fbpx

مشاريع “استثمارية” تستنزف المياه والثروات الطبيعية جنوبي العراق

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

صُنف العراق ضمن العديد من التقارير الدوليّة، بأنه خامس الدول الأكثر تضرراً من التدهور المناخي، ناهيك بالجفاف الذي تعيشه البلاد، ما يعني أن مهمة الدولة تتجاوز تأمين المرشات الضرورية لاستدامة العمل الزراعي، نحو توفير الوقود للمضخات التي يمتلكها المزارعون، خصوصاً أن بادية محافظة المثنى تفتقد لشبكة الكهرباء.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

يمتلك المزارع أبو غانم (57 سنة) ألف دونم من الأراضي الصالحة للزراعة في بادية السماوة جنوب غربي العراق، على رغم ذلك يعجز عن الاستثمار فيها بسبب غياب دعم الدولة، سواء بتوفير البذور والأسمدة والوقود أو آليات الري.

ما يختبره أبو غانم، لا ينطبق على المزارعين جميعهم، إذ يشير في حديث مع “درج”، أن مزارعين وشركات استثمارية “مرتبطة بجهات متنفذة” يتلقون الدعم. يؤكد أبو غانم الذي لا يجيد مهنة أخرى، أن الحكومة اشترطت على المزارعين أمثاله، استخدام المرشات المحورية مقابل دعمهم بالبذور والأسمدة، وهذا أمر يصعب تحقيقه؛ إذ يبلغ سعر المرشة الواحدة أكثر من 50 ألف دولار أمريكي.

 يقول وهو يضرب كفيه ببعضهما البعض، “منذ عشر سنوات نقدم الطلبات للحصول عليها لكن الحكومة تتجاهلها”، ويضيف “نشعر أن الحكومة تحارب الزراعة في المثنى، وأن موارد الدولة تذهب إلى مستثمرين وهميين أحياناً على حسابنا نحن المزارعين الحقيقيين، فمن لديه واسطة يحصل على ما يريد”.

يصمت للحظات قبل أن يتابع “المرشات توزع عبر الوساطات، وليس عبر القرعة كما يدعون… ليس لدينا لا المال ولا المعارف، فكيف يمكن إدامة عملنا؟”.

صُنف العراق ضمن العديد من التقارير الدوليّة، بأنه خامس الدول الأكثر تضرراً من التدهور المناخي، ناهيك بالجفاف الذي تعيشه البلاد، ما يعني أن مهمة الدولة تتجاوز تأمين المرشات الضرورية لاستدامة العمل الزراعي، نحو توفير الوقود للمضخات التي يمتلكها المزارعون، خصوصاً أن بادية محافظة المثنى تفتقد لشبكة الكهرباء.

على رغم تلك المشاكل التي اضطر إثرها مئات المزارعين إلى التخلي عن مهنتهم ومهنة أجدادهم وهجرة أراضيهم، تحمّل دائرة المياه الجوفية بمحافظة المثنى، المزارعين كما مستثمرين صناعيين، مسؤولية استنزاف المياه الجوفية، بل وتجفيف بحيرة ساوة التي اختفت عام 2022، نتيجة قيام المزارعين بحفر “آلاف الآبار غير القانونية” حسب بيان الدائرة.

الفساد والزراعة في ظل الجفاف

المزارعون المحليون ينفون تلك التهمة، ويبدون التزامهم بالمعايير المعتمدة في حفر الآبار وسقي مزارعهم. يقول أبو غانم “نحن نحفر الآبار وفقاً لتعليمات وإجراءات روتينية معقدة، وبعد مراجعات دورية متكررة من قبل الجهات الرسمية لمزارعنا، بينما هناك من يحفرون الآبار دون رقابة وبشكل جائر، وتساعدهم على ذلك علاقاتهم بمسؤولين رفيعين، أو من خلال دفع الرشاوى”.

تشكل الصحراء 90% من محافظة المثنى، وفيها العديد من الثروات المعدنية فضلاً عن المراعي الطبيعية الواسعة التي عززت ثروتها الحيوانية، قبل أن تظهر مشكلة الجفاف في السنوات الخمس الأخيرة، بحسب باحثين محليين وأرقام رسمية. في نفس الوقت تحتل المثنى الصدارة في نسبة الفقر التي وصلت إلى 52% عام 2023 وفقاً للمتحدث الرسمي باسم وزارة التخطيط عبد الزهرة الهنداوي. 

المثنى أيضاً ثاني أكبر محافظة عراقية من حيث المساحة (51000 كم2) فيما لا يتجاوز عدد سكانها المليون نسمة، وتحاذي كل من المملكة العربية السعودية ودولة الكويت من الجنوب، ما يجعلها مؤهلة لافتتاح معابر حدودية تنشط فيها التجارة.

شهد العراق في العام 2021 ثاني أكثر مواسمه جفافاً منذ 40 عاماً، بسبب الانخفاض القياسي في معدلات هطول الأمطار ومع ارتفاع درجات الحرارة وتوالي العواصف الغبارية، في وقت تراجعت تدفقات المياه من نهري دجلة والفرات إلى أقل من نصف معدلاتها السابقة.

تشير إحصائيات هيئة الاستثمار في المثنى لعام 2023 أن المشاريع التي أحيلت كفرص استثمارية في بادية المثنى الجنوبية بلغ عددها (96) مشروعاً في القطاعين الزراعي والصناعي. لكن أبا غانم، ومزارعين آخرين يرون أن بعض تلك المشاريع فعلياً تستنزف كميات كبيرة من المياه، في حين أن عدداً كبيراً منها مجرد حبر على ورق، وهي تمثل باباً من أبواب الفساد، الفرضية التي تؤكدها مصادر برلمانية.

يقول أحد المزارعين، دون الإفصاح عن اسمه “بعض المستثمرين يحصلون على الأراضي، ويكتفون بوضع مشيدات لا تكلف سوى مبالغ قليلة، بينما يستلمون من المصرف الزراعي مبالغ كبيرة كقروض استثمارية، وحين يتأكد فشل المشروع أو عدم تنفيذه تبدأ الجهات الحكومية بتحريك دعاوى على المستثمرين، فيما تبقى الأراضي متروكة دون أي فائدة”.

“المرشات توزع عبر الوساطات، وليس عبر القرعة كما يدعون… ليس لدينا لا المال ولا المعارف، فكيف يمكن إدامة عملنا؟”.

الهدر أم الجفاف؟

توجّه إلى المزارعين في بادية السماوة وبشكل مستمر، اتهامات باستنزاف المياه بشكل جائر من خلال اعتمادهم على وسائل ري قديمة تهدر المياه، لذلك فرضت الجهات الحكومية عليهم استخدام مرشات محورية لتقنين استخدام المياه، وقد تكفي الواحدة منها لتغطية مساحة تصل إلى 120 دونماً. 

وبحسب مدير دائرة المياه الجوفية السابق في المحافظة د. أحمد سرداح الزبيدي، تتعرض البادية للاستنزاف جراء الآبار التي تحفر دون موافقات رسمية. وهناك نوعان من الهجرة من وإلى البادية بحسب المعلومات المتوفرة لديه: تتمثل الأولى بهجرة رؤوس الأموال باتجاه البادية، أما الثانية فهي هجرة الفلاحين إلى المدينة نتيجة انخفاض مناسيب المياه أو جفاف الآبار.

يرى الزبيدي أن المياه الجوفية وخلافاً لما يشاع محدودة، وتتقلص باستمرار جراء تراجع الأمطار وزيادة الاستخدام. ويضرب مثالاً هو الأوضح كما يقول “جفاف بحيرة ساوة”، مشيراً إلى التراجع الحاد في المياه الجوفية بجنوب وغرب المحافظة وتحديدا بناحية السلمان.

يرجع الزبيدي أسباب تراجع المياه وتردي نوعيتها، إلى النشاط الصناعي المتمثل بمعامل الإسمنت والحفر المفرط للآبار، فضلاً عن العمليات التي تستنزف طبقات الصخور الجيرية لأغراض صناعية، والتي تترك آثارا سلبية على البيئة المحيطة بما فيه النباتات الطبيعية في المنطقة.

ويؤكد الموظف السابق على أن طبيعة الخزان الجوفي وخصائصه تحدد أعداد الآبار العاملة بمنطقة البادية الجنوبية التي ينبغي أن تحفر بعدد معين، وتعمل ضمن ساعات إنتاج محددة، إذ تشير الأبحاث العلمية إلى أن الآبار يجب أن تعمل “8 ساعات في اليوم الواحد وإنتاجية لا تزيد عن 5 لترات بالثانية”.

لكن الفلاحين وأصحاب المشاريع كما يقول “يشغلون البئر 24 ساعة باليوم وبإنتاجية تصل إلى 20 لتراً بالثانية، وهكذا يقل عمر البئر، وينخفض المخزون الجوفي”. 

ويضرب مثالا على ذلك، بانخفاض منسوب المياه الجوفية في منطقة الرحاب “كان يبلغ 20 متراً وعمق الآبار من 50 – إلى 80 متراً، بينما وصل عمق البئر الآن إلى 150 مترا ومنسوب المياه إلى 50 متراً”.

وبحسب الإحصائيات الرسمية هناك أكثر من 4000 بئراً في البادية، ويتوقع الزبيدي أن يكون العدد ضعف ذلك، وذلك بسبب عدم تطبيق القوانين في ظل “المحسوبيات والتأثيرات السياسية والاقتصادية”.

ويكشف عن تعرض الكثير من موظفي هيئة المياه الجوفية لاعتداءات وتهديدات وابتزاز، نتيجة حديثهم عن الحفر الجائر للآبار، وقد تعرض شخصياً للتشهير على مواقع التواصل الاجتماعي من قبل إحدى الجهات الحزبية.

استثمارات وهميّة

السياسي المستقل نبيل الحسّاني، يقول إن إحدى الجهات الحزبية (لم يسمها) تستحوذ على آلاف الدونمات من الأراضي في بادية المثنى بحجة الاستثمار الزراعي، ولا أحد يتمكن من الوصول إلى تلك المناطق لكي يتأكد من حقيقة الاستثمار والمنتوج، إذ “وضعت تلك الجهة نقاط تفتيش تمنع الناس من الدخول إلى المنطقة، حتى رعاة الأغنام مُنِعُوا من الرعي فيها”.

يتساءل الحسّاني: “لو كان هناك فعلا استثمارات حقيقية، فأين هي المحاصيل التي تنتجها؟”، وضرب مثالاً على ذلك قائلاً” السنة الماضية، وتحديداً وقت الحصاد، كانت مواقع التواصل الاجتماعي تعج بالدعايات لزراعة -ركي أو بطيخ السلمان- لكن لم تشهد الأسواق أي أثر حقيقي لذلك، ولم يكن هناك بطيخ السلمان في الأسواق!”.

يرى الحسّاني أن منح تلك الشركات فرصاً استثمارية غير حقيقية فوت على المثنى والعراق، فرص استثمار فعلية كانت دول مجاورة قد قدمتها، ;رُفِضَت بدوافع سياسية. دون أن يذكر اسم الدول التي أتت منها عروض الاستثمار.

يوضح الحسّاني طبيعة تلك الفرص: “كان من المفترض زراعة مساحات واسعة مع إنشاء معامل الأعلاف للحيوانات وإنشاء طرق حيوية، وهذا لم يحصل وكان بديله استثماراً بدائي بسبب مماحكات سياسية من قبل بعض الأحزاب التي حركت تابعين لها في المدينة لرفض الاستثمار من الخارج”.

أشارت مصادر إعلامية خليجية وعراقية عام 2020 إلى رفض فرص استثمارية خليجية في محافظتي المثنى والأنبار. وبررت وزارة الموارد المائية العراقية أسباب رفض تلك الفرص بقلة مخزون المياه الجوفية المستدام “هو لا يتيح التوسع الهائل للاستثمار الزراعي في العراق”.

يلفت الحساني الانتباه إلى أن بعض المنتمين للقوات الأمنية وتحت مسميات معينة يعملون في الأراضي التي يفترض أنها للاستثمار الزراعي، ويصفها ساخراً “ولا نعرف هل هي أرض زراعية أم ثكنات عسكرية؟!”.

ينفي الحساني ما يُتَدَاوَل في بعض وسائل الإعلام عن أن محافظة المثنى تأتي بالمرتبة الأولى على مستوى العراق في نطاق الاستثمار واصفاً الأمر بـ”حبر على ورق”، ويضيف ساخراً”المفارقة، أن نفس وسائل الإعلام تتحدث عن معدلات فقر في المحافظة تبلغ 52%، فلو كان الاستثمار حقيقيا كان في الأقل قد انخفضت نسبة الفقر”. 

طبيعة البادية في خطر !

ينبه بعض سكان المثنى إلى جانب آخر يدفعهم للاعتراض على مشاريع الاستثمار، فعبد الله الجشعمي (36 عاما) المهتم باستدامة طبيعة البادية، والذي يعيش وسط جيران يمتهن غالبيتهم مهنة الرعي، يرى أن تلك المشاريع تهدد بتغيير طبيعة المنطقة التي تتميز بمراعيها الواسعة التي تجوب فيها الأغنام والإبل.

يشكو الجشعمي كغيره من أن الاستثمار في البادية لم يوفر فرص عمل للسكان، بل “زاد نسبة الفقر؛ لأن أهل البادية يعملون بمهنة الرعي بنحو أساسي، ووضع الأسوار حول الأراضي، وتحويل استخدامها، والتضييق على الرعاة وحصرهم بمساحات قليلة، يعني تهديد مهنتهم”.

يشير الجشعمي إلى اعتراض الرعاة على التضييق الحاصل عليهم، والذي قوبل بالاعتداء عليهم بالضرب، وحدثت مشاكل عشائرية عديدة جراء ذلك، ناهيك بسؤال طرحه الجشعمي بقي دون جواب، مفاده “أين ترعى ماشية البدو إذن وبعضهم يملك آلاف الرؤوس من الغنم والإبل؟”.

يناشد عبد الله الحكومة العراقية، بإيقاف أي مشروع استثماري “جائر”، وفق وصفه، لما يحمله من ضرر على بيئة المنطقة والمياه الجوفية فيها، أو يحد من مساحة المراعي بما يخلفه ذلك من أضرار بالثروة الحيوانية. ويقول “أنا من سكان البادية أبا عن جد، لم أر أبداً أهلنا يعملون في هكذا مشاريع، هذا مخالف لطبيعتنا”.

يوافقه أبو غانم “نحن الفلاحون والمزارعون العاديون، نستطيع بإمكانياتنا أن نستثمر بشكل جيد تلك الأراضي التي منحت للشركات الاستثمارية، لكننا نحتاج إلى بعض الدعم”.

تهديد البيئة الطبيعيّة

في 20 شباط/ فبراير 2024 أعلنت هيئة استثمار المثنى عن المباشرة بإنشاء معمل سمنت (سما ساوة) في محور المملحة الصناعي، بطاقة إنتاجية تبلغ مليوني طن سنوياً، المعمل تنفذه سينوما الصينية وبإشراف شركة (PEG) السويسرية.

المعمل الذي سينتج الإسمنت العادي والمقاوم والمستخدم في آبار النفط، من المخطط إكماله خلال (20) شهراً، ويأتي بالتزامن مع تنفيذ أربعة معامل أخرى في المثنى، بالإضافة إلى ثلاثة معامل استثمارية منجزة لتغطية الطلب المتزايد على مادة الإسمنت في العراق.

وفي منتصف الشهر ذاته، أعلنت الهيئة عن مباشرة شركة (خيرات الأرض الطيبة) بزراعة 1500 دونم من القمح ضمن مشروع يتضمن زراعة 5 آلاف دونم في بادية المثنى، اعتمادا على طرق الري الحديث والمرشات الثابتة و”بذور ذات إنتاجية عالية ومقاومة للجفاف والأوبئة”، إلى جانب تربية ألف رأس من الأغنام جيدة الصنف “للاسهام بتحقيق الاكتفاء الذاتي”.

كما أعلنت هيئة استثمار المثنى عن قيام شركة (رافدي العراق) بزراعة 25 ألف دونم من القمح، و10 آلاف دونم من النخيل النسيجي في البادية باستخدام “أحدث تقانات الري بالرش المحوري ذاتي الإدارة وتغذيتها بالطاقة الشمسية واعتماد البذور الهجينة المقاومة”. 

وفي مطلع شباط/ فبراير، أعلنت الهيئة عن زراعة مليون شجرة (جوجوبا) من قبل شركتي الصلصال والفردوس. وذكر رئيس الهيئة عادل الياسري أن المشروع يكافح التصحر، كونه تلك الأشجار تساهم في تثبيت التربة ومنع تعريتها، وهي وتتحمل درجات حرارة عالية، وتستهلك كميات قليلة من المياه، وتعيش لـ 200 عام، وهي تدخل في إنتاج الزيوت المستخدمة في العديد من مستحضرات التجميل وسوائل الغسول.

وفي كانون الثاني يناير 2024 أعلنت استثمار المثنى عن وصول 650 ألف فسيلة نسيجية، ضمن مشروع لزراعة النخيل في بادية السماوة يستهدف زراعة مليون نخلة صعوداً إلى ثلاثة ملايين نخلة، وعلى مساحة أربعة آلاف دونم.

تلك المشاريع المعلنة خلال أقل من شهرين، يقول مختصون أن الموافقة عليها تتم دون دراسات علمية دقيقة تبحث في مدى ملاءمتها لطبيعة المنطقة، وتأثيرها على بيئة البادية والمياه المتوفرة فيها، وينبهون إلى أنها قد تمثل تهديدا لمصادر رزق المزارعين التقليديين كما الرعاة. 

“استثمارات وهميّة” تهدد السوق وفرص العمل

يقسم سكان بادية المثنى أراضيهم إلى قسمين، يعرف الأول بـ(الحجرة) وهي المساحات ذات التربة الطينية المزيجية، وتزرع عبر الري السطحي، وهذه حجزت لصالح مستثمري الأراضي الزراعية. والقسم الثاني يعرف بـ(السهل) وتكون تربتها رملية، وتعتمد الزراعة فيها على الري بالمرشات.

يقول بعض أبناء المنطقة، أن تلك المساحات (السهل) كانت آخر متنفس لرعي الماشية، قبل أن يستولي عليها متنفذون “عبر عقود استثمارية منحت عشوائياً”، على حد قولهم.

(علي. م) وهو شاب من أبناء البادية أكمل تعليمه الثانوي، ونزح إلى السماوة قبل عامين بحثاً عن عمل، يدعو الحكومة المحلية إلى التركيز على توسيع وتطوير الزراعة في الأرياف المعروفة بطبيعتها الزراعية، وليس في البادية التي لا يسكنها سوى البدو، منبها أن ما يحدث يمثل نوعاً من التغيير الديموغرافي ليس لتطوير اقتصاد المنطقة، بل لمصالح أطراف وأشخاص.

الكثير من أبناء المثنى وباديتها، يشككون بحقيقة المشاريع الاستثمارية التي يُعْلَن عنها، ويتساءلون: أين فرص العمل التي توفرها؟ وأين إنتاجها من بالوهمية: “

الصوت الأعلى للمشككين يتمثل في عضو مجلس النواب عن المحافظة باسم خشان الذي يصف الكثير من الاستثمارات الحاصلة في البادية بالوهمية”جزء كبير منها أحيلت إلى مستثمرين يسعون للحصول على قروض، دون أن يقوموا فعلياً بتنفيذها”. 

ويوجه خشان، اتهامات لشركات استثمارية، أحدها تدعى (خيرات العراق)، التي حصلت على أربع إجازات استثمارية في البادية، قائلا بأنها مدينة لمقاولين ثانويين، نفذوا أعمال لصالحها مثل بناء مشيدات أو إنشاء أحواض أسماك، لكنها لم تسدد لهم الأموال (أكثر من 450 ألف دولار) المتفق عليها. ويشير خشان إلى أن هذه الشركة تجاوزت المدة المحددة لإنجاز عملها، لكن لم تفرض عليها أية عقوبات!

يتهم خشان شركة (خيرات العراق) بعدم الوفاء بالتزاماتها، على رغم حصولها على قروض مالية، وعلى الإعفاء الجمركي والضريبي، ومنحها مساحات شاسعة من الأراضي في البادية تقدر بخمسين ألف دونم، على حد قوله.

يقدر النائب الخشان، حجم ما يسميه بالاستثمار الوهمي، بنسبة 90% من الاستثمار الزراعي في البادية، ويراه كـ”باب من أبواب سرقة أموال الدولة والإثراء على حساب المال العام، ليس في البادية فقط، بل حتى في المشاريع الاستثمارية الأخرى في المحافظة”.

يقول عضو مجلس النواب، ان موظفين ومسؤولين وحتى قضاة حصلوا على أراض زراعية لاستثمارها، لكنهم لم يستغلوها كما هو مطلوب في عقود الاستثمار، مع أنهم حصلوا على قروض كبيرة من أجل ذلك، يضيف “كشفنا قضايا فساد وقدمناها للقضاء. رئيس مجلس الوزراء لا يريد أن يتخذ إجراء، فنحن نحاول أن نصلح الوضع، لكن لا رغبة حقيقية للإصلاح”.  

يرى خشان أن مديرية الزراعة مُلزمة بمتابعة المشاريع المتلكئة، وأن على الجهات المعنية إقالة مدير هيئة الاستثمار في المحافظة واستبدال مجلس الهيئة، المتورط بمنح إجازات خلافاً للضوابط مع عدم قيامه بدوره فيما يتعلق بفرض الغرامات والإجراءات الأخرى بحق المخالفين لقوانين الاستثمار. 

زيادة في الإنتاج دون إحصائيات دقيقة

لا تجد الاتهامات التي تطال بعض المشاريع الاستثمارية، صدى في أروقة الدوائر المعنية بالمثنى، الحديث هناك يتركز على مواصلة الاستثمار بعد تحقيق زيادات في الإنتاج الزراعي. يقول مدير زراعة المثنى واثق منصور أن المساحات المزروعة في الأراضي: ” البادية، والتي تستخدم فيها تقنيات الري الحديثة قفزت إلى (250) ألف دونم، وهناك زيادة واضحة في الإنتاج الزراعي.

ويؤكد منصور أن الإجازات الاستثمارية تمنح وفق القأنون، ويشرح آلية تأجير ومنح الأراضي”هناك خطان متوازيان أولهما تأجير الأراضي للمواطنين من خلال تقديمهم طلبات مباشرة، ونمنحهم الموافقات وفقاً للقانون (35) لسنة 1983، إلى جانب العقود الاستثمارية الزراعية وهي من صلاحيات هيئة الاستثمار”.

مع فتح باب الاستثمار منحت أربع شركات عقود زراعية للاستثمار في البادية، من بينها شركة (الصلصال)، التي زرعت نحو 20 ألف دونم، وشركة (الفردوس) التي زرعت 12 ألف دونم. 

ونفى منصور، علمه بمستوى إنتاج الشركات الاستثمارية، مبرراً ذلك بتولي منصبه في شهر أيار/ مارس من العام 2023، لكنه قال إنه يتوجب عليها الالتزام بتطبيق بنود الاستثمار وفق القانون وتحديدا الفقرة (10) التي تنص على أن يُعطى للمستثمر مدة محددة لتنفيذ المشروع “في حال إخلاله ببنود العقد نلجأ إلى فسخه لإعطاء فرصة لمستثمر آخر”. 

لم يوضح منصور إن كانت دائرته بدأت خطوات لفسخ عقود شركات متلكئة، مع تزايد الشكوك بشأن عملها.

تشير مديرية زراعة المثنى إلى أن المنتج الزراعي من الحبوب بالمحافظة في زيادة، مبينة أنها سوقت 150 ألف طن من الحنطة خلال سنة 2023، و2000 طن من الذرة، ذات الكمية من محصول الشعير. لكنها لا تملك إحصائيات بشأن إنتاج الخضراوات، واكتفت بالإشارة إلى أن الكميات المنتجة دعمت السوق المحلي “بنحو كافٍ”.

ويقول مدير سايلو المثنى فليح شيال، أن المستلم من محصول الحنطة من مزارعي المثنى لسنة 2022 كان قد بلغ 70 ألف طن، وارتفع في سنة 2023 ليبلغ 130 ألف طن، نحو 90% منها أنتج في منطقة البادية. 

ويؤكد أن الزيادة هذه جاءت بسبب تطور الزراعة، وتحديد أسعار مجزية من قبل الحكومة لمسوقي الحنطة من المزارعين، والتي وصلت إلى 850 ألف دينار للطن الواحد (647 دولاراً. 

على رغم ذلك، لا ينفي شيال، وجود مستثمرين حصلوا على رخص لاستثمار أراضٍ في البادية، لكن لم تستغل لغاية الآن، أو أن ما أنتج فيها لا يتناسب مع حجم مساحة الأرض الممنوحة لهم.

هذه الزيادة المعلنة من الحكومة في إنتاج الحبوب، يرجعها متابعون للواقع الزراعي إلى تحسن معدلات الأمطار الهاطلة مقارنة بالعام الذي سبقه، وليس إلى استثمار أراضي البادية، إلى جانب اعتماد بعض المزارعين على المرشات الحديثة وعدم الركون إلى السقي التقليدي. 

خيبة أمل

يرى الناشط البيئي أحمد حمدان، إن المشاريع الاستثمارية الزراعية والصناعية مفيدة لمنطقة البادية “لو نفذت بشكل حقيقي، ولم تكن مجرد حجز لآلاف الدونمات واستخدامها لأغراض غير اقتصادية”.

ويضيف أن الاستثمارات من المفترض أن تُشغل الأيدي العاملة، لكن هذا ما لم نلمسه، وواقع الحال يظهر تنفيذ جزء قليل منها “ربما بنسبة لا تتعدى الـ25%، لذا يشعر سكان البادية بخيبة أمل نتيجة رفض عروض قدمتها شركات كبيرة أرادت الاستثمار في البادية، وكان يمكن أن تسهم بتشغيل آلاف الأيدي العاملة وتقليص البطالة والفقر، لكن جهات تدخلت لأهداف شخصية أو سياسية، وأفشلت تلك العروض”.

ينبه حمدان، لي أن الخسارة كانت مزدوجة، فلم تنفذ المشاريع وفق ما هو معلن، بينما تأثرت حرفة الرعي في البادية التي هي أراض رعوية “بعد استغلال معظم المساحات لأغراض زراعية أو صناعية، تغيرت طبيعة أكثر من ثلثي الأراضي”.

يقول حمدان أيضاً أن العقود الاستثمارية أثرت حتى على السياحة المرتبطة بالصيد في البادية “في السنوات الماضية كان يسمح للسياح ومعظمهم من الخليج، بالدخول إلى البادية مقابل مبالغ تصل إلى 20 ألف دولار، لكن كثرة الاستثمارات حدت من دخول السياح مع تحول أغلب المناطق إلى محميات شخصية لمتنفذين”.

مشاريع مخالفة القانون

رئيسة مركز أبحاث البادية بجامعة المثنى، الأكاديمية د. صوفيا جابر تقول بأن الاستثمار في البادية ذي وجهين، فقد يحمل نتائج سلبية، وأيضاً إيجابية إذا خضع للقوانين التي تحافظ على الثروات الطبيعية، كتقنين استهلاك المياه باستخدام طرق الري الحديثة.

ووفقاً لدراسة أجراها المركز، المشاريع الصناعية في البادية تتعامل مع الموارد بنحو عشوائي، إذ قام أصحابها باستخدام مناطق كمقالع للحجارة، في حين كان من المفترض أن تكون محميات طبيعية.

أثبتت الدراسة أن معظم المشاريع غير ملتزمة بالقوانين والمعايير البيئية، بدليل جفاف بحيرة ساوة؛ بسبب “الاستثمار في المملحة”، كما تقول د. صوفياأكتوبر”كنا نراقب مناسيب المياه في البحيرة، ونلحظ انخفاضها من شهر تشرين الأول/ أكتوبر ولغاية شهر نيسان/ أبريل، وهي فترة عملية ملئ الأحواض الخاصة باستخراج الملح، واطلعنا على الصور الجوية من خلال الأقمار الاصطناعية، وقِيسَت مسافة الأحواض، فوجدناها مساوية لبحيرة ساوة”. 

ذكرت د. صوفيا أن لجنة مشتركة تشكلت من مركزها الأكاديمي ورئاسة الوزراء لتحويل بحيرة ساوة إلى محمية طبيعية “لكن معامل الملح والإسمنت تعمدت التأثير على البحيرة وتجفيفها”.

تنتقد د. صوفيا عدم تقديم المشاريع الاستثمارية لبيانات حقيقية، تقول “لا نعرف كم عدد الآبار التي تحفرها، وكميات المياه التي تسحبها، لأنها لا تضع عدادات للمياه، وذلك لغرض منع السيطرة والمراقبة الدورية”.

تورد د. صوفيا ذات الملاحظة التي أكدها متابعون آخرون، إذ لم تجد، خلال زياراتها للبادية، إنتاجاً زراعياً يوازي حجم الفرص الاستثمارية الممنوحة هناك “ما نشاهده عبارة عن نباتات متقزمة، فالسنبلة قصيرة وإنتاجها متواضع من الحبوب”. كما أشارت إلى تركيز المستثمر على زراعة الحبوب، إذ تقول “نسبة 95% من المزروع هو الحنطة، ولم تكن هناك سوى مزرعة واحدة للبصل والخيار في منطقة الرحاب”.

تدعو د. صوفيا إلى تشكيل لجان تشرف عليها مديرية الزراعة، لدراسة التربة وتحديد ملاءمتها للاستثمار وطريقة الري المناسبة “هم يقيسون فقط نسبة الملوحة وهذا غير كاف”. كما تشدد على إعداد دراسة بحثية للمتغيرات البيئية، وأهمية تعاون الدوائر المعنية فيما بينها، لمنع فقدان موارد المياه “هنالك عيون ماء جفت تماماً، ونسبة الأمطار لا تعوض ما يُسْتَنْزَف، ولا توجد مشاريع تديرها الحكومة لتخزين المياه”. 

أبو صلاح (64 سنة) يملك 700 دونم من الأراضي في بادية المثنى، تعود زراعتها بالقمح. فوجئ مثل غيره، بحصر الحكومة دعمها لمالكي المرشات المحورية فقط، ومعظمهم مستثمرون حاصلين على قروض مالية، على حد تعبيره.

يرى أبو صلاح أن منح فرص تحت اسم الاستثمار الزراعي في البادية، قد أضر بالمزارعين الحقيقيين هناك “العديد من شركات الاستثمار الزراعي والحيواني وهمية، هي تملك عقوداً موقعة منذ 5 أو 10 سنوات، لكن دون إنتاج. وشركات أخرى تستهلك المياه بنحو جائر. هذا هو الواقع، والنتيجة نحن نتضرر كما بيئة المنطقة”.

أنجزت المادة تحت إشراف شبكة “نيريج” للصحافة الاستقصائية

جهاد بزّي - كاتب لبناني | 22.07.2024

توماس كروكس: الفتى الأرعن الذي كاد يشعل حرباً أهليّة أميركيّة

أخطر ما في توماس كروكس ليس محاولة الاغتيال نفسها بل انتفاء دافعه إلى هذه المحاولة. وفي غياب أي توضيح منه تركه قبل مقتله، وبعده بالطبع، يمكن لأسبابه أن تتراوح بين أنه وجد ضرورة ماركسية لينينية في حرق المراحل وتقريب موعد الحرب الأهلية الأميركية الثانية وانفجار صراع الطبقات، وبين أن يكون قرر قتل دونالد ترامب شخصياً…
29.03.2024
زمن القراءة: 15 minutes

صُنف العراق ضمن العديد من التقارير الدوليّة، بأنه خامس الدول الأكثر تضرراً من التدهور المناخي، ناهيك بالجفاف الذي تعيشه البلاد، ما يعني أن مهمة الدولة تتجاوز تأمين المرشات الضرورية لاستدامة العمل الزراعي، نحو توفير الوقود للمضخات التي يمتلكها المزارعون، خصوصاً أن بادية محافظة المثنى تفتقد لشبكة الكهرباء.

يمتلك المزارع أبو غانم (57 سنة) ألف دونم من الأراضي الصالحة للزراعة في بادية السماوة جنوب غربي العراق، على رغم ذلك يعجز عن الاستثمار فيها بسبب غياب دعم الدولة، سواء بتوفير البذور والأسمدة والوقود أو آليات الري.

ما يختبره أبو غانم، لا ينطبق على المزارعين جميعهم، إذ يشير في حديث مع “درج”، أن مزارعين وشركات استثمارية “مرتبطة بجهات متنفذة” يتلقون الدعم. يؤكد أبو غانم الذي لا يجيد مهنة أخرى، أن الحكومة اشترطت على المزارعين أمثاله، استخدام المرشات المحورية مقابل دعمهم بالبذور والأسمدة، وهذا أمر يصعب تحقيقه؛ إذ يبلغ سعر المرشة الواحدة أكثر من 50 ألف دولار أمريكي.

 يقول وهو يضرب كفيه ببعضهما البعض، “منذ عشر سنوات نقدم الطلبات للحصول عليها لكن الحكومة تتجاهلها”، ويضيف “نشعر أن الحكومة تحارب الزراعة في المثنى، وأن موارد الدولة تذهب إلى مستثمرين وهميين أحياناً على حسابنا نحن المزارعين الحقيقيين، فمن لديه واسطة يحصل على ما يريد”.

يصمت للحظات قبل أن يتابع “المرشات توزع عبر الوساطات، وليس عبر القرعة كما يدعون… ليس لدينا لا المال ولا المعارف، فكيف يمكن إدامة عملنا؟”.

صُنف العراق ضمن العديد من التقارير الدوليّة، بأنه خامس الدول الأكثر تضرراً من التدهور المناخي، ناهيك بالجفاف الذي تعيشه البلاد، ما يعني أن مهمة الدولة تتجاوز تأمين المرشات الضرورية لاستدامة العمل الزراعي، نحو توفير الوقود للمضخات التي يمتلكها المزارعون، خصوصاً أن بادية محافظة المثنى تفتقد لشبكة الكهرباء.

على رغم تلك المشاكل التي اضطر إثرها مئات المزارعين إلى التخلي عن مهنتهم ومهنة أجدادهم وهجرة أراضيهم، تحمّل دائرة المياه الجوفية بمحافظة المثنى، المزارعين كما مستثمرين صناعيين، مسؤولية استنزاف المياه الجوفية، بل وتجفيف بحيرة ساوة التي اختفت عام 2022، نتيجة قيام المزارعين بحفر “آلاف الآبار غير القانونية” حسب بيان الدائرة.

الفساد والزراعة في ظل الجفاف

المزارعون المحليون ينفون تلك التهمة، ويبدون التزامهم بالمعايير المعتمدة في حفر الآبار وسقي مزارعهم. يقول أبو غانم “نحن نحفر الآبار وفقاً لتعليمات وإجراءات روتينية معقدة، وبعد مراجعات دورية متكررة من قبل الجهات الرسمية لمزارعنا، بينما هناك من يحفرون الآبار دون رقابة وبشكل جائر، وتساعدهم على ذلك علاقاتهم بمسؤولين رفيعين، أو من خلال دفع الرشاوى”.

تشكل الصحراء 90% من محافظة المثنى، وفيها العديد من الثروات المعدنية فضلاً عن المراعي الطبيعية الواسعة التي عززت ثروتها الحيوانية، قبل أن تظهر مشكلة الجفاف في السنوات الخمس الأخيرة، بحسب باحثين محليين وأرقام رسمية. في نفس الوقت تحتل المثنى الصدارة في نسبة الفقر التي وصلت إلى 52% عام 2023 وفقاً للمتحدث الرسمي باسم وزارة التخطيط عبد الزهرة الهنداوي. 

المثنى أيضاً ثاني أكبر محافظة عراقية من حيث المساحة (51000 كم2) فيما لا يتجاوز عدد سكانها المليون نسمة، وتحاذي كل من المملكة العربية السعودية ودولة الكويت من الجنوب، ما يجعلها مؤهلة لافتتاح معابر حدودية تنشط فيها التجارة.

شهد العراق في العام 2021 ثاني أكثر مواسمه جفافاً منذ 40 عاماً، بسبب الانخفاض القياسي في معدلات هطول الأمطار ومع ارتفاع درجات الحرارة وتوالي العواصف الغبارية، في وقت تراجعت تدفقات المياه من نهري دجلة والفرات إلى أقل من نصف معدلاتها السابقة.

تشير إحصائيات هيئة الاستثمار في المثنى لعام 2023 أن المشاريع التي أحيلت كفرص استثمارية في بادية المثنى الجنوبية بلغ عددها (96) مشروعاً في القطاعين الزراعي والصناعي. لكن أبا غانم، ومزارعين آخرين يرون أن بعض تلك المشاريع فعلياً تستنزف كميات كبيرة من المياه، في حين أن عدداً كبيراً منها مجرد حبر على ورق، وهي تمثل باباً من أبواب الفساد، الفرضية التي تؤكدها مصادر برلمانية.

يقول أحد المزارعين، دون الإفصاح عن اسمه “بعض المستثمرين يحصلون على الأراضي، ويكتفون بوضع مشيدات لا تكلف سوى مبالغ قليلة، بينما يستلمون من المصرف الزراعي مبالغ كبيرة كقروض استثمارية، وحين يتأكد فشل المشروع أو عدم تنفيذه تبدأ الجهات الحكومية بتحريك دعاوى على المستثمرين، فيما تبقى الأراضي متروكة دون أي فائدة”.

“المرشات توزع عبر الوساطات، وليس عبر القرعة كما يدعون… ليس لدينا لا المال ولا المعارف، فكيف يمكن إدامة عملنا؟”.

الهدر أم الجفاف؟

توجّه إلى المزارعين في بادية السماوة وبشكل مستمر، اتهامات باستنزاف المياه بشكل جائر من خلال اعتمادهم على وسائل ري قديمة تهدر المياه، لذلك فرضت الجهات الحكومية عليهم استخدام مرشات محورية لتقنين استخدام المياه، وقد تكفي الواحدة منها لتغطية مساحة تصل إلى 120 دونماً. 

وبحسب مدير دائرة المياه الجوفية السابق في المحافظة د. أحمد سرداح الزبيدي، تتعرض البادية للاستنزاف جراء الآبار التي تحفر دون موافقات رسمية. وهناك نوعان من الهجرة من وإلى البادية بحسب المعلومات المتوفرة لديه: تتمثل الأولى بهجرة رؤوس الأموال باتجاه البادية، أما الثانية فهي هجرة الفلاحين إلى المدينة نتيجة انخفاض مناسيب المياه أو جفاف الآبار.

يرى الزبيدي أن المياه الجوفية وخلافاً لما يشاع محدودة، وتتقلص باستمرار جراء تراجع الأمطار وزيادة الاستخدام. ويضرب مثالاً هو الأوضح كما يقول “جفاف بحيرة ساوة”، مشيراً إلى التراجع الحاد في المياه الجوفية بجنوب وغرب المحافظة وتحديدا بناحية السلمان.

يرجع الزبيدي أسباب تراجع المياه وتردي نوعيتها، إلى النشاط الصناعي المتمثل بمعامل الإسمنت والحفر المفرط للآبار، فضلاً عن العمليات التي تستنزف طبقات الصخور الجيرية لأغراض صناعية، والتي تترك آثارا سلبية على البيئة المحيطة بما فيه النباتات الطبيعية في المنطقة.

ويؤكد الموظف السابق على أن طبيعة الخزان الجوفي وخصائصه تحدد أعداد الآبار العاملة بمنطقة البادية الجنوبية التي ينبغي أن تحفر بعدد معين، وتعمل ضمن ساعات إنتاج محددة، إذ تشير الأبحاث العلمية إلى أن الآبار يجب أن تعمل “8 ساعات في اليوم الواحد وإنتاجية لا تزيد عن 5 لترات بالثانية”.

لكن الفلاحين وأصحاب المشاريع كما يقول “يشغلون البئر 24 ساعة باليوم وبإنتاجية تصل إلى 20 لتراً بالثانية، وهكذا يقل عمر البئر، وينخفض المخزون الجوفي”. 

ويضرب مثالا على ذلك، بانخفاض منسوب المياه الجوفية في منطقة الرحاب “كان يبلغ 20 متراً وعمق الآبار من 50 – إلى 80 متراً، بينما وصل عمق البئر الآن إلى 150 مترا ومنسوب المياه إلى 50 متراً”.

وبحسب الإحصائيات الرسمية هناك أكثر من 4000 بئراً في البادية، ويتوقع الزبيدي أن يكون العدد ضعف ذلك، وذلك بسبب عدم تطبيق القوانين في ظل “المحسوبيات والتأثيرات السياسية والاقتصادية”.

ويكشف عن تعرض الكثير من موظفي هيئة المياه الجوفية لاعتداءات وتهديدات وابتزاز، نتيجة حديثهم عن الحفر الجائر للآبار، وقد تعرض شخصياً للتشهير على مواقع التواصل الاجتماعي من قبل إحدى الجهات الحزبية.

استثمارات وهميّة

السياسي المستقل نبيل الحسّاني، يقول إن إحدى الجهات الحزبية (لم يسمها) تستحوذ على آلاف الدونمات من الأراضي في بادية المثنى بحجة الاستثمار الزراعي، ولا أحد يتمكن من الوصول إلى تلك المناطق لكي يتأكد من حقيقة الاستثمار والمنتوج، إذ “وضعت تلك الجهة نقاط تفتيش تمنع الناس من الدخول إلى المنطقة، حتى رعاة الأغنام مُنِعُوا من الرعي فيها”.

يتساءل الحسّاني: “لو كان هناك فعلا استثمارات حقيقية، فأين هي المحاصيل التي تنتجها؟”، وضرب مثالاً على ذلك قائلاً” السنة الماضية، وتحديداً وقت الحصاد، كانت مواقع التواصل الاجتماعي تعج بالدعايات لزراعة -ركي أو بطيخ السلمان- لكن لم تشهد الأسواق أي أثر حقيقي لذلك، ولم يكن هناك بطيخ السلمان في الأسواق!”.

يرى الحسّاني أن منح تلك الشركات فرصاً استثمارية غير حقيقية فوت على المثنى والعراق، فرص استثمار فعلية كانت دول مجاورة قد قدمتها، ;رُفِضَت بدوافع سياسية. دون أن يذكر اسم الدول التي أتت منها عروض الاستثمار.

يوضح الحسّاني طبيعة تلك الفرص: “كان من المفترض زراعة مساحات واسعة مع إنشاء معامل الأعلاف للحيوانات وإنشاء طرق حيوية، وهذا لم يحصل وكان بديله استثماراً بدائي بسبب مماحكات سياسية من قبل بعض الأحزاب التي حركت تابعين لها في المدينة لرفض الاستثمار من الخارج”.

أشارت مصادر إعلامية خليجية وعراقية عام 2020 إلى رفض فرص استثمارية خليجية في محافظتي المثنى والأنبار. وبررت وزارة الموارد المائية العراقية أسباب رفض تلك الفرص بقلة مخزون المياه الجوفية المستدام “هو لا يتيح التوسع الهائل للاستثمار الزراعي في العراق”.

يلفت الحساني الانتباه إلى أن بعض المنتمين للقوات الأمنية وتحت مسميات معينة يعملون في الأراضي التي يفترض أنها للاستثمار الزراعي، ويصفها ساخراً “ولا نعرف هل هي أرض زراعية أم ثكنات عسكرية؟!”.

ينفي الحساني ما يُتَدَاوَل في بعض وسائل الإعلام عن أن محافظة المثنى تأتي بالمرتبة الأولى على مستوى العراق في نطاق الاستثمار واصفاً الأمر بـ”حبر على ورق”، ويضيف ساخراً”المفارقة، أن نفس وسائل الإعلام تتحدث عن معدلات فقر في المحافظة تبلغ 52%، فلو كان الاستثمار حقيقيا كان في الأقل قد انخفضت نسبة الفقر”. 

طبيعة البادية في خطر !

ينبه بعض سكان المثنى إلى جانب آخر يدفعهم للاعتراض على مشاريع الاستثمار، فعبد الله الجشعمي (36 عاما) المهتم باستدامة طبيعة البادية، والذي يعيش وسط جيران يمتهن غالبيتهم مهنة الرعي، يرى أن تلك المشاريع تهدد بتغيير طبيعة المنطقة التي تتميز بمراعيها الواسعة التي تجوب فيها الأغنام والإبل.

يشكو الجشعمي كغيره من أن الاستثمار في البادية لم يوفر فرص عمل للسكان، بل “زاد نسبة الفقر؛ لأن أهل البادية يعملون بمهنة الرعي بنحو أساسي، ووضع الأسوار حول الأراضي، وتحويل استخدامها، والتضييق على الرعاة وحصرهم بمساحات قليلة، يعني تهديد مهنتهم”.

يشير الجشعمي إلى اعتراض الرعاة على التضييق الحاصل عليهم، والذي قوبل بالاعتداء عليهم بالضرب، وحدثت مشاكل عشائرية عديدة جراء ذلك، ناهيك بسؤال طرحه الجشعمي بقي دون جواب، مفاده “أين ترعى ماشية البدو إذن وبعضهم يملك آلاف الرؤوس من الغنم والإبل؟”.

يناشد عبد الله الحكومة العراقية، بإيقاف أي مشروع استثماري “جائر”، وفق وصفه، لما يحمله من ضرر على بيئة المنطقة والمياه الجوفية فيها، أو يحد من مساحة المراعي بما يخلفه ذلك من أضرار بالثروة الحيوانية. ويقول “أنا من سكان البادية أبا عن جد، لم أر أبداً أهلنا يعملون في هكذا مشاريع، هذا مخالف لطبيعتنا”.

يوافقه أبو غانم “نحن الفلاحون والمزارعون العاديون، نستطيع بإمكانياتنا أن نستثمر بشكل جيد تلك الأراضي التي منحت للشركات الاستثمارية، لكننا نحتاج إلى بعض الدعم”.

تهديد البيئة الطبيعيّة

في 20 شباط/ فبراير 2024 أعلنت هيئة استثمار المثنى عن المباشرة بإنشاء معمل سمنت (سما ساوة) في محور المملحة الصناعي، بطاقة إنتاجية تبلغ مليوني طن سنوياً، المعمل تنفذه سينوما الصينية وبإشراف شركة (PEG) السويسرية.

المعمل الذي سينتج الإسمنت العادي والمقاوم والمستخدم في آبار النفط، من المخطط إكماله خلال (20) شهراً، ويأتي بالتزامن مع تنفيذ أربعة معامل أخرى في المثنى، بالإضافة إلى ثلاثة معامل استثمارية منجزة لتغطية الطلب المتزايد على مادة الإسمنت في العراق.

