ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

مسلسل “كارثة طبيعية”: كيف أصبح الإنجاب رهاباً في مصر؟  

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

إن قبل المجتمع أخيراً بفكرة أن النساء لسن ملزمات بالإنجاب، فهل يقبل أيضاً بحقّهن في العمل والاستقلال وربما عدم الزواج؟ أم أن التخلّي عن سردية “الإنجاب واجب”، لا يجعل المجتمع مستعدّاً بعد للتخلّي عن الدور التقليدي الذي يفرضه على النساء؟

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في عام 1984، اضطرّت عائشة في فيلم “لا تسألني من أنا”، لبيع أحد أطفالها بسبب ضيق الحال. سبقت الفيلم موجة من الأعمال الفنّية والإعلانات التلفزيونية في السبعينيات والثمانينيات، تدعو الأسر إلى تنظيم النسل “كي يكسبوا أنفسهم وأولادهم”، وتمضي السينما المصرية منذ عقود في التحذير من قطار الزيادة السكّانية الذي لا يتوقّف، كما في “أفواه وأرانب” (1977). 

اليوم، تستعيد الدراما الرسالة ذاتها عبر مسلسل “كارثة طبيعية” على منصّة Watch It، الذي يحكي قصّة زوجين شابّين حيث تقرّر الزوجة الإنجاب رغم الظروف الاقتصادية الصعبة، ليتفاجأ الزوجان بسبعة مواليد توائم دفعة واحدة. ورغم الطابع الكوميدي الواضح، يمرّر المسلسل رسائل مباشرة عن ضرورة تأجيل الإنجاب، وضرورة التخلّي عن مقولات “عاوزين نخاوي الولد”، و”العيال بتيجي برزقها”، باعتبارها جزءاً من المشكلة التي “مودية مصر في داهية”، وفق خطاب المسلسل.

لا يخرج هذا الخطاب الفنّي عن لغة الدولة المصرية التي يكرّرها الرئيس عبد الفتّاح السيسي باستمرار، حين يتحدّث عن الزيادة السكّانية كخطر يعطّل التنمية ويهدّد استقرار البلاد، ويحذّر من “إنجاب أطفال وتركهم يضيعون في الدنيا”. 

لا شكّ في أن مصر تواجه زيادة سكّانية كبيرة، إذ يقدّر عدد المصريين بنحو ١١٩ مليوناً، بوتيرة نمو لا تواكبها خطوات التنمية الاجتماعية والاقتصادية، ما جعل البنك الدولي ومؤسّسات دولية تحذّر تكراراً من تحدّيات اقتصادية كبرى ستواجهها مصر… لكنّ خطاب الدولة لجهة الحدّ من النسل هو في واقع الأمر، خطاب قديم أعادت إنتاجه الأنظمة المتعاقبة من عهد عبد الناصر إلى عهدي السادات ومبارك، ولطالما جرى تصوير الزيادة السكّانية باعتبارها المسؤول الأوّل عن التحدّيات الاقتصادية وضعف الخدمات وضغط البنية التحتية، ومنذ عقود، جرى تحميل المواطن—خصوصاً الفقير—مسؤوليّة هذا “الخطر”، وكأن المشكلة تنحصر بأعداد المواليد.

بدأت حملات تنظيم الأسرة في السبعينيات والثمانينيات، وتركّزت كلّها تقريباً على النساء اللواتي دُعين لاستخدام موانع الحمل، على الرغم من آثار بعضها الصحّية، فيما غابت الدعوة لمشاركة الرجال في هذا العبء. ورغم نجاح هذه الحملات في تفكيك بعض الأساطير مثل “مسؤوليّة” المرأة عن إنجاب البنات، فإنها رسّخت، من حيث لا تقصد، فكرة أن النساء وحدهن مسؤولات عن تنظيم الأسرة. ومع الوقت، تحوّلت الزيادة السكّانية إلى متّهم جاهز في كلّ أزمة: من الفقر إلى الحوادث إلى نقص الخدمات وحتى “الفقر المائي”، وباتت الفئات الأكثر فقراً هدفاً مفضّلاً للوم الاجتماعي، باعتبارها “كثيرة الإنجاب”.

في المقابل، لا يقدّم الخطاب الرسمي أيّ إجابة عن الأسئلة الصعبة التي تعيشها النساء. ففي فيلم “أم غايب” لنادين صليب، تقول بطلة الفيلم حنان، التي لم يُقدَّر لها الإنجاب: “يا رب لو مش هخلف خلقتني ليه؟”. الجملة تختصر وضع المرأة التي يُنظر إلى قيمتها الاجتماعية من خلال قدرتها على الإنجاب.

 تطرح باحثات نسويات هذا التناقض بوضوح: المجتمع والدولة لا يمنحان النساء قيمة إلا عندما يصبحن أمّهات، وفي الوقت نفسه يطلب منهن الخطاب الرسمي تأجيل الإنجاب أو تقليصه بسبب الظروف الاقتصادية. هكذا تجد النساء أنفسهن بين مطرقة “قدسية الأمومة” وسندان “الخوف من الزيادة السكّانية”.

يزداد هذا التناقض حدّة مع تجريم الإجهاض. فالدولة التي تحذّر من كثرة الإنجاب لا تتيح للنساء التخلّص من حمل غير مرغوب فيه، حتى في حالات الاغتصاب، بموجب قانون يعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي (المواد 260–264 من قانون العقوبات)، مع عقوبات قد تصل إلى السجن المشدّد. بعض الدول العربية تتيح الإجهاض في حالات تهدّد حياة النساء أو في حالات الاغتصاب، بينما يظلّ القانون المصري مغلقاً أمام أيّ استثناء تقريباً، ما يجعل النساء محاصرات بين مطالب الدولة وخطاب المجتمع وقيود القانون.

لكنّ الجيل الجديد يبدو بعيداً عن هذه الثنائية القديمة. فالعلاقة بالإنجاب تغيّرت جذرياً: كثيرون في مصر ليسوا بحاجة إلى مسلسل “كارثة طبيعية” كي يشعروا بثقل الإنجاب. بالعكس، بات السؤال الأساسي: لماذا ننجب أصلاً؟ 

تقول منار. ن (33 عاماً) لـ”درج”: “أنا وزوجي قررنا عدم الإنجاب. لا أشعر بميل تجاه الأمومة، ولا أرى العالم مناسباً لاستقبال طفل. الإنجاب فعل أناني… ولا أظن أنني قادرة على تحمّل هذا العبء النفسي والمادّي”. وهذا ليس رأياً فردياً، فالأجيال الأصغر أكثر حساسية تجاه الصحّة النفسية، وأكثر إدراكاً للضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وأكثر تشكيكاً في النموذج التقليدي للأسرة. كثيرون يشعرون أن تجارب طفولتهم وصدماتهم القديمة، تجعلهم غير قادرين على ضمان مستقبل آمن للأطفال.

ومع أن الدولة تبذل جهوداً للتوعية حول تنظيم الأسرة، خصوصاً في المناطق الأكثر فقراً وخصوبة، إلا أن جوهر المشكلة يبقى بعيداً عن المعالجة: تحسين مستويات المعيشة، بناء شبكات حماية اجتماعية، تقوية التعليم، وإتاحة فرص عمل حقيقية. فالأسر الفقيرة تميل إلى إنجاب أطفال أكثر، لأنهم يمثّلون “شبكة أمان” مستقبلية ومصدر دخل محتمل، في ظلّ غياب أيّ حماية اجتماعية. تشير التقديرات إلى وجود نحو 1.8 مليون طفل عامل في مصر، ما يعكس عمق الأزمة لا سطحها.

واللافت أن المؤشّرات الديموغرافية نفسها، تُظهر أن خصوبة المصريين تتراجع بالفعل. فبحسب صندوق الأمم المتّحدة للسكّان، وصلت الخصوبة إلى 3.5 أطفال لكلّ امرأة في عام 2014، ثم تراجعت تدريجياً إلى 3.4 في 2017، ثم إلى 3.1 في 2018. 

إذا كانت الأرقام في اتّجاه تنازلي، فإلى متى ستظلّ الزيادة السكّانية هي التفسير الجاهز لكلّ أزمة اقتصادية؟ ومتى يمكن النظر إلى الأطفال باعتبارهم المستقبل لا “البعبع” الذي تخوّف به الدولة مواطنيها؟

ويبقى السؤال الأخير والأعمق: إن قبل المجتمع أخيراً بفكرة أن النساء لسن ملزمات بالإنجاب، فهل يقبل أيضاً بحقّهن في العمل والاستقلال وربما عدم الزواج؟ أم أن التخلّي عن سردية “الإنجاب واجب”، لا يجعل المجتمع مستعدّاً بعد للتخلّي عن الدور التقليدي الذي يفرضه على النساء؟

حسن دقو تهريب مخدرات اطلاق صراح
هلا نصر الدين (درج) ومريم شناوي (OCCRP) | 12.06.2026

إطلاق سراح “ملك الكبتاغون” الخاضع للعقوبات حسن دقّو بعد 7 سنوات سجن

تعرّض دقّو لسلسلة من العقوبات الدولية، إذ أُدرِج اسمه على القوائم السوداء في الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي منذ عام 2023. وعلى الرغم من سجنه، يُقال إن زعيم الشبكة استمر في إدارة تجارته غير المشروعة من خلف القضبان، مع تقارير تشير إلى أن ضغطاً سياسياً من "حزب الله" أتاح له البقاء في "زنزانة مريحة" مزودة…
17.11.2025
زمن القراءة: 4 minutes

إن قبل المجتمع أخيراً بفكرة أن النساء لسن ملزمات بالإنجاب، فهل يقبل أيضاً بحقّهن في العمل والاستقلال وربما عدم الزواج؟ أم أن التخلّي عن سردية “الإنجاب واجب”، لا يجعل المجتمع مستعدّاً بعد للتخلّي عن الدور التقليدي الذي يفرضه على النساء؟

في عام 1984، اضطرّت عائشة في فيلم “لا تسألني من أنا”، لبيع أحد أطفالها بسبب ضيق الحال. سبقت الفيلم موجة من الأعمال الفنّية والإعلانات التلفزيونية في السبعينيات والثمانينيات، تدعو الأسر إلى تنظيم النسل “كي يكسبوا أنفسهم وأولادهم”، وتمضي السينما المصرية منذ عقود في التحذير من قطار الزيادة السكّانية الذي لا يتوقّف، كما في “أفواه وأرانب” (1977). 

اليوم، تستعيد الدراما الرسالة ذاتها عبر مسلسل “كارثة طبيعية” على منصّة Watch It، الذي يحكي قصّة زوجين شابّين حيث تقرّر الزوجة الإنجاب رغم الظروف الاقتصادية الصعبة، ليتفاجأ الزوجان بسبعة مواليد توائم دفعة واحدة. ورغم الطابع الكوميدي الواضح، يمرّر المسلسل رسائل مباشرة عن ضرورة تأجيل الإنجاب، وضرورة التخلّي عن مقولات “عاوزين نخاوي الولد”، و”العيال بتيجي برزقها”، باعتبارها جزءاً من المشكلة التي “مودية مصر في داهية”، وفق خطاب المسلسل.

لا يخرج هذا الخطاب الفنّي عن لغة الدولة المصرية التي يكرّرها الرئيس عبد الفتّاح السيسي باستمرار، حين يتحدّث عن الزيادة السكّانية كخطر يعطّل التنمية ويهدّد استقرار البلاد، ويحذّر من “إنجاب أطفال وتركهم يضيعون في الدنيا”. 

لا شكّ في أن مصر تواجه زيادة سكّانية كبيرة، إذ يقدّر عدد المصريين بنحو ١١٩ مليوناً، بوتيرة نمو لا تواكبها خطوات التنمية الاجتماعية والاقتصادية، ما جعل البنك الدولي ومؤسّسات دولية تحذّر تكراراً من تحدّيات اقتصادية كبرى ستواجهها مصر… لكنّ خطاب الدولة لجهة الحدّ من النسل هو في واقع الأمر، خطاب قديم أعادت إنتاجه الأنظمة المتعاقبة من عهد عبد الناصر إلى عهدي السادات ومبارك، ولطالما جرى تصوير الزيادة السكّانية باعتبارها المسؤول الأوّل عن التحدّيات الاقتصادية وضعف الخدمات وضغط البنية التحتية، ومنذ عقود، جرى تحميل المواطن—خصوصاً الفقير—مسؤوليّة هذا “الخطر”، وكأن المشكلة تنحصر بأعداد المواليد.

بدأت حملات تنظيم الأسرة في السبعينيات والثمانينيات، وتركّزت كلّها تقريباً على النساء اللواتي دُعين لاستخدام موانع الحمل، على الرغم من آثار بعضها الصحّية، فيما غابت الدعوة لمشاركة الرجال في هذا العبء. ورغم نجاح هذه الحملات في تفكيك بعض الأساطير مثل “مسؤوليّة” المرأة عن إنجاب البنات، فإنها رسّخت، من حيث لا تقصد، فكرة أن النساء وحدهن مسؤولات عن تنظيم الأسرة. ومع الوقت، تحوّلت الزيادة السكّانية إلى متّهم جاهز في كلّ أزمة: من الفقر إلى الحوادث إلى نقص الخدمات وحتى “الفقر المائي”، وباتت الفئات الأكثر فقراً هدفاً مفضّلاً للوم الاجتماعي، باعتبارها “كثيرة الإنجاب”.

في المقابل، لا يقدّم الخطاب الرسمي أيّ إجابة عن الأسئلة الصعبة التي تعيشها النساء. ففي فيلم “أم غايب” لنادين صليب، تقول بطلة الفيلم حنان، التي لم يُقدَّر لها الإنجاب: “يا رب لو مش هخلف خلقتني ليه؟”. الجملة تختصر وضع المرأة التي يُنظر إلى قيمتها الاجتماعية من خلال قدرتها على الإنجاب.

 تطرح باحثات نسويات هذا التناقض بوضوح: المجتمع والدولة لا يمنحان النساء قيمة إلا عندما يصبحن أمّهات، وفي الوقت نفسه يطلب منهن الخطاب الرسمي تأجيل الإنجاب أو تقليصه بسبب الظروف الاقتصادية. هكذا تجد النساء أنفسهن بين مطرقة “قدسية الأمومة” وسندان “الخوف من الزيادة السكّانية”.

يزداد هذا التناقض حدّة مع تجريم الإجهاض. فالدولة التي تحذّر من كثرة الإنجاب لا تتيح للنساء التخلّص من حمل غير مرغوب فيه، حتى في حالات الاغتصاب، بموجب قانون يعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي (المواد 260–264 من قانون العقوبات)، مع عقوبات قد تصل إلى السجن المشدّد. بعض الدول العربية تتيح الإجهاض في حالات تهدّد حياة النساء أو في حالات الاغتصاب، بينما يظلّ القانون المصري مغلقاً أمام أيّ استثناء تقريباً، ما يجعل النساء محاصرات بين مطالب الدولة وخطاب المجتمع وقيود القانون.

لكنّ الجيل الجديد يبدو بعيداً عن هذه الثنائية القديمة. فالعلاقة بالإنجاب تغيّرت جذرياً: كثيرون في مصر ليسوا بحاجة إلى مسلسل “كارثة طبيعية” كي يشعروا بثقل الإنجاب. بالعكس، بات السؤال الأساسي: لماذا ننجب أصلاً؟ 

تقول منار. ن (33 عاماً) لـ”درج”: “أنا وزوجي قررنا عدم الإنجاب. لا أشعر بميل تجاه الأمومة، ولا أرى العالم مناسباً لاستقبال طفل. الإنجاب فعل أناني… ولا أظن أنني قادرة على تحمّل هذا العبء النفسي والمادّي”. وهذا ليس رأياً فردياً، فالأجيال الأصغر أكثر حساسية تجاه الصحّة النفسية، وأكثر إدراكاً للضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وأكثر تشكيكاً في النموذج التقليدي للأسرة. كثيرون يشعرون أن تجارب طفولتهم وصدماتهم القديمة، تجعلهم غير قادرين على ضمان مستقبل آمن للأطفال.

ومع أن الدولة تبذل جهوداً للتوعية حول تنظيم الأسرة، خصوصاً في المناطق الأكثر فقراً وخصوبة، إلا أن جوهر المشكلة يبقى بعيداً عن المعالجة: تحسين مستويات المعيشة، بناء شبكات حماية اجتماعية، تقوية التعليم، وإتاحة فرص عمل حقيقية. فالأسر الفقيرة تميل إلى إنجاب أطفال أكثر، لأنهم يمثّلون “شبكة أمان” مستقبلية ومصدر دخل محتمل، في ظلّ غياب أيّ حماية اجتماعية. تشير التقديرات إلى وجود نحو 1.8 مليون طفل عامل في مصر، ما يعكس عمق الأزمة لا سطحها.

واللافت أن المؤشّرات الديموغرافية نفسها، تُظهر أن خصوبة المصريين تتراجع بالفعل. فبحسب صندوق الأمم المتّحدة للسكّان، وصلت الخصوبة إلى 3.5 أطفال لكلّ امرأة في عام 2014، ثم تراجعت تدريجياً إلى 3.4 في 2017، ثم إلى 3.1 في 2018. 

إذا كانت الأرقام في اتّجاه تنازلي، فإلى متى ستظلّ الزيادة السكّانية هي التفسير الجاهز لكلّ أزمة اقتصادية؟ ومتى يمكن النظر إلى الأطفال باعتبارهم المستقبل لا “البعبع” الذي تخوّف به الدولة مواطنيها؟

ويبقى السؤال الأخير والأعمق: إن قبل المجتمع أخيراً بفكرة أن النساء لسن ملزمات بالإنجاب، فهل يقبل أيضاً بحقّهن في العمل والاستقلال وربما عدم الزواج؟ أم أن التخلّي عن سردية “الإنجاب واجب”، لا يجعل المجتمع مستعدّاً بعد للتخلّي عن الدور التقليدي الذي يفرضه على النساء؟