ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

مصرف لبنان لـ”درج”: على المصارف أن تعيد أموالاً  بالمليارات

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يقول بديع مكرزل، الوكيل القانوني الرئيسي لمصرف لبنان في هذه القضايا، في مقابلة مع “درج”، “المصارف يجب أن تدفع، والأموال يجب أن تُعاد، نحن نتحدث عن مليارات الدولارات”. كلام انتظره المودعون اللبنانيون سنوات من المؤسسة التي كانت في قلب الانهيار.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

بعد ستة أشهر على إعلان مصرف لبنان أنه سيلاحق قضائياً المصارف اللبنانية، مصدراً لائحة من المدّعى عليهم تشمل حاكمه السابق رياض سلامة نفسه، رفع المصرف المركزي دعواه الثانية. “موقفنا واضح. نحن جدّيون جداً في هذه التحقيقات”، يقول بديع مكرزل، الوكيل القانوني الرئيسي لمصرف لبنان في هذه القضايا، في مقابلة مع “درج” الأسبوع الماضي.

يعرض مكرزل الانهيار المالي في لبنان بوصفه مسؤولية مشتركة بين ثلاثة أطراف: الدولة (من خلال وزارة المالية)، ومصرف لبنان، والمصارف التجارية. ومع ذلك، فإن هذا التصوير لا يعني، في نظره، أنّ المطلوب هو أن تدفع الدولة الآن. بل يوضح بشكل صريح أنّ على المصارف أن تكون أوّل من يتحمّل كلفة الدفع.

يقول مكرزل إن مصرف لبنان يأخذ التحقيقات على محمل الجدّ، وسيتتبع الخيوط لتحديد المسؤوليات: “من ارتكبوا جرائم مالية يجب التحقيق معهم، وإذا ثبتت إدانتهم، يجب أن يحاكَموا”. ويضيف: “كيف يمكن أن نعيد بناء الثقة من دون محاسبة؟”.

وحين سألناه إن كان يتوقع أن تنتهي هذه القضايا، كما انتهت ملفات كثيرة في لبنان، بتسويات مالية صامتة، جاءت إجابته قاطعة: التسويات ليست جزءاً من المسار، وإذا أصبحت ممكنة لاحقاً، فلن يكون ذلك إلا بعد الاتهام والإدانة.

ويشدد مكرزل “على أن المصارف يجب أن تدفع، والأموال يجب أن تُعاد، نحن نتحدث عن مليارات الدولارات”. كلام انتظره المودعون اللبنانيون سنوات من المؤسسة التي كانت في قلب الانهيار. لكنه أيضاً كلام صادر عن تلك المؤسسة نفسها. فمصرف لبنان ليس مراقباً خارجياً يحاول إصلاح أضرار تسبّب بها آخرون، بل كان أحد اللاعبين الأساسيين في المنظومة التي أنتجت الخسائر التي يُجرى التحقيق فيها اليوم، أما حاكمه على مدى 30 عاماً، أي رياض سلامة، صاحب أطول ولاية متواصلة لحاكم مصرف مركزي في العالم، فهو نفسه مدّعى عليه. لهذا تكتسب الدعاوى أهميةً، ولكن لا يمكنها وحدها أن تعيد الثقة.

السؤال ليس ما إذا كان مصرف لبنان قد بدأ يتحرك… فقد فعل، وإنما السؤال هو ما إذا كان المسار، هذه المرة، سيصل إلى نهايته.

عفنٌ ممتد منذ عقود

لم يبدأ الخلل في مصرف لبنان مع انهيار عام 2019، ولا حتى مع سنوات “الهندسات المالية”، إذ إن إشارات الإنذار كانت موجودة قبل ذلك بكثير. فقد كشفت فضيحة بنك المدينة عام 2003 باكراً التداخل الخطير بين العمل المصرفي وتبييض الأموال والحماية السياسية وفشل الرقابة. واتُّهم المصرف آنذاك بتبييض أموال لمسؤولين عراقيين في إطار برنامج “النفط مقابل الغذاء”، وبأنه كان المصرف المفضّل لتاجر سلاح مرتبط بـ”حزب الله” أودع في إحدى المرات 160 مليون دولار نقداً، وبتحويل أموال إلى مسؤولين سوريين وحلفائهم اللبنانيين، قصة وثّقتها، من بين قصص أخرى، صحيفة “وول ستريت جورنال”. حينها، سُجن موظفان من المستوى المتوسط. أما رنا قليلات، الموظفة التنفيذية التي كانت في قلب الفضيحة، فأُفرج عنها بكفالة في ظروف لم تُفسَّر يوماً، وغادرت البلاد، ولم تُعَد قط لتواجه العدالة، فيما تُركت بقية الملف لتتلاشى تدريجياً. ذاك الإفلات من العقاب هو المعيار الذي ستُقاس عليه دعاوى اليوم.

يعتبر المحامي كريم ضاهر، في مقابلة مع موقع “درج”، أنّه على الرغم من أنّ الإجراءات الصادرة عن المصرف المركزي تُبشِّر بالخير، وأنّه “خيرٌ أن تأتي متأخّرة من ألا تأتي أبداً”، إلّا أنّه يشدّد على ضرورة عدم نسيان كيف بدأت القصة. فبرأيه، لم تنطلق الحكاية من استكمال التدقيق الجنائي الذي كانت قد شرعت فيه شركة “ألفاريز آند مارسال”، والذي أظهر أنّ جزءاً كبيراً من الحقائق بقي مكتوماً بسبب عدم تعاون حاكم مصرف لبنان السابق، رياض سلامة، لأسباب عدّة، أبرزها التمسّك بالسرّية المصرفية.

يقول ضاهر: “لا ينبغي أن ننسى أنّ انطلاق هذه الملفات تمّ بفضل القضاء الأجنبي لا القضاء اللبناني، وهذا يفتح أعيننا اليوم على حجم تقصير السلطات كلّها في لبنان في أداء واجباتها. ولا ينبغي أن نُهلّل كثيراً اليوم… إنّها خطوة مهمّة، لكنّنا تأخّرنا كثيراً، إذ مضت ست أو سبع سنوات. لو لم تُتَّخذ الإجراءات في فرنسا ولوكسمبورغ وسويسرا، ولو لم يُكشَف عن كل هذه التفاصيل المتعلّقة بالحسابات، التي لا تقتصر على شركة “فوري”… لما كنّا هنا. يجب أن نعرف ماذا بعد “فوري”: فقد كُشفت 66 شركة تابعة للمكتب والشركات العائدة الى رياض سلامة، التي كانت تُهجِّر أموال مصرف لبنان إلى الشانزيليزيه، وهو ما أتاح كشف حقائق وحسابات وتحويلات… وكشف العلاقة القائمة بين بنك عودة ورياض سلامة وM1، شركة الرئيس نجيب ميقاتي وشقيقه… ولا ينبغي أن ننسى أيضاً أنّ ملف HSBC أظهر كيف بدأت الأمور تتكرّر انطلاقاً ممّا حصل في الخارج”.

ويرى ضاهر أنّنا “اليوم نعمل بالقطعة، أي بشكل مجتزأ”، متسائلاً عمّا إذا كانت الإجراءات التي يقوم بها مصرف لبنان هي إجراءات اختيارية، أم أنّه بدأ فعلاً يسلك مسار الدخول في ملفات محدّدة بعينها، أم أنّ هذه الخطوات تأتي في إطار استراتيجية كاملة ومتكاملة لفتح جميع الملفات، مهما كان نوعها أو هوية الأشخاص المعنيّين بها.

تتبّع المال

استهدفت الدعوى الأولى التي رُفعت في كانون الثاني/ يناير الماضي، الحاكم السابق رياض سلامة والرئيس السابق لمجلس إدارة بنك عودة سمير حنا، الذي استقال من مجلس إدارة المصرف في الشهر نفسه، وفق إفصاحات الحوكمة الصادرة عن بنك عودة نفسه.

تشابُك الرجلين يسبق الدعوى بزمن طويل. فقد كشف تحقيق أجراه “درج” وشبكة OCCRP عام 2020 كيف باعت شركة أوفشور مرتبطة بسلامة أسهماً في شركة لإدارة الثروات في لندن، كان يعمل فيها نجله نادي ويملك أسهماً فيها، لشركات تابعة لبنك عودة، المصرف الخاضع لرقابته هو بالذات.

حصل ذلك في الفترة نفسها التي كانت فيها “الهندسات المالية” التي أطلقها سلامة تدرّ على بنك عودة أكبر مكاسب في القطاع: نحو 1.6 مليار دولار في عام 2016 وحده، وفق لجنة الرقابة على المصارف في لبنان.

هذه المرة، تستهدف الدعوى بنك ميد، ومديره السابق محمد الحريري، وعلاء الخواجة، “الملياردير الغامض” الذي وثّق “درج” عام 2023 استحواذه على أسهم أيمن الحريري في الشركة القابضة المالكة للمصرف. وقد موِّل هذا الاستحواذ بقرض من بنك عودة تشير تحقيقات “درج” إلى أنه قد يكون بدوره ممولاً، في الخفاء، بأموال من المصرف المركزي. لم يرد بنك ميد على أسئلة “درج” قبل النشر.

ستدافع المصارف، وقد فعلت ذلك بالفعل، بأنها كانت تعمل ضمن منظومة صمّمها مصرف لبنان نفسه ووافق عليها. وهي حجة لا يمكن ببساطة رفضها. فالهندسات المالية لم تحصل خارج المصرف المركزي، بل كانت جزءاً من سياساته. لكن الشرعية القانونية شيء والمسؤولية شيء آخر، وهذا التمييز هو بالضبط ما يلاحقه المحققون اليوم. فالمسألة تكمن في ما إذا كانت هناك مؤسسات وأفراد بعينهم قد اكتفوا بالمشاركة في منظومة فاشلة، أم أنهم حصلوا على معاملة تفضيلية، أو أخفوا تضارب مصالح، أو استفادوا شخصياً من ترتيبات تجاوزت الخطوط القانونية. 

وثمة تمييز آخر لا يجوز أن يُطلب من اللبنانيين نسيانه. فمنذ عام 2019، تحتجز المصارف اللبنانية أموال المودعين من دون أي قانون “كابيتال كونترول” يجيز لها ذلك. وكما يجادل خبراء قانونيون منذ سنوات، فإن المصرف الذي يمتنع عن الدفع لمودعيه هو، بموجب القانون اللبناني، مصرف متوقف عن الدفع، والتوقف عن الدفع كان يفترض أن يقود إلى التصفية. صحيح أن المودعين عندها كانوا سيتكبّدون خسائر، لكن عبر مسار قانوني، تُباع فيه الأصول وتُسوّى الحسابات. بدلاً من ذلك، فُرضت الخسائر بشكل غير رسمي وإلى أجل غير مسمى، ووقعت على المودعين وحدهم، فيما استمر مساهمو المصارف في جني الأرباح.

وداخل هذا الفشل المشترك، تبقى الدرجات مهمة. فقد كشف “درج” أخيراً أن مساهمي بلوم بنك من العائلة المالكة وزّعوا أرباحاً عبر لوكسمبورغ، فيما لا يزال المودعون في لبنان عاجزين عن استرداد أموالهم. ولم ينكر ممثلو المصرف ما ورد في التحقيق ولم يعترضوا عليه، لكنهم أصرّوا على تمييزٍ من عندهم، وهو أن “بلوم” “مصرف جيّد”، على عكس المصارف الأخرى. وهو تمييز يصمد إلى حدّ معيّن فقط. فتوزيع الأرباح فيما تُحتجز الودائع خطيئة مشتركة للقطاع كله، لكنها ليست من طبيعة ما يُتّهم به بنكا عودة ومد: جرائم مزعومة تشمل إساءة استعمال السلطة وتضارب المصالح والإثراء غير المشروع وتبييض الأموال.

وفي ما يخص استعادة الأموال، بدا مكرزل واثقاً، مع إقراره بأن بعض المسارات قد يتحرك أسرع من غيره، ومنها كما يقول قضية HSBC، التي باتت على السكة.

فـHSBC ليس مصرفاً لبنانياً ولم يحتجز يوماً أموال مودعين لبنانيين؛ دوره المزعوم تمثّل في أنه كان قناةً لأموال اختُلست من مصرف لبنان عبر ملف شركة “فوري أسوشيتس”. أصدر قضاة التحقيق الفرنسيون قراراً باتهام بنك “HSBC Private Bank Suisse”، وألزموا المصرف بإيداع كفالة قدرها 80 مليون يورو، في إطار تحقيق بجرائم اختلاس وتبييض أموال يُتهم فيها حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة. ويقول مكرزل إنّ هذه الأموال تعود تلقائياً إلى خزائن مصرف لبنان.

وتؤكد مصادر في لبنان وباريس لـ”درج” أن اجتماعات مطوّلة عُقدت بين قيادة مصرف لبنان والنيابة العامة المالية الفرنسية. ووفق مصادر مطّلعة على المسار، تُعدّ التسوية مع مصرف لبنان النتيجة الأكثر ترجيحاً، أي أن يكون مصرف أجنبي يعيد أموالاً إلى الدولة اللبنانية، لا مصرفاً لبنانياً يشتري خروجه من المحاسبة.

وكان “درج”  أول من كشف عناصر أساسية في الملفات الثلاثة: صفقة بنك ميد – الخواجة، ومليارات بنك عودة من الهندسات المالية لمصرف لبنان، وفي ملف ليختنشتاين، كان أول ذكر للصفقة بين سلامة وميقاتي التي مرّت عبر بنك عودة.

الاقتصاد النقدي… والملف الذي لا هوية مالية له

الخطر الكبير الآخر على طاولة الجهة الناظمة، بحسب مكرزل، هو الاقتصاد النقدي المتمدد في لبنان. فمعظم شركات تحويل الأموال، كما يقول، ستتلقى أنظمة جديدة خلال أسابيع، ومن لا يلتزم منها سيواجه قيوداً. “شركات مثل ويش وويسترن يونيون وغيرهما سيكون عليها أن تلتزم بمعايير تدقيق صارمة، وإلا سنضطر إلى إقفال مكاتبها”، يقول مكرزل. 

أما “القرض الحسن” فمسألة أكثر تعقيداً. فقد تأسس عام 1983 وسُجّل كجمعية، ثم تحوّل على مدى أربعة عقود إلى أكبر جهة إقراض غير مرخّصة في البلاد، تمنح قروضاً، معظمها مقابل رهونات من الذهب، عبر فروع منتشرة في لبنان. وهو غير مرخّص من مصرف لبنان، وبالتالي لا يقع ضمن صلاحياته الحالية.

“لا هوية مالية للقرض الحسن”، يقول مكرزل. وقبل أن يتمكن مصرف لبنان من تنظيم عمله، على الحكومة أن تقرر كيف تتعامل مع مؤسسة تعمل منذ سنوات كمصرف، تتلقى أموالاً وتمنح قروضاً، فيما تبقى خارج النظام المصرفي.

وقد استخدم مصرف لبنان أصلاً الأداة الوحيدة التي يملكها، ففي تموز/ يوليو 2025، منع جميع المصارف والمؤسسات المالية المرخّصة من التعامل مع “القرض الحسن”، وهي المرة الأولى التي يستهدف فيها المصرف المركزي المؤسسة رسمياً.

ومع ذلك، ثمة حوار جارٍ بين المصرف المركزي و”حزب الله”. نظرياً، يمكن تسوية وضع “القرض الحسن” ليصبح مؤسسة مالية مرخّصة، لها هوية مالية، وتخضع للرقابة كأي مؤسسة أخرى. لكن أي محاولة لإدخالها في النظام المالي الرسمي ستتطلب تغييرات جوهرية: في البنية القانونية، والملكية، والحوكمة، وتركيبة مجلس الإدارة، والامتثال.

“الأمر ليس سهلاً، لكنه ليس مستحيلاً من حيث التنظيم”، يقول مكرزل. “المستحيل هو أن تستمر منظمة غير خاضعة لأي تنظيم في تلقّي تمويل من الحرس الثوري الإيراني”. وقد ازداد الملف ثقلاً الشهر الماضي، حين أدرج “مركز استهداف تمويل الإرهاب”، الولايات المتحدة ودول الخليج الست مجتمعةً، “القرض الحسن” و”بيت المال” وثلاثة كيانات أخرى مرتبطة بـ”حزب الله” وستة عشر مسؤولاً، على لوائح العقوبات.

لم تكن هذه مجرد عقوبة أميركية إضافية، فقد حوّلت الضغط على شبكة “حزب الله” المالية من جهد تقوده واشنطن أساساً إلى جهد إقليمي. وبالنسبة إلى قطاع مالي لبناني يعتمد على علاقاته الخليجية، هذا الفارق يعني الكثير.

كيف تقاوم المصارف؟

المصارف، كما هو متوقع، تحاول مرة جديدة أن تجد المخرج. ففي بيروت، أكدت مصادر متعددة وغير مترابطة لـ”درج”، أن بنك عودة حاول التسوية، وهذا المسار لم يذهب بعيداً.

راهناً، وخشيةَ أن تؤدي تسوية ما، مرة جديدة، إلى دفن القضية برمّتها، تقدّمت رابطة المودعين، إلى جانب النائبين حليمة قعقور وياسين ياسين، بشكوى مباشرة مع اتخاذ صفة الادعاء الشخصي أمام النيابة العامة المالية.

الشكوى المدنية تعرّضت بدورها لضغوط. فقد قالت مصادر متعددة لـ”درج” إن الوزير السابق كميل أبو سليمان، الذي هندس، بصفته محامي بنك عودة، الصفقة التي أفادت رياض سلامة وبنك عودة ورئيس الحكومة الأسبق نجيب ميقاتي، يعمل على إبقاء اسمه خارج الدعوى، مستخدماً سياسة العصا والجزرة: وعود بالتعاون وتقديم المعلومات من جهة، وتهديدات بالملاحقة القضائية من جهة أخرى، إذ هدّد رابطة المودعين بدعوى قدح وذم بقيمة 100 مليون دولار في الولايات المتحدة الأميركية، وقد أرسل “درج” إلى أبو سليمان طلباً للتعليق.

في هذا السياق، يقول ضاهر إنّ قانون تبييض الأموال يتضمّن مواد لا تتعلّق فقط بالمرتكب، بل تشمل أيضاً كل من سهّل أو نفّذ العملية، وهؤلاء جميعاً يخضعون لأحكام قانون رقم 44، الذي ينصّ على أنّ كل من شارك أو سهّل عملية تبييض الأموال، بمن في ذلك المحامون والمفوّضون والمراقبون وغيرهم، تُفرض عليه العقوبة نفسها التي تُفرض على مبيّض الأموال. أي إنّنا نتحدّث عن عقوبة حبس لا تقلّ عن ثلاث سنوات، إضافة إلى إلزامه بإعادة مثلي المبلغ الذي تم تبديده، بما يكشف مدى اتّساع الشبكة اليوم.

في باريس، يبدو أن “بنك عودة فرنسا” يناور لمواصلة التهرّب من الدفع. ففي 30 نيسان/ أبريل 2026، اجتمع مجلس إدارة المصرف في مقره على جادة الشانزليزيه، برئاسة شيرين عودة. وعلى جدول الأعمال: أرباح المساهمين عن السنوات الثلاث الأخيرة، وقرار بتعيين خليل الدبس، المدير العام والرئيس التنفيذي لمجموعة بنك عودة، وصهر سمير حنا، رئيس مجلس الإدارة السابق الذي تستهدفه دعوى مصرف لبنان الأولى، عضواً في المجلس بدلاً من بنك عودة، الكيان الاعتباري الذي كان يشغل المقعد واستقال منه. وتُظهر وثيقة حصل عليها “درج” من مصادر لن يسمّيها أن المصرف كان يحقق أرباحاً، نحو 60 مليون يورو، لم تُرسل إلى بيروت، حيث كان يمكن أن تُستخدم لسداد أموال المودعين.

في واشنطن، اتخذت المحاولة شكلاً آخر. لسنوات، حكمت مقاربةَ واشنطن للقطاع المالي اللبناني حسبةٌ صعبة: منظومة معطوبة تبقى، على الرغم من كل شيء، منظومةً تفهمها ويمكنها التعامل معها. وكما شرح مرة دبلوماسي أميركي رفيع حين سُئل لماذا استمرت واشنطن في التعامل مع رياض سلامة على الرغم من تزايد المخاوف: كان الرجل الذي يعرفونه، والمحاور الذي يفهمونه. “إنه يتكلم لغتنا”، قال الدبلوماسي.

فريق أنطون صحناوي، رئيس مجلس إدارة بنك سوسيتيه جنرال في لبنان (SGBL)، يراهن على أن هذا المنطق لا يزال قائماً. فقد حاول إقناع إدارة ترامب بفصل مسألة الإصلاح المالي عن مسألة نزع سلاح “حزب الله”، أي إبقاء التركيز على السلاح وإبعاده عن المصارف.

لكن ذلك لم ينجح. فضغط وزارة الخزانة استمر، والعقوبات توالت، مدفوعةً بقناعة راسخة في واشنطن بأن البنية المالية اللبنانية السابقة شكّلت ركيزة أساسية لتمويل المسار الإيراني، بما لا ينفصل عن عملية التطهير المالي الجارية في العراق. فالتسويات التي عُقدت يوماً باسم الاستقرار باتت تُعتبر اليوم جزءاً من المشكلة.

وليست حجةً صعبة الإثبات ما دام صحناوي نفسه ملاحقاً في نيويورك بدعوى تتعلق بصلات مزعومة بـ”حزب الله”.

لماذا يتحرّك مصرف لبنان بدل الدولة اللبنانية؟

يتساءل ضاهر عن سبب تولّي مصرف لبنان هذه الإجراءات بدل أن تقودها هيئة قضائية تابعة لوزارة العدل، إذ يرى أنّ هناك اليوم طرفين يتسابقان على تحصيل مبالغ هائلة ستُرتّبها هذه القضايا، وأنّ المعطيات باتت توحي بأنّ حجم الأموال كبير، ما يطرح سؤالاً جوهرياً: مَن هي الجهة التي ستستعيد هذه الأموال؟ “المصالح ليست متشابكة بل متضاربة بين مصرف لبنان والدولة اللبنانية”.

بالنسبة إلى الدولة اللبنانية، إن كانت معنيّة فعلاً باسترداد الأموال، فإنّ الآلية القانونية تقوم على قانون رقم 44 لعام 2015 الخاصّ بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب… ويلزم الشخص بالعقاب، بدءاً من الحبس من ثلاث إلى سبع سنوات تقريباً، فضلاً عن الغرامة التي تصل إلى مثلي المبلغ موضوع الجريمة. كما يكرّس هذا القانون مبدأ أنّ الأموال المتأتّية عن جرائم الاختلاس أو الفساد تعود إلى خزينة الدولة لا إلى مصرف لبنان، وهو ما يفسّر، وفق ضاهر، تسابق المصرف المركزي اليوم إلى اتخاذ إجراءات استباقية.

 لهذا السبب، يسعى المصرف المركزي الى أن يكون هو الجهة التي تستعيد هذه المبالغ ليستعملها في تسديد التزاماته، ولا سيّما تلك المرتبطة بإعادة تسديد الودائع. أمّا الدولة، كما يشرح ضاهر، فتحتاج إلى هذه الأموال لتسديد المستحقّات المالية وتمويل عملية إعادة الإعمار في الجنوب، إلى جانب سائر الاستحقاقات العامة الملحّة.

ماذا يقول الإطار الموقّع في واشنطن فعلاً؟

الإطار الثلاثي الذي وقّعه كل من لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة في واشنطن في 26 حزيران/ يونيو، يبقى، في جوهره، اتفاقاً أمنياً، لكنه لا يصمت عن المال. فالنص يُلزم لبنان والولايات المتحدة بمنع تدفق الأموال إلى أي كيان أو فرد مرتبط بمجموعات مسلحة غير حكومية، ويلتزم لبنان صراحةً بإبقاء أموال إعادة الإعمار بعيداً من أيديها.

وحين يُقرأ الإطار إلى جانب العقوبات المالية الأخيرة والدعم المقدَّم لجهود مصرف لبنان لاستعادة الرقابة المالية، فإنه يوحي باستراتيجية أميركية أوسع: استراتيجية تربط الأمن، أكثر فأكثر، بإعادة بناء مؤسسات الدولة اللبنانية. فهل يرقى ذلك إلى التزام طويل الأمد بإصلاح اقتصادي شامل؟ الأمر لا يزال غير مؤكد، لكنه تحوّل ملحوظ: من تركيز عسكري في الدرجة الأولى إلى مقاربة أكثر مؤسسية.

في الرأي العام، الجميع مذنبون حتى تثبت براءتهم. خُذل اللبنانيون مرات كثيرة إلى حدّ أنهم لم يعودوا يستقبلون الدعاوى القضائية بإيمان. فهم رأوا ملف بنك المدينة يختفي في أدراج القضاء، كما رأوا المؤسسات التي أُنشئت لمراقبة القطاع المصرفي تعجز عن طرح الأسئلة الضرورية. ورأوا السرية المصرفية تُرفع على الورق فيما تبقى المحاسبة بعيدة المنال.

وحين وضع “درج” ذلك أمام مكرزل، قائلاً إننا بعدما شهدنا في هذا البلد مناورات تفوق الخيال، لن نصدّق إلا حين نرى أشخاصاً يحاكَمون ويُدانون، وإنه حتى ذلك الحين، في الرأي العام، الجميع مذنبون حتى تثبت براءتهم، جاءت إجابته بسيطة، إذ قال: “هذا عادل. الوقت كفيل بأن يُظهر”.

المسار الذي طال انتظاره بدأ، ولكن العبرة في الخواتيم. “لا يبقى أمامنا، في هذه المرحلة، سوى التمنّي بأن يكون القضاء فوق كل الشبهات، وأن يتولّى إدارة هذا الملف بنزاهة وتجرد، بعيداً عن أي تدخّلات”، بحسب ضاهر.

شركة المهندس العراقية
يونس العميدي | 15.07.2026

شركة «المهندس»: “بيزنس” الحشد الشعبي فوق رقابة الدولة!

بحسب تقارير صحافية، تعتمد شركة "المهندس العامّة" على شبكة من الشركات كواجهة لتجنّب العقوبات، إذ تدخل هذه الكيانات بديلة عنها في التعاقدات الرسمية ومن أبرز هذه الشركات: «بلدنا للاستثمارات الزراعية»، ويُعتقد أن دورها يتمثّل في غسل أموال المشاريع الزراعية، و«التكامل الهندسي الدولي»، التي تُحال إليها عقود الكهرباء والطاقة، و«نور الجنوب للمقاولات» و«الرافد العربي للتوريد العامّ»،…

يقول بديع مكرزل، الوكيل القانوني الرئيسي لمصرف لبنان في هذه القضايا، في مقابلة مع “درج”، “المصارف يجب أن تدفع، والأموال يجب أن تُعاد، نحن نتحدث عن مليارات الدولارات”. كلام انتظره المودعون اللبنانيون سنوات من المؤسسة التي كانت في قلب الانهيار.

بعد ستة أشهر على إعلان مصرف لبنان أنه سيلاحق قضائياً المصارف اللبنانية، مصدراً لائحة من المدّعى عليهم تشمل حاكمه السابق رياض سلامة نفسه، رفع المصرف المركزي دعواه الثانية. “موقفنا واضح. نحن جدّيون جداً في هذه التحقيقات”، يقول بديع مكرزل، الوكيل القانوني الرئيسي لمصرف لبنان في هذه القضايا، في مقابلة مع “درج” الأسبوع الماضي.

يعرض مكرزل الانهيار المالي في لبنان بوصفه مسؤولية مشتركة بين ثلاثة أطراف: الدولة (من خلال وزارة المالية)، ومصرف لبنان، والمصارف التجارية. ومع ذلك، فإن هذا التصوير لا يعني، في نظره، أنّ المطلوب هو أن تدفع الدولة الآن. بل يوضح بشكل صريح أنّ على المصارف أن تكون أوّل من يتحمّل كلفة الدفع.

يقول مكرزل إن مصرف لبنان يأخذ التحقيقات على محمل الجدّ، وسيتتبع الخيوط لتحديد المسؤوليات: “من ارتكبوا جرائم مالية يجب التحقيق معهم، وإذا ثبتت إدانتهم، يجب أن يحاكَموا”. ويضيف: “كيف يمكن أن نعيد بناء الثقة من دون محاسبة؟”.

وحين سألناه إن كان يتوقع أن تنتهي هذه القضايا، كما انتهت ملفات كثيرة في لبنان، بتسويات مالية صامتة، جاءت إجابته قاطعة: التسويات ليست جزءاً من المسار، وإذا أصبحت ممكنة لاحقاً، فلن يكون ذلك إلا بعد الاتهام والإدانة.

ويشدد مكرزل “على أن المصارف يجب أن تدفع، والأموال يجب أن تُعاد، نحن نتحدث عن مليارات الدولارات”. كلام انتظره المودعون اللبنانيون سنوات من المؤسسة التي كانت في قلب الانهيار. لكنه أيضاً كلام صادر عن تلك المؤسسة نفسها. فمصرف لبنان ليس مراقباً خارجياً يحاول إصلاح أضرار تسبّب بها آخرون، بل كان أحد اللاعبين الأساسيين في المنظومة التي أنتجت الخسائر التي يُجرى التحقيق فيها اليوم، أما حاكمه على مدى 30 عاماً، أي رياض سلامة، صاحب أطول ولاية متواصلة لحاكم مصرف مركزي في العالم، فهو نفسه مدّعى عليه. لهذا تكتسب الدعاوى أهميةً، ولكن لا يمكنها وحدها أن تعيد الثقة.

السؤال ليس ما إذا كان مصرف لبنان قد بدأ يتحرك… فقد فعل، وإنما السؤال هو ما إذا كان المسار، هذه المرة، سيصل إلى نهايته.

عفنٌ ممتد منذ عقود

لم يبدأ الخلل في مصرف لبنان مع انهيار عام 2019، ولا حتى مع سنوات “الهندسات المالية”، إذ إن إشارات الإنذار كانت موجودة قبل ذلك بكثير. فقد كشفت فضيحة بنك المدينة عام 2003 باكراً التداخل الخطير بين العمل المصرفي وتبييض الأموال والحماية السياسية وفشل الرقابة. واتُّهم المصرف آنذاك بتبييض أموال لمسؤولين عراقيين في إطار برنامج “النفط مقابل الغذاء”، وبأنه كان المصرف المفضّل لتاجر سلاح مرتبط بـ”حزب الله” أودع في إحدى المرات 160 مليون دولار نقداً، وبتحويل أموال إلى مسؤولين سوريين وحلفائهم اللبنانيين، قصة وثّقتها، من بين قصص أخرى، صحيفة “وول ستريت جورنال”. حينها، سُجن موظفان من المستوى المتوسط. أما رنا قليلات، الموظفة التنفيذية التي كانت في قلب الفضيحة، فأُفرج عنها بكفالة في ظروف لم تُفسَّر يوماً، وغادرت البلاد، ولم تُعَد قط لتواجه العدالة، فيما تُركت بقية الملف لتتلاشى تدريجياً. ذاك الإفلات من العقاب هو المعيار الذي ستُقاس عليه دعاوى اليوم.

يعتبر المحامي كريم ضاهر، في مقابلة مع موقع “درج”، أنّه على الرغم من أنّ الإجراءات الصادرة عن المصرف المركزي تُبشِّر بالخير، وأنّه “خيرٌ أن تأتي متأخّرة من ألا تأتي أبداً”، إلّا أنّه يشدّد على ضرورة عدم نسيان كيف بدأت القصة. فبرأيه، لم تنطلق الحكاية من استكمال التدقيق الجنائي الذي كانت قد شرعت فيه شركة “ألفاريز آند مارسال”، والذي أظهر أنّ جزءاً كبيراً من الحقائق بقي مكتوماً بسبب عدم تعاون حاكم مصرف لبنان السابق، رياض سلامة، لأسباب عدّة، أبرزها التمسّك بالسرّية المصرفية.

يقول ضاهر: “لا ينبغي أن ننسى أنّ انطلاق هذه الملفات تمّ بفضل القضاء الأجنبي لا القضاء اللبناني، وهذا يفتح أعيننا اليوم على حجم تقصير السلطات كلّها في لبنان في أداء واجباتها. ولا ينبغي أن نُهلّل كثيراً اليوم… إنّها خطوة مهمّة، لكنّنا تأخّرنا كثيراً، إذ مضت ست أو سبع سنوات. لو لم تُتَّخذ الإجراءات في فرنسا ولوكسمبورغ وسويسرا، ولو لم يُكشَف عن كل هذه التفاصيل المتعلّقة بالحسابات، التي لا تقتصر على شركة “فوري”… لما كنّا هنا. يجب أن نعرف ماذا بعد “فوري”: فقد كُشفت 66 شركة تابعة للمكتب والشركات العائدة الى رياض سلامة، التي كانت تُهجِّر أموال مصرف لبنان إلى الشانزيليزيه، وهو ما أتاح كشف حقائق وحسابات وتحويلات… وكشف العلاقة القائمة بين بنك عودة ورياض سلامة وM1، شركة الرئيس نجيب ميقاتي وشقيقه… ولا ينبغي أن ننسى أيضاً أنّ ملف HSBC أظهر كيف بدأت الأمور تتكرّر انطلاقاً ممّا حصل في الخارج”.

ويرى ضاهر أنّنا “اليوم نعمل بالقطعة، أي بشكل مجتزأ”، متسائلاً عمّا إذا كانت الإجراءات التي يقوم بها مصرف لبنان هي إجراءات اختيارية، أم أنّه بدأ فعلاً يسلك مسار الدخول في ملفات محدّدة بعينها، أم أنّ هذه الخطوات تأتي في إطار استراتيجية كاملة ومتكاملة لفتح جميع الملفات، مهما كان نوعها أو هوية الأشخاص المعنيّين بها.

تتبّع المال

استهدفت الدعوى الأولى التي رُفعت في كانون الثاني/ يناير الماضي، الحاكم السابق رياض سلامة والرئيس السابق لمجلس إدارة بنك عودة سمير حنا، الذي استقال من مجلس إدارة المصرف في الشهر نفسه، وفق إفصاحات الحوكمة الصادرة عن بنك عودة نفسه.

تشابُك الرجلين يسبق الدعوى بزمن طويل. فقد كشف تحقيق أجراه “درج” وشبكة OCCRP عام 2020 كيف باعت شركة أوفشور مرتبطة بسلامة أسهماً في شركة لإدارة الثروات في لندن، كان يعمل فيها نجله نادي ويملك أسهماً فيها، لشركات تابعة لبنك عودة، المصرف الخاضع لرقابته هو بالذات.

حصل ذلك في الفترة نفسها التي كانت فيها “الهندسات المالية” التي أطلقها سلامة تدرّ على بنك عودة أكبر مكاسب في القطاع: نحو 1.6 مليار دولار في عام 2016 وحده، وفق لجنة الرقابة على المصارف في لبنان.

هذه المرة، تستهدف الدعوى بنك ميد، ومديره السابق محمد الحريري، وعلاء الخواجة، “الملياردير الغامض” الذي وثّق “درج” عام 2023 استحواذه على أسهم أيمن الحريري في الشركة القابضة المالكة للمصرف. وقد موِّل هذا الاستحواذ بقرض من بنك عودة تشير تحقيقات “درج” إلى أنه قد يكون بدوره ممولاً، في الخفاء، بأموال من المصرف المركزي. لم يرد بنك ميد على أسئلة “درج” قبل النشر.

ستدافع المصارف، وقد فعلت ذلك بالفعل، بأنها كانت تعمل ضمن منظومة صمّمها مصرف لبنان نفسه ووافق عليها. وهي حجة لا يمكن ببساطة رفضها. فالهندسات المالية لم تحصل خارج المصرف المركزي، بل كانت جزءاً من سياساته. لكن الشرعية القانونية شيء والمسؤولية شيء آخر، وهذا التمييز هو بالضبط ما يلاحقه المحققون اليوم. فالمسألة تكمن في ما إذا كانت هناك مؤسسات وأفراد بعينهم قد اكتفوا بالمشاركة في منظومة فاشلة، أم أنهم حصلوا على معاملة تفضيلية، أو أخفوا تضارب مصالح، أو استفادوا شخصياً من ترتيبات تجاوزت الخطوط القانونية. 

وثمة تمييز آخر لا يجوز أن يُطلب من اللبنانيين نسيانه. فمنذ عام 2019، تحتجز المصارف اللبنانية أموال المودعين من دون أي قانون “كابيتال كونترول” يجيز لها ذلك. وكما يجادل خبراء قانونيون منذ سنوات، فإن المصرف الذي يمتنع عن الدفع لمودعيه هو، بموجب القانون اللبناني، مصرف متوقف عن الدفع، والتوقف عن الدفع كان يفترض أن يقود إلى التصفية. صحيح أن المودعين عندها كانوا سيتكبّدون خسائر، لكن عبر مسار قانوني، تُباع فيه الأصول وتُسوّى الحسابات. بدلاً من ذلك، فُرضت الخسائر بشكل غير رسمي وإلى أجل غير مسمى، ووقعت على المودعين وحدهم، فيما استمر مساهمو المصارف في جني الأرباح.

وداخل هذا الفشل المشترك، تبقى الدرجات مهمة. فقد كشف “درج” أخيراً أن مساهمي بلوم بنك من العائلة المالكة وزّعوا أرباحاً عبر لوكسمبورغ، فيما لا يزال المودعون في لبنان عاجزين عن استرداد أموالهم. ولم ينكر ممثلو المصرف ما ورد في التحقيق ولم يعترضوا عليه، لكنهم أصرّوا على تمييزٍ من عندهم، وهو أن “بلوم” “مصرف جيّد”، على عكس المصارف الأخرى. وهو تمييز يصمد إلى حدّ معيّن فقط. فتوزيع الأرباح فيما تُحتجز الودائع خطيئة مشتركة للقطاع كله، لكنها ليست من طبيعة ما يُتّهم به بنكا عودة ومد: جرائم مزعومة تشمل إساءة استعمال السلطة وتضارب المصالح والإثراء غير المشروع وتبييض الأموال.

وفي ما يخص استعادة الأموال، بدا مكرزل واثقاً، مع إقراره بأن بعض المسارات قد يتحرك أسرع من غيره، ومنها كما يقول قضية HSBC، التي باتت على السكة.

فـHSBC ليس مصرفاً لبنانياً ولم يحتجز يوماً أموال مودعين لبنانيين؛ دوره المزعوم تمثّل في أنه كان قناةً لأموال اختُلست من مصرف لبنان عبر ملف شركة “فوري أسوشيتس”. أصدر قضاة التحقيق الفرنسيون قراراً باتهام بنك “HSBC Private Bank Suisse”، وألزموا المصرف بإيداع كفالة قدرها 80 مليون يورو، في إطار تحقيق بجرائم اختلاس وتبييض أموال يُتهم فيها حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة. ويقول مكرزل إنّ هذه الأموال تعود تلقائياً إلى خزائن مصرف لبنان.

وتؤكد مصادر في لبنان وباريس لـ”درج” أن اجتماعات مطوّلة عُقدت بين قيادة مصرف لبنان والنيابة العامة المالية الفرنسية. ووفق مصادر مطّلعة على المسار، تُعدّ التسوية مع مصرف لبنان النتيجة الأكثر ترجيحاً، أي أن يكون مصرف أجنبي يعيد أموالاً إلى الدولة اللبنانية، لا مصرفاً لبنانياً يشتري خروجه من المحاسبة.

وكان “درج”  أول من كشف عناصر أساسية في الملفات الثلاثة: صفقة بنك ميد – الخواجة، ومليارات بنك عودة من الهندسات المالية لمصرف لبنان، وفي ملف ليختنشتاين، كان أول ذكر للصفقة بين سلامة وميقاتي التي مرّت عبر بنك عودة.

الاقتصاد النقدي… والملف الذي لا هوية مالية له

الخطر الكبير الآخر على طاولة الجهة الناظمة، بحسب مكرزل، هو الاقتصاد النقدي المتمدد في لبنان. فمعظم شركات تحويل الأموال، كما يقول، ستتلقى أنظمة جديدة خلال أسابيع، ومن لا يلتزم منها سيواجه قيوداً. “شركات مثل ويش وويسترن يونيون وغيرهما سيكون عليها أن تلتزم بمعايير تدقيق صارمة، وإلا سنضطر إلى إقفال مكاتبها”، يقول مكرزل. 

أما “القرض الحسن” فمسألة أكثر تعقيداً. فقد تأسس عام 1983 وسُجّل كجمعية، ثم تحوّل على مدى أربعة عقود إلى أكبر جهة إقراض غير مرخّصة في البلاد، تمنح قروضاً، معظمها مقابل رهونات من الذهب، عبر فروع منتشرة في لبنان. وهو غير مرخّص من مصرف لبنان، وبالتالي لا يقع ضمن صلاحياته الحالية.

“لا هوية مالية للقرض الحسن”، يقول مكرزل. وقبل أن يتمكن مصرف لبنان من تنظيم عمله، على الحكومة أن تقرر كيف تتعامل مع مؤسسة تعمل منذ سنوات كمصرف، تتلقى أموالاً وتمنح قروضاً، فيما تبقى خارج النظام المصرفي.

وقد استخدم مصرف لبنان أصلاً الأداة الوحيدة التي يملكها، ففي تموز/ يوليو 2025، منع جميع المصارف والمؤسسات المالية المرخّصة من التعامل مع “القرض الحسن”، وهي المرة الأولى التي يستهدف فيها المصرف المركزي المؤسسة رسمياً.

ومع ذلك، ثمة حوار جارٍ بين المصرف المركزي و”حزب الله”. نظرياً، يمكن تسوية وضع “القرض الحسن” ليصبح مؤسسة مالية مرخّصة، لها هوية مالية، وتخضع للرقابة كأي مؤسسة أخرى. لكن أي محاولة لإدخالها في النظام المالي الرسمي ستتطلب تغييرات جوهرية: في البنية القانونية، والملكية، والحوكمة، وتركيبة مجلس الإدارة، والامتثال.

“الأمر ليس سهلاً، لكنه ليس مستحيلاً من حيث التنظيم”، يقول مكرزل. “المستحيل هو أن تستمر منظمة غير خاضعة لأي تنظيم في تلقّي تمويل من الحرس الثوري الإيراني”. وقد ازداد الملف ثقلاً الشهر الماضي، حين أدرج “مركز استهداف تمويل الإرهاب”، الولايات المتحدة ودول الخليج الست مجتمعةً، “القرض الحسن” و”بيت المال” وثلاثة كيانات أخرى مرتبطة بـ”حزب الله” وستة عشر مسؤولاً، على لوائح العقوبات.

لم تكن هذه مجرد عقوبة أميركية إضافية، فقد حوّلت الضغط على شبكة “حزب الله” المالية من جهد تقوده واشنطن أساساً إلى جهد إقليمي. وبالنسبة إلى قطاع مالي لبناني يعتمد على علاقاته الخليجية، هذا الفارق يعني الكثير.

كيف تقاوم المصارف؟

المصارف، كما هو متوقع، تحاول مرة جديدة أن تجد المخرج. ففي بيروت، أكدت مصادر متعددة وغير مترابطة لـ”درج”، أن بنك عودة حاول التسوية، وهذا المسار لم يذهب بعيداً.

راهناً، وخشيةَ أن تؤدي تسوية ما، مرة جديدة، إلى دفن القضية برمّتها، تقدّمت رابطة المودعين، إلى جانب النائبين حليمة قعقور وياسين ياسين، بشكوى مباشرة مع اتخاذ صفة الادعاء الشخصي أمام النيابة العامة المالية.

الشكوى المدنية تعرّضت بدورها لضغوط. فقد قالت مصادر متعددة لـ”درج” إن الوزير السابق كميل أبو سليمان، الذي هندس، بصفته محامي بنك عودة، الصفقة التي أفادت رياض سلامة وبنك عودة ورئيس الحكومة الأسبق نجيب ميقاتي، يعمل على إبقاء اسمه خارج الدعوى، مستخدماً سياسة العصا والجزرة: وعود بالتعاون وتقديم المعلومات من جهة، وتهديدات بالملاحقة القضائية من جهة أخرى، إذ هدّد رابطة المودعين بدعوى قدح وذم بقيمة 100 مليون دولار في الولايات المتحدة الأميركية، وقد أرسل “درج” إلى أبو سليمان طلباً للتعليق.

في هذا السياق، يقول ضاهر إنّ قانون تبييض الأموال يتضمّن مواد لا تتعلّق فقط بالمرتكب، بل تشمل أيضاً كل من سهّل أو نفّذ العملية، وهؤلاء جميعاً يخضعون لأحكام قانون رقم 44، الذي ينصّ على أنّ كل من شارك أو سهّل عملية تبييض الأموال، بمن في ذلك المحامون والمفوّضون والمراقبون وغيرهم، تُفرض عليه العقوبة نفسها التي تُفرض على مبيّض الأموال. أي إنّنا نتحدّث عن عقوبة حبس لا تقلّ عن ثلاث سنوات، إضافة إلى إلزامه بإعادة مثلي المبلغ الذي تم تبديده، بما يكشف مدى اتّساع الشبكة اليوم.

في باريس، يبدو أن “بنك عودة فرنسا” يناور لمواصلة التهرّب من الدفع. ففي 30 نيسان/ أبريل 2026، اجتمع مجلس إدارة المصرف في مقره على جادة الشانزليزيه، برئاسة شيرين عودة. وعلى جدول الأعمال: أرباح المساهمين عن السنوات الثلاث الأخيرة، وقرار بتعيين خليل الدبس، المدير العام والرئيس التنفيذي لمجموعة بنك عودة، وصهر سمير حنا، رئيس مجلس الإدارة السابق الذي تستهدفه دعوى مصرف لبنان الأولى، عضواً في المجلس بدلاً من بنك عودة، الكيان الاعتباري الذي كان يشغل المقعد واستقال منه. وتُظهر وثيقة حصل عليها “درج” من مصادر لن يسمّيها أن المصرف كان يحقق أرباحاً، نحو 60 مليون يورو، لم تُرسل إلى بيروت، حيث كان يمكن أن تُستخدم لسداد أموال المودعين.

في واشنطن، اتخذت المحاولة شكلاً آخر. لسنوات، حكمت مقاربةَ واشنطن للقطاع المالي اللبناني حسبةٌ صعبة: منظومة معطوبة تبقى، على الرغم من كل شيء، منظومةً تفهمها ويمكنها التعامل معها. وكما شرح مرة دبلوماسي أميركي رفيع حين سُئل لماذا استمرت واشنطن في التعامل مع رياض سلامة على الرغم من تزايد المخاوف: كان الرجل الذي يعرفونه، والمحاور الذي يفهمونه. “إنه يتكلم لغتنا”، قال الدبلوماسي.

فريق أنطون صحناوي، رئيس مجلس إدارة بنك سوسيتيه جنرال في لبنان (SGBL)، يراهن على أن هذا المنطق لا يزال قائماً. فقد حاول إقناع إدارة ترامب بفصل مسألة الإصلاح المالي عن مسألة نزع سلاح “حزب الله”، أي إبقاء التركيز على السلاح وإبعاده عن المصارف.

لكن ذلك لم ينجح. فضغط وزارة الخزانة استمر، والعقوبات توالت، مدفوعةً بقناعة راسخة في واشنطن بأن البنية المالية اللبنانية السابقة شكّلت ركيزة أساسية لتمويل المسار الإيراني، بما لا ينفصل عن عملية التطهير المالي الجارية في العراق. فالتسويات التي عُقدت يوماً باسم الاستقرار باتت تُعتبر اليوم جزءاً من المشكلة.

وليست حجةً صعبة الإثبات ما دام صحناوي نفسه ملاحقاً في نيويورك بدعوى تتعلق بصلات مزعومة بـ”حزب الله”.

لماذا يتحرّك مصرف لبنان بدل الدولة اللبنانية؟

يتساءل ضاهر عن سبب تولّي مصرف لبنان هذه الإجراءات بدل أن تقودها هيئة قضائية تابعة لوزارة العدل، إذ يرى أنّ هناك اليوم طرفين يتسابقان على تحصيل مبالغ هائلة ستُرتّبها هذه القضايا، وأنّ المعطيات باتت توحي بأنّ حجم الأموال كبير، ما يطرح سؤالاً جوهرياً: مَن هي الجهة التي ستستعيد هذه الأموال؟ “المصالح ليست متشابكة بل متضاربة بين مصرف لبنان والدولة اللبنانية”.

بالنسبة إلى الدولة اللبنانية، إن كانت معنيّة فعلاً باسترداد الأموال، فإنّ الآلية القانونية تقوم على قانون رقم 44 لعام 2015 الخاصّ بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب… ويلزم الشخص بالعقاب، بدءاً من الحبس من ثلاث إلى سبع سنوات تقريباً، فضلاً عن الغرامة التي تصل إلى مثلي المبلغ موضوع الجريمة. كما يكرّس هذا القانون مبدأ أنّ الأموال المتأتّية عن جرائم الاختلاس أو الفساد تعود إلى خزينة الدولة لا إلى مصرف لبنان، وهو ما يفسّر، وفق ضاهر، تسابق المصرف المركزي اليوم إلى اتخاذ إجراءات استباقية.

 لهذا السبب، يسعى المصرف المركزي الى أن يكون هو الجهة التي تستعيد هذه المبالغ ليستعملها في تسديد التزاماته، ولا سيّما تلك المرتبطة بإعادة تسديد الودائع. أمّا الدولة، كما يشرح ضاهر، فتحتاج إلى هذه الأموال لتسديد المستحقّات المالية وتمويل عملية إعادة الإعمار في الجنوب، إلى جانب سائر الاستحقاقات العامة الملحّة.

ماذا يقول الإطار الموقّع في واشنطن فعلاً؟

الإطار الثلاثي الذي وقّعه كل من لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة في واشنطن في 26 حزيران/ يونيو، يبقى، في جوهره، اتفاقاً أمنياً، لكنه لا يصمت عن المال. فالنص يُلزم لبنان والولايات المتحدة بمنع تدفق الأموال إلى أي كيان أو فرد مرتبط بمجموعات مسلحة غير حكومية، ويلتزم لبنان صراحةً بإبقاء أموال إعادة الإعمار بعيداً من أيديها.

وحين يُقرأ الإطار إلى جانب العقوبات المالية الأخيرة والدعم المقدَّم لجهود مصرف لبنان لاستعادة الرقابة المالية، فإنه يوحي باستراتيجية أميركية أوسع: استراتيجية تربط الأمن، أكثر فأكثر، بإعادة بناء مؤسسات الدولة اللبنانية. فهل يرقى ذلك إلى التزام طويل الأمد بإصلاح اقتصادي شامل؟ الأمر لا يزال غير مؤكد، لكنه تحوّل ملحوظ: من تركيز عسكري في الدرجة الأولى إلى مقاربة أكثر مؤسسية.

في الرأي العام، الجميع مذنبون حتى تثبت براءتهم. خُذل اللبنانيون مرات كثيرة إلى حدّ أنهم لم يعودوا يستقبلون الدعاوى القضائية بإيمان. فهم رأوا ملف بنك المدينة يختفي في أدراج القضاء، كما رأوا المؤسسات التي أُنشئت لمراقبة القطاع المصرفي تعجز عن طرح الأسئلة الضرورية. ورأوا السرية المصرفية تُرفع على الورق فيما تبقى المحاسبة بعيدة المنال.

وحين وضع “درج” ذلك أمام مكرزل، قائلاً إننا بعدما شهدنا في هذا البلد مناورات تفوق الخيال، لن نصدّق إلا حين نرى أشخاصاً يحاكَمون ويُدانون، وإنه حتى ذلك الحين، في الرأي العام، الجميع مذنبون حتى تثبت براءتهم، جاءت إجابته بسيطة، إذ قال: “هذا عادل. الوقت كفيل بأن يُظهر”.

المسار الذي طال انتظاره بدأ، ولكن العبرة في الخواتيم. “لا يبقى أمامنا، في هذه المرحلة، سوى التمنّي بأن يكون القضاء فوق كل الشبهات، وأن يتولّى إدارة هذا الملف بنزاهة وتجرد، بعيداً عن أي تدخّلات”، بحسب ضاهر.