“لا أحد في مصر الآن يشعر بالعدالة، عددٌ قليلٌ من مشاريع القوانين التي تم تمريرها لها فلسفة تشريعية سليمة، و98 في المئة من القوانين التي تناقَش داخل البرلمان هي من تقديم الحكومة”.
لم يكن هذا تصريحاً انفعالياًمن العضوة البرلمانية مها عبد الناصر، بل كان توصيفاً دقيقاً للمعركة القاسية التي تدور في مصر الآن لتمرير مشروع قانون الإجراءات الجنائية، الذي يعتبره البعض تقييداً مضاعفاً للعدالة ولحرية الأفراد وحقوقهم.
“طوبة على طوبة خلِّي العركة منصوبة” مَثَل مصري شعبي يُقال عندما يحرص أحدهم على إبقاء “العركة” دائرة ومشتعلة بين طرفين هو ليس أحدهما، ولكنه مستفيد بشكل ما، والطوبة تعني الحَجَر بالعامية المصرية. بالطبع قد ينم هذا عن سوء خُلُق إذا كانت العركة لا تسفر سوى عن الأذى، فيكون الشخص في هذه الحالة متشفياً سقيم الوجدان… ولكن ماذا لو كانت العركة كتلك المتصدرة الآن على الساحة السياسية المصرية؟
يوم 26 آب/ أغسطس الماضي، وعقب اجتماع عاجل بين مجلس النقابة العامة للمحامين ونقباء النقابات الفرعية، لبحث مشروع قانون الإجراءات الجنائية الجديد الذي كانت لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بالبرلمان أعلنت الانتهاء من صياغته وموافقة مجلس الوزراء عليه، نشرت النقابة العامة للمحامين عبر صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” بياناً موقعاً من حوالى 50 من السادة نقباء النقابات الفرعية وأعضاء مجلس النقابة العامة.
يرفض البيان الصيغة النهائية لمشروع القانون، إذ جاء فيه أنه “على الرغم مما تضمنه من مزايا واستحقاقات دستورية، لم يحظ بالدراسة الكافية حتى يعبر عن الأهداف المتوخاة من التشريع، فضلًا عن أنه لم يسبقه حوار فاعل وموسع فى المجتمع القانونى بمختلف طوائفه (…).
أثارت بعض نصوص المشروع لغطاً وجدلاً كبيرين في الأوساط القانونية بسبب ما تضمنته من توسع في سلطات الضبط والتحقيق والمحاكمة على حساب حق الدفاع، والمساس بحقوق جوهرية للدفاع مقررة ومستقرة بموجب الدساتير والقوانين المتعاقبة والمواثيق الدولية في عدد من مواد مشروع قانون الإجراءات الجنائية الجديد.
وعدَّد البيان، على سبيل المثال لا الحصر، عشرة أمثلة لهذه النصوص المعيبة، مؤكداً أن ممثل النقابة في لجنة إعداد مشروع القانون كان أبدى اعتراضه على هذه النصوص إلا أنه فوجئ، معهم، بخروج مشروع القانون متجاهلاً هذه الاعتراضات التي أُبديت أثناء الجلسات.
وبعد البيان، توالت سلسلة من البيانات المتبادلة واشتعلت القاعات والبرامج الحوارية وصفحات التواصل الاجتماعي، بالجدالات والسجالات والمذكرات والأوراق، ولكن ما هي ملابسات خروج مسودة مشروع قانون الإجراءات الجنائية الجديد وأهمية هذا القانون بالتحديد إلى الدرجة التي استرعت كل هذا الانتباه والتفاعل؟!
إقرأوا أيضاً:
لماذا قوانين الإجراءات الجنائية مهمة بشكل عام؟
درع الحرية، حجر الزاوية، العمود الفقري، حارس العدالة، ماجنا كارتا العدالة الجنائية، الدستور الثاني… إلخ. كل هذه الأسماء يطلقها على قانون الإجراءات الجنائية المتخصصون والمهتمون بالمجال القانوني حول العالم.
ويُعتبر قانون الإجراءات الجنائية الترجمة العملية لحقوق الأفراد الدستورية، والتي تشكل أساس العقد الاجتماعي بين السلطة والمجتمع، لأنه يتناول حقوق الفرد في أضعف حالاته، أي وهو في مواجهة السلطة نفسها.
هذا القانون ينظم إجراءات الاستيقاف والضبط والقبض والتفتيش ودخول المنازل والحبس الاحتياطي والتدبير الاحترازي وإخلاء السبيل والتحقيق والإحالة والدفاع والمحاكمة والطعن عليها والمنع من السفر والمصادرة وقضاء العقوبة ونهايتها… إلخ، ليشكل بهذا الأساس لأحد أبرز المفاهيم القانونية ألا وهو “العدالة الإجرائية”.
يعود إصدار قانون الإجراءات المصري الحالي رقم 150 لسنة 1950، إلى أواخر العهد الملكي، وكُتب في ضوء دستور 1923، الذي يعتبره البعض الدستور الأكثر تقدمية في تاريخ الدساتير المصرية. ولكن الأهم، أنه جاء بعد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، ومحاكمات نورمبرغ من 1945-1949، والمعاهدة الأوروبية لحقوق الإنسان عام 1950، وهي الأحداث التي أرست مبادئ قانونية عدة تحكم تشريعات الإجراءات الجنائية حول العالم، مثل الحق في المحاكمة العادلة والحق في الخصوصية والحق في تعويض الضرر والحق في المساواة أمام القانون والحق في عدم التعرض للحجز التعسفي والحق في عدم التعرض للتعذيب.
وعلى الرغم من تغيير الدستور المصري مراراً منذ صدور القانون، إلا أن القانون لم يتغير حتى يومنا هذا. ومنذ وصول حركة الضباط الأحرار إلى سدة الحكم في تموز/ يوليو 1952، توالت على القانون التعديلات التي ساهمت في تمديد سلطات الدولة وأجهزتها على حساب حقوق الأفراد التي قُلِّصت في الكثير من هذه التعديلات. وبلغ عدد التعديلات التي طرأت على قانون الإجراءات الجنائية نحو 150 تعديلاً.
وفي الفصل التشريعي الأول للبرلمان عام 2017، قدمت الحكومة مقترحاً بتعديل قانون الإجراءات الجنائية، شمل تعديل 365 مادة وإلغاء نحو 80 مادة، أي نحو 80 في المئة من مواد القانون. إلا أنه وبسبب “تعدد الآراء” داخل اللجنة التشريعية، لم تُستكمل مناقشة هذا التعديل، بحسب تصريح النائب إيهاب الطماوي لبرنامج “الحكاية” مع الإعلامي عمرو أديب. وفي 4 كانون الأول/ ديسمبر 2022، شكلت لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بالبرلمان، لجنة فرعية لإعداد وصياغة مشروع قانون جديد للإجراءات الجنائية. وبحسب رئيس اللجنة النائب إيهاب الطماوي، اجتمعت اللجنة على مدار 14 شهراً منذ 28 كانون الأول 2022 بواقع 28 مرة لمناقشة مشروع القانون.
وفي 25 آب/ أغسطس الماضي، أعلنت اللجنة انتهاءها من إعداد وصياغة مواد مشروع القانون الجديد وموافقة مجلس الوزراء عليه في 22 من الشهر نفسه، وأتاحت نسخة من مشروع القانون التي وعلى إثر تداولها بين القانونيين والحقوقيين والمهتمين، صدر بيان نقابة المحامين المذكور في مطلع المقال، لتبدأ هذه المعركة المباركة.
خطورة مشروع الإجراءات الجنائية الحالي في مصر
أثارت المادة 242 أزمة كبيرة في أوساط المحامين، والتي تبيح للقاضي أن يحيل المحامي المترافع، وفي أثناء آداء عمله، إلى النيابة العامة مقبوضاً عليه، إذا ما صدر منه ما قد يعتبره القاضي تشويشاً… وهو ما يُعد انتهاكاً خطيراً لضمانة الدفاع.
مثالاً المحامي، بطبيعة دوره، قد ينفعل أو يهاجم أو يحتج أو يصمم ويصر أو حتى كما يقولون “يرن هاتفه!” وللقاضي أن يعتبر هذا تشويشًا إذا أراد بحسب المادة التي وافقت اللجنة على تعديلها.
ولم يذكر بيان النقابة بقية المواد الإشكالية التي ذكر البيان الأول بعضها، واكتفى نقيب المحامين، في ظهور نادر جداً على شاشة التلفزيون عبر برنامج “بتوقيت مصر”، بالقول إنه أبلغ اللجنة بالتعليقات كافة، وهو في انتظار الصيغة النهائية، مؤكداً على كون النقابة واحدة من مؤسسات الدولة وعلى حرصها على المصلحة العامة.
تبدو كنهاية تقليدية لأي أزمة أحد طرفيها مؤسسة من مؤسسات الدولة المصرية، ولكن الرصاصة كانت قد انطلقت بالفعل عقب البيان الأول في 26 أغسطس/ آب.
يقول الأستاذ فريد الأطرش “لو مر سيف بيننا لم نكن نعلم هل أجرى دمي أم دمك”، تشاء الأقدار أن تلاصق نقابة المحامين نقابة الصحفيين بشارع عبد الخالق ثروت المتفرع من شارع رمسيس بوسط البلد بالقاهرة، وبين النقابتين تاريخ عريق من النضال المشترك والدفاع عن الحقوق والحريات العامة، وقد مر السيف بينهما..
وفور صدور بيان نقابة المحامين الأول، نشر خالد البلشي، نقيب الصحافيين، بياناً يعلن فيه ضرورة الدعوة إلى فتح حوار مجتمعي حول القانون، محذراً من تمرير هذا القانون المهم من دون نقاش عام، لما له من عواقب وخيمة على الجميع.
كذلك، تحظر المادة 267 من مشروع القانون نقل أو بث أو تسجيل وقائع جلسات المحاكمات في خرق واضح لمبدأ علانية المحاكمات التي تضمن رقابة الشعب على الأحكام التي تصدر باسمه.
وفي خطوة فعالة، أطلق نقيب الصحافيين دعوة عامة لحضور ندوة نظمتها لجنة الحريات في نقابة الصحافيين يوم 1 أيلول/ سبتمبر لمناقشة مشروع القانون، حضرتها من أعضاء البرلمان الدكتورة مها عبد الناصر المحسوبة على المعارضة، والتي صرحت خلال الندوة في مقطع نشره موقع “المنصة”، أنه لا أحد في مصر الآن يشعر بالعدالة، وأن عدداً قليلاً من مشاريع القوانين التي تم تمريرها لديه فلسفة تشريعية سليمة، وأن 98 في المئة من القوانين التي تُناقش داخل البرلمان هي من تقديم الحكومة.
كما ذكرت مها عبد الناصر أن معظم النواب يتابعون ما يدور بخصوص مشروع قانون الإجراءات الجنائية من “السوشيال ميديا”، ولا يعلمون شيئاً عن عمل اللجنة الفرعية! وحضر الندوة أيضاً لفيف من القانونيين والحقوقيين والصحافيين.
44 مادة تخل بالدستور وتنتقص من الحقوق والحريات
في 11 أيلول/ سبتمبر، شرح نقيب الصحافيين في كلمته خلال المؤتمر الصحافي، المنهجية التي اتبعتها النقابة في تسجيل موقفها وكتابة ملاحظتها بالاستعانة بقانونيين كبار، وأهمية قانون الإجراءات الجنائية، مؤكداً أن موقف النقابة ينسحب على كل المواد التي تشكل إخلالاً بالدستور أو انتقاصاً من الحقوق والحريات، سواء تعلقت بالصحافيين أو بالأفراد بشكل عام، والتي بلغ عددها 44 مادة. ودعا إلى عدم التعجل في إصدار القانون وفتح باب النقاش المجتمعي.
جاء رد لجنة الشئون الدستورية والتشريعية في اليوم نفسه، إلا أنها استخدمت لغة لاذعة تحمل اتهامات كثيرة لنقيب الصحافيين، الذي، ورداً على البيان، حظي بتأييد كبير لشخصه وموقفه من شخصيات عامة ورواد منصات التواصل الاجتماعي.
مذكرة الملاحظات التي نشرها البلشي في اليوم التالي، تحتوي على تشريح قانوني وفني لـ 44 مادة بحاجة إلى تعديل جذري، منها 41 مادة فيها مخالفات دستورية، وألحق بالمذكرة جدولًا يحتوي على المواد المذكورة والتعليق على كل مادة مع تقديم مقترح لتعديل المادة. لتكون هذه المذكرة أحد أهم المراجع لمن يرغب في التعمق في فهم إشكاليات مشروع القانون.
عموماً، غلب على هذه المواد الإشكالية توسيع سلطات النيابة ومأموري الضبط في التحقيق والتفتيش ودخول المنازل والمنع من السفر والتصرف في الأموال، وتحصين الأخطاء والانتهاكات الإجرائية من المحكمة إذا ارتأت ذلك، والإخلال بحقوق الدفاع والتمثيل القانوني والحق في الاطلاع وفي مواجهة الشهود، وغيرهم… ليس بشكل مباشر بالطبع، ولكن التطبيق قد تنتج منه هذه الانتهاكات.
على الجانب الآخر، يُعد تقليص مدد الحبس الاحتياطي إحدى أبرز إيجابيات مشروع القانون، ناهيك بإضافة حق جديد بموجب المادة 103، ألا وهو حق الصمت، الذي يأتي ضمن حزمة الحقوق التي تعرف بحقوق ميراندا، نسبة إلى قضية ميراندا ضد ولاية أريزونا عام 1966، وهي القضية التي استُمد منها حق الصمت، إضافة إلى حقوق أخرى أثرت تشريعات الإجراءات الجنائية في دول كثيرة.
كذلك، أصدر نادي القضاة بياناً يدين فيه استجابة اللجنة التشريعية لطلب نقابة المحامين بإلغاء المادة 242 التي تبيح للقاضي إحالة المحامي إلى النيابة من داخل الجلسة.
هذه ليست المرة الأولى التي يصدر فيها نادي القضاة بياناً يجعل فيه من نفسه خصماً للمحامين، إذ سبق، أثناء ما سُمي بأزمة “محامي مطروح”، أن أصدر بياناً توعّد فيه المحامين بمراقبة حساباتهم على منصات التواصل، ليقوم ويحذفه بعد ذلك.
على الجانب الآخر، أعلن نقيب المهندسين طارق النبرواي عبر منشور على “فيسبوك”، عن دعمه موقف نقيب الصحافيين، ودعا البرلمان إلى عدم التعجل في تمرير هذا القانون.
ومن المفترض أن يناقش البرلمان مشروع القانون في جلساته العامة في دورة انعقاده في شهر تشرين الأول/ أكتوبر المقبل.
في هذه المعركة، لا يوجد رابح وخاسر، فإما كلنا رابحون أو كلنا خاسرون، إذا استطعنا الانتصار لحريات الأفراد وحقوقهم، وللمبادئ التي تحكم الشرعية الإجرائية، يربح المجتمع حقوقه وتربح المؤسسات القانونية شرعيتها ويربح النظام السياسي استقراره، وإذا فشلنا…؟!
إقرأوا أيضاً:











