في أغنية “شجر الليمون” لمحمّد منير، لا تبدو الشجرة مجرّد عنصر من عناصر الطبيعة، بل تتحوّل إلى وعاء للذاكرة ووسيلة لمقاومة النسيان.
فالأشجار في الوجدان الإنساني كثيراً ما ارتبطت بالغائبين؛ تُزرع لتخليد ذكرى شخص رحل، أو لتبقى شاهداً على حياة انقطعت. لكن ماذا يحدث عندما تصبح الشجرة بديلاً عن الإنسان نفسه؟ وماذا يعني أن يتحوّل البحث عن شخص مفقود إلى غرس شتلة تحمل اسمه؟
في مصر نظّم حزب “المحافظين” المعارض احتفالية رمزية بالتعاون مع “مبادرة نباتات الذاكرة” لوضع أسماء المخفيين قسرياً على عشرات الأشجار داخل حديقة مبنى الحزب، واعتبر الحزب أن هذه المبادرة “لتأكيد أن الذاكرة هي ميدان من ميادين الصراع السياسي وصرخة في وجه نسيان المخفيين قسرياً”.

ورغم أن اللفتة في جوهرها رقيقة وحزينة، وتكشف عن فائض من حسن النيّة لدى أعضاء الحزب والنشطاء السياسيين، لكنّها في الوقت نفسه تمثّل ذروة الكوميديا السوداء التي تعيشها الأحزاب المعارضة “الكبيرة” في مصر.
فبعد سنوات من الحديث عن المواطنة ودولة القانون، انتهى بنا المطاف ونحن نرجو من شجرتي فيكس أو ليمون أن تحافظا على ذاكرة مواطن لم تجد له نصوص قانون الإجراءات الجنائية مكاناً فوق الأرض، فاستضافته المعارضة “فوق غصن”.

هذه المبادرة الحزينة جاءت في توقيت شديد الحساسية؛ حيث تتوالى الوعود الحكومية البرّاقة، والخطابات الوردية التي تطلقها السلطة التنفيذية حول “الجمهورية الجديدة” وحماية حقوق الإنسان، النقاشات المستمرّة حول قانون الإجراءات الجنائية.
الحكومة تطلق الوعود يميناً ويساراً، وتتحدّث عن تفعيل مخرجات الحوار الوطني، وتقليص مدد الحبس الاحتياطي، ووضع حدّ للانتهاكات القانونية. ولكن على أرض الواقع، تصطدم العائلات بحائط منيع، فما ينصّ عليه القانون في وادٍ، وما يمارس على الأرض في وادٍ آخر تماماً.
وبينما تنشغل الحكومة بتقديم مسوّدات قوانين وتعديلات تشريعية تبقى حبراً على ورق ومجرّد “إجراءات تجميلية” لا تمسّ جوهر الأزمة، تقف المعارضة عاجزة عن كشف مصير الأشخاص حتى الصادرة لصالحهم أحكاماً قضائية نهائية تلزم وزارة الداخلية بالإفصاح عن أماكنهم.
هذا التناقض الصارخ يصيب أيّ مراقب بالإحباط الشديد؛ فبين وعود السلطة وعجز المعارضة، فإن المخفيين قسرياً منسيّون شئنا أم أبينا، ومنسيّون سواء تذكّرنا أم نسينا، بعد أن تحوّلت العدالة الإجرائية إلى متاهة لا نهاية لها في مصر.
في خضم هذا المشهد، تبدو المفارقة القانونية لافتة للنظر. فبينما تتحدّث الدولة عن تطوير المنظومة العدلية وتحديث التشريعات، يظلّ ملفّ الإخفاء القسري خارج نطاق المعالجة المباشرة في قانون الإجراءات الجنائية الجديد. فالقانون الذي أُقرّ بوصفه خطوة نحو تحديث العدالة الجنائية لم يتضمّن تعريفاً مستقلّاً لجريمة الإخفاء القسري، ولم يضع آليّة خاصّة للتعامل مع حالات الأشخاص الذين ينقطع أثرهم بعد القبض عليهم أو احتجازهم.
صحيح أن القانون تضمّن مجموعة من الضمانات الإجرائية المتعلّقة بإثبات إجراءات القبض والحبس والتحقيق، وشدّد على الرقابة القضائية وحقوق الدفاع، وهي كلها ضمانات يفترض أن تحدّ من احتمالات الاحتجاز غير القانوني، إلا أن هذه النصوص ظلّت تدور في إطار الإجراءات العامّة، دون أن تقترب من جوهر الأزمة التي تواجهها أسر المفقودين منذ سنوات: الحقّ في معرفة الحقيقة.
بالنسبة إلى عائلات الغائبين، لا يكفي الحديث عن تطوير إجراءات التقاضي أو تنظيم الحبس الاحتياطي، فالسؤال الذي يطاردهم يومياً أبسط وأكثر إلحاحاً من كل النصوص القانونية: أين ذهب أبناؤهم؟ ومن يملك الإجابة؟ وكيف يمكن إجبار الجهات المعنيّة على تقديمها؟
ولهذا استمرّت الانتقادات الحقوقية للقانون الجديد، ليس لأنه ألغى الضمانات أو تجاهلها بالكامل، بل لأنه لم يذهب إلى النقطة الأكثر حساسية. فلم ينشئ نظاماً قانونياً خاصّاً للكشف السريع عن أماكن الاحتجاز، ولم يضع التزاماً صريحاً بالإفصاح الفوري عن مصير المحتجزين في جميع الأحوال، كما لم يتعامل مع الإخفاء القسري بوصفه جريمة قائمة بذاتها تستوجب تعريفاً واضحاً وآليّات تحقيق مستقلّة.
وهكذا بقيت المسافة واسعة بين النصوص الإجرائية والواقع الذي تعيشه الأسر. فالقوانين تتحدّث عن محاضر وسجلّات وإجراءات، بينما يتحدّث الأهالي عن سنوات من البحث بين أقسام الشرطة والنيابات والمحاكم والمستشفيات والسجون. القانون ينظّم ما يجب أن يحدث بعد القبض على شخص، أما المأساة فتبدأ غالباً عندما يصبح من غير الممكن التأكّد ممّا إذا كان القبض قد تمّ أساساً، أو أين انتهى بصاحبه.
إقرأوا أيضاً:
ومن هنا تبدو الأزمة أكبر من مجرّد فراغ تشريعي. إنها أزمة تتعلّق بغياب الإرادة السياسية في التعامل مع الملفّ باعتباره قضيّة حقوقية وقانونية وإنسانية تستحقّ المواجهة المباشرة. فطالما ظلّ الكشف عن مصير الغائبين مطلباً حقوقياً أكثر منه التزاماً قانونياً واضحاً ومحدّداً، ستظلّ العائلات عالقة بين نصوص تتحدّث عن العدالة، وواقع لا يمنحها حتى حقّ المعرفة.
لذلك فإن اللفتة التي قام بها حزب “المحافظين” رغم حُسن النيّة فيها، إلا أنها تمثّل أيضاً سخرية الأحزاب السياسية المعارضة في مصر من نفسها، وعجزها أمام ملفّ المخفيين قسرياً، هذه المبادرة تصيب بالطبع بالإحباط مع كل الوعود التي تطلقها الحكومة، وما ينصّ عليه قانون الإجراءات الجنائية، لا يزال ملفّ الإخفاء القسري يلتهم مزيداً من الأسماء التي تدخل في دائرة النسيان بالفعل، وبدلاً من المطالبة بمنصّات الاستجواب أو تفعيل أدوات الرقابة البرلمانية، اختار الحزب أن يحوّل حديقته إلى “بانثيون” نباتي، حيث تُعلّق أسماء المخفيين قسرياً على الأشجار، وكأن المعارضة قرّرت أخيراً أن تواجه السلطة بـ “الكلوروفيل”.
هذا المشهد يمثّل اختزالاً بائساً للعمل الحزبي. لقد تحوّل الفاعل السياسي من صانع قرار أو مراقب للسلطة إلى مؤرشف وموثّق نباتي للمآسي.
منظّمة العفو الدولية أصدرت تقريراً بارزاً بعنوان “رسمياً، أنت غير موجود”، تحدّثت فيه عن تصاعد حالات الإخفاء القسري منذ العام 2015، وقالت إن منظّمات مصرية محلّية كانت توثّق في ذلك الوقت ما بين ثلاث وأربع حالات اختفاء يومياً في المتوسّط، كما وثّقت المنظّمة بالتفصيل حالات لأشخاص تعرضوا للإخفاء القسري لفترات تراوحت بين أيّام وعدّة أشهر وسنوات.
ووثّقت “هيومن رايتس ووتش” حالات إخفاء قسري في شمال سيناء، وأشارت إلى أنها رصدت عشرات الحالات التي اختفى أصحابها لسنوات أو لفترات طويلة، دون إعلان رسمي عن أماكن وجودهم.
وعوضاً عن تفكيك الأزمة والبحث عن مسبّباتها القانونية والسياسية ومواجهتها، يتمّ التعايش معها وتحويلها إلى طقس روحاني كما حدث في حزب “المحافظين”. وإذا استمرّت الأمور على هذا المنوال، فقد نرى قريباً أمانات الأحزاب تنشئ أقساماً خاصّة لتحديد أنواع النباتات التي تتماشى مع مدّة الاختفاء؛ فالذي اختفى منذ عشر سنوات يستحقّ شجرة زيتون معمّرة، والذي اختفى منذ عام يكفيه نبات ظلّ صنوبري، وهكذا، هذه السخرية المريرة هي النتيجة الطبيعية لانسداد الأفق السياسي، وتحوّل المعارضة إلى مجرّد كومبارس يمارس طقوساً تجميلية في مسرح مهجور.
الصراع على الذاكرة يتطلّب أدوات حيّة؛ يتطلّب إعلاماً حرّاً، وقضاءً مستقلّاً، ونقابات قويّة، وأحزاباً تمتلك الشجاعة للنزول إلى الشارع أو على الأقلّ استخدام أدواتها البرلمانية بفاعلية. أمّا تحويل حديقة الحزب الداخلية إلى مزار للمتضامنين لغرس الأشجار والورود، فهو صراع ينتهي بمجرّد إغلاق باب الحزب مساءً.
صراع بطعم الهزيمة؛ حيث يتمّ حصر القضيّة في مساحة جغرافية ضيّقة وآمنة لا تزعج أحداً. السلطة نفسها قد لا تمانع من أن تزرع المعارضة ما تشاء من الأشجار، طالما أن هذا الشجر لا يثمر مواقف سياسية قادرة على تغيير موازين القوى، أو فرض أجندة حقوقية حقيقية على طاولة المفاوضات.
استمرار هذا العجز الحزبي، والاعتماد على الفعّاليات الرمزية للهروب من استحقاقات المواجهة السياسية والقانونية، لن يؤدّي إلا إلى مزيد من الإحباط وتآكل ما تبقّى من مصداقية للنخبة المعارضة.
وبالطبع ورغم الكوميديا السوداء داخل حديقة حزب “المحافظين”، فإن السلطة الحاكمة هي الطرف الذي يمتلك المسؤولية القانونية الأساسية عن كشف مصير المفقودين.
فالقانون الدولي لحقوق الإنسان لا ينظر إلى الإخفاء القسري باعتباره مجرّد انتهاك عابر للحرّية الشخصية، بل جريمة مركّبة تمتدّ آثارها إلى الضحيّة وعائلتها والمجتمع بأكمله. وتفرض الاتّفاقيات الدولية ذات الصلة، التزاماً واضحاً على الدول بالتحقيق والكشف عن أماكن الاحتجاز أو الدفن وتوفير المعلومات للأسر ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
غير أن المشكلة لا تكمن فقط في عدم التصديق على بعض الاتّفاقيات أو التحفّظ على بعض بنودها، بل في الفجوة الواسعة بين الالتزامات القانونية العامّة والممارسة الفعلية. فعلى مدار سنوات، صدرت مطالبات متكرّرة من منظّمات حقوقية محلّية ودولية تدعو إلى الكشف عن مصير الغائبين وتمكين ذويهم من الوصول إلى الحقيقة، كما شهدت بعض القضايا أحكاماً قضائية أو إجراءات قانونية طالبت جهات الدولة بتقديم معلومات حول أشخاص مفقودين أو محتجزين، لكن الاستجابة ظلّت محدودة ومتقطّعة، ما أبقى آلاف الأسر في حالة انتظار مفتوحة.
هنا يصبح الغياب نفسه شكلاً من أشكال العقاب. فأسرة المفقود لا تعرف إن كان ابنها حيّاً أم ميتاً، محتجزاً أم مخفيّاً، ضحيّة جريمة أم شاهداً عليها. وهذه الحالة لا تمثّل فقط أزمة إنسانية، بل تمثّل انتهاكاً لما يعرف في القانون الدولي بـ”الحقّ في معرفة الحقيقة”، ولذلك فإن أيّ محاولة لاستبدال مطلب الحقيقة بمبادرات رمزية تظلّ عاجزة عن معالجة أصل المشكلة.
لكنّ المسؤولية لا تقع على السلطة وحدها. فالمعارضة السياسية تتحمّل بدورها جانباً من الإخفاق. فالقضيّة في جوهرها ليست ملفّاً حقوقياً فقط، بل قضيّة سياسية وتشريعية بامتياز. إذ كان من المفترض أن تتحوّل ملفّات المفقودين والإخفاء القسري إلى محور دائم للضغط السياسي والنقاش العامّ والمبادرات التشريعية والحملات المنظّمة، غير أن جزءاً كبيراً من المعارضة قبل، طوعاً أو كرهاً، بالانتقال من ساحة الفعل السياسي إلى مساحات أقلّ صداماً وأكثر أماناً.
المشكلة في هذا التحوّل أنه يعيد تعريف القضيّة نفسها. فبدلاً من الحديث عن مسؤوليات قانونية وسياسية محدّدة، يصبح التركيز منصبّاً على التوعية أو التذكّر أو التضامن الرمزي، وهي أمور مهمّة بطبيعة الحال، لكنّها لا يمكن أن تحلّ محلّ أدوات الضغط والمساءلة، فالسلطات لا تغيّر سياساتها عادة بسبب الفعّاليات التذكارية، وإنما تحت تأثير ضغوط قانونية وسياسية ومجتمعية مستمرّة.
ولذلك، تبدو فكرة تحويل المفقودين إلى أشجار أو مشاتل رمزية، نموذجاً معبّراً عن هذا الانزياح. فالرمز يحلّ محلّ المطالبة، والذكرى تحلّ محلّ المساءلة، والاحتفاء بالنشاط نفسه يصبح أحياناً أكثر حضوراً من القضيّة التي يفترض أنه يمثّلها.
فعندما تصبح زراعة شجرة باسم شخص مفقود مناسبة للاحتفاء العامّ دون أن يترافق ذلك مع تساؤل جماعي حول مصيره، فإن القضيّة تكون قد انتقلت من خانة الأزمة المفتوحة إلى خانة الذكرى المقبولة، وعندما يتعامل الجمهور مع المبادرة باعتبارها نهاية القصّة بدلاً من اعتبارها تذكيراً بضرورة البحث عن الحقيقة، فإن الوظيفة السياسية للقضيّة تتراجع لصالح وظيفة رمزية أكثر راحة وأقلّ إزعاجاً.
ومن هنا يمكن فهم الحديث عن “سياسة المشاتل”، و انتقاد الآليّة التي يجري من خلالها ترويض قضيّة صدامية وتحويلها إلى نشاط لطيف لا يثير حساسيات كبيرة. فالشجرة لا تطالب بكشف الحقيقة، والمشتل لا يرفع دعوى قضائية، والفعّالية البيئية لا تفرض نقاشاً سياسياً حادّاً حول المسؤولية والمحاسبة.
وبهذه الطريقة يصبح من الممكن الحديث عن المفقودين في إطار مناسبات عامّة مرتبطة بالتعايش والسلام والتنمية والبيئة، بينما يتراجع الحديث عن الأسئلة الجوهرية: أين ذهب هؤلاء الأشخاص؟ من المسؤول عن غيابهم؟ ولماذا لم تكشف الحقيقة حتى الآن؟
إذا كانت أغنية محمّد منير قد بكت شجر الليمون الذي ذبل ومات على أرضه بسبب بشاعة الظروف، فإن المشهد الحالي يبكي ما هو أثمن؛ يبكي إنساناً منسيّاً في السجون، وليس إنساناً واحداً بل آلاف، وشجر الليمون يبكي أيضاً نخبة سياسية لم تعد تملك من أمرها شيئاً سوى زراعة الشجر، والوقوف أمامه طويلاً لترديد السؤال الحزين ذاته: “وفينك؟ أنا مطحون”.
لا تحتاج قضيّة المفقودين إلى مزيد من الرموز بقدر ما تحتاج إلى حقيقة، فالأشجار يمكن أن تحفظ الذاكرة، لكنّها لا تكشف المصير، والاحتفاء بالمبادرات قد يخفّف الشعور بالعجز، لكنّه لا يجيب عن السؤال الذي ما زالت آلاف الأسر تطرحه منذ سنوات: أين هم المخفيّون قسريا؟














