يصادف اليوم، 16 تموز/ يوليو، ذكرى اقتحام مستشفى السويداء الوطني عام 2025، أثناء حملة المجازر الإبادية التي شنّها مسلحون من البدو إلى جانب مسلحين من وزارتي الدفاع والداخلية التابعتين لحكومة دمشق.
يعد المستشفى الوطني في مدينة السويداء المستشفى الحكومي المركزي الوحيد فيها، يحوي 450 سريراً، ويقدم خدماته لمحافظة السويداء بكاملها، إضافة الى مرضى البادية وريف درعا الشرقي.
بحسب تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا، أجبر الطاقم الطبي يوم اقتحام المستشفى على الركوع داخل الردهة، وأُعدم أحد المتطوعين، وفق ما وثقت كاميرات المراقبة. كما أظهرت صور متداولة عشرات الجثث المكدّسة داخل المستشفى وفي محيطه.

تجمع الطبيبة والكاتبة نجاة عبد الصمد شهادات أطباء وطبيبات وممرضين/ات وفنيين/ات من عناصر الكادر الطبيّ، موظفين ومتطوعين، كانوا على رأس عملهم يوم حصار المستشفى بالدبابات ثم اقتحامه. لتوثيق تفاصيل ما حدث، اشترط معظم الشهود عدم ذكر أسمائهم وأسماء الاختصاصات أو أقسام المستشفى التي يعملون فيها خوفاً على أنفسهم من إمكانية التعرف عليهم.
“رأيتُ أعداداً هائلةً من المصابين، يتراكمون حتى في الكوريدور”
طوال يومي الأحد والإثنين 13 و14 تموز، كان الطبيب ل.ر يعمل طبيباً موظفاً في أحد المستشفيات الخاصة في المدينة. واستقبل ذلك المستشفى حينها حوالى 100 مصابٍ من ريفي السويداء الغربي والشمالي، وهو عدد فاق قدرته على الاستيعاب. يخبرنا الطبيب أنهم أجروا عمليات جراحية لمن يحتاجون إليها، لكن المستشفى أصبح عاجزاً عن تقديم الرعاية للمصابين جميعاً. فقرّر الانتقال إلى المستشفى الوطني ومتابعة العمل فيه كمتطوع.
صباح الثلاثاء 15 تموز، وصل المهاجمون إلى المدينة، وتوزّع القناصون على الطرقات حتى أصبح الجميع مستهدفين. يخبرنا الطبيب ل.ر كيف غامر طبيبٌ آخر يعمل في المستشفى الوطني وجاء بسيارته لينقله إليه.
يقول الطبيب ل.ر: “دخلنا المستشفى من بابه الخلفي الأكثر أماناً لبعده عن البوابة الرئيسية حيث يتمركز قناصون فوق أسطح البيوت القريبة منه. توجهنا مباشرةً إلى قسم العمليات. رأيتُ أعداداً هائلةً من المصابين، يتراكمون حتى في الكوريدور، ركعتُ مثلاً أمام مصاب في رجله والتقطت الشريان بالملقط الطبي فقط لأوقف النزف ريثما تفرغ إحدى طاولات العمليات. أجريتُ في الكوريدور نحو 10 عمليات تفجير صدر وكثيراً من العمليات الصغرى: فتح وريد مركزي لمصابين كثر، من دون أن ألحق ارتداء القفاز الطبيّ، فقد تكون الثواني اللازمة لذلك فارقاً بين أن يبقى المريض حياً أو يموت”.
إضافةً إلى ضخامة عدد المصابين، وخطورة حالات كثيرين منهم، كان هناك نقصٌ في الكوادر، حتى مقارنة بعددها في أيام العمل العادية. يقول الطبيب ل.ر : “حوالى نصف الموظفين في المستشفى لم يستطيعوا الالتحاق بعملهم بسبب انقطاع الطرقات أو خطر عبورها. لم يكن في المستشفى سوى طبيبٍ واحد اختصاصي جراحة عظمية، وطبيبين في اختصاص التخدير. وهكذا سار اليوم كله، عملٌ متواصل، بلا نوم”.
كان الدكتور الجراح طلعت عامر، (وهو من أمهر جرّاحي سوريا، منذ عام 2011، عالج المصابين من قصف نظام الأسد في مستشفيات درعا وريف دمشق)، قد التحق بالمستشفى كمتطوعٍ أيضاً، منذ يوم الأحد 13 تموز. وأجرى وحده حتى مساء الثلاثاء 15 تموز نحو 27 عملية.
يقول الطبيب ل.ر : “أمضى عامر ثلاثة أيام عملٍ متواصلة، بلا نوم. غادر المستشفى في السادسة مساءً ليطمئن على عائلته ويرتاح على أن يعود غداً. ليتنا تمسّكنا به ومنعناه من الخروج. لم نكن نعلم ما ينتظره وينتظرنا”.

الطالب أ. ع في كلية الطب، الذي كان يدرس للامتحانات، وجد نفسه صباح 14 تموز/ يوليو محاطاً بأصوات الرصاص، بدأ جيرانه يهربون، فقرر التطوع في المستشفى، يخبرنا: “قلت لنفسي: أكثر ما أخاف عليه في بيتنا هو الكتب، وإن هجموا عليه فلن يهتموا لها، لهذا خبّأتُ الأغراض الثمينة بينها ولم أحمل من بيتنا سوى كمبيوتري، وأنا لا أعرف أنني لن أقدم امتحاناتي، وأنهم سيحرقون بيتنا بما فيه الكتب”.
في المستشفى الوطني، ساعد الطالب أ. ع في جرّ أسرّة المرضى والتضميد وتعليق السيرومات وتنظيف قسم الإسعاف وشطف أرضه. يقول :”أول مريض أسحب منه عينة الدم للفحص كان مصاباً مثل كثيرين بقصف مسيّرة على سياراتهم، يسبحون بدمهم. حتى صباح 15 تموز وصل 50 شهيداً وحوالى 200 مصاب حسب سجلات الإسعاف”.
أخبرنا الطالب أ. ع أن إصابات كثيرة وصلت من حيّ المقوس بالذات، ويضيف: “هناك حالة لا أنساها: رجل مهشّم الوجه، تختفي عيناه من شدة تورم وجهه، قال إنهم ربطوه بسيارة وشحطوه على الطريق. بدأ الحزن يتلبّسني”.
وتابع الطالب أ.ع قائلاً إن أصعب ما واجهه عاطفياً هو امتلاء قسم الإسعاف بنساء وطفلات صغيرات:” كلهن بثياب البيت، لباسهن مغبّر ووجوههن بلا لون، إحداهن مصابة بشظية أعلى الفخذ، لم أستطع الاقتراب منها لشدة تأثري… خرجتُ إلى الكوريدور لأتنفس وأعود لمتابعة العمل”.
أخبرنا كيف وصلتْ سيارة بيكآب معبّأة بالجثث: “ناداني ممرضٌ لأساعده في نقلها إلى المشرحة. أول جثةٍ أمسكتُ بها كانت متهتكة، كأنها قالب هلامٍ ليس فيه أي عظمٍ يجمعه ليتماسك، ومع كل هزّة للنقالة ينداح الهلام، الى درجة اضطررت الى إدخال يدي بين اللحم ومسكة النقالة كي لا تفلت مني. سمعوني أصرخ: يا الله يا الله… ما عدت أستطيع المكابرة. خرجتُ من المستشفى، حاولت ما استطعتُ ألا أفكر بخطورة الطريق، سمعتُ نفسي أتلفظ بأدعيةٍ أعرفها ولا أعرفها وأنا أنتظر رصاصةً تصيبني وتنقلني إلى آخرتي، كان الطريق فارغاً تماماً، لا حركة ولا أثر لإنسان. فقط سكوت مرعب، حطام يملأ الأرض”.

صباح الأربعاء 16 تموز، الساعة 9 صباحاً، يخبرنا الطبيب ل.ر الذي كان في قسم العمليات كيف تلقى خبر وصول جثمان طلعت عامر، يقول: “نزلت إلى مشرحة المستشفى فوراً، أُسرع فوق طاقتي وكلّي أمل: لعلّه لا يزال حياً. رأيته ممدداً فوق الجثث عند باب المشرحة، بعدما امتلأت براداتها. كيف سأصف شعوري؟! هذا زميلي وصديقي، وبالأمس فقط كنا نقاتل معاً لإبقاء الجرحى أحياءً!”.
كانت زوجته تبكي قربه: “قنصوه… قنصوه… كان طلعت راجع عالمستشفى، اتصلتُ به لأطمئن أنه وصل، رد عليّ رجل غريب: اوصفيلي جوزك. قلتُ له: طبيب لابس بدلة عمليات. أجابني: بدلته الخضراء صارت حمراء…”.
يقول الطبيب ل.ر: “سارعتُ لأجسّ نبضه. يا أسفي! طلقة في الرأس. دخلت من خلف أذنه اليمنى ونفذت من يسار جبهته. وجهه مغطى بالدمّ، بدلة العمليات التي غادر بها أمس كلها دم. طلبتُ من رئيس التمريض أن يضع الجثمان في كيس ويحيّده، وأسرعتُ عائداً إلى قسم العمليات”.
“لم أمتلك فرصةً للتفكير ساعتها بخوفي…”
يوم الأربعاء 16 تموز، بعد الظهر، يخبرنا الممرض ي.ع كيف حوصر المستشفى بدبابتين، واحدة أمام بوابته الشمالية الرئيسية والثانية أمام الجنوبية، يقول الممرض 1:”قصفت الدبابتان سيارات الإسعاف وشبابيك صالة الإسعاف وقسم العناية المشددة حتى تناثر زجاجها”.
في الوقت ذاته، كان الطبيب ق.س يُجري عمليةً بينما صوت القصف يصمّ أذنيه وهو يحاول ألا يتشتّت تركيزه، يقول: “أصيب شباك غرفة العمليات وتناثر زجاجه. اضطرب عناصر العمليات. أحنى طبيب التخدير جسده ليحمي رأسه. زملائي يصيحون بي: انتبه أخفض رأسك، ابتعد، وأقول: بقيت قطبتان لأكمل خياطة الجرح… لم أمتلك فرصةً للتفكير ساعتها بخوفي ولا بعَرقي الذي يبلّل جسدي ولا بجوعي ولا بشدة إنهاكي من عدم النوم منذ ثلاثة أيام…”.
بداية الاقتحام
يخبرنا الممرض س.ه أنه في الساعة 4 بعد الظهر اندفع إلى داخل المستشفى عساكر يرتدون زيّ الأمن العام، معهم أسلحة رشاشة، ويضيف: “عند باب قسم الإسعاف قتلوا اثنين من الجرحى، ثم دخلوا وأغلقوا بابه. أمروا بمنع الدخول إلى المستشفى والخروج منه. صعد القناصون منهم إلى سطح المستشفى. علمنا في ما بعد أنّ قناصين آخرين قد تمركزوا على سطح مبنى مديرية الصحة ومدرسة التمريض، المجاورين للمستشفى”.
تصف الممرضة م.س ما حصل قائلةً: “دخل مسلّحون بزي الأمن العام إلى العمليات الإسعافية، سألوا المرضى: انتو دروز؟ أطلقوا رصاصاً إلى صدور بعض المرضى والجرحى على أسرّتهم، وهم يشتمون: أنجاس، خنازير، أمروا بعضهم: عوي ولاك… ثم سألونا نحن عناصر الكادر: إنتو دروز؟”.
تُضيف الممرضة م.س أنهم أمروا الرجال بالتجمع في مكان والنساء في مكان آخر، وتقول: “ركّعونا جميعاً ثم أخذوا موبايلاتنا. طلب أحد المسلحين مقصاً، واستخدمه لقص شوارب شيخ مريض في سريره. نزعوا بعنف سلسالاً من حول عنق زميلنا الممرض. قالوا: هذا فسق وزندقة”.
إقرأوا أيضاً:
تصف الممرضة م.س كيف قُتل المهندس المتطوع محمد بحصاص قائلةً: “قدّم لمسلّحٍ منهم زجاجة ماء: “تفضل، هلق جبتها لأشرب، ويبدو إنها من نصيبك”. أمسكها المسلح ورماها وشتمه (يا خنزير)، وتطاول بيده عليه. ردّ محمد بحصاص بدفع يد المسلّح عنه بقوة وهمّ ليردّ على شتيمته، فأطلق المسلح النار عليه في الصدر. جرّه مسلّحٌ آخر من قدميه، رسم دمه خطاً عريضاً يمتد من أمام زملائه على طول أرض الصالة حيث شحطوه إلى آخرها. سأل المسلّحون عن الأرقام السرية لكاميرات المستشفى. ذهبت مجموعةٌ منهم إلى المكتب الفنيّ. علمنا في ما بعد أنهم وصلوا إلى المهندس وائل عزام، المسؤول عنها، وأنه رفض إعطاءهم إياها فقتلوه ثم كسّروا الكاميرات. ربما من صالح الحقيقة وحدها أنهم لم يكسروا جميع الكاميرات، لتصوّر اللقطات التي وثّقت اقتحامهم حين بُثّت لاحقاً في الإعلام”.

كان الطبيب ل.ر موجوداً في قسم العمليات حين علم أنّ المسلحين اقتحموا المستشفى، لكنهم لم يصعدوا إلى الطابق الثاني بعد، يقول: “اتصلت بي زوجة الشهيد الدكتور طلعت: “بعدها جثة طلعت بين أكوام الجثث”. نزلت إلى المشرحة، ومعي طبيب وممرضان. تفاجأتُ أمامي بجثمان المهندس المتطوع محمد بحصاص، وقد أصبحت الجثث أكواماً فوق جثة د. طلعت وحولها وفاضت حتى الكوريدور أمام المشرحة. استهديت إلى جثة زميلي وصديقي التي لم يكن يظهر منها سوى رجله وبيجامة العمليات وخفافته السوداء. سحبناه، طلبتُ ماءً لأنظف ما أمكن من الدم عليه، فنبّهني زميلي: “الشهيد لا يُغسل. لكنني غسلتُ وجهه فقط. طلبتُ كيساً للجثة. نزعتُ خاتم الزواج من إصبعه (ظلّ الخاتم معي لشهرين حتى أستطيع لقاء زوجته وأسلّمها إياه). أدخلتُ الجثمان في الكيس، وكتبتُ بقلم فلوماستر: الشهيد المرحوم الدكتور طلعت عامر”.
يقول الطبيب ل.ر: “انتبه زميلي إلى أن أحد المسلحين يراقبنا فهمس لي: لا تكتب كلمة الشهيد. استدركتُ أنّ عقيدتهم تستنكر لقب الشهيد إلا لأتباعها. حاولتُ محو الكلمة بأصابعي وبالماء فلم تنمحِ. جلبوا لي قطعة شاش مبلولة بالكحول لأمحو بها كلمة الشهيد، والمسلح يراقبنا. بعدها سجّيناه وحده على طاولة خشب كانت مركونة تحت الدرج، أمام قسم الطبقي المحوري. حينها فقط اطمأننتُ أنّ أدنى درجات الإكرام قد توافرت لجثمان زميلي وصديقي وفدائيّ العمل، وعدتُ إلى قسم العمليات”.
يتابع الطبيب ل.ر: “وصلوا إلينا. أمرونا أولاً بعدم الدخول والخروج أو الاقتراب من النوافذ. بدا على المسلحين أنهم يستكشفون المكان ويفاجأون باتساع هذا القسم. خفنا. وهم أيضاً، أعتقد أنهم كانوا أيضاً خائفين. أمرونا بعدم الدخول والخروج أو الاقتراب من النوافذ ثم سألونا: أنتو دروز؟”.
يخبرنا الطبيب ل.ر كيف ظلوا قابعين جامدين ينتظرون التصفية في أية لحظة، يقول: “ساعاتٌ مرّت علينا بطول دهر لم نستقبل خلالها أي مريض أو مصاب. وعلمنا لاحقاً أنهم، وطوال فترة حصارهم واحتجازهم لنا، كانوا يطلقون النار على كل مريضِ جيء به إلى المستشفى لإسعافه، ماتوا أمام المستشفى، والطرقات من حوله. كانوا يقتلون أي إنسانٍ يظهر على أي طريق”.
الطبيب ق.س كان الطبيب الوحيد في اختصاصه، بقي ليومين يعمل وحيداً قبل أن يستطيع زميلان الوصول إلى المستشفى لينضما إليه، يقول: “أجريت وحدي نحو 25 عملية. وأنا نفسي خضعتُ لعملية جراحيةٍ كبرى قبل شهر من هجومهم على السويداء، وما أزال أشتغل بلا انقطاع منذ 13 تموز، وأنام أنا ورفاقي على ألواح كرتون، وشحاطة العمليات وسادة لرؤوسنا، والدم يملأ الأرض حولنا. يطعمني زميلي غصباً عني كسرات خبزٍ مع الزعتر قبل أن أتناول أدويتي الضرورية”.
يقول الطبيب ع.د إنّ يومي 15 و16 تموز كانا الأثقل، معظم الإصابات وصلت خلالهما، ويضيف أن عدد الطاقم من عاملين ومتطوعين بلغ حوالى 55 طبيباً، وحوالى 100 من التمريض وباقي القطاعات، يضيف: “لم ننم لحظة. أجرينا نحو 150 عملية، نشتغل وسط أصوات القصف والضغط النفسي الهائل، والعمل وحده يلهينا عن الاستسلام. كنا في المستشفى منذ 13 تموز، لا نستطيع المغادرة لتعذّر مجيء الطواقم البديلة بسبب القصف والقنص. أنا لا أعرف إن كان اجتياحٌ كهذا قد مرّ على أي مستشفى: حصارٌ بقطع الكهرباء والماء والطعام، ثم بقصفٍ واجتياح عسكري. لا أعرف من أين استمدّ طاقمنا القوة لنصمد لستة أيام، تحت القصف، نستقبل آلاف المصابين، تتراكم حولنا مئات الجثث، ونحن نشتغل بلا انقطاع، بلا مددٍ يرمّم نقص اللزوم الطبي وبلا طعام ولا راحة ولا نوم”.
في منتصف الليل، علمنا ممن تحدثنا إليهم أن المسلحين بدأوا يغادرون، لأن الأوامر جاءتهم بالانسحاب. انسحبوا على مراحل. وغادر آخرهم في السادسة صباحاً.
ما بعد الحملة ونقل الجثث
صباح انسحاب المهاجمين، باكراً، علا صياح شابٍّ بالأهالي: “فيقوا يا بني معروف… فيقوا نلمّ الشهدا… أني ابن قرية حرّان، ابن مرشد ع بيناديكم… أنا حسن مرشد ابن الشهيد وجيه مرشد، فيقوا… شهداءنا بالأرض… قوموا نلمّ الشهداء…”، ثمّ زغرودة امرأة… هذا ما أخبرنا به من كانوا هناك. وعلى مدار أشهر بعد الحملة، تفيد شهادة أطباء وممرضين ومسعفين متطوعين في المستشفى الوطني، بأسلوب التعامل مع الجثث.
بين 13 و 20 تموز/ يوليو، أمضى المستشفى الوطني أسبوع استنزافٍ مرير. جثث تتراكم، رؤوس ممزّقة بالرصاص من مسافة قريبة، أشلاءٌ ملقاة على الطرقات وأمام البيوت والمحالّ التجارية المحروقة، وداخل السيّارات المحروقة… جدران متساقطة، بقع الدماء في كل مكان.
محافظةٌ تشلّها رائحة الحرق والموت، محاصرةٌ كلياً، ومقطعة الأوصال، بما فيها المستشفى الوطني: لا ماء ولا كهرباء ولا محروقات ولا خبز ولا موادّ طبيّة، والحرّ شديد. يقول أحد العاملين: “نحن الطاقم والمتطوعين، اشتغلنا لأسبوعٍ بلا انقطاع، لا نستطيع المغادرة بسبب القصف في كل مكان، والقناصين على السطوح وحول جميع الطرقات، ولا يستطيع الطاقم البديل أن يأتي ليستلم ورديته للسبب ذاته، ولانقطاع البنزين أيضاً، ولأن قسماً كبيراً من زملائنا نازحون عن قراهم، ومشغولون بتأمين مأوى لأسرهم، وبعلاج مصابيهم حيث أصبحوا”.
خلال الاجتياح، وإضافة الى القتل العشوائي داخل المستشفى، أصابت قذائف الدبابات والهاون والرشاشات سطح المستشفى ومواسير المياه في الجزء الشمالي منه، فتصدّع السطح وانفجرت المواسير، وأصيبت بعض جدران المستشفى وكثيراً من أبوابه ونوافذه، وأطلق المهاجمون النار عشوائياً في قسم الإسعاف والعناية الإسعافية، فانعطبت أجهزته وأثاثه. وقد نفد المازوت لتشغيل المولّدات، وحتى نهاية هذا الأسبوع، أصبح المستشفى بحاجةٍ إلى كل شيء، إلى الخيوط والإبر والكفوف الجراحيّة، وإلى الأدوية… لكن غياب الماء وحده كان كارثة.

يقول طبيب من المستشفى أن أحد المتاجر الكبيرة أرسل دفعة عبوات ماء بحجمٍ صغير. كان طبيبٌ وممرض يجرانها إلى الداخل. أمام قسم الأشعة كانت تقف ممرضةٌ وعيناها على الماء، لكنها لم تطلب ولو قنينة. ناولها الممرّض عبوتين، وكانت دمعتها قد سبقتْ وصولهما إلى يدها. هنا لمح الطبيب نظرتها، كانت مزيجاً من الحاجة وعزّة النفس. سألها: “هل تكفي قنينتان”؟ أجابت: نحنا كثار هون بالقسم، كلنا عطشانين…”.
لجأ الطاقم الطبي إلى إتلاف بعض نفايات المستشفى بالحرق، فتسبّب الدخان والرائحة بزيادة التلوّث وإصابة بعض المرضى من جرحى المعارك، وبعض عناصر الكادر بنوبات ربو أو انقطاع تنفس، لكن كان التحدّي الأكبر في تدبير الجثث المتراكمة.
حتى انسحاب المسلحين من العشائر ووزارتي الدفاع والداخلية في 20 تموز/ يوليو، كانت جثث الضحايا، قد وصلت إلى عددٍ غير قابلٍ للإحصاء. يقول أحد الأطباء هناك: “تراكمت في المشرحة أولاً حتى فاضت عنها وتجمّعت في (ساحة البراد) بجوارها من الجهة الجنوبية، ثم في الساحة أمام قسم الرنين المغناطيسي، ثم في كوريدورات أقسام المستشفى القريبة والبعيدة عنها، ثم على فسحة الأرض الكبيرة حوله، إلى أرصفة الطريق العام خارجه. ولا يزال الأهالي يلمّونها من البيوت والمباني العامة والشوارع ويكدّسونها في السيارات لنقلها إلى المستشفى. وبقيت بعض سيارات البيكآب واقفةً بحمولتها من الجثث، حين لم يبقَ مكانٌ لتفرغها فيه. قسمٌ وازنٌ من هذه الجثث يعود بالتحديد إلى رجال ونساء بالزيّ الدينيّ، وأعمار الضحايا تراوح ما بين سنةٍ إلى ما يقارب التسعين”.
إثر مرور الوقت وشدّة حرّ تموز، بدأت الجثث تنتفخ وتتفسّخ وتنزّ منها سوائل غريبة، وتطفو منها رائحةٌ تشتد مع كل يوم حتى أصبحت لا تطاق، داخل المستشفى وعلى امتداد كيلومترٍ تقريباً حوله. أصبحت الجثث بحد ذاتها مصدر تهديدٍ بعدوى وإنتان جروح المصابين الراقدين في مختلف الأقسام. يقول أحد الأطباء: انتشر الذباب أسراباً هائلة، وحشراتٌ غيره، ضخمة لم نرَ مثلها من قبل، بكل ما قد تجلب من أوبئةٍ للجرحى والمصابين، وللكادر، وبقي السؤال: “كيف سندفنها؟!”.
تقول شهادات متقاطعة من المستشفى أنهم كانوا بانتظار أن ينفكّ الحصار ويأمن الأهالي بالقدوم إلى المستشفى للتعرف إلى جثث أقاربهم وأخذها للدفن في مقابر عائلاتهم. وهذا تعذّر أيضاً، فمقابر معظم العائلات تقع غرب مدينة السويداء، في مرمى أسلحة المهاجمين المتمركزين على حدودها. كما أنّ كثيراً من الأهالي مهجّرون، بالكاد يدبّرون الأحياء المصابين والمرضى والعجزة.
يقول أحد الأطباء: “فوضى، فوضى. لم يردّ المشايخ على اتصالاتنا، وكان لافتاً تقاعس الهلال الأحمر عن مساعدتنا، فهُم المدرّبون والمجهزّون باللباس الخاص لحالاتٍ كهذه، بينما نحن لا نملك خبرةً ولا لباساً ولا أدوات. فكّرنا في تأمين تركس ليحفر حفرةً شرق المستشفى لندفن الجثث فيها، ولم نجرؤ على اتخاذ قرار. حاول الكادر والمتطوّعون تجميع بعضها لإفساح ممرٍّ نتحّرك عبره، فأخفقوا لشدة ثقلها وفظاعة الرائحة وعدم امتلاك ثياب خاصة تحول دون التصاق السوائل الخارجة منها بأيادي المتطوعين وثيابهم. لم نبدأ بترحيل الجثث إلا بعد مرور 10 أيام، حين وصلتنا بدلاتٌ للعاملين (كتلك التي استُخدِمتْ في أثناء جائحة كورونا) وأعدادٌ كافية من الأكياس الخاصة بالجثث”.
وثّق الطبيب الشرعي وباقي الفريق الطبي والهلال الأحمر تعداد 1275 جثةً وإدراجها في سجلّات مستشفى السويداء الوطني. استطاع الفريق فحص 726 جثةً منها، من بينها كانت 121 جثةً مجهولة الهوية، يشير لباسها، إلى أنها من أهالي السويداء. يضيف الطبيب الشرعي: “سجّلنا الصفات والعلامات الخاصة بها على الكيس، (الجنس، العمر التقديريّ، أوصاف الثياب، وجود وشمٍ أو أية علامة فارقة)، ثم حُمّلت جميع الجثث إلى ضاحيةٍ قرب المدينة، حيث هُيّئت لها حفرةٌ جماعية. أقام المشايخ عليها صلاة الجنازة ودفنوها”.
أحصى المستشفى نحو 80 جثماناً لعناصر الأمن العام وعشائر البدو، وقام بالتنسيق مع الهلال الأحمر لتسلّمها ونقلها إلى دمشق، يقول أحد الأطباء هناك: “رحّلنا الجثث، ولا يزال الماء مقطوعاً. ونحتاج على الأقلّ ماءً للشرب، ولتنظيف الدم المتناثر على جميع الأرضيات والجدران. بدأ الأهالي يجلبونه إلى المستشفى بعبوات صغيرة، وكذلك الخلّ والكلور للتنظيف والتطهير. تناوب الأهالي أيضاً على توريد الطعام للمرضى وللكادر بعد نفاد احتياطي مطبخ المستشفى. لا خضار ولا لحوم ولا فاكهة. فقط ما تيسر من البرغل والعدس وباقي البقول، مع تقنين حجم الوجبات لكل مريض حتى تكفي الجميع لأطول مدة، فنحن لا نعرف متى ينتهي الحصار”.
أصبح المستشفى خارج الخدمة، بعد انتهاء الحملة، والجرح الأقسى لأيّ طبيب أن يصبح بيته الثاني خارج الخدمة، يقول أحد الأطباء العاملين هناك: “لو لم نكن في حالة حصارٍ كليّ لوجب إغلاق المستشفى الوطنيّ كليّاً حتى إعادة تأهيله، أقلّه لتنظيفه من الدم وباقي مخلّفات الإصابات، وتدبير النفايات المتراكمة، وتطهير المستشفى من احتمال الأوبئة، ثم ترميم جدرانه التي تهتّكت من القذائف المختلفة، واستبدال ما تهشّم من زجاج النوافذ والأبواب”.
تابع المستشفى استقبال الحالات الإسعافية، وتحويل الإصابات التي تحتاج إلى جراحة بطن أو جراحة عصبية أو عظمية إلى مستشفى صلخد، الذي بدأ من يومها يشتغل فوق طاقته. تحوّل إليه مرضى منطقة شهبا ومدينة السويداء، إضافة إلى منطقة صلخد نفسها، التي استقبلت ما يزيد عن 100 ألف مهجّرٍ من الريفين الغربي والشمالي، ما يعادل نحو خمسة أضعاف سكانها.











