ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

مصر: بين تصريحات داعمة للفلسطينيين وتحالفات متناقضة مع الخليج وإسرائيل

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يبدو أن مصر تسعى إلى إعادة تأكيد دورها الإقليمي التاريخي، مع الحفاظ على علاقات اقتصادية ضرورية مع إسرائيل ودول الخليج. غير أن هذه المعادلة الصعبة قد لا تكون مستدامة على المدى الطويل، بخاصة مع تزايد التوترات وتسارع الأحداث الإقليمية.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في قاعة مؤتمرات بغداد، حيث انعقدت القمة العربية في أيار/ مايو 2025، وقف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وألقى كلمة لم يعتدها كثيرون من متابعي السياسة المصرية في السنوات الأخيرة. بنبرة حاسمة وكلمات لا تحتمل التأويل، أعلن أنه “حتى لو نجحت إسرائيل في تطبيع علاقاتها مع جميع الدول العربية، فسيظل السلام العادل والشامل والدائم في الشرق الأوسط مستحيلاً من دون إقامة دولة فلسطينية وفقاً للقانون الدولي”. وفي استدعاء واضح للرئيس الأميركي السابق والمحتمل عودته، وجّه السيسي دعوة مباشرة: “أدعو الرئيس ترامب – كزعيم ملتزم بتعزيز السلام – لبذل كافة الجهود اللازمة وممارسة الضغط الفعال لتحقيق وقف فوري لإطلاق النار في قطاع غزة”.

لم تكن كلمات السيسي مجرد تكرار لمواقف دبلوماسية معتادة، بل جاءت في سياق تصاعد متسارع للتوتر بين مصر وإسرائيل، وفي خضم معادلات إقليمية متغيرة بشكل دراماتيكي. كلمات قد تبدو للوهلة الأولى متّسقة مع الموقف المصري التاريخي، لكنها تعكس في الواقع تناقضات عميقة تعيشها السياسة المصرية في تعاملها مع القضية الفلسطينية وعلاقاتها مع كل من إسرائيل ودول الخليج العربي.

 الغاز الإسرائيلي وصفقة رأس الحكمة

جاء خطاب السيسي فيما كانت مصر تستورد كميات قياسية من الغاز الإسرائيلي، وصلت إلى 981 مليون قدم مكعب يومياً في عام 2024، بزيادة قدرها 18.2 في المئة عن العام السابق8. بل إن سجلات شهر كانون الأول/ ديسمبر وحده شهدت ارتفاعاً غير مسبوق وصل إلى 1.065 مليار قدم مكعب يومياً8. وفوق ذلك، كشفت وزارة البترول المصرية عن خطط لزيادة واردات الغاز من إسرائيل بنسبة 17 في المئة إضافية بداية من كانون الثاني/ يناير 2025، لتصل إلى 1.15 مليار قدم مكعب يومياً.

ليس هذا هو التناقض الوحيد في السياسة المصرية. ففي شباط/ فبراير 2024، وقّعت الحكومة المصرية صفقة استثمارية ضخمة بقيمة 35 مليار دولار مع صندوق الثروة السيادي الإماراتي (ADQ) لتطوير منطقة رأس الحكمة الساحلية على البحر المتوسط. تُعد هذه الصفقة أكبر عملية بيع أراضٍ في تاريخ مصر، إذ تشمل مساحة تبلغ 171 كيلومتراً مربعاً، أو ما يعادل 42 ألف فدان. وفي حين اعتُبرت الصفقة إنقاذاً مالياً للاقتصاد المصري المتعثّر، فإنها أثارت مخاوف جدية حول بيع الأصول المصرية الثمينة لمستثمرين أجانب، وتداعيات ذلك على السيادة الوطنية.

بحسب محللين: “في المدى القصير، قد تخفف [الصفقة] من أزمة العملة الصعبة، لكن على المدى الطويل، سنعود إلى النقطة نفسها بعد عامين في المستقبل، وربما حتى قبل ذلك”. وهنا تبرز المعضلة التي يعيشها النظام المصري: الحاجة الماسة إلى السيولة المالية من جهة، وثمن هذه السيولة من جهة أخرى، سواء كان ذلك الثمن التنازل عن أراضٍ، أو التزام الصمت حيال قضايا حيوية، أو تبني مواقف متناقضة مع المصالح المعلنة.

وفي تطور آخر يكشف تعقيدات المشهد الإقليمي، برز توتر متزايد بين مصر وإسرائيل حول الوجود العسكري المصري في شبه جزيرة سيناء. إذ اتهم مسؤول أمني إسرائيلي رفيع المستوى القاهرة بانتهاك اتفاقية السلام المبرمة عام 1979 من خلال “نشر قوات عسكرية تتجاوز الحصة المسموح بها، وتوسيع أرصفة الموانئ، وتمديد مدارج المطارات”.

وفقاً لمصادر إسرائيلية، يشمل الانتشار العسكري المصري في سيناء 88 كتيبة تضم 42 ألف جندي، بالإضافة إلى ثلاث فرق عسكرية كاملة، و1500 دبابة ومركبة مدرعة، ومشاريع لتطوير  مدارج مطار عسكري وتوسيعها، وتعزيز شبكات الدفاع الجوي والموانئ البحرية. في حين أن اتفاقية السلام الموقعة عام 1978 سمحت فقط بـ 50 كتيبة، تضم 22 ألف جندي.

ردت مصر على هذه الادعاءات من خلال مسؤولين سابقين وخبراء، معتبرةً أن المخاوف الإسرائيلية “غير مبررة”، وأن “إسرائيل تسعى الى تحويل الأنظار عن الوضع في غزة وأزماتها الداخلية”. كما أشار سعيد عكاشة، خبير الشؤون الإسرائيلية في مركز الأهرام للدراسات السياسية، إلى أن “إسرائيل تخشى أن تستعيد مصر قدراتها العسكرية الرادعة.

ليست هذه المرة الأولى التي تتوتر فيها العلاقات بين الجانبين حول الوجود العسكري في سيناء. فبعد هجمات إرهابية في المنطقة بدءاً من عام 2011، وافقت إسرائيل على نشر قوات مصرية إضافية في سيناء، في انتهاك للاتفاقية، لمواجهة التهديد الإرهابي. وفي عام 2015، وضعت مصر وإسرائيل آلية تنسيق للموافقة على النشاط العسكري المصري في سيناء الذي يتجاوز ما اتُّفق عليه في معاهدة السلام – وأُطلق عليها اسم “الأنشطة المتفق عليها”. استندت الموافقة المتجددة التي منحتها إسرائيل إلى تأكيد أن هذه الانتهاكات مؤقتة وقابلة للإلغاء.

غير أن الوضع اليوم يختلف، كما يشير معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، الذي لفت إلى أن “الانتهاكات شملت بناء بنية تحتية، وهو أمر غير قابل للإلغاء، وقد يُفهم على أنه يهدف إلى إقامة وجود الجيش المصري في سيناء مع بناء قدرة هجومية ضد إسرائيل”. وأكد مسؤول أمني إسرائيلي آخر أنه “لن نقبل بهذه الانتهاكات، نحن في مناقشات مع القاهرة والأميركيين… الإدارة الأميركية مسؤولة عن الحفاظ على معاهدة السلام، ومن الضروري تصحيح هذه الانتهاكات وضمان الالتزام الكامل بالاتفاقية. لن نتسامح مع ذلك”.

لكن موقف مصر كان مختلفاً، إذ بررت في أيلول/ سبتمبر 2024 زيادة انتشارها العسكري في سيناء، في أعقاب سيطرة إسرائيل على محور فيلادلفيا، وهو شريط من الأرض بين جنوب غزة ومصر، خلال الهجوم الإسرائيلي على غزة الذي بدأ في تشرين الأول/ أكتوبر 2023.

وبالعودة إلى الدور المصري في أزمة غزة، اتهم الرئيس السيسي إسرائيل خلال كلمته في القمة العربية، “بحملة منهجية لتدمير غزة وإجبار سكانها على الخروج”. وقال: “إسرائيل لم توفر حجراً، ولا طفلاً، ولا شخصاً مسناً… ما يحدث في غزة ليس مجرد حرب – إنها محاولة لجعل المنطقة غير صالحة للسكن وإجبار أهلها على النزوح.

وعلى الرغم من هذه التصريحات القوية، استمرت مصر في زيادة وارداتها من الغاز الإسرائيلي، الذي وصل إلى مستويات غير مسبوقة. كما أن الشركة الإسرائيلية نيوميد إنرجي، التي تمتلك حصة 45.3 في المئة في حقل ليفياثان الغازي، قدمت بالفعل للحكومة المصرية خططاً لمضاعفة الشحنات المحتملة إلى أكثر من ملياري قدم مكعب يومياً بحلول عام 2030. وفي 19 كانون الأول/ ديسمبر 2024، وافقت الحكومة الإسرائيلية على خطط لخط أنابيب ثالث يربط إسرائيل بمصر، بهدف مضاعفة استيراد القاهرة الحالي من تل أبيب؛ أي ما يقارب الـ 10 مليارات متر مكعب سنوياً.

ثمة تناقضات في السياسة المصرية. فمن ناحية، تتبنى مصر خطاباً قوياً ضد الممارسات الإسرائيلية في غزة وتؤكد ضرورة إقامة دولة فلسطينية كشرط للسلام الدائم؛ ومن ناحية أخرى، تعزز العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل وتستورد كميات قياسية من الغاز الإسرائيلي، وتبيع أراضيها السيادية لصناديق الثروة الخليجية.

هذا الموقف للنظام المصري ليس وليد اللحظة، بل هو نتيجة تراكمات سنوات من السياسات التي أعطت الأولوية للاستقرار الاقتصادي والمصالح الأمنية الضيقة، على حساب ثوابت السياسة المصرية التاريخية. وبدلاً من تبني استراتيجية متماسكة، اختار النظام المصري “المشي على الحبال المشدودة” بين مختلف المتناقضات، وهو نهج أثبت هشاشته مع تسارع الأحداث وتعقّد المشهد الإقليمي.

مخاوف متبادلة وتوازنات دقيقة: سيناء بين اتفاقية السلام والتهديدات الإقليمية

ولعلّ من المثير للاهتمام أن خبراء عسكريين إسرائيليين قد تنبأوا بإمكانية نشوب حرب جديدة بين إسرائيل ومصر، على الرغم من معاهدة السلام. ففي ورقة بحثية نُشرت عام 2014 بعنوان “الحرب القادمة بين إسرائيل ومصر: دراسة حرب عالية الكثافة بين اثنين من أقوى الجيوش في الشرق الأوسط“، درس الباحثون سيناريو المواجهة العسكرية المحتملة. وفي دراسة أخرى بعنوان “المقامرة الضائعة: الحرب الثالثة بين إسرائيل ومصر، أسبابها ودروسها، تناول الباحثون الظروف التي قد تؤدي إلى مواجهة جديدة.

انتشار القوات المصرية في سيناء يثير اليوم قلقاً متزايداً لدى إسرائيل، التي تطالب بسحب البنية التحتية العسكرية من هناك، وتعتبر وجودها انتهاكاً لاتفاقية السلام. وبحسب وسائل إعلام عبرية، تمارس الحكومة الإسرائيلية ضغوطاً عبر قنوات دبلوماسية وأمنية، بما في ذلك واشنطن، للتوصل إلى اتفاق رسمي حول هذه القضية.

في المقابل، يرى خبراء مصريون أن الهدف من وراء هذه الضغوط الإسرائيلية هو الضغط على مصر لاستيعاب اللاجئين الفلسطينيين في سيناء، وهو ما ترفضه القاهرة بشدة. وقال أحمد فؤاد أنور، أستاذ الدراسات العبرية بجامعة الإسكندرية، إن “تل أبيب تسعى الى الضغط على مصر لاستيعاب اللاجئين الفلسطينيين في سيناء”.

ولعل لهذه المخاوف المصرية ما يبررها، بخاصة في ضوء معلومات نُشرت حول أن الرئيس السيسي ذكّر، في قمة القاهرة الطارئة التي عُقدت في آذار/ مارس 2025، بأن الدول العربية أكدت رفضها التهجير القسري، وأقرت خطة إعادة إعمار غزة. وأضاف أن مصر تخطط لاستضافة مؤتمر دولي حول التعافي المبكر لغزة بمجرد انتهاء الأعمال العدائية.

اقتصادياً، تبدو مصر في وضع صعب للغاية. فمن ناحية، وقعت اتفاقيات قروض ومساعدات مع صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي، إلى جانب صفقة رأس الحكمة مع الإمارات، بإجمالي تعهدات وصلت إلى أكثر من 50 مليار دولار لنظام السيسي الذي يعاني من نقص السيولة. ومن ناحية أخرى، شهدت مصر تراجعاً حاداً في إنتاج الغاز المحلي، بنسبة 20-25 في المئة على مدى العامين الماضيين، ما دفع القاهرة إلى زيادة الاعتماد على الغاز الإسرائيلي لتلبية احتياجاتها المحلية، في موازاة تصريحات تنتقد تل أبيب بشدة.

هذه المعادلة المعقدة جعلت موقف مصر أكثر حرجاً، بخاصة مع استمرار الأزمة في غزة. فبينما تتوسط مصر، جنباً إلى جنب مع قطر والولايات المتحدة، للتوصل إلى هدنة دائمة، أدى إلى الإفراج عن رهينة أميركية-إسرائيلية مزدوجة الجنسية، عيدن ألكسندر، لكن التقدم على نطاق أوسع لا يزال بعيد المنال.

مصر على حبال التناقضات

استناداً إلى المعلومات المتاحة، يبدو أن مصر تسعى إلى إعادة تأكيد دورها الإقليمي التاريخي، مع الحفاظ على علاقات اقتصادية ضرورية مع إسرائيل ودول الخليج. غير أن هذه المعادلة الصعبة قد لا تكون مستدامة على المدى الطويل، بخاصة مع تزايد التوترات وتسارع الأحداث الإقليمية.

تصريحات الرئيس السيسي الأخيرة بشأن استحالة تحقيق السلام من من دون إقامة دولة فلسطينية، حتى مع تطبيع كل الدول العربية مع إسرائيل، يمكن قراءتها على أنها محاولة لإعادة التوازن إلى السياسة المصرية، وربما أيضاً كرسالة إلى الإدارة الأميركية بقيادة ترامب، الذي لعب دوراً في إبرام هدنة مؤقتة في كانون الثاني/ يناير، على الرغم من أن السيسي أشار إلى أن “العدوان الإسرائيلي المتجدد أفسد سريعاً الاتفاق”.

وسط هذه التناقضات والتوترات، تبرز تساؤلات حقيقية حول مستقبل الدور المصري في المنطقة، وحدود قدرة القاهرة على الموازنة بين مصالحها الاقتصادية الملحّة وبين التزاماتها التاريخية تجاه القضية الفلسطينية. كما أن التوتر المتزايد مع إسرائيل حول الوجود العسكري في سيناء يفتح الباب أمام سيناريوهات مستقبلية غير مستبعدة، بخاصة مع تصاعد لهجة كل من القاهرة وتل أبيب.

تحوّلت مصر، التي كانت يوماً ما القوة العربية المهيمنة، إلى دولة تناور بين مختلف القوى الإقليمية والدولية، وتتخبط بين ضغوط اقتصادية قاسية ومطالب سياسية متناقضة. صورة مصر اليوم هي صورة دولة تحاول المشي على حبال مشدودة بين مختلف الأطراف، وفي مواجهة رياح عاتية من كل الاتجاهات. وفي خضم هذه المعادلة الصعبة، تبقى الأسئلة الكبرى: إلى متى ستتمكن مصر من الاستمرار في هذا التوازن الهش؟ وأي مسار ستسلكه القاهرة عندما تصبح الخيارات أكثر إلحاحاً وتتطلب مواقف أكثر وضوحاً وحسماً؟

صفقة رأس الحكمة مع الإمارات، والتي تعد أكبر صفقة بيع أراضٍ في تاريخ مصر، تعكس بوضوح المأزق الاقتصادي الذي وقع فيه النظام المصري. فعلى الرغم من أن الصفقة جلبت 35 مليار دولار من النقد الأجنبي الذي تشتد الحاجة إليه، إلا أنها أثارت تساؤلات جدية حول السيادة والأصول الثقافية المصرية التي يتم بيعها للمستثمرين الخارجيين، معظمهم من الخليج.

يصف ياسر الششتاوي صفقة رأس الحكمة بأنها جزء من “نمط أوسع بكثير من بيع الأصول الثقافية المصرية الثمينة – تراثها – للمستثمرين الخارجيين، معظمهم من الخليج”، مشيراً إلى أن “السلطات المصرية المتلهفة لإبرام هذه الصفقات تتجاهل تكاليفها الأخرى، من التهجير القسري للمجتمعات المحلية والتأثيرات البيئية المختلفة إلى تكثيف عدم المساواة، وتوسيع الفجوة بين أغنياء مصر وفقرائها”.

وفي حين أن رأس الحكمة هو ببساطة عقار ساحلي غير مستغل، ومن المقرر أن يتحول إلى تطوير على غرار دبي، فإن الكثير من المبيعات الأخرى تشمل التراث الحضري والمعماري لمصر، بما في ذلك المقر السابق للحزب الوطني الديمقراطي المواجه لميدان التحرير بالقاهرة، ومجمع المجمّع المجاور، وهو مركز سيئ السمعة لبيروقراطية المدينة وأيقونة معمارية حداثية.

ويبدو أن هذه الصفقة تعكس نمطاً متكرراً في السياسة المصرية الحالية: الاستجابة للأزمات الاقتصادية الملحّة من خلال حلول قصيرة المدى، من دون معالجة الأسباب الهيكلية الكامنة وراء هذه الأزمات. 

ويلفت الششتاوي النظر كيف تحوّل موقف النظام المصري من إسرائيل منذ تولّيه السلطة. فبعدم كان يُنظر إليه في البداية على أنه حليف مقرّب لإسرائيل، وساعٍ للتطبيع بقوة، يجد نفسه اليوم في خضم توتر متصاعد مع تل أبيب، بخاصة حول الوجود العسكري في سيناء، الذي تصفه إسرائيل بـ”الانتهاك الخطير لملحق الأمن من اتفاقية السلام بين البلدين”.

وفي خطابه أمام القمة العربية، تناول الرئيس السيسي “مجموعة من الأزمات الإقليمية – من تفتيت السودان وإعادة إعمار سوريا إلى سيادة لبنان والجمود السياسي في ليبيا”، ودعا إلى “عمل عربي موحد لمنع التدخل الأجنبي، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ودعم جهود المصالحة الوطنية”. وهو ما يعكس محاولة مصر للعب دور إقليمي أوسع، واستعادة مكانتها كقوة رئيسية في المنطقة.

لكن هذا الدور الإقليمي الطموح يواجه تحديات هائلة، أبرزها الوضع الاقتصادي المتردي في مصر، والذي يجبر القاهرة على اتخاذ قرارات صعبة وإبرام صفقات مثيرة للجدل، مثل صفقة رأس الحكمة مع الإمارات. كما أن زيادة الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، في ظل تراجع الإنتاج المحلي، يضع مصر في موقف ضعف تفاوضي مع إسرائيل، ويجعل من الصعب عليها اتخاذ مواقف أكثر حسماً في القضايا الإقليمية.

وفي ظل هذه المعادلة الصعبة، يبقى السؤال المحوري: هل ستتمكن مصر من تحقيق التوازن المطلوب بين مصالحها الاقتصادية ومواقفها السياسية، وبين علاقاتها مع مختلف الأطراف الإقليمية؟ وإلى أي مدى ستكون قادرة على تحمّل الضغوط المتزايدة من جميع الاتجاهات؟

الإجابة عن هذه الأسئلة ستتضح في الأشهر والسنوات المقبلة، لكن ما هو واضح الآن هو أن مصر تمر بمرحلة دقيقة للغاية، تتطلب موازنة حذرة بين مختلف المصالح والضغوط، في سياق إقليمي متقلب ومتسارع الأحداث. وفي غياب استراتيجية واضحة ومتماسكة، قد تجد مصر نفسها عالقة في متاهة من التناقضات والتحديات التي يصعب التغلب عليها.

الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية - Siraj | 08.05.2026

“ماما، لماذا لست سورياً؟”: أبناء السوريات من “أجانب”… بلا قيد ولا شهادة ميلاد

 في معظم الأحيان، يقدم موضوع زواج سوريات من أجانب باعتباره مقتصراً على من تزوجن بمقاتلي تنظيم "داعش" خلال فترة صعوده. إلا أن هذه المعضلة وتبعاتها، لا سيما الثمن الذي تدفعه الزوجات السوريات وأولادهن اليوم، تمتد لتشمل زيجات من غير مقاتلي التنظيم، ناهيك بأن حرمان الأم السورية من منح الجنسية لأبنائها مشكلة قانونية ونسوية بدأت قبل…
22.05.2025
زمن القراءة: 10 minutes

يبدو أن مصر تسعى إلى إعادة تأكيد دورها الإقليمي التاريخي، مع الحفاظ على علاقات اقتصادية ضرورية مع إسرائيل ودول الخليج. غير أن هذه المعادلة الصعبة قد لا تكون مستدامة على المدى الطويل، بخاصة مع تزايد التوترات وتسارع الأحداث الإقليمية.

في قاعة مؤتمرات بغداد، حيث انعقدت القمة العربية في أيار/ مايو 2025، وقف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وألقى كلمة لم يعتدها كثيرون من متابعي السياسة المصرية في السنوات الأخيرة. بنبرة حاسمة وكلمات لا تحتمل التأويل، أعلن أنه “حتى لو نجحت إسرائيل في تطبيع علاقاتها مع جميع الدول العربية، فسيظل السلام العادل والشامل والدائم في الشرق الأوسط مستحيلاً من دون إقامة دولة فلسطينية وفقاً للقانون الدولي”. وفي استدعاء واضح للرئيس الأميركي السابق والمحتمل عودته، وجّه السيسي دعوة مباشرة: “أدعو الرئيس ترامب – كزعيم ملتزم بتعزيز السلام – لبذل كافة الجهود اللازمة وممارسة الضغط الفعال لتحقيق وقف فوري لإطلاق النار في قطاع غزة”.

لم تكن كلمات السيسي مجرد تكرار لمواقف دبلوماسية معتادة، بل جاءت في سياق تصاعد متسارع للتوتر بين مصر وإسرائيل، وفي خضم معادلات إقليمية متغيرة بشكل دراماتيكي. كلمات قد تبدو للوهلة الأولى متّسقة مع الموقف المصري التاريخي، لكنها تعكس في الواقع تناقضات عميقة تعيشها السياسة المصرية في تعاملها مع القضية الفلسطينية وعلاقاتها مع كل من إسرائيل ودول الخليج العربي.

 الغاز الإسرائيلي وصفقة رأس الحكمة

جاء خطاب السيسي فيما كانت مصر تستورد كميات قياسية من الغاز الإسرائيلي، وصلت إلى 981 مليون قدم مكعب يومياً في عام 2024، بزيادة قدرها 18.2 في المئة عن العام السابق8. بل إن سجلات شهر كانون الأول/ ديسمبر وحده شهدت ارتفاعاً غير مسبوق وصل إلى 1.065 مليار قدم مكعب يومياً8. وفوق ذلك، كشفت وزارة البترول المصرية عن خطط لزيادة واردات الغاز من إسرائيل بنسبة 17 في المئة إضافية بداية من كانون الثاني/ يناير 2025، لتصل إلى 1.15 مليار قدم مكعب يومياً.

ليس هذا هو التناقض الوحيد في السياسة المصرية. ففي شباط/ فبراير 2024، وقّعت الحكومة المصرية صفقة استثمارية ضخمة بقيمة 35 مليار دولار مع صندوق الثروة السيادي الإماراتي (ADQ) لتطوير منطقة رأس الحكمة الساحلية على البحر المتوسط. تُعد هذه الصفقة أكبر عملية بيع أراضٍ في تاريخ مصر، إذ تشمل مساحة تبلغ 171 كيلومتراً مربعاً، أو ما يعادل 42 ألف فدان. وفي حين اعتُبرت الصفقة إنقاذاً مالياً للاقتصاد المصري المتعثّر، فإنها أثارت مخاوف جدية حول بيع الأصول المصرية الثمينة لمستثمرين أجانب، وتداعيات ذلك على السيادة الوطنية.

بحسب محللين: “في المدى القصير، قد تخفف [الصفقة] من أزمة العملة الصعبة، لكن على المدى الطويل، سنعود إلى النقطة نفسها بعد عامين في المستقبل، وربما حتى قبل ذلك”. وهنا تبرز المعضلة التي يعيشها النظام المصري: الحاجة الماسة إلى السيولة المالية من جهة، وثمن هذه السيولة من جهة أخرى، سواء كان ذلك الثمن التنازل عن أراضٍ، أو التزام الصمت حيال قضايا حيوية، أو تبني مواقف متناقضة مع المصالح المعلنة.

وفي تطور آخر يكشف تعقيدات المشهد الإقليمي، برز توتر متزايد بين مصر وإسرائيل حول الوجود العسكري المصري في شبه جزيرة سيناء. إذ اتهم مسؤول أمني إسرائيلي رفيع المستوى القاهرة بانتهاك اتفاقية السلام المبرمة عام 1979 من خلال “نشر قوات عسكرية تتجاوز الحصة المسموح بها، وتوسيع أرصفة الموانئ، وتمديد مدارج المطارات”.

وفقاً لمصادر إسرائيلية، يشمل الانتشار العسكري المصري في سيناء 88 كتيبة تضم 42 ألف جندي، بالإضافة إلى ثلاث فرق عسكرية كاملة، و1500 دبابة ومركبة مدرعة، ومشاريع لتطوير  مدارج مطار عسكري وتوسيعها، وتعزيز شبكات الدفاع الجوي والموانئ البحرية. في حين أن اتفاقية السلام الموقعة عام 1978 سمحت فقط بـ 50 كتيبة، تضم 22 ألف جندي.

ردت مصر على هذه الادعاءات من خلال مسؤولين سابقين وخبراء، معتبرةً أن المخاوف الإسرائيلية “غير مبررة”، وأن “إسرائيل تسعى الى تحويل الأنظار عن الوضع في غزة وأزماتها الداخلية”. كما أشار سعيد عكاشة، خبير الشؤون الإسرائيلية في مركز الأهرام للدراسات السياسية، إلى أن “إسرائيل تخشى أن تستعيد مصر قدراتها العسكرية الرادعة.

ليست هذه المرة الأولى التي تتوتر فيها العلاقات بين الجانبين حول الوجود العسكري في سيناء. فبعد هجمات إرهابية في المنطقة بدءاً من عام 2011، وافقت إسرائيل على نشر قوات مصرية إضافية في سيناء، في انتهاك للاتفاقية، لمواجهة التهديد الإرهابي. وفي عام 2015، وضعت مصر وإسرائيل آلية تنسيق للموافقة على النشاط العسكري المصري في سيناء الذي يتجاوز ما اتُّفق عليه في معاهدة السلام – وأُطلق عليها اسم “الأنشطة المتفق عليها”. استندت الموافقة المتجددة التي منحتها إسرائيل إلى تأكيد أن هذه الانتهاكات مؤقتة وقابلة للإلغاء.

غير أن الوضع اليوم يختلف، كما يشير معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، الذي لفت إلى أن “الانتهاكات شملت بناء بنية تحتية، وهو أمر غير قابل للإلغاء، وقد يُفهم على أنه يهدف إلى إقامة وجود الجيش المصري في سيناء مع بناء قدرة هجومية ضد إسرائيل”. وأكد مسؤول أمني إسرائيلي آخر أنه “لن نقبل بهذه الانتهاكات، نحن في مناقشات مع القاهرة والأميركيين… الإدارة الأميركية مسؤولة عن الحفاظ على معاهدة السلام، ومن الضروري تصحيح هذه الانتهاكات وضمان الالتزام الكامل بالاتفاقية. لن نتسامح مع ذلك”.

لكن موقف مصر كان مختلفاً، إذ بررت في أيلول/ سبتمبر 2024 زيادة انتشارها العسكري في سيناء، في أعقاب سيطرة إسرائيل على محور فيلادلفيا، وهو شريط من الأرض بين جنوب غزة ومصر، خلال الهجوم الإسرائيلي على غزة الذي بدأ في تشرين الأول/ أكتوبر 2023.

وبالعودة إلى الدور المصري في أزمة غزة، اتهم الرئيس السيسي إسرائيل خلال كلمته في القمة العربية، “بحملة منهجية لتدمير غزة وإجبار سكانها على الخروج”. وقال: “إسرائيل لم توفر حجراً، ولا طفلاً، ولا شخصاً مسناً… ما يحدث في غزة ليس مجرد حرب – إنها محاولة لجعل المنطقة غير صالحة للسكن وإجبار أهلها على النزوح.

وعلى الرغم من هذه التصريحات القوية، استمرت مصر في زيادة وارداتها من الغاز الإسرائيلي، الذي وصل إلى مستويات غير مسبوقة. كما أن الشركة الإسرائيلية نيوميد إنرجي، التي تمتلك حصة 45.3 في المئة في حقل ليفياثان الغازي، قدمت بالفعل للحكومة المصرية خططاً لمضاعفة الشحنات المحتملة إلى أكثر من ملياري قدم مكعب يومياً بحلول عام 2030. وفي 19 كانون الأول/ ديسمبر 2024، وافقت الحكومة الإسرائيلية على خطط لخط أنابيب ثالث يربط إسرائيل بمصر، بهدف مضاعفة استيراد القاهرة الحالي من تل أبيب؛ أي ما يقارب الـ 10 مليارات متر مكعب سنوياً.

ثمة تناقضات في السياسة المصرية. فمن ناحية، تتبنى مصر خطاباً قوياً ضد الممارسات الإسرائيلية في غزة وتؤكد ضرورة إقامة دولة فلسطينية كشرط للسلام الدائم؛ ومن ناحية أخرى، تعزز العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل وتستورد كميات قياسية من الغاز الإسرائيلي، وتبيع أراضيها السيادية لصناديق الثروة الخليجية.

هذا الموقف للنظام المصري ليس وليد اللحظة، بل هو نتيجة تراكمات سنوات من السياسات التي أعطت الأولوية للاستقرار الاقتصادي والمصالح الأمنية الضيقة، على حساب ثوابت السياسة المصرية التاريخية. وبدلاً من تبني استراتيجية متماسكة، اختار النظام المصري “المشي على الحبال المشدودة” بين مختلف المتناقضات، وهو نهج أثبت هشاشته مع تسارع الأحداث وتعقّد المشهد الإقليمي.

مخاوف متبادلة وتوازنات دقيقة: سيناء بين اتفاقية السلام والتهديدات الإقليمية

ولعلّ من المثير للاهتمام أن خبراء عسكريين إسرائيليين قد تنبأوا بإمكانية نشوب حرب جديدة بين إسرائيل ومصر، على الرغم من معاهدة السلام. ففي ورقة بحثية نُشرت عام 2014 بعنوان “الحرب القادمة بين إسرائيل ومصر: دراسة حرب عالية الكثافة بين اثنين من أقوى الجيوش في الشرق الأوسط“، درس الباحثون سيناريو المواجهة العسكرية المحتملة. وفي دراسة أخرى بعنوان “المقامرة الضائعة: الحرب الثالثة بين إسرائيل ومصر، أسبابها ودروسها، تناول الباحثون الظروف التي قد تؤدي إلى مواجهة جديدة.

انتشار القوات المصرية في سيناء يثير اليوم قلقاً متزايداً لدى إسرائيل، التي تطالب بسحب البنية التحتية العسكرية من هناك، وتعتبر وجودها انتهاكاً لاتفاقية السلام. وبحسب وسائل إعلام عبرية، تمارس الحكومة الإسرائيلية ضغوطاً عبر قنوات دبلوماسية وأمنية، بما في ذلك واشنطن، للتوصل إلى اتفاق رسمي حول هذه القضية.

في المقابل، يرى خبراء مصريون أن الهدف من وراء هذه الضغوط الإسرائيلية هو الضغط على مصر لاستيعاب اللاجئين الفلسطينيين في سيناء، وهو ما ترفضه القاهرة بشدة. وقال أحمد فؤاد أنور، أستاذ الدراسات العبرية بجامعة الإسكندرية، إن “تل أبيب تسعى الى الضغط على مصر لاستيعاب اللاجئين الفلسطينيين في سيناء”.

ولعل لهذه المخاوف المصرية ما يبررها، بخاصة في ضوء معلومات نُشرت حول أن الرئيس السيسي ذكّر، في قمة القاهرة الطارئة التي عُقدت في آذار/ مارس 2025، بأن الدول العربية أكدت رفضها التهجير القسري، وأقرت خطة إعادة إعمار غزة. وأضاف أن مصر تخطط لاستضافة مؤتمر دولي حول التعافي المبكر لغزة بمجرد انتهاء الأعمال العدائية.

اقتصادياً، تبدو مصر في وضع صعب للغاية. فمن ناحية، وقعت اتفاقيات قروض ومساعدات مع صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي، إلى جانب صفقة رأس الحكمة مع الإمارات، بإجمالي تعهدات وصلت إلى أكثر من 50 مليار دولار لنظام السيسي الذي يعاني من نقص السيولة. ومن ناحية أخرى، شهدت مصر تراجعاً حاداً في إنتاج الغاز المحلي، بنسبة 20-25 في المئة على مدى العامين الماضيين، ما دفع القاهرة إلى زيادة الاعتماد على الغاز الإسرائيلي لتلبية احتياجاتها المحلية، في موازاة تصريحات تنتقد تل أبيب بشدة.

هذه المعادلة المعقدة جعلت موقف مصر أكثر حرجاً، بخاصة مع استمرار الأزمة في غزة. فبينما تتوسط مصر، جنباً إلى جنب مع قطر والولايات المتحدة، للتوصل إلى هدنة دائمة، أدى إلى الإفراج عن رهينة أميركية-إسرائيلية مزدوجة الجنسية، عيدن ألكسندر، لكن التقدم على نطاق أوسع لا يزال بعيد المنال.

مصر على حبال التناقضات

استناداً إلى المعلومات المتاحة، يبدو أن مصر تسعى إلى إعادة تأكيد دورها الإقليمي التاريخي، مع الحفاظ على علاقات اقتصادية ضرورية مع إسرائيل ودول الخليج. غير أن هذه المعادلة الصعبة قد لا تكون مستدامة على المدى الطويل، بخاصة مع تزايد التوترات وتسارع الأحداث الإقليمية.

تصريحات الرئيس السيسي الأخيرة بشأن استحالة تحقيق السلام من من دون إقامة دولة فلسطينية، حتى مع تطبيع كل الدول العربية مع إسرائيل، يمكن قراءتها على أنها محاولة لإعادة التوازن إلى السياسة المصرية، وربما أيضاً كرسالة إلى الإدارة الأميركية بقيادة ترامب، الذي لعب دوراً في إبرام هدنة مؤقتة في كانون الثاني/ يناير، على الرغم من أن السيسي أشار إلى أن “العدوان الإسرائيلي المتجدد أفسد سريعاً الاتفاق”.

وسط هذه التناقضات والتوترات، تبرز تساؤلات حقيقية حول مستقبل الدور المصري في المنطقة، وحدود قدرة القاهرة على الموازنة بين مصالحها الاقتصادية الملحّة وبين التزاماتها التاريخية تجاه القضية الفلسطينية. كما أن التوتر المتزايد مع إسرائيل حول الوجود العسكري في سيناء يفتح الباب أمام سيناريوهات مستقبلية غير مستبعدة، بخاصة مع تصاعد لهجة كل من القاهرة وتل أبيب.

تحوّلت مصر، التي كانت يوماً ما القوة العربية المهيمنة، إلى دولة تناور بين مختلف القوى الإقليمية والدولية، وتتخبط بين ضغوط اقتصادية قاسية ومطالب سياسية متناقضة. صورة مصر اليوم هي صورة دولة تحاول المشي على حبال مشدودة بين مختلف الأطراف، وفي مواجهة رياح عاتية من كل الاتجاهات. وفي خضم هذه المعادلة الصعبة، تبقى الأسئلة الكبرى: إلى متى ستتمكن مصر من الاستمرار في هذا التوازن الهش؟ وأي مسار ستسلكه القاهرة عندما تصبح الخيارات أكثر إلحاحاً وتتطلب مواقف أكثر وضوحاً وحسماً؟

صفقة رأس الحكمة مع الإمارات، والتي تعد أكبر صفقة بيع أراضٍ في تاريخ مصر، تعكس بوضوح المأزق الاقتصادي الذي وقع فيه النظام المصري. فعلى الرغم من أن الصفقة جلبت 35 مليار دولار من النقد الأجنبي الذي تشتد الحاجة إليه، إلا أنها أثارت تساؤلات جدية حول السيادة والأصول الثقافية المصرية التي يتم بيعها للمستثمرين الخارجيين، معظمهم من الخليج.

يصف ياسر الششتاوي صفقة رأس الحكمة بأنها جزء من “نمط أوسع بكثير من بيع الأصول الثقافية المصرية الثمينة – تراثها – للمستثمرين الخارجيين، معظمهم من الخليج”، مشيراً إلى أن “السلطات المصرية المتلهفة لإبرام هذه الصفقات تتجاهل تكاليفها الأخرى، من التهجير القسري للمجتمعات المحلية والتأثيرات البيئية المختلفة إلى تكثيف عدم المساواة، وتوسيع الفجوة بين أغنياء مصر وفقرائها”.

وفي حين أن رأس الحكمة هو ببساطة عقار ساحلي غير مستغل، ومن المقرر أن يتحول إلى تطوير على غرار دبي، فإن الكثير من المبيعات الأخرى تشمل التراث الحضري والمعماري لمصر، بما في ذلك المقر السابق للحزب الوطني الديمقراطي المواجه لميدان التحرير بالقاهرة، ومجمع المجمّع المجاور، وهو مركز سيئ السمعة لبيروقراطية المدينة وأيقونة معمارية حداثية.

ويبدو أن هذه الصفقة تعكس نمطاً متكرراً في السياسة المصرية الحالية: الاستجابة للأزمات الاقتصادية الملحّة من خلال حلول قصيرة المدى، من دون معالجة الأسباب الهيكلية الكامنة وراء هذه الأزمات. 

ويلفت الششتاوي النظر كيف تحوّل موقف النظام المصري من إسرائيل منذ تولّيه السلطة. فبعدم كان يُنظر إليه في البداية على أنه حليف مقرّب لإسرائيل، وساعٍ للتطبيع بقوة، يجد نفسه اليوم في خضم توتر متصاعد مع تل أبيب، بخاصة حول الوجود العسكري في سيناء، الذي تصفه إسرائيل بـ”الانتهاك الخطير لملحق الأمن من اتفاقية السلام بين البلدين”.

وفي خطابه أمام القمة العربية، تناول الرئيس السيسي “مجموعة من الأزمات الإقليمية – من تفتيت السودان وإعادة إعمار سوريا إلى سيادة لبنان والجمود السياسي في ليبيا”، ودعا إلى “عمل عربي موحد لمنع التدخل الأجنبي، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ودعم جهود المصالحة الوطنية”. وهو ما يعكس محاولة مصر للعب دور إقليمي أوسع، واستعادة مكانتها كقوة رئيسية في المنطقة.

لكن هذا الدور الإقليمي الطموح يواجه تحديات هائلة، أبرزها الوضع الاقتصادي المتردي في مصر، والذي يجبر القاهرة على اتخاذ قرارات صعبة وإبرام صفقات مثيرة للجدل، مثل صفقة رأس الحكمة مع الإمارات. كما أن زيادة الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، في ظل تراجع الإنتاج المحلي، يضع مصر في موقف ضعف تفاوضي مع إسرائيل، ويجعل من الصعب عليها اتخاذ مواقف أكثر حسماً في القضايا الإقليمية.

وفي ظل هذه المعادلة الصعبة، يبقى السؤال المحوري: هل ستتمكن مصر من تحقيق التوازن المطلوب بين مصالحها الاقتصادية ومواقفها السياسية، وبين علاقاتها مع مختلف الأطراف الإقليمية؟ وإلى أي مدى ستكون قادرة على تحمّل الضغوط المتزايدة من جميع الاتجاهات؟

الإجابة عن هذه الأسئلة ستتضح في الأشهر والسنوات المقبلة، لكن ما هو واضح الآن هو أن مصر تمر بمرحلة دقيقة للغاية، تتطلب موازنة حذرة بين مختلف المصالح والضغوط، في سياق إقليمي متقلب ومتسارع الأحداث. وفي غياب استراتيجية واضحة ومتماسكة، قد تجد مصر نفسها عالقة في متاهة من التناقضات والتحديات التي يصعب التغلب عليها.