نسخة العام 2026 من اليوروفيجن (مسابقة الأغنية الأوروبية)، التي ستستضيفها النمسا، ستشكل بالتأكيد محطة فارقة. ليس لمصادفتها مع الذكرى السبعين لانطلاق المسابقة الفنية الأكثر شعبية في أوروبا، بل بسبب قرار خمس دول (إسبانيا، إيرلندا، أيسلندا، هولندا وسلوفينيا) مقاطعة هذه النسخة احتجاجاً على المشاركة الإسرائيلية. هيئة البث الأوروبية نشرت في 15 كانون الأول/ ديسمبر لائحة الدول المشاركة في نسخة العام 2026، وكما كان متوقعاً قاطعت الدول الخمس المسابقة لعدم إقصاء إسرائيل. قرارهم الذي لم يكن سراً، جاء تتويجاً لحراك وسجالات امتدت لأكثر من عام.
على عكس ما يوحي اسمها، اليوروفيجن ليست حكراً على الدول الأوروبية. المسابقة من تنظيم هيئة البث الأوروبية التي تضم مؤسسات مرئية ومسموعة تعود الى أكثر من 50 دولة، أوروبية وغير أوروبية. وعليه، يحق لأي دولة المشاركة في اليوروفيجن، بفنان أو فرقة واحدة فقط، شرط أن تكون إحدى مؤسساتها الإعلامية عضواً في هيئة البث الأوروبية. على سبيل المثال، بوسع اللبنانيين المشاركة في المسابقة المذكورة، انطلاقاً من عضوية تلفزيون لبنان في هيئة البث الأوروبية.
صحيح أن قرار المشاركة من عدمه في اليوروفيجن لا يعود الى السلطات السياسية بل الى المؤسسات الإعلامية الوطنية، لكن المتسابقين يعاملون كممثلين لدولهم. حجة الدول الخمس المقاطعة أن إسرائيل بحربها الأخيرة على غزة لم تعد تنتمي إلى قيم المسابقة التي انطلقت في العام 1956 كرسالة سلام وتقارب بين الشعوب في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ما يفرض استبعادها.
على الضفة المقابلة، المعترضون على استبعاد إسرائيل صدّروا الحجة التقليدية: فصل الفن عن السياسية. مهما بلغت هذه الحجة من تماسك نظري، لكنها سرعان ما ستتهاوى على أرض الواقع ولن يُكتب لها الصمود لحظة واحدة أمام المحطات واللحظات الفارقة التي طبعت تاريخ اليوروفيجن.
المسابقة التي أُطلِقت لأغراض سياسية، تحولت على مر السنوات إلى منبر لعدد من القضايا الحقوقية وإلى محطة لإرسال رسائل سياسية.
حقوق المثليين وسواهم من الأقليات الجنسية هي القضية الحقوقية التي تستحوذ على الاهتمام الأكبر في هذه المسابقة. عدد من المتسابقين حرصوا على إبراز هويتهم الجنسية، كالإسرائيلية المتحولة جنسياً دانا إنترناشيونال التي فازت بالمسابقة عام 1998 و”الدراغ كوين” النمساوي كونشيتا ورست (الشهير إعلامياً بالسيدة الملتحية) الذي تُوج باللقب عام 2014.
ولم تكن المسابقة بعيدة عن أجواء الانقسامات السياسية: قبل سقوط نظام فرانكو، كانت المشاركة الإسبانية محط جدل مستمر، بخاصة في نسخة العام 1969 التي استضافتها مدريد وقاطعتها النمسا. على خط مواز، شهد منتصف السبعينات مقاطعات متبادلة بين أثينا وأنقرة على خلفية الغزو التركي لقبرص.
الحرب الروسية الجورجية ألقت بثقلها على نسخة العام 2009 التي أقيمت في موسكو، بعد محاولة الفرقة الجورجية أداء أغنية تحمل تصويباً على الرئيس الروسي، وهو ما قوبل برفض هيئة البث الأوروبية، لتنسحب جورجيا من مسابقة ذاك العام.
أوكرانيا رفضت دخول المتسابقة الروسية، لوليا سامويلوفا، إلى أراضيها للمشاركة في نسخة العام 2017. حجة كييف كان إحياء سامويلوفا حفلاً في شبه جزيرة القرم عام 2015، من دون الحصول على تأشيرة أوكرانية، وهو ما دفع بروسيا إلى الانسحاب ذاك العام. وبعد الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، اتخذت هيئة البث الأوروبية قراراً بمنع روسيا من المشاركة في فعاليات هذه المسابقة.
طيف الصراع بين العرب وإسرائيل لم يكن بعيداً عن اليوروفيجن: خلال إعلان نتائج نسخة العام 1978 كانت الفرقة الإسرائيلية (The Alphabeta) تقترب من حصد اللقب، ليقطع التلفزيون الأردني البث المباشر ويدّعي زوراً في اليوم التالي أن الفائز كان بلجيكا. في العام 2000 بادرت الفرقة الإسرائيلية (PingPong) إلى رفع العلمين السوري والإسرائيلي في ختام عرضها، ما اعتُبر رسالة سلام. لبنان سعى الى المشاركة في نسخة العام 2005 من خلال المطربة ألين لحود، مشاركة لم تبصر النور بعد إعلان تلفزيون لبنان امتناعه عن بث أغنية المتسابقة الإسرائيلية انسجاماً مع التشريعات اللبنانية بمقاطعة إسرائيل، وهو لم يلق قبول هيئة البث الأوروبية.
استضافة إسرائيل نسخة العام 2019 أدت بدورها إلى جدل كبير، ما دفع ضيفة الشرف، مادونا، إلى تقديم لوحة غنائية ظهر خلالها راقصان جنباً إلى جنب وقد طُبع على ظهرهما العلمين الفلسطيني والإسرائيلي، في دعوة الى السلام. وخلال إعلان النتائج، رفعت الفرقة الأيسلندية (Hatari) العلم الفلسطيني، في موقف تضامني، خطوة قوبلت باستهجان الجمهور وسخطه.
الأمثلة الواردة أعلاه تدل على أن مقاطعة الدول الأوروبية الخمس نسخة العام 2026 ليست تغريداً خارج السرب، كما أن دعوات فصل الفن عن السياسة لتبرير المشاركة الإسرائيلية حجة يصعب تسويقها في عالم اليوروفيجن. وعليه، من الطبيعي أن يصل الانقسام الغربي حيال القضية الفلسطينية إلى أروقة هذه المسابقة الشعبية.
مقاطعة اليوروفيجن ومحاولات إقصاء هذه الدولة أو تلك، ليستا مجرد تسجيل موقف، فالمسابقة تحولت على مر العقود إلى إحدى أدوات القوة الناعمة (Soft Power) في معرض السعي لتحويل الهوية الوطنية إلى علامة (Nation Branding). شعبية المسابقة الواسعة تجعل المشاركة محطة للوحدة الداخلية، والفوز باللقب عنواناً للحداثة، كما باتت استضافة إحدى النسخ فرصة للدولة المنظمة لتقديم نفسها بصورة عصرية، حالها حال بطولة كأس العالم لكرة القدم.
إقرأوا أيضاً:
غاية المقاطعين هي منع إسرائيل من الظهور كدولة طبيعية ومسالمة: فعند استضافة تل أبيب نسخة العام 2019، روجت الحملة الإعلانية بكثافة لكون البلد المضيف صديقاً للمثليين. دعاية قوبلت بحملة مضادة لا سيما من عشرات الجمعيات المدافعة عن الأقليات الجنسية بهدف عرقلة استراتيجية “الغسيل الوردي” (Pinkwashing) لتشدد الجمعيات بأن حقوق جميع المجتمعات المضطهدة واحدة. يضاف إلى ذلك مناشدة المتسابقين المثليين المشاركين في هذه النسخة للانسحاب “رفضاً لاستخدام إسرائيل حقوق المثليين للتغطية على قمعها العنيف للفلسطينيين”. اليوروفيجن هي إذا سلاح ذو حدين: مثلما تكون المشاركة فرصة لتبييض الصورة، سعت الدول المقاطعة إلى استغلال الاهتمام الإعلامي للإضاءة على المجازر الإسرائيلية المرتكبة في قطاع غزة.
لو نظرنا إلى هذه المقاطعة على نحو مجتزأ، قد تبدو رمزية ومن دون تأثير يُذكر. لكن باسكال بونيفاس، مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس، رأى أن إسرائيل لا تستخف إطلاقاً بأي حملة مقاطعة تستهدفها. بونيفاس أوضح أن تل أبيب تتعامل مع تلك الحملات بمنتهى الجدية خشية مواجهة مصير جنوب إفريقيا إبان نظام الفصل العنصري: فحملات المقاطعة متعددة الأوجه وتشمل مختلف المجالات، آخرها كان عرقلة المرحلة الأخيرة من سباق إسبانيا للدراجات الهوائية 2025 احتجاجاً على المشاركة الإسرائيلية.
والحقيقة لم تعد مسابقة اليوروفيجن مجرد ساحة للتعبير عن الانقسامات، بل باتت انعكاساً لشكل العلاقات الدولية ومختبراً للتحولات في موازين القوى العالمية.
مسألة تتجلى على وجه التحديد في عملية تصويت الجمهور التي تعد انعكاساً للعلاقات السياسية والثقافية. وفقاً لقواعد اليوروفيجن، يُمنع سكان كل دولة من التصويت للفنان أو للفرقة التي تمثلها، ما حفز الأكاديميين على دراسة خارطة تصويت الجمهور ليخرجوا بعدد من الملاحظات: دول يوغوسلافيا السابقة تتبادل التصويت في ما بينها؛ رومانيا تصوت بكثافة لمولدوفا التي ترد عليها بالمثل؛ الأرمن لا يصوتون لأي فنان أو فرقة أذربيجانية والعكس صحيح، حالهم حال الأتراك واليونانيين؛ وجود جالية تركية في ألمانيا يرفع معدلات تصويت ألمانيا لصالح المشاركة التركية.
النزاعات المسلحة والحروب ترخي بظلالها أيضاً على عمليات التصويت: التصويت الهزيل للبريطانيين في العام 2003 مرده إلى مشاركة لندن في غزو العراق، وفوز أوكرانيا بنسخة العام 2022 اعتُبر ترجمة لرفض الغزو الروسي.
من جانب آخر، إقصاء روسيا عن اليوروفيجن دفعها إلى إعادة إحياء مسابقة الإنترفيجن (Intervision) التي أقامها الاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة كبديل عن اليوروفيجن. روسيا أعادت أحياءها في العام 2025 لغرض سياسي واضح: التسويق لنموذج سياسي واجتماعي يقارع النموذج الغربي.
الباحثان في العلاقات الدولية، سيريل بريت وفلوران بارمونتييه، أشارا إلى أن مسابقة الإنترفيجن، بنسختها الجديدة، تنطوي على خمسة أبعاد جيوسياسية:
تدل المسابقة أولاً على رغبة روسية في تنويع أدوات قوتها الناعمة. من جانب آخر، تعد انعكاساً لعالم متعدد الأقطاب، فالدول المشاركة لم تقتصر على تلك التي كانت تدور في الفلك السوفياتي، بل توسعت لتشمل دولاً صاعدة كأعضاء منظمة البريكس. وعلى سبيل الاستطراد، ستستضيف السعودية نسخة الإنترفيجن لعام 2026. من جهة أخرى، اعتبر الباحثان الفرنسيان أن الإنترفيجن تمثل أحد أوجه القطيعة بين روسيا والفضاء الثقافي الأوروبي.
علاوة على ذلك، لم يخف المسؤولون الروس أن الإنترفيجن تشكل نقيضاً اجتماعياً لليوروفيجن، وهو ما عبر عنه فلاديمير بوتين الذي قدم بلاده كخط دفاع عن “القيم الدينية والعائلية التقليدية” في مواجهة “الانحطاط الأخلاقي للغرب المتسامح مع الأقليات الجنسية”. مسألة تناولها بريت وبارمونتييه في مقالتهما، معتبرين أن الإنترفيجن تقدم “سردية حضارية محددة تروج للقيم التقليدية، على النقيض مما تعتبره روسيا أيديولوجية تقدمية غربية”.
أخيراً، تطرقت مقالتهما إلى كون الإنترفيجن تحدياً للديمقراطية الغربية: بدعوى تحييد المسابقة عن الاعتبارات والصراعات السياسية والدبلوماسية ولعلها مسابقة فنية بحتة، احتكرت لجنة تحكيم عملية التقييم بخلاف اليوروفيجن، حيث يشارك الجمهور إلى فريق من الحكام في تحديد صاحب اللقب. الباحثان ألمحا إلى أن الإنترفيجن تعكس ارتياباً من الشعوب.
إقرأوا أيضاً:












