حزب الله لا يريد لمئات آلاف اللبنانيين المغتربين أن يقترعوا للـ 128 نائباً، لأن العقوبات الدولية المفروضة عليه لا تتيح لناخبيه في الاغتراب أن ينظموا حملات انتخابية وأن يقترعوا على نحو معلن لمرشّحيه!
موقف الحزب كان صريحاً من خلال عرقلة جلسة عامة نيابية كان يُفترض أن تقر قانوناً يتيح للمغتربين اللبنانيين الاقتراع لكل النواب، لكن الحزب عارض وأطاح الأمر.
هذه المعادلة تعني أن الحزب يضغط لأن تشمل العقوبات عليه كل اللبنانيين، أفراداً وأحزاباً وطوائف. فأن يُحرم ناخبون وأحزاب ومرشّحون من تمثيل لبنانيي الاغتراب، لأن دولاً كبرى أميركية وأوروبية قررت فرض عقوبات على حزب الله، لا تفسير له إلا أن الحزب قرر أن هذه العقوبات تطاول هؤلاء الناخبين، وهو بصدد الاستعانة على هذا المنع بالقانون اللبناني، طالما أن قوانين الدول التي فرضت العقوبات لم تشمل بعقوباتها اللبنانيين من غير أعضاء حزب الله.
النسبة الأكبر من لبنانيي الانتشار مسيحيون، ما يعني أن معاقبي الانتشار معظمهم مسيحيون.
العقوبات الدولية تشمل هذه الشريحة إذاً، علماً أن شيعة الانتشار يتركزون بالدرجة الأولى في القارة الأفريقية، وهم هناك أقل تأثراً بالعقوبات الدولية. هذه الحقيقة تعزز الاعتقاد أن هدف حزب الله هو منع غير مؤيديه من لبنانيي الاغتراب من الاقتراع، لا فرض تكافؤ فرص المرشحين، ذاك أن الكتلة الناخبة الشيعية في أفريقيا يمكن أن تصوّب هذا الاختلال.
ثم إن الانتخابات بأحد أبعادها هي عملية محاسبة للقوى السياسية على إدائها، وحزب الله يسعى الى إبعاد عنصر أساسي من خياراته عن حسابات الناخبين. يقول من غير المسموح لكم أن تحاسبوني على ما أفضت إليه خياراتي. العقوبات في آخر الأمر هي ثمرة خيارات سياسية وعسكرية ومالية اختارها الحزب. ولا يريد حزب الله أن يجعلها جزءاً من قرارات اللبنانيين ومن مساراتهم الانتخابية. هذا تماماً ما فعله الحزب عندما قرر أن سلاحه خارج النقاش والتداول والانتخاب. سلاحه هو سلاحه، وعلى اللبنانيين أن يتحملوا كلفته حروباً ودماراً وعزلة.
إقرأوا أيضاً:
السلاح هو سلاح فئة من اللبنانيين، وليس سلاح اللبنانيين، لكن الأخيرين كلهم عليهم أن يتحملوا أعباءه. لم يكن لهم رأي في حرب الإسناد إلا أنهم جميعاً دفعوا أثمانها. تماماً مثلما عليهم كلهم أن يدفعوا كلفة العقوبات على حزب الله.
كان يمكن لهذه المعادلة أن تشتغل على رغم اختلالها، فيما لو أن قدرة حزب الله على فرضها ما زالت قائمة. وبما أن الحزب غير معدّ لامتصاص الصدمات، ولا يجيد التعامل مع الأمر الواقع، فهو يواصل ما دأب عليه قبل الضربة التي تعرض لها في الحرب الأخيرة، وما أصابه جراء سقوط النظام في سوريا. لبنان بالنسبة إليه هو الدولة التي تم ترويضها لكي تخدم مهمته.
لكن على المقلب الآخر من المشهد، ثمة فرص داخلية بإمكان الحزب أن يستثمرها. في موضوع قانون الانتخاب، يبدو أن التيار العوني يسعفه، وفي قضية إضاءة صخرة الروشة تولت الأجهزة الأمنية والعسكرية تسهيل المهمة. وفي موضوع حصرية السلاح، يعوّل الحزب على عودة “المكوعين” من الجماعات التي تركته، ما أن يلتقط أنفاساً، سواء عبر الانتخابات، أو عبر تغير ما إقليمي. والحزب يشعر أن خصومه في الداخل أضعف من أن يفرضوا عليه خيار حصرية السلاح، ويرى بـ”تروي رئيس الجمهورية” أفقاً قد يفضي إلى تأجيل المهمة.
الداخل اللبناني يجعل مهمة حزب الله ممكنة، لا سيما في ظل الاحتمالات العونية من طرفيها (جوزاف عون وجبران باسيل)، أما ما يجعلها صعبة، لا بل مستحيلة، فهو الخارج، وهو ما ارتسم من معادلات بفعل هزيمة محور الممانعة، وهي هزيمة تفوق بنتائجها ما جرّه اجتياح بيروت في العام 1982، وما أعقب هذا العام من حروب أعادت امتصاص نتائج الاجتياح. آنذاك، لم تشمل الهزيمة سقوط نظام الأسد، وأيضاً كان الاتحاد السوفياتي يمد نفوذه على نصف الكرة الأرضية.
قد ينجح حزب الله في حرمان الأحزاب المسيحية من أصوات لبنانيي الانتشار، لكن تبقى أمامه عقبة كبرى، وهي هذا الاختلال الهائل الناجم عن هزائم ما بعد 7 أكتوبر.
إقرأوا أيضاً:













