“إلى أمير الظلام…”
يتم التهويل على نحو متصاعد بولادة ثانية لتنظيم “داعش”، والتهويل هذا ينطوي على سقطتين، الأولى افتراضه أن النسخة الأولى من التنظيم ذوت بعدما هُزمت، والثانية أن الولادة في طورها الأخير، وأن التنظيم في طور الانقضاض على الأوضاع الراهنة في سوريا والعراق، وأحياناً يشمل التهويل لبنان وإيران.
والحال أن “داعش” لم يولد في طوره الأول من فراغ، أو من وجود نوايا وقابليات لدى الجماعات التي تشكل منها، فهو بالدرجة الأولى وُلد من شرط سياسي، لا بل من شروط سياسية، معظمها اليوم غير متوافر. أما القابليات للتكفير والقتل والعنف، فهي دائماً ما كانت متوافرة، وهي اليوم متوافرة أيضاً، لكنها لوحدها أعجز عن أن تتحول إلى ما تحول إليه التنظيم قبل نحو عقد ونصف العقد من اليوم.
“داعش” مسخ اجتماعي، بمعنى أنه تشكل من عناصر عنف هجينة، ليس الإسلام التكفيري مركبه الوحيد، فالبعث والعشائر والضباط السابقون وتعثر اندماج مهاجرين بالمجتمعات الغربية، عناصر أضيفت إلى “فقه التوحش”، وتولت تخصيب عنف الجماعات الإسلامية بآلة حداثة عززتها تقنيات عصرية في القتل وفي إشهاره وتحويله مشهداً لتعميمه وأيقنته.
لكن الأهم من هذا كله هو الشرط السياسي للولادة، والذي، من دونه، ما كان لكل هذه العوامل أن تكون كافية لكي يتدفق التنظيم على المدن والبوادي العراقية والسورية، ويقيم “خلافته” على مساحة تفوق مساحة فرنسا!
والحال أن المهوّلين من الولادة الثانية لهذا المسخ الاجتماعي والسياسي، تدفعهم إلى ما يفعلونه أسباب مختلفة. القوى الكردية في سوريا تحذر من هذه الولادة بعد الذي أصابها، في ظل تخلي التحالف الدولي عنها وانحياز واشنطن الى السلطات السورية، وهو بحسبها ولّد فراغاً في المساحات الهائلة التي كانت تسيطر عليها.
الحكومة السورية بدورها، تتولى تضخيم المخاوف من “عدوها”، في سياق رغبتها في أن تكون جزءاً من التحالف الدولي، وهو ما يعطيها دفعاً ودعماً تتمكن عبرهما من مد سيطرتها على مزيد من الأطراف في سوريا.
ربما كانت السلطة العراقية (الشيعية) الأقل مراوغة في مخاوفها من “داعش”، ذاك أن تروما العام 2014 عندما سقطت كل مدن الشمال والغرب في العراق بيد التنظيم، ما زالت تتحكم بفهم الأطراف الشيعية في العراق حركة السلطة في بلدهم.
إلا أن هذه التروما ليست لوحدها وراء استيقاظ المخاوف من “داعش” في العراق، فبموازاة ولادة التنظيم ولد في حينها “الحشد الشعبي” بوصفه “الرد الشيعي” على دولة الخلافة (السنية)، واليوم يتعرض العراق لضغوط أميركية هائلة لحل الحشد وحصر السلاح بيد القوى النظامية العراقية، فلا بأس والحال هذه من التلويح بـ”داعش” كسبب للتمسك بالسلاح.
وبالعودة إلى شروط الولادة الأولى للتنظيم، فقد ترافقت مع شعور البيئة السنية، لا سيما في مدن باديتي الشام والأنبار، بهزيمة ألحقتها بها قوى شيعية في العراق وسوريا، وهذه ليست هي الحال اليوم، لا بل يشهد المشرق بداية صعود سني وأفولاً لنفوذ الجماعات الشيعية، سواء في سوريا أو في لبنان، وفي العراق يشهد النفوذ الإيراني حصاراً أحد أبرز أشكاله اليوم ما يواجهه ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة من استعصاء وإرباك.
في المراحل المبكرة للولادة الأولى لـ”داعش”، تغذى التنظيم المسخي بالمقاتلين عبر طرق أمّنتها دول على رأسها حكومات نجحت جماعة الإخوان المسلمين في تشكيلها. تونس البلد العربي الأكثر مساهمة في مد “داعش” بالمقاتلين، كانت تحكمه حركة النهضة في حينها! آلاف من “المجاهدين” غادروا تونس بتواطؤ مع حكومة النهضة، ووصلوا إلى تركيا التي يحكمها حزب العدالة والتنمية، ومن تركيا كانوا يتوزعون على سوريا والعراق. الأمر نفسه بالنسبة الى مصر التي كانت في حينها تعيش في ظل حكومة الإخوان المسلمين. هذا الشرط أيضاً لم يعد متوافراً.
لقد صار من شبه المؤكد تواطؤ أجهزة أمنية غربية في غض النظر عن توافد “جهاديين” أوروبيين إلى سوريا والعراق، بسبب وهم تخفيف الأعباء الأمنية الناجمة عن وجودهم في بلدانهم الأوروبية. هذه الأوهام انقلبت على أصحابها عندما بدأ “داعش” عملياته في أكثر من بلد أوروبي كفرنسا وبلجيكا وبريطانيا، وإذا كان الأوروبيون قد كرروا في حالة “داعش” خطأ الجهاد الأفغاني الذي سبق أن ارتدّ عليهم في تسعينات القرن الفائت، عبر تفجيرات أنفاق الميترو في باريس ولندن ومدريد، فالمرء يميل إلى الاعتقاد أنهم لن يلدغوا من الجحر مرة ثالثة.
أما الشرط العربي، غير السوري وغير العراقي، للولادة الأولى لـ”داعش”، فتمثل في التمويل الخليجي للتنظيم. وتختلط في هذا التمويل القنوات الأهلية بالقنوات الأمنية. آلاف من المقاتلين الخليجيين وصلوا إلى العراق وسوريا في حينها، ووصلت معهم تبرعات وهبات وظيفتها آنذاك التصدي لتمدد إيران عبر الأذرع الشيعية إلى سوريا والعراق. دول الخليج اليوم في موقع مختلف، ثم إن النفوذ الإيراني انحسر أو هو في طور الانحسار.
هذا كله لا يعني أن “داعش” قد انتهى، فالتنظيم ما زال ينشط في بؤر معزولة سياسياً واجتماعياً، وهو ينفذ عمليات سواء في سوريا أو العراق، لكنها عمليات لا تملك سياقاً سياسياً، ولا مشروعاً جاهزاً لفرض الـ”خلافة”. وهنا لا بد من الإشارة إلى عنصر ليس جديداً على الواقع إنما جديد على التحليل، وهو أن سلطة دمشق الجديدة سحبت من “داعش” طاقة “الظلامة السنية”، وفي الوقت ذاته أتاحت لها القرابة العقائدية معه وصولاً إلى أسرار التنظيم. وهذه السلطة وظّفت هذه المعرفة والقرابة في شبكة التحالف الدولي لمكافحة التنظيم.
وهنا لا بد من التذكير بأن الخليفة الأول لـ”داعش”، أبو بكر البغدادي، بقي متوارياً لثلاثة أعوام بعد هزيمة التنظيم في الموصل في العام 2016، ولم تنجح جهود ملاحقته، إلى أن حط رحاله في العام 2019 في ريف إدلب، المنطقة التي كانت تسيطر عليها جبهة النصرة بقيادة أبو محمد الجولاني، فقتله الجيش الأميركي عبر عملية إنزال غامضة.
“داعش” ليس كائناً سياسياً عاقلاً، هو أقرب إلى غريزة جماعية جامحة. وهو اليوم في مرحلة نوام لا موت. غريزة تنتظر فرصة للانقضاض، الفرصة غير متوافرة الآن، لكن من يدري فالمشرق بطن ولادة للفرص.
إقرأوا أيضاً:












