ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

“مش عايزين كنيسة”: لماذا يشكّل بناء الكنائس أزمةً في مصر؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

شملت الاعتداءات حرق منزل أحد المواطنين الأقباط، وكذلك رشق منازل الأقباط بالحجارة وزجاجات المولوتوف، بالتزامن مع تظاهرات في شوارع القرية التي يقطنها المسيحيون، تخللتها هتافات: “بالطول بالعرض هنجيب الكنيسة الأرض”. وبسبب المولوتوف والمواد الحارقة، اشتعلت النيران في منزلين لمواطنين أقباط آخرين، وبعد سيطرة الأمن على الوضع، عُلّق العمل في بناء الكنيسة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

“مش عايزين كنيسة”… هكذا هتف بعض أهالي قرية التل القبلية التابعة لمركز أبو قرقاص في محافظة المنيا في مواجهة جيرانهم المسيحيين، وسط اعتداءات طائفية طاولت مسيحيين حُبسوا داخل كنيستهم وقُطع التيار الكهربائي عنهم، وحُطِّمت سيارة الكاهن، لكن السؤال: لماذا يرى بعض المسلمين أن لهم الحق في المطالبة بوجود كنيسة في القرية أو رفضها؟

بحسب بيان المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، فإن قرية التل القبلية، كعدد من قرى المنيا، لا تضم كنيسة على الرغم من احتوائها على عدد كبير من المسيحيين، وهو ما اضطر المسيحيين حسب إفادة أحد أهالي القرية، إلى التنقل لمسافات بعيدة لحضور الطقوس الدينية المهمة – مثل صلوات الأعياد – في كنائس بقرى مُحيطة، الأمر الذي يتسبّب في التزاحم على أماكن الصلاة، وتحمّل أقباط القرية مشقة الانتقال وتكلفته. 

بحسب الإفادة السابقة، بدأ أهالي القرية المسيحيون بتنظيم الصلاة والقداسات الاعتيادية في منازلهم بالتبادل، غير أن ذلك أثّر على قدرة بعضهم على المواظبة على الصلاة بسبب اختلاف مسافات التنقل الضرورية كل مرة، ما دفع الأهالي الى اتخاذ أحد المباني الموجودة وسط بيوتهم كنيسةً لهم، بمعرفة الجهات الأمنية وأهالي القرية المسلمين. 

على الرغم من هذه الموافقة، تعرض المسيحيون لمضايقات مستمرة أثناء إقامتهم الصلاة في الكنيسة، بحسب منشور الأنبا مكاريوس، أسقف المنيا وتوابعها، على حسابه في إكس، وقد أُبلغت الجهات المعنية بها من دون استجابة.

في صباح الأربعاء 8 تموز/ يوليو الحالي، وصلت المضايقات الى حدّ العنف، بعدما نشبت مشاجرة بين أمين شرطة مسلم واثنين من المسيحيين على خلفية وقوف سيارة نقل تابعة للكنيسة أمام منزله، ليتطور الأمر الى تجمهر من المسلمين الذين يهتفون “مش عايزين كنيسة”، مع رشق الكنيسة والمنازل المسيحية بالحجارة، وإغلاق باب الكنيسة على المصلين داخلها وقطع التيار الكهربائي.

في عظته الأخيرة بعد الحادث، وقف الأنبا مكاريوس ليقول: “نؤيد الصلح ولكن بعد تطبيق العدالة والقانون”، لكن ما حصل على أرض الواقع كان أبعد من العدالة والقانون، فعلى الرغم من أن المسيحيين في القرية استغاثوا بالنجدة مع وقوع الاشتباكات، إلا أن قوات الأمن التي وصلت القرية لم تستطع السيطرة على الوضع إلا بعدما كتب الأنبا مكاريوس استغاثته على “إكس”، فحضر مدير الأمن وتم الدفع بقوات الأمن المركزي لفضّ التجمهر، وإلى جانب المتهمين بالاعتداء من المسلمين ألقت قوات الأمن القبض على أربعة مسيحيين، اثنان منهم تعرضا بالأساس للاعتداء من المسلمين، وواحد تعرضت زوجته للضرب وآخر صوّر الأحداث. وعلى الرغم من إعطاء وعود بالإفراج عنهم إلا أنهم بقوا جميعاً رهن الاحتجاز حتى التنازل عن المحاضر بحسب بيان المبادرة.

قصة قرية التل القبلية لا تختلف كثيرًا عن قصص قرى كثيرة في المنيا وغيرها، وعلى الرغم من مرور 10 سنوات على صدور قانون رقم 80 لعام 2016 الخاص ببناء الكنائس وترميمها، إلا أن أزمات بناء الكنائس أو وجودها لا تزال تتفجّر من وقت الى آخر.

بموجب قانون بناء الكنائس وتقنينها، تم تقنين 3804 كنائس ومبان كنسية تابعة لها، بحسب اللجنة الرئيسية لتقنين أوضاع الكنائس في نيسان/ أبريل 2026، من أصل 5415 كنيسة ومبنى قدمت أوراقها إلى لجنة تقنين أوضاع الكنائس، بعد إصدار القانون رقم 80 لسنة 2016 بنسبة لا تتجاوز الـ71 في المئة في عقد كامل.

أزمة متكررة 

كان فكري حنا، أحد أبناء قرية العزيب بمركز سمالوط في محافظة المنيا، من بين المتفائلين بالحصول على ترخيص بناء كنيسة في القرية في كانون الأول/ ديسمبر 2023. فقد استمر لسنوات ينتقل في كل عيد للصلاة في كنائس القرى المجاورة، التي كانت ضيقة في الأساس على شعبها. ولم تكن الصلاة هي الشيء الوحيد الذي فرح به فكري، بل أيضاً مدارس الأحد والتجمعات الاجتماعية المسيحية التي حُرم منها أهالي القرية، لكنه لم يكن يعلم أن هذا الترخيص سيكون سبباً في تحرشات طائفية بأهالي القرية المسيحيين، الذين يُقدّر عددهم بـ3 آلاف مواطن.

شملت الاعتداءات حرق منزل أحد المواطنين الأقباط، وكذلك رشق منازل الأقباط بالحجارة وزجاجات المولوتوف، بالتزامن مع تظاهرات في شوارع القرية التي يقطنها المسيحيون، تخللتها هتافات: “بالطول بالعرض هنجيب الكنيسة الأرض”. وبسبب المولوتوف والمواد الحارقة، اشتعلت النيران في منزلين لمواطنين أقباط آخرين، وبعد سيطرة الأمن على الوضع، عُلّق العمل في بناء الكنيسة.

لم تكن كنيسة العزيب الكنيسة الوحيدة التي يُعلَّق العمل بها خلال هذه الفترة، فبحسب بيان المبادرة المصرية للحقوق الشخصية تم تعليق العمل بها أو إغلاقها في تلك الفترة، ففي كانون الثاني/ يناير 2024 استُهدفت كنيسة في قرية منشأة الزعفرانة بمركز أبو قرقاص، وحُرقت خيمة كانت معدّة للصلاة فجر ليلة عيد الميلاد، وعلى الرغم من أن مبنى الكنيسة كان قائماً إلا أن الاستهداف جاء على خلفية تقدّمها للحصول على ترخيص ضمن حملة تقنين الكنائس بموجب قانون 80 لسنة 2016. وكانت الكنيسة تعرضت لحملة من التحرشات قبل حرقها، وهو الأمر الذي دعا الأنبا فيلوباتير، أسقف أبو قرقاص، إلى إصدار تنويه بأن الاحتفالات بالعيد تقتصر فقط على صلاة القداس الإلهي، كما اعتذر عن استقبال المهنئين.

القانون لا يكفي

الباحث والمفكر القبطي كمال زاخر قال إن تكرار أزمات بناء الكنائس، على الرغم من مرور نحو عشر سنوات على صدور قانون تنظيم بناء الكنائس وترميمها، يكشف أن الأزمة لم تعد قانونية بقدر ما هي “اجتماعية وثقافية”، معتبراً أن النصوص القانونية وحدها لا تكفي ما لم يصاحبها تغيير في الثقافة العامة وإرادة سياسية لمعالجة جذور الاحتقان.

وأضاف زاخر أن ما يصفه بـ”العقل الجمعي الرافض للآخر” ترسّخ عبر عقود، وظل قائماً حتى بعد التغيرات السياسية التي شهدتها البلاد، مشيراً إلى أن البيانات الرسمية التي تصدر عقب كل أزمة لا تعالج الأسباب التي تؤدي إلى تكرارها.

ورأى زاخر أن المطلوب هو “تجفيف المنابع” التي تغذّي التعصب، من خلال مراجعة المناهج التعليمية منذ المراحل الأولى وحتى الجامعة، بما يعزز قيم المواطنة والتعددية، إلى جانب إعادة النظر في الخطاب الدرامي والإعلامي، الذي يساهم أحياناً، وفق رأيه، في تكريس صور نمطية مرتبطة بالتطرف والعنف.

كما اعتبر زاخر أن ضعف الحضور القبطي في عدد من المجالات العامة والرسمية، سواء في الرياضة أو في المناصب التنفيذية، يعكس أزمة أوسع تتعلق بتطبيق مبدأ المواطنة على أرض الواقع، قائلاً إن الأقباط “يُعاملون في كثير من الأحيان وكأنهم جالية وليسوا مواطنين كاملي الحقوق”.

وانتقد زاخر اعتماد الدولة على المقاربة الأمنية في التعامل مع الأزمات الطائفية، معتبراً أن جلسات الصلح العرفية قد تنجح في احتواء الأزمة مؤقتاً، لكنها لا تعالج أسبابها الحقيقية، إذ تفرض تهدئة آنية من دون معالجة ما وصفه بـ”ما في القلوب”.

وختم بالتأكيد أن الحدّ من تكرار الاحتقان الطائفي يتطلب إرادة سياسية واضحة لترسيخ المواطنة، وتعزيز التعليم المدني، وضمان تمثيل أكثر عدالة للأقباط في مؤسسات الدولة، باعتبارها خطوات ضرورية لمعالجة جذور الأزمة وليس فقط احتواء تداعياتها.

فتاوى متشدّدة 

ما قاله زاخر يتطابق مع ما تعجّ به مواقع الإنترنت السلفية والفتاوى الدينية حول بناء الكنائس في ديار الإسلام، فمنذ عصر السادات يُنظر الى مصر باعتبارها دولة مسلمة وليست دولة ذات غالبية مسلمة، ويحرّم تراث الفقه الإسلامي بناء الكنائس ودور العبادة غير الإسلامية في ديار الإسلام.

وفيما تعلن دار الإفتاء في الكثير من فتاويها عن أن الشرع لا يحرم بناء الكنائس، إلا أن هذا الخطاب لا يجرؤ على التصدي لما ورد في كتب التراث والفتاوى المتشددة، وهو ما يترك الساحة للتيار السلفي المتغلغل في القرى لتصدير فتاويه التي تغذي العنف لمنع المسيحيين من أبسط حقوقهم، وهي الصلاة، وتعتبر بناء الكنائس عملاً غير جائز في بلاد المسلمين.

التغلغل السلفي في القرى يظهر بصورة جلية في محافظة المنيا، التي تشهد غالبية حوادث الاعتداء على خلفية منع الكنائس أو رفض ترخيصها، إذ نقل “درج” في تقرير سابق عن إسحق إبراهيم، مسؤول الملف الديني السابق بالمبادرة المصرية، أن المحافظة شكلت في السبعينات والثمانينات تربة خصبة للجماعات الإسلامية، التي هي نفسها اغتالت الرئيس محمد أنور السادات ورفعت المحجوب، رئيس مجلس الشعب السابق، ولاحقاً، أسست قيادات هذه الجماعات حزب البناء والتنمية.

وأوضح إسحق أن غياب الخدمات الأساسية في المنيا مثل الصحة والتعليم، ترك الفرصة للجمعيات الإسلامية الخيرية لملء الفراغ الذي تركته الدولة، مثل الجمعية الشرعية وجمعية أنصار السنة المحمدية، والتي تقدم خدمات مثل الحضانات والمستوصفات والمدارس والمساعدات الاجتماعية، وتغذي في المقابل رؤية متطرفة للدين ترى الآخر مواطناً درجة عاشرة.

21.07.2026
زمن القراءة: 6 minutes

شملت الاعتداءات حرق منزل أحد المواطنين الأقباط، وكذلك رشق منازل الأقباط بالحجارة وزجاجات المولوتوف، بالتزامن مع تظاهرات في شوارع القرية التي يقطنها المسيحيون، تخللتها هتافات: “بالطول بالعرض هنجيب الكنيسة الأرض”. وبسبب المولوتوف والمواد الحارقة، اشتعلت النيران في منزلين لمواطنين أقباط آخرين، وبعد سيطرة الأمن على الوضع، عُلّق العمل في بناء الكنيسة.

“مش عايزين كنيسة”… هكذا هتف بعض أهالي قرية التل القبلية التابعة لمركز أبو قرقاص في محافظة المنيا في مواجهة جيرانهم المسيحيين، وسط اعتداءات طائفية طاولت مسيحيين حُبسوا داخل كنيستهم وقُطع التيار الكهربائي عنهم، وحُطِّمت سيارة الكاهن، لكن السؤال: لماذا يرى بعض المسلمين أن لهم الحق في المطالبة بوجود كنيسة في القرية أو رفضها؟

بحسب بيان المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، فإن قرية التل القبلية، كعدد من قرى المنيا، لا تضم كنيسة على الرغم من احتوائها على عدد كبير من المسيحيين، وهو ما اضطر المسيحيين حسب إفادة أحد أهالي القرية، إلى التنقل لمسافات بعيدة لحضور الطقوس الدينية المهمة – مثل صلوات الأعياد – في كنائس بقرى مُحيطة، الأمر الذي يتسبّب في التزاحم على أماكن الصلاة، وتحمّل أقباط القرية مشقة الانتقال وتكلفته. 

بحسب الإفادة السابقة، بدأ أهالي القرية المسيحيون بتنظيم الصلاة والقداسات الاعتيادية في منازلهم بالتبادل، غير أن ذلك أثّر على قدرة بعضهم على المواظبة على الصلاة بسبب اختلاف مسافات التنقل الضرورية كل مرة، ما دفع الأهالي الى اتخاذ أحد المباني الموجودة وسط بيوتهم كنيسةً لهم، بمعرفة الجهات الأمنية وأهالي القرية المسلمين. 

على الرغم من هذه الموافقة، تعرض المسيحيون لمضايقات مستمرة أثناء إقامتهم الصلاة في الكنيسة، بحسب منشور الأنبا مكاريوس، أسقف المنيا وتوابعها، على حسابه في إكس، وقد أُبلغت الجهات المعنية بها من دون استجابة.

في صباح الأربعاء 8 تموز/ يوليو الحالي، وصلت المضايقات الى حدّ العنف، بعدما نشبت مشاجرة بين أمين شرطة مسلم واثنين من المسيحيين على خلفية وقوف سيارة نقل تابعة للكنيسة أمام منزله، ليتطور الأمر الى تجمهر من المسلمين الذين يهتفون “مش عايزين كنيسة”، مع رشق الكنيسة والمنازل المسيحية بالحجارة، وإغلاق باب الكنيسة على المصلين داخلها وقطع التيار الكهربائي.

في عظته الأخيرة بعد الحادث، وقف الأنبا مكاريوس ليقول: “نؤيد الصلح ولكن بعد تطبيق العدالة والقانون”، لكن ما حصل على أرض الواقع كان أبعد من العدالة والقانون، فعلى الرغم من أن المسيحيين في القرية استغاثوا بالنجدة مع وقوع الاشتباكات، إلا أن قوات الأمن التي وصلت القرية لم تستطع السيطرة على الوضع إلا بعدما كتب الأنبا مكاريوس استغاثته على “إكس”، فحضر مدير الأمن وتم الدفع بقوات الأمن المركزي لفضّ التجمهر، وإلى جانب المتهمين بالاعتداء من المسلمين ألقت قوات الأمن القبض على أربعة مسيحيين، اثنان منهم تعرضا بالأساس للاعتداء من المسلمين، وواحد تعرضت زوجته للضرب وآخر صوّر الأحداث. وعلى الرغم من إعطاء وعود بالإفراج عنهم إلا أنهم بقوا جميعاً رهن الاحتجاز حتى التنازل عن المحاضر بحسب بيان المبادرة.

قصة قرية التل القبلية لا تختلف كثيرًا عن قصص قرى كثيرة في المنيا وغيرها، وعلى الرغم من مرور 10 سنوات على صدور قانون رقم 80 لعام 2016 الخاص ببناء الكنائس وترميمها، إلا أن أزمات بناء الكنائس أو وجودها لا تزال تتفجّر من وقت الى آخر.

بموجب قانون بناء الكنائس وتقنينها، تم تقنين 3804 كنائس ومبان كنسية تابعة لها، بحسب اللجنة الرئيسية لتقنين أوضاع الكنائس في نيسان/ أبريل 2026، من أصل 5415 كنيسة ومبنى قدمت أوراقها إلى لجنة تقنين أوضاع الكنائس، بعد إصدار القانون رقم 80 لسنة 2016 بنسبة لا تتجاوز الـ71 في المئة في عقد كامل.

أزمة متكررة 

كان فكري حنا، أحد أبناء قرية العزيب بمركز سمالوط في محافظة المنيا، من بين المتفائلين بالحصول على ترخيص بناء كنيسة في القرية في كانون الأول/ ديسمبر 2023. فقد استمر لسنوات ينتقل في كل عيد للصلاة في كنائس القرى المجاورة، التي كانت ضيقة في الأساس على شعبها. ولم تكن الصلاة هي الشيء الوحيد الذي فرح به فكري، بل أيضاً مدارس الأحد والتجمعات الاجتماعية المسيحية التي حُرم منها أهالي القرية، لكنه لم يكن يعلم أن هذا الترخيص سيكون سبباً في تحرشات طائفية بأهالي القرية المسيحيين، الذين يُقدّر عددهم بـ3 آلاف مواطن.

شملت الاعتداءات حرق منزل أحد المواطنين الأقباط، وكذلك رشق منازل الأقباط بالحجارة وزجاجات المولوتوف، بالتزامن مع تظاهرات في شوارع القرية التي يقطنها المسيحيون، تخللتها هتافات: “بالطول بالعرض هنجيب الكنيسة الأرض”. وبسبب المولوتوف والمواد الحارقة، اشتعلت النيران في منزلين لمواطنين أقباط آخرين، وبعد سيطرة الأمن على الوضع، عُلّق العمل في بناء الكنيسة.

لم تكن كنيسة العزيب الكنيسة الوحيدة التي يُعلَّق العمل بها خلال هذه الفترة، فبحسب بيان المبادرة المصرية للحقوق الشخصية تم تعليق العمل بها أو إغلاقها في تلك الفترة، ففي كانون الثاني/ يناير 2024 استُهدفت كنيسة في قرية منشأة الزعفرانة بمركز أبو قرقاص، وحُرقت خيمة كانت معدّة للصلاة فجر ليلة عيد الميلاد، وعلى الرغم من أن مبنى الكنيسة كان قائماً إلا أن الاستهداف جاء على خلفية تقدّمها للحصول على ترخيص ضمن حملة تقنين الكنائس بموجب قانون 80 لسنة 2016. وكانت الكنيسة تعرضت لحملة من التحرشات قبل حرقها، وهو الأمر الذي دعا الأنبا فيلوباتير، أسقف أبو قرقاص، إلى إصدار تنويه بأن الاحتفالات بالعيد تقتصر فقط على صلاة القداس الإلهي، كما اعتذر عن استقبال المهنئين.

القانون لا يكفي

الباحث والمفكر القبطي كمال زاخر قال إن تكرار أزمات بناء الكنائس، على الرغم من مرور نحو عشر سنوات على صدور قانون تنظيم بناء الكنائس وترميمها، يكشف أن الأزمة لم تعد قانونية بقدر ما هي “اجتماعية وثقافية”، معتبراً أن النصوص القانونية وحدها لا تكفي ما لم يصاحبها تغيير في الثقافة العامة وإرادة سياسية لمعالجة جذور الاحتقان.

وأضاف زاخر أن ما يصفه بـ”العقل الجمعي الرافض للآخر” ترسّخ عبر عقود، وظل قائماً حتى بعد التغيرات السياسية التي شهدتها البلاد، مشيراً إلى أن البيانات الرسمية التي تصدر عقب كل أزمة لا تعالج الأسباب التي تؤدي إلى تكرارها.

ورأى زاخر أن المطلوب هو “تجفيف المنابع” التي تغذّي التعصب، من خلال مراجعة المناهج التعليمية منذ المراحل الأولى وحتى الجامعة، بما يعزز قيم المواطنة والتعددية، إلى جانب إعادة النظر في الخطاب الدرامي والإعلامي، الذي يساهم أحياناً، وفق رأيه، في تكريس صور نمطية مرتبطة بالتطرف والعنف.

كما اعتبر زاخر أن ضعف الحضور القبطي في عدد من المجالات العامة والرسمية، سواء في الرياضة أو في المناصب التنفيذية، يعكس أزمة أوسع تتعلق بتطبيق مبدأ المواطنة على أرض الواقع، قائلاً إن الأقباط “يُعاملون في كثير من الأحيان وكأنهم جالية وليسوا مواطنين كاملي الحقوق”.

وانتقد زاخر اعتماد الدولة على المقاربة الأمنية في التعامل مع الأزمات الطائفية، معتبراً أن جلسات الصلح العرفية قد تنجح في احتواء الأزمة مؤقتاً، لكنها لا تعالج أسبابها الحقيقية، إذ تفرض تهدئة آنية من دون معالجة ما وصفه بـ”ما في القلوب”.

وختم بالتأكيد أن الحدّ من تكرار الاحتقان الطائفي يتطلب إرادة سياسية واضحة لترسيخ المواطنة، وتعزيز التعليم المدني، وضمان تمثيل أكثر عدالة للأقباط في مؤسسات الدولة، باعتبارها خطوات ضرورية لمعالجة جذور الأزمة وليس فقط احتواء تداعياتها.

فتاوى متشدّدة 

ما قاله زاخر يتطابق مع ما تعجّ به مواقع الإنترنت السلفية والفتاوى الدينية حول بناء الكنائس في ديار الإسلام، فمنذ عصر السادات يُنظر الى مصر باعتبارها دولة مسلمة وليست دولة ذات غالبية مسلمة، ويحرّم تراث الفقه الإسلامي بناء الكنائس ودور العبادة غير الإسلامية في ديار الإسلام.

وفيما تعلن دار الإفتاء في الكثير من فتاويها عن أن الشرع لا يحرم بناء الكنائس، إلا أن هذا الخطاب لا يجرؤ على التصدي لما ورد في كتب التراث والفتاوى المتشددة، وهو ما يترك الساحة للتيار السلفي المتغلغل في القرى لتصدير فتاويه التي تغذي العنف لمنع المسيحيين من أبسط حقوقهم، وهي الصلاة، وتعتبر بناء الكنائس عملاً غير جائز في بلاد المسلمين.

التغلغل السلفي في القرى يظهر بصورة جلية في محافظة المنيا، التي تشهد غالبية حوادث الاعتداء على خلفية منع الكنائس أو رفض ترخيصها، إذ نقل “درج” في تقرير سابق عن إسحق إبراهيم، مسؤول الملف الديني السابق بالمبادرة المصرية، أن المحافظة شكلت في السبعينات والثمانينات تربة خصبة للجماعات الإسلامية، التي هي نفسها اغتالت الرئيس محمد أنور السادات ورفعت المحجوب، رئيس مجلس الشعب السابق، ولاحقاً، أسست قيادات هذه الجماعات حزب البناء والتنمية.

وأوضح إسحق أن غياب الخدمات الأساسية في المنيا مثل الصحة والتعليم، ترك الفرصة للجمعيات الإسلامية الخيرية لملء الفراغ الذي تركته الدولة، مثل الجمعية الشرعية وجمعية أنصار السنة المحمدية، والتي تقدم خدمات مثل الحضانات والمستوصفات والمدارس والمساعدات الاجتماعية، وتغذي في المقابل رؤية متطرفة للدين ترى الآخر مواطناً درجة عاشرة.