ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

مسلسل “بخمس أرواح”: تساؤلات حول اللهجة و”الاستشراق الداخلي”

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لا تدور أحداث المسلسل في سوريا، بل في لبنان، ضمن سياق دراما عربية مشتركة تتقاطع فيها شخصيات من جنسيات متعددة. ومع ذلك، لا يبدو هذا التعدد كافياً لتفكيك الصور الجاهزة، بل يعيد أحياناً إنتاجها بصيغة عابرة للحدود، إذ تُختزل الشخصيات السورية بين لهجة “بيضاء” عامة، وأخرى محلية تُستحضر بشكل غير دقيق، كما في حالة “سماهر” وعائلتها.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

الدراما السورية في تاريخها الطويل لم تكن مجرد صناعة ترفيهية تسرد حكايات الناس على الشاشة، هي إحدى الأدوات الأكثر تأثيراً في تكوين المخيال الاجتماعي، وترسيخ صورة مركزٍ ثقافي واضح يحتل موقع الصدارة في السرد الدرامي وعادة ما تكون دمشق، تليها حلب، هي المركز الذي تصاغ الحكايات حوله.

مع مرور الوقت بدا وكأن الكاميرا الدرامية تدور في الفضاء ذاته، بينما تتوارى مساحات واسعة من الجغرافيا السورية خارج إطار السرد أو لا تظهر إلا بصفتها هوامش عابرة، إذ تظهر دير الزور أو الرقة أو الحسكة أو القامشلي في الدراما السورية بصورة نادرة.

وإن حصل لا تظهر على أنها مساحات مدنية تمتلك تاريخاً اجتماعياً وثقافياً معقّداً، بل تُختزل غالباً في صور نمطية جاهزة: البدوي، شيخ العشيرة الغاضب، أو الساذج القادم من الأطراف إلى المدينة، أو المغنية الشعبية…الخ، وفي كثير من الأحيان تُصاغ لهجات أبناء هذه المناطق بطريقة هجينة لا تنتمي إلى بيئتهم الأم، فيما تُستحضر رموزهم الثقافية كونها زينة بصرية عابرة، فلكلور منفصل  عن السياق الاجتماعي، وأحياناً الدرامي.

اللهجة كأداة إقصاء ومحو

الصورة البصرية وسياسة الإنتاج في ظل الأسد ساهمتا في تكريس تمثيل اختزالي لسكان الجزيرة السورية، فاللهجة في العمل الدرامي ليست مجرد وسيلة نطق تضفي قدراً من الواقعية على الشخصية، بل تحمل طبقات من الذاكرة الاجتماعية والانتماء الثقافي، ما يجعل استخدامها مؤشراً دقيقاً إلى الكيفية التي يُنظر بها إلى مجتمعٍ ما داخل الخطاب الدرامي.

يظهر ذلك بوضوح في شخصية “سماهر” التي تؤديها كاريس بشار في مسلسل “بخمس أرواح”، الذي يُعرض الآن على منصة “شاهد” السعوديّة، إذ تُقدَّم الشخصية التي تعمل كمغنية شعبية بلهجة هجينة لا تنتمي إلى دير الزور ولا إلى  أي منطقة في الجزيرة، هي أقرب إلى تركيب لغوي غير مستقر. 

لا تدور أحداث المسلسل  في سوريا، بل في لبنان، ضمن سياق دراما عربية مشتركة تتقاطع فيها شخصيات من جنسيات متعددة. ومع ذلك، لا يبدو هذا التعدد كافياً لتفكيك الصور الجاهزة، بل يعيد أحياناً إنتاجها بصيغة عابرة للحدود، إذ تُختزل الشخصيات السورية بين لهجة “بيضاء” عامة، وأخرى محلية تُستحضر بشكل غير دقيق، كما في حالة “سماهر” وعائلتها.

هنا لا تبدو اللكنة امتداداً طبيعياً لخلفية الشخصية، بل اختياراً دلالياً يربط بين هوية لغوية محددة وصورة اجتماعية ملتبسة. ويزداد هذا الالتباس حين تُحمَّل الشخصية سمات صوتية قائمة على الصراخ ورفع النبرة، كأنها محاولة لتعويض غياب السيطرة على موسيقى اللهجة وإيقاعها، لا تعبيراً عن طبيعة اجتماعية حقيقية، وهو ما يضع الأداء، كما يلاحظ المسرحي والممثل السوري أيهم الآغا، في منطقة تعويض عجز لا إتقان.

ينعكس ذلك داخل السرد نفسه، حين تتحول اللكنة إلى جزء من مبررات رفض الشخصية اجتماعياً، كما في مشهد رفض زواج شمس( قصي خولي) من سماهر، حيث تُضاف اللهجة إلى مهنتها بوصفها علامة سلبية. عند هذا الحد لا تعود اللغة مجرد تفصيل أدائي، بل تصبح أداة تصنيف، تُنتج مسافة بين الشخصية ومحيطها، وتعيد ترميز الانتماء اللغوي كإشارة قابلة للوصم.

هذا الاستخدام لا ينفصل عن تصور أوسع يُجيز إعادة تشكيل لهجات المكان وفق مخيلة صنّاع العمل، غالباً نتيجة الاستسهال في البحث، وهو ما يفسّر هذا الإصرار على تركيب لهجات غير مستقرة، بدل الاشتغال على دقتها. ضمن هذا السياق، تبدو محاولات ضبط اللهجة، حتى حين تُستدعى، محدودة الأثر إذا لم تُؤخذ بجدية داخل عملية الإنتاج، حيث لا تُعامل دائماً بوصفها جزءاً من هوية الشخصية، بل كعنصر ثانوي يمكن تجاوزه، وهي مفارقة تكشف حساسية العلاقة بين الأداء والدقة اللغوية التي يتوقف عندها الآغا.

اللافت أن هذا التشويه لا يحدث داخل بيئة محلية مغلقة، بل ضمن عمل يفترض أنه عابر للجنسيات، ما يطرح سؤالاً حول كيفية تمثيل الهوية السورية حين تُنقل إلى فضاء إنتاجي مشترك.

لا تبدو المشكلة في أن يؤدي ممثل من خارج المنطقة دوراً ينتمي إليها، بل في غياب الاشتغال الجدي على مفاتيحها الدقيقة، ما يحوّل اللهجة إلى عنصر شكلي داخل نص يتعامل مع الشرق السوري كما لو أنه امتداد لفضاء “بدوي” واحد. وهنا يتشكل شعور الاغتراب لدى أبناء المنطقة، حين يرون لغتهم اليومية، بكل ما تحمله من تاريخ وتجربة، تُعاد صياغتها على الشاشة بوصفها مادة قابلة للتشويه أو التكييف الدرامي.

محاولات استحضار دير الزور عبر اللهجة بدت في كثير من الأحيان شكلية، كما حصل في مسلسل “خريف العشاق” (رمضان 2021) من خلال أداء صفاء سلطان، أو في شخصية “غزال” في مسلسل “بروكار” (رمضان 2020). في الحالتين، لم تكن المشكلة في الأداء فقط، بل في غياب الاشتغال المتكامل على الشخصية: لهجة غير متقنة، كتابة سطحية لا تنفذ إلى عمق التجربة الاجتماعية، وإخراج غير قادر على توظيف هذا العالم درامياً. النتيجة كانت شخصيات مفككة، لا تعكس المكان بقدر ما تستعيره شكلياً.

من التشويه إلى السخرية

لا يتوقف الأمر عند حدود التمثيل المرتبك، بل يتجاوز ذلك إلى تحويل هوية المنطقة إلى مادة جاهزة للتهكم كما في أعمال سابقة، حيث لا تُستخدم اللهجة الفراتية هنا كحامل للذاكرة، بل كأداة ميكانيكية لإنتاج النكتة عبر مفردات مبالغ بها ونبرات صوتية كاريكاتورية. هذا الخيار الدرامي الواعي ينتقل بالسخرية من حيز “الخطأ الفني” إلى حيز “التنميط الممنهج”، محولاً الاختلاف اللغوي من جسر للفهم الاجتماعي إلى جدار عازل يُبنى بالضحك السطحي.

هذه الصور لا تبقى حبيسة الشاشة، بل تتسرب لتسمم الوعي الجمعي السوري، وهو ما يفسر طبيعة الأسئلة “الاستشراقية” التي يواجهها أبناء المنطقة في حواضر المركز، من قبيل: “هل أنت عراقي؟” أو “كيف تعيشون هناك؟”، وصولاً إلى عبارات المديح الملغومة مثل “معقول أنت من المنطقة الشرقية؟”. 

هذه التساؤلات- التي تبدو بريئة في ظاهرها- ليست إلا انعكاساً لصورة ذهنية استقرت في الوجدان السوري بفعل ضخ درامي استمر لعقود، وصاغت “الآخر” القادم من الشرق بوصفه كائناً غرائبياً لا يشبه السائد.

بهذا المعنى، يتم تجريد السوري في المنطقة الشرقية من تعقيده المدني، وتحويل عناصره اليومية وصوته إلى أدوات للاستهلاك السريع. وحين يُستلب الصوت من معناه ويُختزل في نكتة، يصبح من السهل استلاب الأشياء والرموز أيضاً، لتتحول من طقوس اجتماعية حميمية إلى مجرد إشارات شكلية منفصلة عن سياقها الحقيقي.

تزييف الانتماء

كما تُحمَّل اللهجة دلالات تتجاوز وظيفتها اللغوية، إذ تتعرض الرموز اليومية المرتبطة بالثقافة المحلية لتفريغ مشابه داخل بعض الأعمال الدرامية، حيث تُستدعى بوصفها علامة بصرية سريعة لا امتداداً لتجربة معاشَة. يظهر ذلك في استحضار “الكليجة” في مشهد بداخل مسلسل “بخمس أرواح”، هذه الحلوى، المرتبطة بطقوس الأعياد وذاكرة جماعية في منطقة الفرات تقوم على الاجتماع والمشاركة، تُقدَّم منفصلة عن سياقها، كعنصر عابر داخل الكادر. بهذه الهيئة تفقد العلامة وظيفتها الاجتماعية، وتتحول إلى قشرة شكلية توحي بوجود بيئة محلية من دون أن تعبّر عنها فعلياً.

هذا الاستخدام لا يختزل الرمز بقدر ما يكشف خللاً في بناء الشخصية نفسها، إذ لا تُفهم عناصر مثل “الكليجة” إلا ضمن منظومة ثقافية أوسع. هنا تحديداً، كما يتضح في مقاربة الآغا، لا يكون الخلل في العنصر بحد ذاته، بل في غياب الاشتغال على دلالاته، وفي الاكتفاء بمحاكاة خارجية تفصل الشكل عن معناه.

من هذا المنطلق، لا يتحقق إتقان الشخصية عبر مظهرها، بل عبر فهم مفاتيحها الدقيقة المرتبطة بالمكان. وإلا يغدو السؤال مشروعاً: ما القيمة الفنية لشخصية تُقدَّم بلهجة مشوشة ورموز منزوعة الدلالة؟ خصوصاً حين تُظهر تجارب أخرى قدرة الممثل نفسه على ضبط لهجات مختلفة بدقة، ما يجعل هذا التفاوت أقرب إلى تراخٍ منهجي يكشف خللاً في معايير الجدية، إذ تتحول الدقة من شرط مهني إلى خيار قابل للتجاوز. 

دراما على “النهج”

عند هذه النقطة، لا تعود المشكلة في كيفية تمثيل مناطق الجزيرة السورية، بل في الإصرار على التعامل معها كعبء درامي لا كمساحة قابلة للسرد. فالحجة المتكررة حول “عدم قابلية هذه البيئة للتسويق عربياً” تكشف، عند تفكيكها، عن خلل في موضع آخر: ليس في المكان، بل في القدرة على إنتاج قصة تُقنع خارج القوالب الجاهزة.

ضمن هذا السياق، تبدو هذه الذريعة أقرب إلى محاولة نقل الإشكالية من النص إلى الجغرافيا، وهو ما يعبّر عنه المسرحي إيهم الآغا باقتضاب حين يربط بين تكرار هذا التبرير واستمرار العجز عن إنتاج مقاربة مختلفة. فالمشكلة، كما يتبدى هنا، لا تتعلق بالبيئة بقدر ما تتعلق بطريقة تقديمها، إذ لا يوجد ما يجعل مكاناً “غير قابل للتسويق” بحد ذاته، بقدر ما توجد أعمال عاجزة عن جعله قابلاً للرؤية.

ولعل ما يكشف خطورة هذا المسار أنه لا يتوقف عند حدود الشاشة. أتذكر خلال إقامتي في تركيا أن سيدة سورية سألتني بجدية إن كنا لا نزال نعيش في خيام. لم يكن السؤال بريئاً بقدر ما كان نتيجة صورة تراكمت حتى بدت كحقيقة. لم أجد سوى السخرية إجابة: “نعم، لكن طورناها… صارت بطابقين وفيها مصعد”. في تلك اللحظة، بدا واضحاً أن المشكلة لم تعد في التمثيل، بل في ما ينتجه من وعي.

الاستمرار في إنتاج هذه الصورة لم يعد مجرد ضعف فني، بل تسطيحاً متعمداً يُعيد تحميل المكان مسؤولية فشل لا يخصه. وفي هذا التموضع، لا تخفق الدراما في تمثيل الشرق السوري فحسب، بل تتعثر في اختبارها الأساسي: أن تقول شيئاً حقيقياً خارج ما اعتادت قوله.

الاستشراق الداخلي

ليست المشكلة، إذاً، في ندرة حضور الجزيرة السورية داخل الأعمال الدرامية فحسب، بل في الكيفية التي يُستدعى بها هذا الحضور،  فبدلاً من أن تنبع رواية المكان من داخله، ومن تجربته الاجتماعية وتاريخه المحلي، يُقدَّم غالباً عبر نظرة خارجية تُعيد تشكيل الشخصيات وتحدد أدوارها مسبقاً ضمن قوالب جاهزة.

 هكذا يتحول ابن المنطقة إلى شخصية وظيفية/نمطية داخل النص، تؤدي دوراً محدداً يخدم مساره، من دون أن تمتلك صوتها الخاص أو تعقيدها الإنساني. وفي هذا السياق، تُختزل الحياة اليومية والتحولات الاجتماعية والذاكرة الثقافية الغنية في ملامح سطحية، بينما يغيب الفضاء المدني بكل ما يحمله من تناقضات وتجارب حديثة. وهنا يبرز سؤال يتجاوز حدود الصناعة نفسها: من يملك حق رواية الشرق السوري، ومن يحدد صورته أمام الجمهور؟

ضمن هذا الإطار، يتكرّس ما يمكن تسميته شكلاً من “الاستشراق الداخلي” في الدراما السورية، حيث لا تُعامل مناطق الأطراف بوصفها فضاءً اجتماعياً مركّباً، بل كامتداد بدائي أو “بادية مفتوحة” تصلح خلفية جاهزة لمشاهد العنف أو الفلكلور السطحي. هذا الميل، يحكي عنه لـ”درج” المسرحي السوري أيهم الآغا، لا يرتبط فقط بذائقة بصرية أو اعتبارات سوقية، بل أيضاً بضعف الجهد المبذول في فهم المنطقة، ما يجعل الصورة الأكثر اختزالاً الخيار الأسهل درامياً. وعليه، لا يكون تغييب المدن مثل دير الزور أو الحسكة أو القامشلي أو الرقة نتيجة غيابها الفعلي، بل نتيجة إقصائها لصالح تمثيل مريح وسريع، يعيد إنتاج  هذه المناطق ضمن إطار ضيق.

هكذا تُفرَّغ المنطقة من تاريخها ومسارات تشكّلها الاجتماعي الطويل، وتُختزل إلى جغرافيا خام، على الرغم من أنها فضاء مدني شهد عبر قرون نشوء مدن وأسواق وشبكات اقتصادية وثقافية، وتداخل جماعات متعددة ــ عربية وكردية وسريانية وأرمنية ــ ساهمت في بناء هوية محلية مركّبة. غير أن هذا التعقيد نادراً ما يجد طريقه إلى الشاشة، حيث يُستبدل بصورة مبسّطة تُبقيه في موقع الهامش، لا بوصفه غائباً، بل بوصفه مُعاد التعريف وفق نظرة لا تنتمي إليه.

20.03.2026
زمن القراءة: 8 minutes

لا تدور أحداث المسلسل في سوريا، بل في لبنان، ضمن سياق دراما عربية مشتركة تتقاطع فيها شخصيات من جنسيات متعددة. ومع ذلك، لا يبدو هذا التعدد كافياً لتفكيك الصور الجاهزة، بل يعيد أحياناً إنتاجها بصيغة عابرة للحدود، إذ تُختزل الشخصيات السورية بين لهجة “بيضاء” عامة، وأخرى محلية تُستحضر بشكل غير دقيق، كما في حالة “سماهر” وعائلتها.

الدراما السورية في تاريخها الطويل لم تكن مجرد صناعة ترفيهية تسرد حكايات الناس على الشاشة، هي إحدى الأدوات الأكثر تأثيراً في تكوين المخيال الاجتماعي، وترسيخ صورة مركزٍ ثقافي واضح يحتل موقع الصدارة في السرد الدرامي وعادة ما تكون دمشق، تليها حلب، هي المركز الذي تصاغ الحكايات حوله.

مع مرور الوقت بدا وكأن الكاميرا الدرامية تدور في الفضاء ذاته، بينما تتوارى مساحات واسعة من الجغرافيا السورية خارج إطار السرد أو لا تظهر إلا بصفتها هوامش عابرة، إذ تظهر دير الزور أو الرقة أو الحسكة أو القامشلي في الدراما السورية بصورة نادرة.

وإن حصل لا تظهر على أنها مساحات مدنية تمتلك تاريخاً اجتماعياً وثقافياً معقّداً، بل تُختزل غالباً في صور نمطية جاهزة: البدوي، شيخ العشيرة الغاضب، أو الساذج القادم من الأطراف إلى المدينة، أو المغنية الشعبية…الخ، وفي كثير من الأحيان تُصاغ لهجات أبناء هذه المناطق بطريقة هجينة لا تنتمي إلى بيئتهم الأم، فيما تُستحضر رموزهم الثقافية كونها زينة بصرية عابرة، فلكلور منفصل  عن السياق الاجتماعي، وأحياناً الدرامي.

اللهجة كأداة إقصاء ومحو

الصورة البصرية وسياسة الإنتاج في ظل الأسد ساهمتا في تكريس تمثيل اختزالي لسكان الجزيرة السورية، فاللهجة في العمل الدرامي ليست مجرد وسيلة نطق تضفي قدراً من الواقعية على الشخصية، بل تحمل طبقات من الذاكرة الاجتماعية والانتماء الثقافي، ما يجعل استخدامها مؤشراً دقيقاً إلى الكيفية التي يُنظر بها إلى مجتمعٍ ما داخل الخطاب الدرامي.

يظهر ذلك بوضوح في شخصية “سماهر” التي تؤديها كاريس بشار في مسلسل “بخمس أرواح”، الذي يُعرض الآن على منصة “شاهد” السعوديّة، إذ تُقدَّم الشخصية التي تعمل كمغنية شعبية بلهجة هجينة لا تنتمي إلى دير الزور ولا إلى  أي منطقة في الجزيرة، هي أقرب إلى تركيب لغوي غير مستقر. 

لا تدور أحداث المسلسل  في سوريا، بل في لبنان، ضمن سياق دراما عربية مشتركة تتقاطع فيها شخصيات من جنسيات متعددة. ومع ذلك، لا يبدو هذا التعدد كافياً لتفكيك الصور الجاهزة، بل يعيد أحياناً إنتاجها بصيغة عابرة للحدود، إذ تُختزل الشخصيات السورية بين لهجة “بيضاء” عامة، وأخرى محلية تُستحضر بشكل غير دقيق، كما في حالة “سماهر” وعائلتها.

هنا لا تبدو اللكنة امتداداً طبيعياً لخلفية الشخصية، بل اختياراً دلالياً يربط بين هوية لغوية محددة وصورة اجتماعية ملتبسة. ويزداد هذا الالتباس حين تُحمَّل الشخصية سمات صوتية قائمة على الصراخ ورفع النبرة، كأنها محاولة لتعويض غياب السيطرة على موسيقى اللهجة وإيقاعها، لا تعبيراً عن طبيعة اجتماعية حقيقية، وهو ما يضع الأداء، كما يلاحظ المسرحي والممثل السوري أيهم الآغا، في منطقة تعويض عجز لا إتقان.

ينعكس ذلك داخل السرد نفسه، حين تتحول اللكنة إلى جزء من مبررات رفض الشخصية اجتماعياً، كما في مشهد رفض زواج شمس( قصي خولي) من سماهر، حيث تُضاف اللهجة إلى مهنتها بوصفها علامة سلبية. عند هذا الحد لا تعود اللغة مجرد تفصيل أدائي، بل تصبح أداة تصنيف، تُنتج مسافة بين الشخصية ومحيطها، وتعيد ترميز الانتماء اللغوي كإشارة قابلة للوصم.

هذا الاستخدام لا ينفصل عن تصور أوسع يُجيز إعادة تشكيل لهجات المكان وفق مخيلة صنّاع العمل، غالباً نتيجة الاستسهال في البحث، وهو ما يفسّر هذا الإصرار على تركيب لهجات غير مستقرة، بدل الاشتغال على دقتها. ضمن هذا السياق، تبدو محاولات ضبط اللهجة، حتى حين تُستدعى، محدودة الأثر إذا لم تُؤخذ بجدية داخل عملية الإنتاج، حيث لا تُعامل دائماً بوصفها جزءاً من هوية الشخصية، بل كعنصر ثانوي يمكن تجاوزه، وهي مفارقة تكشف حساسية العلاقة بين الأداء والدقة اللغوية التي يتوقف عندها الآغا.

اللافت أن هذا التشويه لا يحدث داخل بيئة محلية مغلقة، بل ضمن عمل يفترض أنه عابر للجنسيات، ما يطرح سؤالاً حول كيفية تمثيل الهوية السورية حين تُنقل إلى فضاء إنتاجي مشترك.

لا تبدو المشكلة في أن يؤدي ممثل من خارج المنطقة دوراً ينتمي إليها، بل في غياب الاشتغال الجدي على مفاتيحها الدقيقة، ما يحوّل اللهجة إلى عنصر شكلي داخل نص يتعامل مع الشرق السوري كما لو أنه امتداد لفضاء “بدوي” واحد. وهنا يتشكل شعور الاغتراب لدى أبناء المنطقة، حين يرون لغتهم اليومية، بكل ما تحمله من تاريخ وتجربة، تُعاد صياغتها على الشاشة بوصفها مادة قابلة للتشويه أو التكييف الدرامي.

محاولات استحضار دير الزور عبر اللهجة بدت في كثير من الأحيان شكلية، كما حصل في مسلسل “خريف العشاق” (رمضان 2021) من خلال أداء صفاء سلطان، أو في شخصية “غزال” في مسلسل “بروكار” (رمضان 2020). في الحالتين، لم تكن المشكلة في الأداء فقط، بل في غياب الاشتغال المتكامل على الشخصية: لهجة غير متقنة، كتابة سطحية لا تنفذ إلى عمق التجربة الاجتماعية، وإخراج غير قادر على توظيف هذا العالم درامياً. النتيجة كانت شخصيات مفككة، لا تعكس المكان بقدر ما تستعيره شكلياً.

من التشويه إلى السخرية

لا يتوقف الأمر عند حدود التمثيل المرتبك، بل يتجاوز ذلك إلى تحويل هوية المنطقة إلى مادة جاهزة للتهكم كما في أعمال سابقة، حيث لا تُستخدم اللهجة الفراتية هنا كحامل للذاكرة، بل كأداة ميكانيكية لإنتاج النكتة عبر مفردات مبالغ بها ونبرات صوتية كاريكاتورية. هذا الخيار الدرامي الواعي ينتقل بالسخرية من حيز “الخطأ الفني” إلى حيز “التنميط الممنهج”، محولاً الاختلاف اللغوي من جسر للفهم الاجتماعي إلى جدار عازل يُبنى بالضحك السطحي.

هذه الصور لا تبقى حبيسة الشاشة، بل تتسرب لتسمم الوعي الجمعي السوري، وهو ما يفسر طبيعة الأسئلة “الاستشراقية” التي يواجهها أبناء المنطقة في حواضر المركز، من قبيل: “هل أنت عراقي؟” أو “كيف تعيشون هناك؟”، وصولاً إلى عبارات المديح الملغومة مثل “معقول أنت من المنطقة الشرقية؟”. 

هذه التساؤلات- التي تبدو بريئة في ظاهرها- ليست إلا انعكاساً لصورة ذهنية استقرت في الوجدان السوري بفعل ضخ درامي استمر لعقود، وصاغت “الآخر” القادم من الشرق بوصفه كائناً غرائبياً لا يشبه السائد.

بهذا المعنى، يتم تجريد السوري في المنطقة الشرقية من تعقيده المدني، وتحويل عناصره اليومية وصوته إلى أدوات للاستهلاك السريع. وحين يُستلب الصوت من معناه ويُختزل في نكتة، يصبح من السهل استلاب الأشياء والرموز أيضاً، لتتحول من طقوس اجتماعية حميمية إلى مجرد إشارات شكلية منفصلة عن سياقها الحقيقي.

تزييف الانتماء

كما تُحمَّل اللهجة دلالات تتجاوز وظيفتها اللغوية، إذ تتعرض الرموز اليومية المرتبطة بالثقافة المحلية لتفريغ مشابه داخل بعض الأعمال الدرامية، حيث تُستدعى بوصفها علامة بصرية سريعة لا امتداداً لتجربة معاشَة. يظهر ذلك في استحضار “الكليجة” في مشهد بداخل مسلسل “بخمس أرواح”، هذه الحلوى، المرتبطة بطقوس الأعياد وذاكرة جماعية في منطقة الفرات تقوم على الاجتماع والمشاركة، تُقدَّم منفصلة عن سياقها، كعنصر عابر داخل الكادر. بهذه الهيئة تفقد العلامة وظيفتها الاجتماعية، وتتحول إلى قشرة شكلية توحي بوجود بيئة محلية من دون أن تعبّر عنها فعلياً.

هذا الاستخدام لا يختزل الرمز بقدر ما يكشف خللاً في بناء الشخصية نفسها، إذ لا تُفهم عناصر مثل “الكليجة” إلا ضمن منظومة ثقافية أوسع. هنا تحديداً، كما يتضح في مقاربة الآغا، لا يكون الخلل في العنصر بحد ذاته، بل في غياب الاشتغال على دلالاته، وفي الاكتفاء بمحاكاة خارجية تفصل الشكل عن معناه.

من هذا المنطلق، لا يتحقق إتقان الشخصية عبر مظهرها، بل عبر فهم مفاتيحها الدقيقة المرتبطة بالمكان. وإلا يغدو السؤال مشروعاً: ما القيمة الفنية لشخصية تُقدَّم بلهجة مشوشة ورموز منزوعة الدلالة؟ خصوصاً حين تُظهر تجارب أخرى قدرة الممثل نفسه على ضبط لهجات مختلفة بدقة، ما يجعل هذا التفاوت أقرب إلى تراخٍ منهجي يكشف خللاً في معايير الجدية، إذ تتحول الدقة من شرط مهني إلى خيار قابل للتجاوز. 

دراما على “النهج”

عند هذه النقطة، لا تعود المشكلة في كيفية تمثيل مناطق الجزيرة السورية، بل في الإصرار على التعامل معها كعبء درامي لا كمساحة قابلة للسرد. فالحجة المتكررة حول “عدم قابلية هذه البيئة للتسويق عربياً” تكشف، عند تفكيكها، عن خلل في موضع آخر: ليس في المكان، بل في القدرة على إنتاج قصة تُقنع خارج القوالب الجاهزة.

ضمن هذا السياق، تبدو هذه الذريعة أقرب إلى محاولة نقل الإشكالية من النص إلى الجغرافيا، وهو ما يعبّر عنه المسرحي إيهم الآغا باقتضاب حين يربط بين تكرار هذا التبرير واستمرار العجز عن إنتاج مقاربة مختلفة. فالمشكلة، كما يتبدى هنا، لا تتعلق بالبيئة بقدر ما تتعلق بطريقة تقديمها، إذ لا يوجد ما يجعل مكاناً “غير قابل للتسويق” بحد ذاته، بقدر ما توجد أعمال عاجزة عن جعله قابلاً للرؤية.

ولعل ما يكشف خطورة هذا المسار أنه لا يتوقف عند حدود الشاشة. أتذكر خلال إقامتي في تركيا أن سيدة سورية سألتني بجدية إن كنا لا نزال نعيش في خيام. لم يكن السؤال بريئاً بقدر ما كان نتيجة صورة تراكمت حتى بدت كحقيقة. لم أجد سوى السخرية إجابة: “نعم، لكن طورناها… صارت بطابقين وفيها مصعد”. في تلك اللحظة، بدا واضحاً أن المشكلة لم تعد في التمثيل، بل في ما ينتجه من وعي.

الاستمرار في إنتاج هذه الصورة لم يعد مجرد ضعف فني، بل تسطيحاً متعمداً يُعيد تحميل المكان مسؤولية فشل لا يخصه. وفي هذا التموضع، لا تخفق الدراما في تمثيل الشرق السوري فحسب، بل تتعثر في اختبارها الأساسي: أن تقول شيئاً حقيقياً خارج ما اعتادت قوله.

الاستشراق الداخلي

ليست المشكلة، إذاً، في ندرة حضور الجزيرة السورية داخل الأعمال الدرامية فحسب، بل في الكيفية التي يُستدعى بها هذا الحضور،  فبدلاً من أن تنبع رواية المكان من داخله، ومن تجربته الاجتماعية وتاريخه المحلي، يُقدَّم غالباً عبر نظرة خارجية تُعيد تشكيل الشخصيات وتحدد أدوارها مسبقاً ضمن قوالب جاهزة.

 هكذا يتحول ابن المنطقة إلى شخصية وظيفية/نمطية داخل النص، تؤدي دوراً محدداً يخدم مساره، من دون أن تمتلك صوتها الخاص أو تعقيدها الإنساني. وفي هذا السياق، تُختزل الحياة اليومية والتحولات الاجتماعية والذاكرة الثقافية الغنية في ملامح سطحية، بينما يغيب الفضاء المدني بكل ما يحمله من تناقضات وتجارب حديثة. وهنا يبرز سؤال يتجاوز حدود الصناعة نفسها: من يملك حق رواية الشرق السوري، ومن يحدد صورته أمام الجمهور؟

ضمن هذا الإطار، يتكرّس ما يمكن تسميته شكلاً من “الاستشراق الداخلي” في الدراما السورية، حيث لا تُعامل مناطق الأطراف بوصفها فضاءً اجتماعياً مركّباً، بل كامتداد بدائي أو “بادية مفتوحة” تصلح خلفية جاهزة لمشاهد العنف أو الفلكلور السطحي. هذا الميل، يحكي عنه لـ”درج” المسرحي السوري أيهم الآغا، لا يرتبط فقط بذائقة بصرية أو اعتبارات سوقية، بل أيضاً بضعف الجهد المبذول في فهم المنطقة، ما يجعل الصورة الأكثر اختزالاً الخيار الأسهل درامياً. وعليه، لا يكون تغييب المدن مثل دير الزور أو الحسكة أو القامشلي أو الرقة نتيجة غيابها الفعلي، بل نتيجة إقصائها لصالح تمثيل مريح وسريع، يعيد إنتاج  هذه المناطق ضمن إطار ضيق.

هكذا تُفرَّغ المنطقة من تاريخها ومسارات تشكّلها الاجتماعي الطويل، وتُختزل إلى جغرافيا خام، على الرغم من أنها فضاء مدني شهد عبر قرون نشوء مدن وأسواق وشبكات اقتصادية وثقافية، وتداخل جماعات متعددة ــ عربية وكردية وسريانية وأرمنية ــ ساهمت في بناء هوية محلية مركّبة. غير أن هذا التعقيد نادراً ما يجد طريقه إلى الشاشة، حيث يُستبدل بصورة مبسّطة تُبقيه في موقع الهامش، لا بوصفه غائباً، بل بوصفه مُعاد التعريف وفق نظرة لا تنتمي إليه.