ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

مسلسل” ترتيب خاص”: الكوميديا بمواجهة واقع اللاجئين السوريين في لبنان

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

هل نجحت الدراما في أن تعكس واقعاً معقداً كواقع اللاجئين السوريين في لبنان؟ مسلسل “ترتيب خاص” قارب القضية الإشكالية بأسلوب خاص، فهل حقق الهدف؟

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

تختلط المشاعر عند مشاهدة المسلسل اللبناني السوري المشترك “ترتيب خاص”، الذي عُرض مؤخراً على منصة “أمازون برايم”، إذا يحاول  المسلسل رسم الابتسامة على وجوه المتابعين تارةً، وكسب التعاطف تارةً  أخرى، وأحياناً استدعاء الغضب والحزن، ليترك المشاهد بعد حلقاته العشرة مع مجموعة مُبعثرة من الانطباعات.

واجه مسلسل “ترتيب خاص” صعوبات في الطريق إلى الشاشة، ليتم عرضه بعد انتهاء تصويره بنحو عامين ونصف العام، خلال هذه المدة تم تحديد موعد العرض مرتين ثم تأجيله، حيث كان من المفترض أن يُعرض في نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، لكن تم تأجيل العرض بسبب الحرب على غزة، وفقاً لتصريحات شركة الإنتاج “فالكون فيلمز” وتم الإعلان لاحقاً عن عرضه خلال موسم رمضان 2024، لكن ذلك لم يتحقق، ولم يتم تبرير تأجيل المسلسل من قبل الشركة المنتجة أو المشاركين فيه.

لعل الأسباب التي أدت إلى تأخير “ترتيب خاص” كل هذه المدة، تتعلق بطبيعة المسلسل نفسه، وليست مرتبطة بالضرورة بالظروف الخارجية والمشكلات التسويقية؛ كما كانت توحي التصريحات السابقة، لأن المسلسل يطرح قضايا ومواضيع “جريئة”، ويعالجها من منظور مختلف عن كل ما سبقه، ليُشكل قطيعة مع المسلسلات السورية – اللبنانية المشتركة التي عُرضت خلال السنوات الماضية، التي وإن كان بعضها قد تطرق إلى مواضيع العنصرية المتبادلة بين السوريين واللبنانيين، كمسلسل “النار بالنار-2023″، لكنها لم تُقدم شيئاً مختلفاً عمّا يتم تداوله في وسائل الإعلام.

يعالج “ترتيب خاص” قضية اللاجئين السوريين في لبنان بطريقة أكثر جرأة، ويُسلط الضوء على مشكلة اللاجئين السوريين الذين  تحولوا إلى دمية أو ورقة سياسية في لبنان، تتاجر بها الطبقة السياسية ومنظمات المجتمع المدني؛ الأمر الذي بتنا نلمسه بشكل أوضح واقعاً مع ارتفاع الأصوات المطالبة بعودة اللاجئين السوريين إلى حضن النظام السوري مؤخراً، ولا سيما عندما تصدر التصريحات عن شخصيات دعمت الثورة ضد النظام السوري. 

لا يمكن إنكار جرأة المسلسل لغةً، وهي تبرز من خلال التعبير عن الغضب بالشتائم الجنسية وبرفع الأصابع الوسطى، وأنه لم يلجأ إلى تمويه المسائل الحساسة أو تشفيرها كالدوافع الإجرامية أو الفيتشات الجنسية، وإن كان طرح هذه القضايا ضمن قالب كوميدي قد يؤدي إلى تخفيف حدتها بعض الشيء، ولكنها تبقى الأكثر جرأة في تاريخ الدراما السورية اللبنانية المشتركة. 

شارك في بطولة المسلسل مجموعة من النجوم السوريين واللبنانيين، منهم مكسيم خليل وفؤاد يمين وناتاشا شوفاني وعباس النوري ولين غرة وكارول الحاج، يُعد “ترتيب خاص” أول تجربة إخراجية في الدراما التلفزيونية لميار النوري، ابن الفنان السوري عباس النوري. 

شارك ميار النوري أيضاً في كتابة نص المسلسل بالتعاون مع فؤاد يمين ورامي عواض، وهذه وحدها تطرح تساؤلات عن علاقات الإنتاج، فكنية “النوري” تتكرر في الشارة، ناهيك بوقوف عباس النوري صاحب الصورة الشهيرة مع بشار الأسد، إلى جانب مكسيم خليل، الذي صرح مؤخراً أنه آخر شخص سيعود لسوريا!.

السوري في لبنان خارج “الفيلا”

لا يتأخر “ترتيب خاص” في إعلان اختلافه، فيحدث ذلك في المشاهد الأولى التي يتم فيها تقديم شخصية بطل العمل أحمد الأصابيعي، الذي يؤدي دوره مكسيم خليل، ويعمل في مطعم للوجبات السريعة؛ ليُعطي ذلك بعداً واقعياً للشخصية بمعزل عن باقي المعطيات، وللمفارقة، تعتبر مهنة بطل العمل سابقة في الدراما السورية اللبنانية المشتركة، على الرغم من كثرة السوريين الذين يعملون في قطاع الخدمات في لبنان. 

في المسلسلات المشتركة، تم تنميط شخصيات السوريين بنمطين لا ثالث لهما: الأول هو السوري فاحش الثراء، الذي يملك الجاه والسلطة ويُمارس مهناً قد لا يكون القانون اللبناني يُسهّل للسوريين العمل فيها، كالطب والمحاماة، ولا تشغله هموم اللاجئين  السوريين ولا يتعرض للعنصرية البتة. وقد كان هذا النمط من الشخصيات مسيطراً على الأدوار الرئيسية في المسلسلات المشتركة في العقد الماضي، التي لعب أدوار البطولة فيها تيم حسن وعابد فهد وباسل خياط؛ فكان تيم حسن رجل أعمال في مسلسلات “تشيللو” و”نص يوم”، ومحامياً في مسلسل “العميد”، حتى في مسلسل “الهيبة” الذي حاول صنّاعه اختيار بيئة منطقية للمسلسلات السورية اللبنانية المشتركة، بنقل الدراما إلى المناطق الحدودية، فإن تيم حسن، الذي كان ينعته أهالي الضيعة بـ”ابن السورية”، ظهر كزعيم للقرية ومتحكم بتجارتها غير الشرعية.    

أما النمط الثاني، فهو اللاجئ السوري الذي يرتدي الثوب المثالي للضحية، يعيش في المخيمات أو العشوائيات، ويعاني من الجهل والفقر ويكافح للحصول على الإقامة القانونية، وفي الكثير من الأحيان قد نراه ينتمي إلى عصابة ويُمارس أعمالاً غير قانونية كتجارة المخدرات؛ التي تبدو القاسم المشترك الوحيد مع بعض الشخصيات السورية من العالم العلوي.

هذا النمط من الشخصيات بدأ يتسلل إلى الدراما المشتركة في نهاية العقد الماضي عبر شخصيات ثانوية، كشخصية اللاجئة السورية التي أدتها يارا قاسم في مسلسل “الهيبة” والعديد من شخصيات اللاجئين في مسلسل “العميد”، الذي مثّل نقطة تحول بعرضه مساكن السوريين في العشوائيات والمخيمات، قبل أن يُصبح اللاجئ/ الضحية شخصية جذابة تلعب دور البطولة في المسلسلات المشتركة، كما هو الحال في مسلسلات “2020” و”نقطة انتهي” و”نظرة حب”، التي لعب أدوار البطولة فيها قصي خولي وعابد فهد وباسل خياط توالياً، والتي يقطن أبطالها في المخيمات أو العشوائيات، التي يتم تصويرها كأوكار للخارجين عن القانون.

وبخلاف هذه الصور النموذجية الفائقة، لرجال الأعمال السوريين أو اللاجئين السوريين، يأتي “ترتيب خاص” ليُقدم شخصية أقرب إلى الواقع، ويضعها في سياق يلتزم بلغة الشارع من دون أي تجميل، لتتضمن الحوارات شتائم وإيماءات جنسية صريحة من دون تنقيح؛ ليبدو المسلسل واقعياً رغم أنه فعلياً ينتمي إلى الدراما التعبيرية، وأن جزءاً كبيراً من مشاهده تحدث داخل رأس أحمد الأصابيعي، على غرار المسرحيات التعبيرية المُنشقة عن الواقعية الأميركية، كمسرحية “موت بائع متجول” لآرثر ميلر.

السوري مجهول الهوية

يعكس المسلسل واقع اللاجئ السوري في لبنان، فنشاهد أحمد الأصابيعي يرتدي الملابس نفسها في معظم حلقات المسلسل، ويكافح لتأمين لقمة عيشه، ويتناول يومياً طبقاً من البيض والأندومي، ليسد جوعه بأرخص ثمن. 

أحمد الأصابيعي الذي نجهل تاريخه والحكايات التي عاشها ما قبل أحداث المسلسل، تتقاطع أفكاره وأحلامه مع الكثير من السوريين، وقد يكون خلق شخصية من دون رسم خلفية درامية أمراً مقصوداً؛ فكوننا لا نعلم ماضي أحمد وكيف وصل إلى لبنان، يبدو أمراً يحمل دلالة رمزية في سياق المسلسل، الذي ينظر إلى اللاجئين السوريين في لبنان كأرقام، ويتم محاسبتهم على وضعهم الحالي، كلاجئين، من دون الاهتمام بماضيهم وما أوصلهم إلى هذه الحال. هذا التهميش يعكس حالة أحمد في المسلسل، الذي تتمثل عقدته الأساسية في رغبته في أن يُسمع صوته ويُصبح مرئياً بين الناس.

تبدأ أحداث المسلسل بمشهد مثير حيث يشاهد أحمد شخصاً يدعى منير يقفز من فوق سطح أحد الأبنية منتحراً، يلتقط أحمد هاتف منير، ويبدأ بالتعمق في شخصية المنتحر من خلال تصفح هاتفه ووسائل التواصل الاجتماعي الخاصة به.

 يكتشف أحمد أن منير كان يعاني من اكتئاب شديد وكان يطلب المساعدة النفسية من منظمة تدعى “Hope Makers”،  يتصل أحمد بالجمعية، متقمصاً شخصية منير، ويتحدث بلسانه عن الرغبة في الانتحار، ليُفرّغ بتمثيل الدور جزءاً من الضغط العاطفي الكبير الذي يعاني منه؛ وتُصبح منظمة “Hope Makers” هدفه الجديد، الذي قد ينشله من حالته؛ فيسعى إلى أن يكون جزءاً منها، حين تقوده الصدفة إلى أن يكون الورقة السياسية الرابحة في لعبة الإعلام واللاجئين السوريين، وليتم التخلي عنه حين تنتهي وظيفته. 

يُسلط المسلسل الضوء بجرأة على نفاق بعض منظمات المجتمع المدني في لبنان، وكيف يتم تسييس عملها من خلال الأحزاب التابعة لها، واستغلال مساعدة اللاجئين السوريين في اللعبة السياسية. عندما يذهب أحمد إلى العمل في الجمعية، يتم رفضه بشكل عنصري قبل اختباره، ولكن عندما ينتشر فيديو له على وسائل التواصل الاجتماعي يظهر فيه وهو يقنع طفلًا بالتراجع عن الانتحار مدعياً أنه موظف في الجمعية ذاتها، ينال شهرة واسعة، تدفع مدير المنظمة فؤاد يمين إلى توظيفه فوراً، ويتم استغلال شهرته في الحملة الانتخابية للمحافظ المالك للجمعية. يظهر أحمد مع المحافظ في فيديو آخر يدعي فيه أن الجمعية وظفته من دون النظر إلى جنسيته أو عرقه أو دينه أو لونه، مما يُبرز الكليشيهات الإنسانية التي ترددها المنظمات وبعض السياسيين في لبنان.

يعرض المسلسل العلاقة بين السوريين واللبنانيين من جوانب مختلفة بطريقة متوازنة، فكما يظهر عنصرية البعض، يظهر إنسانية البعض كالعائلة اللبنانية التي استأجر أحمد شقتها، فهي احتضنته وعاملته كأحد أفرادها، ولم يقه من التشرد إلا هذه العائلة البسيطة التي تقع خارج حسابات السياسة تماماً، لتحتويه حتى عندما لا يتمكن من دفع الإيجار لأشهر.

كوميديا قاتمة

قدم المسلسل أسلوباً إخراجياً جديداً في تصوير الصراع النفسي الذي يعيشه أحمد، حيث يمتزج واقعه بخيالاته؛ لتظهر مشاهد فاقعة وسط مشاهد درامية جادة، ليخلق التباين بينها نوعاً من الكوميديا القاتمة. غالباً ما يتخيل أحمد نفسه كبطل خارق ينقذ جارته من السرقة، أو يتعارك مع جاره الذي يعنف زوجته على طريقة  “Mortal Kombat”، وتتضمن تخيلات أحمد أيضاً بعض الخيالات الجنسية المتطرفة، التي تتمثل بالفيتش الخاص به لأصابع الرجلين، إلا أن أحمد يفقد التوازن في النهاية، ويضيع الحد الفاصل بين الواقع والخيال، ليفقد القدرة على التمييز بينهما، ويرتكب جريمة قتل في الوقت الذي يظن أنه يؤدي دور البطل الخارق. 

قدم مكسيم خليل أداءً متميزاً ومختلفاً عن جميع أدواره السابقة، متبنياً الشخصية بكافة جوانبها، وخرج من عباءة مسلسل “ابتسم أيها الجنرال”، وشكل مع فؤاد يمين ثنائياً مميزاً، فقدما أجمل مشاهد الكوميديا التي أصبحت اليوم تريند على وسائل التواصل الاجتماعي، في وقت يفتقد فيه الجمهور لتلك الأعمال الكوميدية.

من السلبيات التي عانى منها المسلسل هي الموسيقى التصويرية التي لم تنجح في رسم بيئة صوتية خاصة للمشاهد المتخيلة، ولكنها كانت في الوقت ذاته فاقعة إلى  حد الإزعاج. وما يثير الحيرة  في المسلسل هو نهايته، التي تبدو مفبركة وغير منطقية إلى حد بعيد، ولكن لم يخلُ الأمر من بعض الصور الإيجابية، التي ظهر فيها البطل في سجن رومية، وهي المرة الأولى التي يظهر فيها  شخصية لاجئ سوري في هذا السجن الذي يوجد فيه الكثير من السوريين المغيبين.  

17.08.2024
زمن القراءة: 7 minutes

هل نجحت الدراما في أن تعكس واقعاً معقداً كواقع اللاجئين السوريين في لبنان؟ مسلسل “ترتيب خاص” قارب القضية الإشكالية بأسلوب خاص، فهل حقق الهدف؟


تختلط المشاعر عند مشاهدة المسلسل اللبناني السوري المشترك “ترتيب خاص”، الذي عُرض مؤخراً على منصة “أمازون برايم”، إذا يحاول  المسلسل رسم الابتسامة على وجوه المتابعين تارةً، وكسب التعاطف تارةً  أخرى، وأحياناً استدعاء الغضب والحزن، ليترك المشاهد بعد حلقاته العشرة مع مجموعة مُبعثرة من الانطباعات.

واجه مسلسل “ترتيب خاص” صعوبات في الطريق إلى الشاشة، ليتم عرضه بعد انتهاء تصويره بنحو عامين ونصف العام، خلال هذه المدة تم تحديد موعد العرض مرتين ثم تأجيله، حيث كان من المفترض أن يُعرض في نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، لكن تم تأجيل العرض بسبب الحرب على غزة، وفقاً لتصريحات شركة الإنتاج “فالكون فيلمز” وتم الإعلان لاحقاً عن عرضه خلال موسم رمضان 2024، لكن ذلك لم يتحقق، ولم يتم تبرير تأجيل المسلسل من قبل الشركة المنتجة أو المشاركين فيه.

لعل الأسباب التي أدت إلى تأخير “ترتيب خاص” كل هذه المدة، تتعلق بطبيعة المسلسل نفسه، وليست مرتبطة بالضرورة بالظروف الخارجية والمشكلات التسويقية؛ كما كانت توحي التصريحات السابقة، لأن المسلسل يطرح قضايا ومواضيع “جريئة”، ويعالجها من منظور مختلف عن كل ما سبقه، ليُشكل قطيعة مع المسلسلات السورية – اللبنانية المشتركة التي عُرضت خلال السنوات الماضية، التي وإن كان بعضها قد تطرق إلى مواضيع العنصرية المتبادلة بين السوريين واللبنانيين، كمسلسل “النار بالنار-2023″، لكنها لم تُقدم شيئاً مختلفاً عمّا يتم تداوله في وسائل الإعلام.

يعالج “ترتيب خاص” قضية اللاجئين السوريين في لبنان بطريقة أكثر جرأة، ويُسلط الضوء على مشكلة اللاجئين السوريين الذين  تحولوا إلى دمية أو ورقة سياسية في لبنان، تتاجر بها الطبقة السياسية ومنظمات المجتمع المدني؛ الأمر الذي بتنا نلمسه بشكل أوضح واقعاً مع ارتفاع الأصوات المطالبة بعودة اللاجئين السوريين إلى حضن النظام السوري مؤخراً، ولا سيما عندما تصدر التصريحات عن شخصيات دعمت الثورة ضد النظام السوري. 

لا يمكن إنكار جرأة المسلسل لغةً، وهي تبرز من خلال التعبير عن الغضب بالشتائم الجنسية وبرفع الأصابع الوسطى، وأنه لم يلجأ إلى تمويه المسائل الحساسة أو تشفيرها كالدوافع الإجرامية أو الفيتشات الجنسية، وإن كان طرح هذه القضايا ضمن قالب كوميدي قد يؤدي إلى تخفيف حدتها بعض الشيء، ولكنها تبقى الأكثر جرأة في تاريخ الدراما السورية اللبنانية المشتركة. 

شارك في بطولة المسلسل مجموعة من النجوم السوريين واللبنانيين، منهم مكسيم خليل وفؤاد يمين وناتاشا شوفاني وعباس النوري ولين غرة وكارول الحاج، يُعد “ترتيب خاص” أول تجربة إخراجية في الدراما التلفزيونية لميار النوري، ابن الفنان السوري عباس النوري. 

شارك ميار النوري أيضاً في كتابة نص المسلسل بالتعاون مع فؤاد يمين ورامي عواض، وهذه وحدها تطرح تساؤلات عن علاقات الإنتاج، فكنية “النوري” تتكرر في الشارة، ناهيك بوقوف عباس النوري صاحب الصورة الشهيرة مع بشار الأسد، إلى جانب مكسيم خليل، الذي صرح مؤخراً أنه آخر شخص سيعود لسوريا!.

السوري في لبنان خارج “الفيلا”

لا يتأخر “ترتيب خاص” في إعلان اختلافه، فيحدث ذلك في المشاهد الأولى التي يتم فيها تقديم شخصية بطل العمل أحمد الأصابيعي، الذي يؤدي دوره مكسيم خليل، ويعمل في مطعم للوجبات السريعة؛ ليُعطي ذلك بعداً واقعياً للشخصية بمعزل عن باقي المعطيات، وللمفارقة، تعتبر مهنة بطل العمل سابقة في الدراما السورية اللبنانية المشتركة، على الرغم من كثرة السوريين الذين يعملون في قطاع الخدمات في لبنان. 

في المسلسلات المشتركة، تم تنميط شخصيات السوريين بنمطين لا ثالث لهما: الأول هو السوري فاحش الثراء، الذي يملك الجاه والسلطة ويُمارس مهناً قد لا يكون القانون اللبناني يُسهّل للسوريين العمل فيها، كالطب والمحاماة، ولا تشغله هموم اللاجئين  السوريين ولا يتعرض للعنصرية البتة. وقد كان هذا النمط من الشخصيات مسيطراً على الأدوار الرئيسية في المسلسلات المشتركة في العقد الماضي، التي لعب أدوار البطولة فيها تيم حسن وعابد فهد وباسل خياط؛ فكان تيم حسن رجل أعمال في مسلسلات “تشيللو” و”نص يوم”، ومحامياً في مسلسل “العميد”، حتى في مسلسل “الهيبة” الذي حاول صنّاعه اختيار بيئة منطقية للمسلسلات السورية اللبنانية المشتركة، بنقل الدراما إلى المناطق الحدودية، فإن تيم حسن، الذي كان ينعته أهالي الضيعة بـ”ابن السورية”، ظهر كزعيم للقرية ومتحكم بتجارتها غير الشرعية.    

أما النمط الثاني، فهو اللاجئ السوري الذي يرتدي الثوب المثالي للضحية، يعيش في المخيمات أو العشوائيات، ويعاني من الجهل والفقر ويكافح للحصول على الإقامة القانونية، وفي الكثير من الأحيان قد نراه ينتمي إلى عصابة ويُمارس أعمالاً غير قانونية كتجارة المخدرات؛ التي تبدو القاسم المشترك الوحيد مع بعض الشخصيات السورية من العالم العلوي.

هذا النمط من الشخصيات بدأ يتسلل إلى الدراما المشتركة في نهاية العقد الماضي عبر شخصيات ثانوية، كشخصية اللاجئة السورية التي أدتها يارا قاسم في مسلسل “الهيبة” والعديد من شخصيات اللاجئين في مسلسل “العميد”، الذي مثّل نقطة تحول بعرضه مساكن السوريين في العشوائيات والمخيمات، قبل أن يُصبح اللاجئ/ الضحية شخصية جذابة تلعب دور البطولة في المسلسلات المشتركة، كما هو الحال في مسلسلات “2020” و”نقطة انتهي” و”نظرة حب”، التي لعب أدوار البطولة فيها قصي خولي وعابد فهد وباسل خياط توالياً، والتي يقطن أبطالها في المخيمات أو العشوائيات، التي يتم تصويرها كأوكار للخارجين عن القانون.

وبخلاف هذه الصور النموذجية الفائقة، لرجال الأعمال السوريين أو اللاجئين السوريين، يأتي “ترتيب خاص” ليُقدم شخصية أقرب إلى الواقع، ويضعها في سياق يلتزم بلغة الشارع من دون أي تجميل، لتتضمن الحوارات شتائم وإيماءات جنسية صريحة من دون تنقيح؛ ليبدو المسلسل واقعياً رغم أنه فعلياً ينتمي إلى الدراما التعبيرية، وأن جزءاً كبيراً من مشاهده تحدث داخل رأس أحمد الأصابيعي، على غرار المسرحيات التعبيرية المُنشقة عن الواقعية الأميركية، كمسرحية “موت بائع متجول” لآرثر ميلر.

السوري مجهول الهوية

يعكس المسلسل واقع اللاجئ السوري في لبنان، فنشاهد أحمد الأصابيعي يرتدي الملابس نفسها في معظم حلقات المسلسل، ويكافح لتأمين لقمة عيشه، ويتناول يومياً طبقاً من البيض والأندومي، ليسد جوعه بأرخص ثمن. 

أحمد الأصابيعي الذي نجهل تاريخه والحكايات التي عاشها ما قبل أحداث المسلسل، تتقاطع أفكاره وأحلامه مع الكثير من السوريين، وقد يكون خلق شخصية من دون رسم خلفية درامية أمراً مقصوداً؛ فكوننا لا نعلم ماضي أحمد وكيف وصل إلى لبنان، يبدو أمراً يحمل دلالة رمزية في سياق المسلسل، الذي ينظر إلى اللاجئين السوريين في لبنان كأرقام، ويتم محاسبتهم على وضعهم الحالي، كلاجئين، من دون الاهتمام بماضيهم وما أوصلهم إلى هذه الحال. هذا التهميش يعكس حالة أحمد في المسلسل، الذي تتمثل عقدته الأساسية في رغبته في أن يُسمع صوته ويُصبح مرئياً بين الناس.

تبدأ أحداث المسلسل بمشهد مثير حيث يشاهد أحمد شخصاً يدعى منير يقفز من فوق سطح أحد الأبنية منتحراً، يلتقط أحمد هاتف منير، ويبدأ بالتعمق في شخصية المنتحر من خلال تصفح هاتفه ووسائل التواصل الاجتماعي الخاصة به.

 يكتشف أحمد أن منير كان يعاني من اكتئاب شديد وكان يطلب المساعدة النفسية من منظمة تدعى “Hope Makers”،  يتصل أحمد بالجمعية، متقمصاً شخصية منير، ويتحدث بلسانه عن الرغبة في الانتحار، ليُفرّغ بتمثيل الدور جزءاً من الضغط العاطفي الكبير الذي يعاني منه؛ وتُصبح منظمة “Hope Makers” هدفه الجديد، الذي قد ينشله من حالته؛ فيسعى إلى أن يكون جزءاً منها، حين تقوده الصدفة إلى أن يكون الورقة السياسية الرابحة في لعبة الإعلام واللاجئين السوريين، وليتم التخلي عنه حين تنتهي وظيفته. 

يُسلط المسلسل الضوء بجرأة على نفاق بعض منظمات المجتمع المدني في لبنان، وكيف يتم تسييس عملها من خلال الأحزاب التابعة لها، واستغلال مساعدة اللاجئين السوريين في اللعبة السياسية. عندما يذهب أحمد إلى العمل في الجمعية، يتم رفضه بشكل عنصري قبل اختباره، ولكن عندما ينتشر فيديو له على وسائل التواصل الاجتماعي يظهر فيه وهو يقنع طفلًا بالتراجع عن الانتحار مدعياً أنه موظف في الجمعية ذاتها، ينال شهرة واسعة، تدفع مدير المنظمة فؤاد يمين إلى توظيفه فوراً، ويتم استغلال شهرته في الحملة الانتخابية للمحافظ المالك للجمعية. يظهر أحمد مع المحافظ في فيديو آخر يدعي فيه أن الجمعية وظفته من دون النظر إلى جنسيته أو عرقه أو دينه أو لونه، مما يُبرز الكليشيهات الإنسانية التي ترددها المنظمات وبعض السياسيين في لبنان.

يعرض المسلسل العلاقة بين السوريين واللبنانيين من جوانب مختلفة بطريقة متوازنة، فكما يظهر عنصرية البعض، يظهر إنسانية البعض كالعائلة اللبنانية التي استأجر أحمد شقتها، فهي احتضنته وعاملته كأحد أفرادها، ولم يقه من التشرد إلا هذه العائلة البسيطة التي تقع خارج حسابات السياسة تماماً، لتحتويه حتى عندما لا يتمكن من دفع الإيجار لأشهر.

كوميديا قاتمة

قدم المسلسل أسلوباً إخراجياً جديداً في تصوير الصراع النفسي الذي يعيشه أحمد، حيث يمتزج واقعه بخيالاته؛ لتظهر مشاهد فاقعة وسط مشاهد درامية جادة، ليخلق التباين بينها نوعاً من الكوميديا القاتمة. غالباً ما يتخيل أحمد نفسه كبطل خارق ينقذ جارته من السرقة، أو يتعارك مع جاره الذي يعنف زوجته على طريقة  “Mortal Kombat”، وتتضمن تخيلات أحمد أيضاً بعض الخيالات الجنسية المتطرفة، التي تتمثل بالفيتش الخاص به لأصابع الرجلين، إلا أن أحمد يفقد التوازن في النهاية، ويضيع الحد الفاصل بين الواقع والخيال، ليفقد القدرة على التمييز بينهما، ويرتكب جريمة قتل في الوقت الذي يظن أنه يؤدي دور البطل الخارق. 

قدم مكسيم خليل أداءً متميزاً ومختلفاً عن جميع أدواره السابقة، متبنياً الشخصية بكافة جوانبها، وخرج من عباءة مسلسل “ابتسم أيها الجنرال”، وشكل مع فؤاد يمين ثنائياً مميزاً، فقدما أجمل مشاهد الكوميديا التي أصبحت اليوم تريند على وسائل التواصل الاجتماعي، في وقت يفتقد فيه الجمهور لتلك الأعمال الكوميدية.

من السلبيات التي عانى منها المسلسل هي الموسيقى التصويرية التي لم تنجح في رسم بيئة صوتية خاصة للمشاهد المتخيلة، ولكنها كانت في الوقت ذاته فاقعة إلى  حد الإزعاج. وما يثير الحيرة  في المسلسل هو نهايته، التي تبدو مفبركة وغير منطقية إلى حد بعيد، ولكن لم يخلُ الأمر من بعض الصور الإيجابية، التي ظهر فيها البطل في سجن رومية، وهي المرة الأولى التي يظهر فيها  شخصية لاجئ سوري في هذا السجن الذي يوجد فيه الكثير من السوريين المغيبين.