض: “أحياناً يكون المريض في حالة ميؤوس منها، فيقال له إن الدواء ثمنه 5000 دولار، فيأتيه من يقول: أستطيع أن أؤمّنه لك بـ 2000. لا يمكنك أن تلوم المريض، إذا كانت هناك شبكة أو شبكات تستغلّ هذا اليأس”.

من هنا، توصي مكّي، بضرورة الحدّ قدر الإمكان من اللجوء إلى السوق السوداء، وتوجيه المرضى والأطبّاء إلى الالتزام بالعلاجات البديلة المتوفّرة ضمن بروتوكولات الوزارة عندما يتعذّر توفير “كيترودا”، مع التشديد على أن توسيع التغطية الرسمية ليشمل أكبر عدد ممكن من المرضى هو السبيل الأنجع لتقليص دور السوق السوداء وإنهائه.

لماذا دخل “كيترودا” إلى بيروت ودبي مبكراً؟

المفارقة أن “كيترودا”، وهو دواء مكلف ومعقّد، لم يتّبع المسار التقليدي للأدوية التي عادة ما تنتقل من السوق الأميركية إلى الأوروبية ثم إلى أسواق “الأطراف”، بل دخل مبكراً إلى أسواق مثل الإمارات ولبنان. 

يربط أبيض ذلك بغياب “تقييم التكنولوجيا الصحّية” (HTA) في لبنان. هذا التقييم يقوم على دراسات علمية لمدى فعّالية العلاج، وأخرى اقتصادية لجدواه مقارنةً بتكلفته. في النظم التي تطبّق HTA، تُقيَّم الحالات في ضوء أولويات أوسع، كحاجة المجتمع إلى أدوية السكري وضغط الدم. في بلداننا، حيث لم يكن هذا النوع من التقييم قائماً أو مؤسّسياً، كان يُسمح غالباً للشركات بتحديد الأسعار التي تريدها، مستفيدةً من تفتّت السوق بين جهات ضامنة متعدّدة. يكفي أن تقنع الشركة جهة ضامنة واحدة كي تضغط هذه الأخيرة على باقي الجهات بحجّة المساواة بين المرضى، فيخلق ذلك سوقاً رخوة يسهل اختراقها، ويدخل عبرها العديد من الأدوية من دون “اتّفاقات دخول مُدارة” (Managed Entry Agreements) من قبيل ما حصل مع دواء “Herceptin” في بعض الدول، حيث اشترطت الدولة استرداد كلفة العلاج عن المرضى الذين لم يستفيدوا منه”.

يرى أبيض أن المسار الحالي للبنان، في ظلّ محدودية الموارد و”استمرار ضعف الاستثمار في الوقاية (من التدخين، والتلوث، وسوء التثقيف الصحّي…)، يجعل حجم مشكلة السرطان مرشّحاً لأن يتجاوز إمكانات التمويل المتاحة، ما لم تُستكمَل الإصلاحات وتُدعَم بسياسات مستدامة على المدى البعيد”.

ساهم في إعداد هذا التحقيق سيدني فريدبرغ ونيكول صادق (الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين ICIJ) وجنى بركات (درج)

تدخل الحرب الإسرائيلية على لبنان شهرها الثاني، حاملةً معها أعباء مضاعفة على مرضى السرطان. فالسرطان، كما كتب وزير الصحّة السابق الدكتور فراس أبيض على حسابه في لينكدإن: “لا ينتظر وقف إطلاق النار… بالنسبة إلى هؤلاء المرضى، لا تكون الحرب مجرّد أزمة أمنية؛ في لبنان، تتحوّل سريعاً إلى أزمة علاج وتشخيص وتمويل، إذ يقوّض النزوح استمرارية الرعاية، ويُقطع المرضى عن أطبّائهم ومستشفياتهم وصيدلياتهم، وتغدو الطرق غير آمنة…”.

في هذا الواقع، يخوض مرضى السرطان في لبنان معركة متعدّدة الجبهات: مع المرض نفسه، ومع الحرب وما تفرضه من نزوح وصعوبات في الوصول إلى المستشفيات والدواء، ومع كلفة العلاجات الحديثة، وعلى رأسها دواء “كيترودا” (Keytruda)، أحد أبرز أدوية العلاج المناعي في العالم اليوم. وفي بلد يُعدّ من الأعلى عالمياً في معدّلات الإصابة بالسرطان نسبةً إلى عدد السكّان، يتحوّل الوصول إلى هذا الدواء إلى اختبار قاسٍ لقدرة النظام الصحّي على إدارة موارده الشحيحة وتوزيعها بعدالة.

تُظهِر البيانات المُحدَّثة تسجيل 16,226 حالة سرطان جديدة في عام 2024، مع تضاعُف معدّل الإصابة خلال العقدين الماضيين، ما يضع لبنان بين الدول الأسرع ارتفاعاً في معدّلات الإصابة بالسرطان والوفيات الناجمة عنه عالمياً. وبحسب دراسة منشورة في مجلّة “ذا لانست” (The Lancet)، ارتفعت وتيرة الحالات الجديدة للسرطان في لبنان بنسبة لافتة بلغت 162% بين العامين 1990 و2023، فيما ارتفعت الوفيات المرتبطة بالسرطان بنسبة 80% في الفترة نفسها. وفي عام 2023، سُجِّل في لبنان 233,5 حالات سرطان جديدة بين كلّ 100 ألف شخص، بحسب دراسة “العبء العالمي والإقليمي والوطني للسرطان 1990–2023 مع توقّعات حتى العام 2050: تحليل منهجي لدراسة العبء العالمي للمرض 2023” المنشورة في “ذا لانست”. 

مع ذلك، يُذكَر أن وزير الصحّة اللبناني ركان ناصر الدين أصدر بياناً علّق فيه على هذه النتائج، معتبراً أن “البيانات الواردة في المقال تستند إلى افتراضات ونماذج معدّة مسبقاً وليست إلى أرقام واقعية متاحة”، وأنه “حتى الآن لا توجد في لبنان بيانات علمية دقيقة حول الوفيات الناجمة عن مرض السرطان”، محذّراً في الوقت نفسه من أن ما ورد في الدراسة يشكّل “ناقوس خطر لكلّ المعنيين بالسياسات الصحّية في لبنان”.

يأتي هذا التحقيق في سياق مشروع “أرباح مرض السرطان” (The Cancer Calculus)، بقيادة “الاتّحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين” (ICIJ)، وبالتعاون مع 47 منصّة صحافية من بينهم موقع “درج”. شارك في هذا المشروع أكثر من 120 صحافياً من 48 مؤسّسة إعلامية في 36 دولة، للتحقيق في السعر الباهظ والممارسات التجارية التي تقف خلف دواء لمرضى السرطان.

ما هو “كيترودا” ولماذا يُستخدم؟

“كيترودا” ليس علاجاً كيميائياً ولا إشعاعياً، بل هو نوع من العلاج المناعي يعمل مع جهاز المناعة لمساعدة الجسم على محاربة أنواع معيّنة من السرطان. يمنع الدواء الخلايا السرطانية من “الاختباء” عبر حجب مسار PD‑1، ما يسهّل على الجهاز المناعي التعرّف إلى هذه الخلايا ومهاجمتها، وفق الشرح المنشور على الموقع الرسمي للدواء

تتعدّد استخدامات “كيترودا” في علاج سرطانات مختلفة، من بينها سرطان الرئة، الميلانوما (سرطان الجلد)، وسرطانات أخرى متقدّمة. تنتج هذا الدواء شركة MSD، المعروفة بشركة Merck & Co في الولايات المتّحدة وكندا، وتُعدّ من أبرز الشركات العالمية في مجال أدوية الأورام والعلاج المناعي.

كلفة هذا التقدّم العلمي باهظة. فبحسب أرقام وزارة الصحّة والأطبّاء، يبلغ سعر الجرعة الواحدة نحو 2700 دولار أميركي، فيما يحتاج المريض غالباً إلى جرعتين كلّ ثلاث أسابيع (21 يوم تحديداً)، أي أكثر من خمسة آلاف دولار شهرياً، أي نحو 13 دورة علاجية في السنة، بحسب ما شرحت فاطمة مكّي مسؤولة نظام تتبّع الدواء في وزارة الصحّة اللبنانية، في مقابلة لموقع “درج”. هذا السعر يضع الدواء عملياً، خارج متناول الغالبية الساحقة من المرضى إن لم يكن مغطى من جهة ضامنة أو من وزارة الصحّة.

“تراجيديا” مريضة سرطان 

ريتا معوّض، كباقي مرضى السرطان في لبنان، لم تكن تخوض معركة واحدة فقط. منذ إصابتها برصاصة طائشة في رأسها وهي طفلة، عانت من شلل في يدها وصعوبة في المشي، ثم جاء السرطان ليضيف طبقة جديدة من الألم والمعاناة.

خرجت ريتا منتصرة من معركتها الأولى مع سرطان الثدي في عام 2005. خضعت لكلّ البروتوكولات العلاجية المتاحة حينها: علاج كيميائي، وعلاج إشعاعي، وعلاج هرموني، وظلّت لمدّة 17 عاماً “معافاة من السرطان”. لكن في عام 2022، اكتشفت إصابتها مجدّداً بسرطان ثدي جديد، هذه المرّة من نوع ثلاثي السلبية (Triple Negative)، وهو من الأنواع التي يصعب أن تستجيب للبروتوكولات العلاجية التقليدية المعتمدة.

كانت ريتا منتسبة إلى الضمان الاجتماعي، وبالتالي يفترض “أن تغطّي الجهة الضامنة علاجاتها، لكنّ الأزمة المالية والاقتصادية جعلت الضمان “عاجزاً عن تغطية المرضى بالتغطية الكاملة التي كانت موجودة قبل الأزمة”، فتحوّلت التغطية إلى مبالغ جزئية وصغيرة “لا تقوم بالواجب” أمام كلفة أدوية السرطان الباهظة، وفق ما قال شقيقها داني، في مقابلة لموقع “درج” والـ ICIJ. 

في عام 2024، خرجت ريتا من بروتوكولات وزارة الصحّة الخاصّة بـ”كيترودا”، فتوقّفت التغطية الرسمية. تُركت عائلتها أمام خيار واحد: تأمين الدواء على نفقتها الخاصّة. عادةً، تشتري الوزارة “كيترودا” من الشركة الوكيلة في لبنان بعد الموافقة على طلب المريض، وتدفع ثمنه وتوزّعه مجّاناً. 

في حالة ريتا، اضطرّت العائلة إلى شراء الدواء مباشرة من الوكيل نفسه “من جيبنا الخاص”، كما يقول داني. لم يكن “كيترودا” العلاج الوحيد، كانت تأخذه مع أدوية أخرى، فكانت فاتورة كلّ جلسة تصل أحياناً إلى 6000 دولار. كلّ ثلاثة أسابيع، جلسة جديدة، تدفع العائلة ما بين 5500 و6000 دولار. استطاعت ريتا أن تُكمل أربع جلسات، لكن من دون استجابة تُذكر، فلذلك انتقلت ريتا إلى بروتوكول علاجي آخر. 

كان واضحاً أن كلفة الاستمرار بـ”كيترودا” لا تُحتمل لعائلة متوسطة الدخل، خصوصاً في بلد “لا يعطيك مصرياتك من البنك” كما يصف شقيقها، حيث تحوّلت المدّخرات المحتجزة في المصارف إلى عائق إضافي أمام العلاج. هكذا وُلد خيار اللجوء إلى منصّة GoFundMe، فلجأوا إلى الأصدقاء والمقرّبين وإلى الرأي العامّ عبر نشر قصّة ريتا على المنصّة، طلباً لدعم يتيح لهم شراء الدواء مباشرة من الشركة الوكيلة.

حياة ريتا كانت “شيئاً من التراجيديا”، كما يصفها داني، بحيث تحوّل البيت إلى مساحة مشتركة للألم والصمود، قبل أن ترحل ريتا في 15 آب/ أغسطس 2025، عن عمر 59 عاماً.

رقمنة التتبّع: من الفوضى إلى “مشتري عام واحد”

مع انهيار الليرة منذ العام 2019، وجائحة كورونا، وانقطاع الأدوية المدعومة، وجد النظام الصحّي نفسه أمام فوضى حقيقية في سوق الدواء، خصوصاً أدوية السرطان. يقدّر وزير الصحّة السابق الدكتور فراس أبيض، في مقابلة لموقع “درج”، عدد مرضى السرطان في لبنان بما بين عشرة وخمسة عشر ألف مريض، مع التأكيد أن “ليس جميعهم يتلقّون الدواء نفسه، لأنهم يخضعون لعلاجات دوائية متعدّدة”.

يقول أبيض إن وزارة الصحّة واجهت مشكلتين أساسيتين: “الأولى ضمان أن يصل الدواء إلى المرضى الأكثر احتمالاً للاستفادة منه، والثانية التأكّد من أن الدواء لا يُصرف لمرضى وهميين أو يتسرّب إلى السوق السوداء”. 

ولمعالجة ذلك، أُطلق تطبيقان رقميان: “Meditrack” لتتبّع الدواء “منذ لحظة وصوله إلى لبنان واستلامه، إلى أن يصل إلى المريض، بما في ذلك التحقّق من هويّة المريض”، عبر رقم صحّي موحّد يربط كلّ عبوة بمريض محدّد، ومنصّة “أمان” التي “تمكّن الطبيب الذي يريد طلب الدواء من تعبئة بيانات المريض عليها، فتُدرَس الحالة للتأكّد من أنها تقع ضمن البروتوكولات المعتمدة، وبناءً على ذلك يُصرَف الدواء”.

بحسب أبيض، لم يكن يتجاوز عدد المرضى الذين يصلهم الدواء في البداية نحو 20 في المئة، لكن “استطعنا عبر هاتين المنصّتين أن نرفع النسبة، للمرضى المشمولين بمنصّة “أمان”، إلى ما فوق 90 في المئة”.

هذه الرقمنة ارتبطت أيضاً بإصلاح جذري في طريقة الشراء، حيث تولّت وزارة الصحّة إدارة ملفّ أدوية السرطان عن جميع الجهات الضامنة “فأُتيحت لنا فرصة القيام بما كنّا نحلم به، أي توحيد المشتري العامّ، بحيث تصبح الدولة هي المشتري العامّ الواحد بدل تعدّد المشترين”، هذا ما سمح بإطلاق مناقصة موحّدة، وفقاً لأبيض. 

الأهم كان تغيير طريقة تصميم المناقصة: “إذا أجرينا المناقصة على أساس المادّة الفاعلة (molecule)، فإن كيترودا لا يواجه أيّ منافسة لأنه لا يوجد له دواء جنيس، فيبقى المنتج الوحيد. أما إذا صُمّمت المناقصة على أساس الدلالة العلاجية (indication)، مثل الأدوية المستخدمة لعلاج سرطان الرئة، فإن كيترودا يجد نفسه في منافسة مباشرة مع أدوية أخرى تحقّق النتيجة العلاجية ذاتها، حتى لو كانت مختلفة كيميائياً”. 

عندما قرّرت الوزارة أن تشتري دواء واحداً فقط لكلّ مؤشّر علاجي، اضطرّت الشركات إلى التنافس على السعر. “بهذه الآلية تمكّنا من خفض كلفة أدوية السرطان في لبنان بنحو 45 إلى 50 في المئة”، يقول أبيض، مشيراً إلى أنه ترك عند خروجه من الوزارة “مخزون أدوية بقيمة 80 مليون دولار”، في حين كان الوزراء السابقون يورّثون خلفاءهم ديناً يقارب هذا المبلغ.

وهنا ترى مكّي أنّ هذا الأسلوب أتاح الحصول على عروض أفضل وأسعار أقلّ. “ومع أن كيترودا يبقى العلاج الوحيد من نوعه، ولا يتصرّف في التسعير كما الأدوية التي لها بدائل عدّة، فإن الشركة قدّمت هذا العام 2026، سعراً أفضل بكثير للوزارة مقارنة بالسنوات السابقة”.

ردّ شركة MSD

تواصل “درج” مع مدير الشؤون الخارجية في شركة MSD المصنّعة للدواء لمنطقة المشرق العربي، ووصلنا الردّ التالي: “في شركة MSD، هدفنا هو الإسهام في إطالة وتحسين حياة المصابين بالسرطان. نحن فخورون للغاية بمحفظة أدوية الأورام لدينا، وعلى رأسها “كيترودا” KEYTRUDA، التي ساعدت في إحداث تحوّل في طريقة علاج بعض أكثر أنواع السرطان فتكاً. اليوم، يُعدّ “كيترودا” حجر الأساس في علاج العديد من حالات السرطان المتقدّمة؛ فقد حصل في الولايات المتّحدة على موافقات لـ44 استخداماً مختلفاً، وأظهر فائدة ذات دلالة إحصائية في إطالة البقاء على قيد الحياة في 28 تجربة سريرية. وعلى مستوى العالم، حاز “كيترودا” موافقات للاستخدام في 106 دول.

تملك MSD تاريخاً طويلاً في تسعير أدويتها ولقاحاتها بشكل “مسؤول” يعكس الفائدة التي تقدّمها للناس والمجتمع، وسعر “كيترودا” يعكس القيمة التي يوفّرها للمرضى وأنظمة الرعاية الصحّية.

تظلّ MSD ملتزمة بالعمل مع الجهات الدافعة (شركات التأمين والقطاعين العامّ والخاصّ) في البلدان ذات الدخل المرتفع، والانخراط بنشاط في برامج توسيع الوصول في البلدان المتوسّطة والمنخفضة الدخل. 

ومع ذلك، فإن تحسين الوصول إلى الدواء لا يعتمد على MSD وحدها؛ إذ يتعلّق الأمر أيضاً بمدى إمكانية إدخال العلاجات المناعية إلى نظام الرعاية الصحّية، واستعداد هذا النظام للاستثمار في رعاية السرطان، ومرونته في اتّفاقيات تسهيل الوصول، وغيرها من العوامل.

وباعتبارها شركة أدوية حيوية تعتمد على البحث العلمي المكثّف، فإن توسيع الوصول إلى الرعاية الصحّية يظلّ جزءاً جوهرياً من رسالتنا في إنقاذ الأرواح وتحسينها”.

“كيترودا”: رأسمالية النجاة

يشرح الدكتور حازم عاصي، مدير العيادات التخصّصية والخدمات السريرية في معهد “نايف باسيل للسرطان” وأستاذ في الطبّ السريري في المركز الطبّي للجامعة الأميركية في بيروت (AUBMC)، في مقابلة لموقع “درج”، تأثير “كيترودا”، قائلاً إن الدراسات التي استخدمت هذا الدواء في أنواع عدّة من السرطانات – من أورام الجلد إلى الرئة والكلى – أظهرت أنه “عندما نضيف العلاج المناعي، وخصوصا كيترودا، تتحسن كثيراً النتائج، ليس فقط من حيث نسب الشفاء، بل أيضاً من حيث السيطرة على المرض”، ويوضح: “أحياناً في المرحلة الرابعة من السرطان لا نستطيع شفاء المريض، لكن يمكننا إطالة حياته وتحويل مرضه من مرض قاتل إلى مرض مزمن. بهذه الطريقة يساعدنا العلاج المناعي، وقد أحدث فرقاً شاسعاً في أورام مثل سرطان الجلد وسرطان الرئة”.

لكن هذا “الفرق الشاسع” لا يستفيد منه جميع المرضى، فبحسب عاصي “مع المريض الذي نعرف أن ظروفه المادّية صعبة، كثيراً ما كنّا نتجنّب حتى ذكر العلاج المناعي. نعرف أن هناك علاجاً أفضل ممّا سنقدّمه له، لكنّنا نرى أمامنا صعوبات اقتصادية هائلة. أحياناً لا نخبره بوجود خيار أفضل حتى لا نحمّله عبئاً نفسياً إضافياً”.

هل وُضع حدّ للسوق السوداء؟ 

لا شكّ أنه في ذورة الأزمة الاقتصادية اللبنانية التي تزامنت أيضاً مع جائحة كورونا، لجأ عدد من المرضى وعائلاتهم إلى السوق السوداء لتوفير الدواء. 

هنا تقول فاطمة مكّي، من وزارة الصحّة اللبنانية في مقابلة لموقع “درج”: “في ذروة فترة الأزمة، واجهنا مشاكل كبيرة في تأمين الأدوية، وانتشرت السوق السوداء. لذلك كانت أولويتنا ضمان عدم انقطاع الدواء عن المرضى، وثانياً كان معرفة وجهة الدواء ومنع أيّ تلاعب في مسار توزيعه. لذلك، أُطلق نظام “MediTrack”. هذا النظام يتيح لنا متابعة مسار الدواء ومعرفة أين يذهب. أنشأنا نظاماً يعتمد على ما يُسمّى “الرقم الصحّي الموحّد” (UHID)، الذي يمكّننا من ربط كلّ عبوة دواء بمريض محدّد. كنّا نرسل إلى الشركة الرقم الصحّي الموحّد للمريض، وعلى أساسه تُسلَّم عبوة الدواء الخاصّة به، بحيث نستطيع تتبّع مسارها من الشركة وحتى وصولها إلى المريض. ومنذ تطبيق برنامج التتبّع الدوائي، لم يعد المريض يتسلّم الدواء مباشرة، باستثناء الأدوية الفموية، بل يُرسل الدواء إلى المستشفيات لضمان عدم تعرّضه لأي تلف أو سوء تخزين”.

هنا يوضح هاني نصّار مؤسّس جمعية “باربرا نصّار” لدعم مرضى السرطان ورئيسها، في مقابلة لـ “درج” والـ ICIJ، أن لبنان مرّ في عام 2021 بفترة امتدّت نحو خمسة أشهر “من دون أيّ أدوية مستوردة”، وخلال تلك الفترة فقدنا عدداً كبيراً من مرضى السرطان من بين الذين كنّا ندعمهم، ولذلك رفعنا الصوت عبر وسائل الإعلام ونظّمنا العديد من الاعتصامات والتحرّكات”، يقول نصّار، موضحاً أن المرضى القادرين مالياً لجأوا إلى شراء أدويتهم من السوق السوداء، بينما اضطرّ غير القادرين إلى إيقاف العلاج تماماً: “لقد توفّي المرضى لأنهم حُرموا من أدويتهم”، يضيف.

ويتابع: “الكثير من اللبنانيين سافروا إلى تركيا واشتروا أدوية، ثم أعادوها إلى لبنان ليبيعوها بهدف الربح. وبهذه الطريقة وصلتنا كميّات كبيرة من الأدوية المزوّرة، ولا سيّما كيترودا، لأن كيترودا كان الأعلى سعراً”. 

يشير نصّار إلى أن سعر “كيترودا” في لبنان اليوم يبلغ نحو 5400 دولار للجلسة (جرعتان 200 ملغ)، وأن الفارق الكبير في الأسعار بين تركيا (نحو 1000 دولار للجرعة في حينه) ولبنان (بين 2400 و2700 دولار للجرعة) ساهم في تغذية السوق السوداء.

ويشرح نصار أن الحصول على “كيترودا” مجّاناً عبر وزارة الصحّة مشروط بموافقة مسبقة وفق بروتوكولات صارمة ومقيّدة، أمّا المرضى الذين لا تشملهم هذه البروتوكولات “فليس أمامهم سوى خيارين: إمّا دفع 5400 دولار من جيبهم عن كلّ جلسة، وإمّا شراء الدواء من الخارج، من تركيا أو مصر، مع تحمّل خطر الوقوع في فخّ الأدوية المزوّرة”.

في هذا السياق، تضيف فاطمة مكّي أن انتشار السوق السوداء “تزامن مع فترة لم تكن فيها موازنة كافية لوزارة الصحّة… ما استدعى وضع بروتوكولات صرف أكثر تقييداً انسجاماً مع هذه الميزانية. هذه البروتوكولات أدّت إلى استبعاد بعض المرضى من الفئات المشمولة بالدعم، فلجأ عدد منهم إلى شراء الأدوية من تركيا أو عبر السوق السوداء. ولكن لاحقاً، ومع توفر موازنة أفضل، تمّ توسيع البروتوكولات. فعلى مستوى دواء كيترودا مثلاً، بلغ عدد الموافقات خلال ذروة الأزمة نحو خمسين موافقة. ثم أُعيد فتح الإرشادات وتوسيعها مرّتين: في آذار/ مارس وحزيران/يونيو 2025، فارتفع عدد الموافقات فوصل في شهر حزيران/ يونيو إلى ما يقارب 161 موافقة شهرية. وعندما نقول 161 موافقة في الشهر، فهذا يعني 161 مريضاً يحصلون على العلاج، مع الإشارة إلى أن المريض يحتاج عادةً إلى جرعتين (vials) في الشهر تقريباً، بجرعة تُعطى كلّ واحد وعشرين يوماً، أي نحو 13 دورة علاجية في السنة”.  

وتشير مكّي إلى أن ملفّات الرفض اليوم لا تتجاوز “5 إلى 10 في المئة”، وغالبية هذه الحالات يُعاد درسها عبر طلبات استئناف.

“درج” تواصل مع عدد من الصيدليات لسؤالها عن إمكان تأمين “كيترودا”. معظم الصيدليات اعتذرت، لكنّ إحدى الصيدليات الكبيرة قدّمت جواباً مختلفاً. 

في آذار/ مارس 2025، أكّدت الصيدلية أنها تستطيع تأمين الدواء من خارج لبنان “من دون طلب أيّ وصفة”، بكلفة 9 آلاف دولار للجرعتين، مع دفع 2250 دولاراً مسبقاً قبل طلب الدواء من الخارج. بعد ثمانية أشهر، ومع الاتّصال بالصيدلية نفسها مجدّداً، تغيّر الجواب: أصبحت الصيدلية تقول إنها تحتاج إلى “الرقم المميّز للمريض” الصادر عن وزارة الصحّة لطلب الدواء، فيما اعتذرت صيدليات أخرى عن توفير الدواء.

يؤكّد الدكتور حازم عاصي، أن نقل أدوية مثل “كيترودا” معقّد للغاية: “العلاج المناعي يحتاج إلى درجة حرارة محدّدة، وإذا لم تُحترم هذه الشروط يتلف الدواء”. هذه الأدوية “لا تُباع عادة في الصيدليات بل فقط في المستشفيات. يضيف أن جزءاً كبيراً من الأدوية التي دخلت عبر هذه القنوات “تبيّن لاحقاً أنه مزيّف”، وأن التزوير وصل إلى حدّ نسخ أرقام التشغيل (serial numbers) بطريقة “متقنة بشكل غير طبيعي”.

يحمّل عاصي الدولة مسؤولية مركزية في هذا الملفّ: “من واجب الدولة عبر وزارة الصحّة، أن تراقب وأن تقوم بحملة توعية كبيرة لتنبيه الناس إلى عدم شراء الدواء من مصادر مشبوهة”، لكنّه يقرّ في الوقت نفسه بصعوبة إلقاء اللوم على المريض: “أحياناً يكون المريض في حالة ميؤوس منها، فيقال له إن الدواء ثمنه 5000 دولار، فيأتيه من يقول: أستطيع أن أؤمّنه لك بـ 2000. لا يمكنك أن تلوم المريض، إذا كانت هناك شبكة أو شبكات تستغلّ هذا اليأس”.

من هنا، توصي مكّي، بضرورة الحدّ قدر الإمكان من اللجوء إلى السوق السوداء، وتوجيه المرضى والأطبّاء إلى الالتزام بالعلاجات البديلة المتوفّرة ضمن بروتوكولات الوزارة عندما يتعذّر توفير “كيترودا”، مع التشديد على أن توسيع التغطية الرسمية ليشمل أكبر عدد ممكن من المرضى هو السبيل الأنجع لتقليص دور السوق السوداء وإنهائه.

لماذا دخل “كيترودا” إلى بيروت ودبي مبكراً؟

المفارقة أن “كيترودا”، وهو دواء مكلف ومعقّد، لم يتّبع المسار التقليدي للأدوية التي عادة ما تنتقل من السوق الأميركية إلى الأوروبية ثم إلى أسواق “الأطراف”، بل دخل مبكراً إلى أسواق مثل الإمارات ولبنان. 

يربط أبيض ذلك بغياب “تقييم التكنولوجيا الصحّية” (HTA) في لبنان. هذا التقييم يقوم على دراسات علمية لمدى فعّالية العلاج، وأخرى اقتصادية لجدواه مقارنةً بتكلفته. في النظم التي تطبّق HTA، تُقيَّم الحالات في ضوء أولويات أوسع، كحاجة المجتمع إلى أدوية السكري وضغط الدم. في بلداننا، حيث لم يكن هذا النوع من التقييم قائماً أو مؤسّسياً، كان يُسمح غالباً للشركات بتحديد الأسعار التي تريدها، مستفيدةً من تفتّت السوق بين جهات ضامنة متعدّدة. يكفي أن تقنع الشركة جهة ضامنة واحدة كي تضغط هذه الأخيرة على باقي الجهات بحجّة المساواة بين المرضى، فيخلق ذلك سوقاً رخوة يسهل اختراقها، ويدخل عبرها العديد من الأدوية من دون “اتّفاقات دخول مُدارة” (Managed Entry Agreements) من قبيل ما حصل مع دواء “Herceptin” في بعض الدول، حيث اشترطت الدولة استرداد كلفة العلاج عن المرضى الذين لم يستفيدوا منه”.

يرى أبيض أن المسار الحالي للبنان، في ظلّ محدودية الموارد و”استمرار ضعف الاستثمار في الوقاية (من التدخين، والتلوث، وسوء التثقيف الصحّي…)، يجعل حجم مشكلة السرطان مرشّحاً لأن يتجاوز إمكانات التمويل المتاحة، ما لم تُستكمَل الإصلاحات وتُدعَم بسياسات مستدامة على المدى البعيد”.

ساهم في إعداد هذا التحقيق سيدني فريدبرغ ونيكول صادق (الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين ICIJ) وجنى بركات (درج)