وفي منتصف الشهر ذاته، أعلنت الهيئة عن مباشرة شركة (خيرات الأرض الطيبة) بزراعة 1500 دونم من القمح ضمن مشروع يتضمن زراعة 5 آلاف دونم في بادية المثنى، اعتمادا على طرق الري الحديث والمرشات الثابتة و”بذور ذات إنتاجية عالية ومقاومة للجفاف والأوبئة”، إلى جانب تربية ألف رأس من الأغنام جيدة الصنف “للاسهام بتحقيق الاكتفاء الذاتي”.

كما أعلنت هيئة استثمار المثنى عن قيام شركة (رافدي العراق) بزراعة 25 ألف دونم من القمح، و10 آلاف دونم من النخيل النسيجي في البادية باستخدام “أحدث تقانات الري بالرش المحوري ذاتي الإدارة وتغذيتها بالطاقة الشمسية واعتماد البذور الهجينة المقاومة”. 

وفي مطلع شباط/ فبراير، أعلنت الهيئة عن زراعة مليون شجرة (جوجوبا) من قبل شركتي الصلصال والفردوس. وذكر رئيس الهيئة عادل الياسري أن المشروع يكافح التصحر، كونه تلك الأشجار تساهم في تثبيت التربة ومنع تعريتها، وهي وتتحمل درجات حرارة عالية، وتستهلك كميات قليلة من المياه، وتعيش لـ 200 عام، وهي تدخل في إنتاج الزيوت المستخدمة في العديد من مستحضرات التجميل وسوائل الغسول.

وفي كانون الثاني يناير 2024 أعلنت استثمار المثنى عن وصول 650 ألف فسيلة نسيجية، ضمن مشروع لزراعة النخيل في بادية السماوة يستهدف زراعة مليون نخلة صعوداً إلى ثلاثة ملايين نخلة، وعلى مساحة أربعة آلاف دونم.

تلك المشاريع المعلنة خلال أقل من شهرين، يقول مختصون أن الموافقة عليها تتم دون دراسات علمية دقيقة تبحث في مدى ملاءمتها لطبيعة المنطقة، وتأثيرها على بيئة البادية والمياه المتوفرة فيها، وينبهون إلى أنها قد تمثل تهديدا لمصادر رزق المزارعين التقليديين كما الرعاة. 

“استثمارات وهميّة” تهدد السوق وفرص العمل

يقسم سكان بادية المثنى أراضيهم إلى قسمين، يعرف الأول بـ(الحجرة) وهي المساحات ذات التربة الطينية المزيجية، وتزرع عبر الري السطحي، وهذه حجزت لصالح مستثمري الأراضي الزراعية. والقسم الثاني يعرف بـ(السهل) وتكون تربتها رملية، وتعتمد الزراعة فيها على الري بالمرشات.

يقول بعض أبناء المنطقة، أن تلك المساحات (السهل) كانت آخر متنفس لرعي الماشية، قبل أن يستولي عليها متنفذون “عبر عقود استثمارية منحت عشوائياً”، على حد قولهم.

(علي. م) وهو شاب من أبناء البادية أكمل تعليمه الثانوي، ونزح إلى السماوة قبل عامين بحثاً عن عمل، يدعو الحكومة المحلية إلى التركيز على توسيع وتطوير الزراعة في الأرياف المعروفة بطبيعتها الزراعية، وليس في البادية التي لا يسكنها سوى البدو، منبها أن ما يحدث يمثل نوعاً من التغيير الديموغرافي ليس لتطوير اقتصاد المنطقة، بل لمصالح أطراف وأشخاص.

الكثير من أبناء المثنى وباديتها، يشككون بحقيقة المشاريع الاستثمارية التي يُعْلَن عنها، ويتساءلون: أين فرص العمل التي توفرها؟ وأين إنتاجها من بالوهمية: “

الصوت الأعلى للمشككين يتمثل في عضو مجلس النواب عن المحافظة باسم خشان الذي يصف الكثير من الاستثمارات الحاصلة في البادية بالوهمية”جزء كبير منها أحيلت إلى مستثمرين يسعون للحصول على قروض، دون أن يقوموا فعلياً بتنفيذها”. 

ويوجه خشان، اتهامات لشركات استثمارية، أحدها تدعى (خيرات العراق)، التي حصلت على أربع إجازات استثمارية في البادية، قائلا بأنها مدينة لمقاولين ثانويين، نفذوا أعمال لصالحها مثل بناء مشيدات أو إنشاء أحواض أسماك، لكنها لم تسدد لهم الأموال (أكثر من 450 ألف دولار) المتفق عليها. ويشير خشان إلى أن هذه الشركة تجاوزت المدة المحددة لإنجاز عملها، لكن لم تفرض عليها أية عقوبات!

يتهم خشان شركة (خيرات العراق) بعدم الوفاء بالتزاماتها، على رغم حصولها على قروض مالية، وعلى الإعفاء الجمركي والضريبي، ومنحها مساحات شاسعة من الأراضي في البادية تقدر بخمسين ألف دونم، على حد قوله.

يقدر النائب الخشان، حجم ما يسميه بالاستثمار الوهمي، بنسبة 90% من الاستثمار الزراعي في البادية، ويراه كـ”باب من أبواب سرقة أموال الدولة والإثراء على حساب المال العام، ليس في البادية فقط، بل حتى في المشاريع الاستثمارية الأخرى في المحافظة”.

يقول عضو مجلس النواب، ان موظفين ومسؤولين وحتى قضاة حصلوا على أراض زراعية لاستثمارها، لكنهم لم يستغلوها كما هو مطلوب في عقود الاستثمار، مع أنهم حصلوا على قروض كبيرة من أجل ذلك، يضيف “كشفنا قضايا فساد وقدمناها للقضاء. رئيس مجلس الوزراء لا يريد أن يتخذ إجراء، فنحن نحاول أن نصلح الوضع، لكن لا رغبة حقيقية للإصلاح”.  

يرى خشان أن مديرية الزراعة مُلزمة بمتابعة المشاريع المتلكئة، وأن على الجهات المعنية إقالة مدير هيئة الاستثمار في المحافظة واستبدال مجلس الهيئة، المتورط بمنح إجازات خلافاً للضوابط مع عدم قيامه بدوره فيما يتعلق بفرض الغرامات والإجراءات الأخرى بحق المخالفين لقوانين الاستثمار. 

زيادة في الإنتاج دون إحصائيات دقيقة

لا تجد الاتهامات التي تطال بعض المشاريع الاستثمارية، صدى في أروقة الدوائر المعنية بالمثنى، الحديث هناك يتركز على مواصلة الاستثمار بعد تحقيق زيادات في الإنتاج الزراعي. يقول مدير زراعة المثنى واثق منصور أن المساحات المزروعة في الأراضي: ” البادية، والتي تستخدم فيها تقنيات الري الحديثة قفزت إلى (250) ألف دونم، وهناك زيادة واضحة في الإنتاج الزراعي.

ويؤكد منصور أن الإجازات الاستثمارية تمنح وفق القأنون، ويشرح آلية تأجير ومنح الأراضي”هناك خطان متوازيان أولهما تأجير الأراضي للمواطنين من خلال تقديمهم طلبات مباشرة، ونمنحهم الموافقات وفقاً للقانون (35) لسنة 1983، إلى جانب العقود الاستثمارية الزراعية وهي من صلاحيات هيئة الاستثمار”.

مع فتح باب الاستثمار منحت أربع شركات عقود زراعية للاستثمار في البادية، من بينها شركة (الصلصال)، التي زرعت نحو 20 ألف دونم، وشركة (الفردوس) التي زرعت 12 ألف دونم. 

ونفى منصور، علمه بمستوى إنتاج الشركات الاستثمارية، مبرراً ذلك بتولي منصبه في شهر أيار/ مارس من العام 2023، لكنه قال إنه يتوجب عليها الالتزام بتطبيق بنود الاستثمار وفق القانون وتحديدا الفقرة (10) التي تنص على أن يُعطى للمستثمر مدة محددة لتنفيذ المشروع “في حال إخلاله ببنود العقد نلجأ إلى فسخه لإعطاء فرصة لمستثمر آخر”. 

لم يوضح منصور إن كانت دائرته بدأت خطوات لفسخ عقود شركات متلكئة، مع تزايد الشكوك بشأن عملها.

تشير مديرية زراعة المثنى إلى أن المنتج الزراعي من الحبوب بالمحافظة في زيادة، مبينة أنها سوقت 150 ألف طن من الحنطة خلال سنة 2023، و2000 طن من الذرة، ذات الكمية من محصول الشعير. لكنها لا تملك إحصائيات بشأن إنتاج الخضراوات، واكتفت بالإشارة إلى أن الكميات المنتجة دعمت السوق المحلي “بنحو كافٍ”.

ويقول مدير سايلو المثنى فليح شيال، أن المستلم من محصول الحنطة من مزارعي المثنى لسنة 2022 كان قد بلغ 70 ألف طن، وارتفع في سنة 2023 ليبلغ 130 ألف طن، نحو 90% منها أنتج في منطقة البادية. 

ويؤكد أن الزيادة هذه جاءت بسبب تطور الزراعة، وتحديد أسعار مجزية من قبل الحكومة لمسوقي الحنطة من المزارعين، والتي وصلت إلى 850 ألف دينار للطن الواحد (647 دولاراً. 

على رغم ذلك، لا ينفي شيال، وجود مستثمرين حصلوا على رخص لاستثمار أراضٍ في البادية، لكن لم تستغل لغاية الآن، أو أن ما أنتج فيها لا يتناسب مع حجم مساحة الأرض الممنوحة لهم.

هذه الزيادة المعلنة من الحكومة في إنتاج الحبوب، يرجعها متابعون للواقع الزراعي إلى تحسن معدلات الأمطار الهاطلة مقارنة بالعام الذي سبقه، وليس إلى استثمار أراضي البادية، إلى جانب اعتماد بعض المزارعين على المرشات الحديثة وعدم الركون إلى السقي التقليدي. 

خيبة أمل

يرى الناشط البيئي أحمد حمدان، إن المشاريع الاستثمارية الزراعية والصناعية مفيدة لمنطقة البادية “لو نفذت بشكل حقيقي، ولم تكن مجرد حجز لآلاف الدونمات واستخدامها لأغراض غير اقتصادية”.

ويضيف أن الاستثمارات من المفترض أن تُشغل الأيدي العاملة، لكن هذا ما لم نلمسه، وواقع الحال يظهر تنفيذ جزء قليل منها “ربما بنسبة لا تتعدى الـ25%، لذا يشعر سكان البادية بخيبة أمل نتيجة رفض عروض قدمتها شركات كبيرة أرادت الاستثمار في البادية، وكان يمكن أن تسهم بتشغيل آلاف الأيدي العاملة وتقليص البطالة والفقر، لكن جهات تدخلت لأهداف شخصية أو سياسية، وأفشلت تلك العروض”.

ينبه حمدان، لي أن الخسارة كانت مزدوجة، فلم تنفذ المشاريع وفق ما هو معلن، بينما تأثرت حرفة الرعي في البادية التي هي أراض رعوية “بعد استغلال معظم المساحات لأغراض زراعية أو صناعية، تغيرت طبيعة أكثر من ثلثي الأراضي”.

يقول حمدان أيضاً أن العقود الاستثمارية أثرت حتى على السياحة المرتبطة بالصيد في البادية “في السنوات الماضية كان يسمح للسياح ومعظمهم من الخليج، بالدخول إلى البادية مقابل مبالغ تصل إلى 20 ألف دولار، لكن كثرة الاستثمارات حدت من دخول السياح مع تحول أغلب المناطق إلى محميات شخصية لمتنفذين”.

مشاريع مخالفة القانون

رئيسة مركز أبحاث البادية بجامعة المثنى، الأكاديمية د. صوفيا جابر تقول بأن الاستثمار في البادية ذي وجهين، فقد يحمل نتائج سلبية، وأيضاً إيجابية إذا خضع للقوانين التي تحافظ على الثروات الطبيعية، كتقنين استهلاك المياه باستخدام طرق الري الحديثة.

ووفقاً لدراسة أجراها المركز، المشاريع الصناعية في البادية تتعامل مع الموارد بنحو عشوائي، إذ قام أصحابها باستخدام مناطق كمقالع للحجارة، في حين كان من المفترض أن تكون محميات طبيعية.

أثبتت الدراسة أن معظم المشاريع غير ملتزمة بالقوانين والمعايير البيئية، بدليل جفاف بحيرة ساوة؛ بسبب “الاستثمار في المملحة”، كما تقول د. صوفياأكتوبر”كنا نراقب مناسيب المياه في البحيرة، ونلحظ انخفاضها من شهر تشرين الأول/ أكتوبر ولغاية شهر نيسان/ أبريل، وهي فترة عملية ملئ الأحواض الخاصة باستخراج الملح، واطلعنا على الصور الجوية من خلال الأقمار الاصطناعية، وقِيسَت مسافة الأحواض، فوجدناها مساوية لبحيرة ساوة”. 

ذكرت د. صوفيا أن لجنة مشتركة تشكلت من مركزها الأكاديمي ورئاسة الوزراء لتحويل بحيرة ساوة إلى محمية طبيعية “لكن معامل الملح والإسمنت تعمدت التأثير على البحيرة وتجفيفها”.

تنتقد د. صوفيا عدم تقديم المشاريع الاستثمارية لبيانات حقيقية، تقول “لا نعرف كم عدد الآبار التي تحفرها، وكميات المياه التي تسحبها، لأنها لا تضع عدادات للمياه، وذلك لغرض منع السيطرة والمراقبة الدورية”.

تورد د. صوفيا ذات الملاحظة التي أكدها متابعون آخرون، إذ لم تجد، خلال زياراتها للبادية، إنتاجاً زراعياً يوازي حجم الفرص الاستثمارية الممنوحة هناك “ما نشاهده عبارة عن نباتات متقزمة، فالسنبلة قصيرة وإنتاجها متواضع من الحبوب”. كما أشارت إلى تركيز المستثمر على زراعة الحبوب، إذ تقول “نسبة 95% من المزروع هو الحنطة، ولم تكن هناك سوى مزرعة واحدة للبصل والخيار في منطقة الرحاب”.

تدعو د. صوفيا إلى تشكيل لجان تشرف عليها مديرية الزراعة، لدراسة التربة وتحديد ملاءمتها للاستثمار وطريقة الري المناسبة “هم يقيسون فقط نسبة الملوحة وهذا غير كاف”. كما تشدد على إعداد دراسة بحثية للمتغيرات البيئية، وأهمية تعاون الدوائر المعنية فيما بينها، لمنع فقدان موارد المياه “هنالك عيون ماء جفت تماماً، ونسبة الأمطار لا تعوض ما يُسْتَنْزَف، ولا توجد مشاريع تديرها الحكومة لتخزين المياه”. 

أبو صلاح (64 سنة) يملك 700 دونم من الأراضي في بادية المثنى، تعود زراعتها بالقمح. فوجئ مثل غيره، بحصر الحكومة دعمها لمالكي المرشات المحورية فقط، ومعظمهم مستثمرون حاصلين على قروض مالية، على حد تعبيره.

يرى أبو صلاح أن منح فرص تحت اسم الاستثمار الزراعي في البادية، قد أضر بالمزارعين الحقيقيين هناك “العديد من شركات الاستثمار الزراعي والحيواني وهمية، هي تملك عقوداً موقعة منذ 5 أو 10 سنوات، لكن دون إنتاج. وشركات أخرى تستهلك المياه بنحو جائر. هذا هو الواقع، والنتيجة نحن نتضرر كما بيئة المنطقة”.

أنجزت المادة تحت إشراف شبكة “نيريج” للصحافة الاستقصائية

29.03.2024
زمن القراءة: 15 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية