تمسَّك بالماء وأنتَ تغرق،
وافتح عينيك جيّداً،
لترى،
وضوحَ الأمنياتِ وهي تطفو..
طلال بو خضر- 2015
نكتشف في مسلسل “مولانا”، إخراج سامر برقاوي وإنتاج الأخوين الصباح، أن لشهلا، أخت سليم العادل الذي انتحل شخصيته جابر جاد الله (تيم حسن)، خطيباً في بيروت، يزورها في الضيعة النائية، علّها تعود معه بعدما خذلها. في هذه الزيارة يقدم لها الخطيب كتاباً لتقرأه، نسخة فرنسية من رواية “السقطة” لألبير كامو، وحين ترفض العودة معه، يأخذ الرواية ويخبر شهلا أنها لا تستحقها!
ظهور “السقطة” في سياق المسلسل يثير تساؤلات وتحذلقات، خصوصاً أنها ليست الأشهر لألبير كامو صاحب “الغريب” و”الطاعون”، لكن ما نعرفه، هو عبارة تفتتحُ الرواية على لسان غريب في بار في أمستردام، يخاطب فيها البطل الذيّ فرّ بعيداً عن مدينته باريس، إذ يقول الغريب: “سيدي، أخاف ألا يكون كلامك مفهوماً بسبب الغوريلا الذي يتحكم بمصير هذا المكان”، وهنا يمكن أن نسأل: من “الغوريلا” التي تتحكم بمصير العادلية؟ ومن ذاك الذي لا يُفهم “كلامه”؟

حكاية جابر/ سليم تكشف عن طبقات من تعدد الهويات والالتباس، فهو أخ، وقاتل، وهارب، ودجال، وشيخ ذو كرامات، وحبيب، ومُخلص، تتعدد الهويات والنعوت، الى حدّ نكران سليم العادل اسمه الحقيقي أمام نفسه، هذا الإنكار وإسقاط الاسم، عقوبة يوقعها أيضاً سكان الضيعة بأحدهم، إذ سحبوا منه اسمه ليغدو “لا أحد” وذلك بسبب علاقته مع الثكنة.
واجه أداء تيم حسن في “مولانا” انتقادات عدة، سواء كنا نتحدث عن تجسيده شخصية “الوليّ” وتصرفاتها، أو لثغته، العطب التراجيدي الذي حمله من ماضيه، وحوّله إلى صاحب لسان بذيء. النظر إلى هذه الانتقادات يتركنا أمام مفارقة، فتيم حسن ممثل محترف، يؤدي دور ممثل سيئ (سليم الجابر)، منافق أفّاق يدخل قرية ويحاول “التمثيل” على أهلها، هو لا يتقن الكلام الجليل ولا الإشارات المقدسة، يلعب دوراً لا يجيده، ليظهر مرتبكاً الى حدّ الهزل.
هزلية شخصية سليم العادل التي وصلت الى حد الأداء العصي على الإقناع، تتحرك بين غرق تيم حسن في نفسه وبحثه عن النكتة والشتيمة، وبين أداء سليم العادل نفسه بوصفه “ممثلاً سيئاً” في قرية أضحت خشبة للتكاذب، فـ”الكل” متفق على الكذب للحفاظ على أسطورة سليم العادل على رغم أدائه، وكلما تسربت الحقيقة، ازداد التواطؤ على الكذب، ليتحول الأداء غير المتقن لـ”مولانا” إلى أداء سنيكي يتفق عليه سكان القرية بعد اكتشافه، لكنهم يسلمون به. أداء ساخر اضطر جابر إلى تبنيه الى حد فقدانه نفسه، قتلها مجازياً، ليخلق كشخصية جديدة لا تمتلك ماضياً سوى نبوءة هشة وبعض الحركات في الهواء.
من البطل: الممثل أو المكان أو الزمن؟
يكشف المسلسل عن أزمة النجم في صناعة المسلسلات، إذ تتصارع على الشاشة أمامنا أدوار البطولة، ولا نقصد بين الممثلين فقط، بل يضاف إليها أيضاً المكان والفاعلون فيه، هل البطل هو القرية؟ الثكنة؟ تيم حسن؟ أم فارس الحلو؟ هذا الصراع يتضح في تدفق الأحداث، حيث يتزعم كل “خشبة” بطل، تيم حسن بطل القرية، فارس الحلو بطل الثكنة، ولكلّ جوقته (سكان القرية- عساكر الثكنة) التي تطيعه، حكايات الأماكن تتصارع مع حكايات الشخصيات، صراع على النفوذ والسطوة والطاعة والأهم، الزمن أمام الكاميرا!
تبقى لعنة الـ30 حلقة تلاحق صناعة المسلسلات، واقتصاد الوقت تتضح معالمه، حين نتأمل فارس الحلو يملأ الكادر بحضوره وملامحه الحادّة، فارضاً السطوة على المكان، حتى إن لم ينطق، وتيم حسن بشتائمه وأدائه الهزلي، هذا الزمن يترك أثره على تدفق الحبكة، فضبط خيوط الماضي الضائعة يتضح في الكثير من الفلاش باك، الذي يحاول سد فراغات الحكاية، كأن نكتشف فجأة أن شهلا متزوجة من جابر!
يتدفق الزمن ويتغير ويتحول سليم/جابر، يتورط في الكذب أكثر، والأداء المصطنع الذي لا يصدقه هو نفسه، وتتحول القرية والثكنة إلى علاقة مواجهة وصراع على الحدود، كل بسلاحه، القرية بالإيمان والزيت والكذب، أما الثكنة فلديها ترسانة من السلاح والرعب. لكن الزمن الاقتصادي المحكوم بالموسم والإنتاج وسرعة التنفيذ والكتابة، يضطرب ويعاد رسم هذه المواجهة وترتيب الأحداث، لنرى أنفسنا أمام حكاية قرية شهدت مجزرة قادها عقيد وما زال سكانها عاجزين عن مواجهته، فكلما تكشفت أزمنة الماضي أضيفت طبقات الى الحكاية الى حد تغيّرها.
إقرأوا أيضاً:
اقتصاد الزمن هذا محكوم أيضاً بوسائل التواصل الاجتماعي، النزعة لتحويل بعض المشاهد إلى “ريل” محتمل” أو سكيتش صغير أو نكتة عابرة صالحة للتبادل، لنرى أنفسنا أحيانا أمام مشاهد مصممة لجمهور الخوارزميات لا الشاشة، بصورة ما، الأزمنة تحكم تدفق الحكاية لا فقط عبر الشاشة بل أيضاً لتلبيى رغبة الجمهور ضمن البيئة الاتصالية الجديدة التي تفتت الحكاية الى “مقاطع” سهلة الاستهلاك.
كسر التوقعات واللعب مع الإحالات
يحيل المسلسل دوماً إلى أعمال أخرى، تتجاوز “السقطة”، هناك تلميحات مختلفة النوعية “احتفاء، سخرية، بارودي..”، الى مسلسل “آلهة أميركيين” وفيلم “تايتانيك” وربما الأقل وضوحاً، محاكاة لمشهد انتحار أوفيليا عشيقة هاملت، نراه حين حاولت زينة الانتحار في النهر، إحالات تخاطب ذائقة متنوعة وتكسر التوقعات التقليدية لكنها في الوقت ذاته تكسر صورة الأصل الذي تقتبس منه، كما تحضر طقوس دينية وأحلام هلوساتية لقتل الذات، ناهيك باقتباسات من تريندات وسائل التواصل الاجتماعي ومشاهيره، بصورة ما المسلسل، كأي مسلسل سوري، يقتبس ويحورّ ويعيد الإنتاج، لمخاطبة الذوق المتداول.
لكن، كسر التوقع هذا والإحالات يتركاننا أمام تكدس للأحداث في الحلقات الأخيرة، والتساؤل بدقة “من يتحكم بهذا المكان؟”، “ما المصير المتوقع لقاطنيه؟”، تتآلف الحكايات وتحسم وتنتهي بانتصار الأخيار السذّج، أي أهل القرية والعساكر”، الذين لم تتلوث أيديهم بالدماء”، أما الأشرار فنهاياتهم مُلتبسة، العقيد الذي يؤديه فارس الحلو يفرّ مصاباً ليموت بألغامه، أما جابر فيتابع الهرب إلى المجهول.
كلّ الحكايات-كلّ سوريا؟
يحوي المسلسل إحالات إلى المواضيع السورية الرائجة حالياً، على الرغم من أن الزمان غير محدد ونحن في قرية حدودية، لكنه كحال الكثير من المسلسلات يغرف من “المحتوى السوري” ليصب في الحكايات، هناك المجزرة، والجثة/ والتباس الهويات، والتعذيب في سجون الأسد، والتباس إعلان الموت واستخراج شهادات الوفاة، هذه الموضوعات تتحرك في الخلفية وتظهر أمامنا تباعاً، بل إن المسلسل يشير إلى “الوثائق” ودورها في كشف المجرمين والمسؤول عن المجزرة.
الحكايات السورية تحضر في “مولانا” بدرجات مختلفة وبحذر كي لا تثير الغضب كما أثارته أعمال أخرى في هذا الموسم، علماً أن بعضها لا يساهم في تدفق الحبكة، بل يضيف طبقات الى الحكاية. بل إننا نشهد في الحلقات الأخيرة “خطأ فردياً” يرتكبه أحد المنشقين بقتله عسكرياً في الثكنة بعدما استسلم، مشاهد متنوعة في أهميتها تحاول أن تحافظ على الصفة الأهم للمسلسل السوري، مواكبة إيقاع ما يحصل “الآن”، في حفاظ على التقاليد غير المفهومة المرتبطة بدور المسلسل كفاعل سياسي وثقافي!
المثير للاهتمام أن المسلسل لم يصوَّر في سوريا، ولم يمرّ على الرقابة السورية ولا لجنتها الخاصة بالدراما، ما يعني أن العمل كان خاضعاً فقط لاعتبارات رأس المال، ذاك الحريص على عدم وجود علاقات “غير شرعية” بين الشخصيات مثلاً، لكنه لا يتردد بتكرار كلمة “زبر” و”زابر” و “الزابرية” عشرات المرات، ليست المشكلة في البذاءة وفي حضورها أو غيابها (على المنصة ذاتها “شاهد” تتكرر كلمة عرص في مسلسل آخر)، لكن في طبيعة العلاقات المضبوطة، إما شرعاً أو قتلاً.
إذاً، من يتحكم بمصير المكان؟ يتضح في المسلسل أن سكان القرية مستعدون للتواطؤ على الكذب، والثكنة يمكن أن تنهار ويهرب سيّدها، و”مولانا” الهارب يستمر بالهرب حتى النهاية، المصائر إذاً غامضة، فلا أحد صادق من الشخصيات، حتى “السقطة” في النهر التي من المفترض أن تتبناها زينة تفشل، الموت ليس النهاية كما تكشف قصة جابر نفسها، الجميع تتبدل هوياتهم الى حدّ التلاشي ثم الاختفاء.
أما من يتحكم بـ”المسلسل”، ففي حالة “مولانا” هو رقابة رأس المال، والصواريخ الإيرانيّة، وخوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي، وغضب مستخدميها، ربما هذا ما أوصلنا إلى النهاية المتلبسة للمسلسل، والتي يمكن أن تختصر بسؤال، ما هي النهاية المرضية لـ”الجميع” بخصوص حكاية سجين سياسي قتل سجّانه وانتحل شخصية شخص آخر ونصّب على ضيعة سبق أن شهدت مجزرة؟، هذه التساؤلات نفسها، تطرح على الشاشة في إحدى الحلقات، تتجمع في قبو قصر “مولانا” الشخصيات التي تعرف حقيقته وتبدأ بالنقاش حول ما الذي يمكن فعله! وكأن غرفة الكتاب، توضع أمامنا نحن المشاهدين، لنقع في حيرة تشابه حيرة الشخصيات، حول مصائر المكان وشخوصه.
ما الذي يمكن لـ”حمار” أن يفعله؟
أسر “مولانا” الضيعة والكثير من المشاهدين، “مولانا” الذي يلثغ، الذي أحضر الأمل الى القرية، يتحول فجأة إلى أسطورة، محط تأويلات فيتشية من سكان القرية والمشاهدين على حد سواء، إلى حد يتواطئ فيه العقيد ومولانا والمشاهدون ضد سكان القرية، يتواطأون على الكذب في النهاية، وكأن سكان القرية لا يستحقون الحقيقة، وخلاصهم لن يكون إلا بكذبة لن تعرف حقيقتها!
تلعب الحيوانات في مولانا دوراً محورياً، كالصيصان التي أخفت السلاح المُهرب، والجمل الذي حمل الطفلة التي شفاها مولانا، لكن حمار هو من تحكم بمصير القرية، حادث السيارة الذي افتتح فيه السرد وتسبب بتحوّل جابر إلى سليم، كان سببه حماراً “داشراً”، الحدث الآخر، الذي انقلبت فيه القرية وتحولت إلى خصم مباشر للثكنة، أيضاً كان سببه حماراً، حمل على ظهره السلاح ليعبر هائماً نحو مقرّ “المنشقين” والهاربين من الخدمة العسكرية. هذه المصادفات العبثية، أي أن يُبذر السرد بحمار، هي ربما ما يجعل “مولانا” أقرب إلى حكاية “هزلية”، عن فار من جريمة قتل تحوّل إلى معبود قرية من دون أن يصدق هو ذلك، يمشي بدون هدى إلا هلوساته الذاتية، فلا هو نال العدالة كمعقتل ولا هي وقعت عليه كضحية.












