في مصر، تبدو التشريعات المتعلقة بالسكن أشبه بإعلان حربٍ اجتماعية، تتجاوز بُعدها القانوني لتعبّر عن منطق طبقي يرسخ ويُعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، والمجتمع وبعضه البعض من نقطة واحدة “مَن المالك؟”.
في كل مرة تخرج فيها الدولة بتشريع يمسّ العلاقة بين المالك والمستأجر، سواء في شأن الأرض الزراعية أو في الوحدات السكنية، فإنها لا تعيد تنظيم العلاقة التعاقدية بين طرفين، بل تُعيد ترسيم الحدود الطبقية في خريطة المجتمع بخطوطٍ سميكة، وتركيب فسيفساء المجتمع بعد بعثرتها يُمنةً ويسرة، وترتيب من يستحق البقاء ومن سيُزاح بهدوء ليلقى مصيره المجهول من دون ضجيج، كما تأمل الدولة على الأقل.
يُحتفى الآن رسميًا بـ”إصلاح” قانون الإيجارات في المدن، أو تحرير العقود بين المالك والمستأجر، هذا يعني عمليًا فك الكمامة عن فم السوق الذي سيثب على المستأجرين القدامى بأسعار لن يتمكنوا في غالبيتهم الساحقة من مجاراتها.
من الريف الى المدينة: تكرار المسار
يُمكن سماع صدىً بعيد ومَرير لنتائج هذا الإصلاح ذاته في عمق الريف المصري، حيث سبق هذا القانون في الريف نظيره في المدن منذ ما يزيد عن ثلاثة عقود، وتحديدًا مع صدور القانون 96 لسنة 1992، الشهير بقانون “تحرير العلاقة بين المالك والمستأجر الزراعي”، هذا القانون الذي كان المولود الرسمي لما عُرف بالتحرير الاقتصادي والتكيف الهيكلي عقب اتفاق مصر مع المؤسسات المالية الدولية في بداية التسعينات، وعلى رأسها صندوق النقد والبنك الدولي.
تذكر باحثة الأنثروبولوجيا الاجتماعية ريم سعد أثناء تقديمها دراسة “محو آثار الإصلاح الزراعي والازدراء الاجتماعي للمستأجرين الزراعيين” لصقر النور، الباحث في علم الاجتماع، أن صدور هذا القانون لم يكن حتى بضغط من الصندوق بقدر ما كان ضغوطًا من مُلّاكٍ قدامى لأراضٍ أرادوا استعادتها عبر مجلس الشعب الذي كان مليئًا بالمُلّاك فيما لم يكن فيه مستأجراً واحداً.
حضر الجميع وغُيّب الفلاح
تذكر الدراسة نفسها أن اللجنة التي ناقشت صيغته النهائية استمعت وحاورت الجميع، عدا صاحب الشأن الأول، الفلاح ذاته، إذ استمعت إلى جمعية رجال الأعمال، نقابة الاجتماعيين، وأحزاب مثل الوفد الجديد والأحرار والحزب الوطني بالطبع بجانب الأحزاب التي عارضت القانون كالناصري والتجمع، بينما لم يكن هناك وجود لصغار الفلاحين خلال تلك المناقشات، ولا حتى ضمن تكوين اللجنة، والتي كانت مشتركة بين لجنة الزراعة والري ومكتب لجنة الشؤون الدستورية والقانونية.
اليوم تتكرر المشهدية السياسية والاجتماعية مع قانون تحرير الإيجارات القديمة في المدن، حيث تُعاد صياغة العلاقة الإيجارية على نحوٍ أحادي، يختفي فيه أصحاب المصلحة الأساسيين من الصورة وهم من سيتعرضون للتشرد إن دخل القانون حيز التنفيذ، ويُفسَح المجال واسعًا لنخب عقارية ومالية على صلة وثيقة بالسلطة الحاكمة وأجهزة الدولة.
في كلَي الحالتين، صورت الحكومة القوانين باعتبارها “إصلاحًا تشريعيًا” ضروريًا لتصحيح ما سمته ertetretrert تشوهًا في السوق وظلم لأصحاب الأملاك، بينما الحقيقة أن ما حصل هو انحياز طبقي صارخ لمصالح الفئات المالكة على حساب المستضعفين: المستأجر الزراعي بالأمس، وساكن الإيجار القديم اليوم.
وكما استُبعد الفلاح الصغير من مشهد النقاش حول قانونه المصيري، وتم تجاهله تمامًا لصالح صوت المُلّاك وأذرعهم من رجال أعمال ونقابات مهنية غير معنية بالأرض ولا الزراعة، نلاحظ اليوم تغييبًا مشابهًا للمستأجرين الحضريين في قانون الإيجارات القديمة، لم تُدعَ أي من الروابط أو المجموعات التي تمثّل سكان تلك العقارات للنقاش، وهذا أيضًا غير مفاجئ في ظل الطريقة التي تحكم بها الأجهزة الأمنية مصر.
القضاء يدعم انحياز السلطة
بالعودة الى التسعينات وكعادة الدولة المصرية في التسويق لقوانينها، سُخرت أجهزة الإعلام والصحف الحكومية والمؤسسات الدينية، وانطلقت حملات دعائية وفتاوى دينية لصالح القانون والمُلاك وضد المستأجرين، كأنما اكتشف رجال الدين فجأة حرمانية قانون الإصلاح الزراعي بعد أربعين عام.
ودخلت المؤسسة القضائية على الخط، ففي إحدى فقرات القانون -مادته الرابعة بالتحديد – والتي سعت لإبقاء المستأجرين من صغار الفلاحين بعيدًا عن التشريد حيث اشترطت أن تتكفل الدولة بتدبير مسكن بأجرة مناسبة للمستأجر قبل إخلائه للمسكن المُلحَق بالأرض، قد حكمت المحكمة الدستورية العليا أعلى المحاكم في مصر بعدم دستوريتها لاحقًا عام 2017، وهي المحكمة التي يتولى رئيسها السابق حاليًا رئاسة مجلس الشيوخ الحالي.
هذه المرة أيضًا تتعهد الحكومة في المادة الثامنة من القانون الجديد بمنح أحقية للمستأجرين في مشاريعها المختلفة، بدايةً من الإسكان الاجتماعي إلى السكن الفاخر استئجارًا أو شراءًا مقابل التعهد بإخلاء الوحدات السكنية. لكن بغض النظر عن مدى شبه استحالة ذلك وسط الانفلات غير المسبوق في أسعار الوحدات السكنية استئجارًا أو شراءًا، ونفض الدولة يدها عن الحماية الاجتماعية وعن ضبط السوق، فليس هناك ما يمنع يد الدولة القضائية من إلغاء تلك المادة وشطبها من القانون الجديد كذلك.

تفكّك الزراعة وعودة الإقطاع بوجه حديث
مع نهاية الفترة الانتقالية في 1997 ودخول القانون حيز التنفيذ الكامل، أصبح من حق المالك أن يطرد المستأجر أو يفرض عليه إيجارًا مرتفعًا وفق شروط السوق من دون أي قيود، وتم ذلك في صمت رسمي، ونقابي أيضًا، وسط تجاهل شبه تام لحجم الكارثة الاجتماعية والاقتصادية التي كان المجتمع الريفي مقبلًا عليها. مئات الآلاف من الأسر الريفية فقدت أراضيها، أو أصبحت مجبرة على العمل بالأجر في أراضٍ كانت هي التي تزرعها من الألف الى الياء حتى الأمس القريب، ما أدى الى تفكك الحيازة الزراعية الصغيرة، وزيادة التبعية لطبقة جديدة من المستثمرين الزراعيين الذين دخلوا المجال مدعومين بالتسهيلات والقوانين.
وكان ذلك مجرد مقدمة تدهور نموذج الزراعة العائلية، إذ تفككت العلاقة شيئًا فشيئًا بين الأرض والفلاح، وكان من أولى تبعاتها أن بدأت الزراعة تتجه بالتدريج نحو زراعة الموسم الزراعي القصير ذي المحاصيل سريعة النمو، وهي الخضر والفواكه غالبًا على حساب المحاصيل الغذائية الأساسية، فلم يعد الفلاح يشعر بذلك الارتباط بالأرض وقد ضاقت عليه وعلى عائلته، وظهرت موجات من الهجرة الريفية الداخلية نحو المدن، بحثًا عن فرص العمل التي لم تعد الأرض توفّرها.
تحولت القرى من فضاءات إنتاج وعيش مستقل على رغم فقرها، إلى مجرد خزانات للعمالة الهشة، الموسمية وغير المنتظمة، وزادت عمالة الأطفال والفتيات في المواسم الزراعية، بخاصةً مع موجة الاستصلاح في الأراضي الصحراوية خارج البيئة الريفية المعتادة للفلاحين، حيث تُخصص تلك المساحات عادةً لزراعة المحاصيل التصديرية كالموالح والفراولة والغريب فروت، والعنب.
محصول مألوف لكنه طعام غير مألوف
في مأساة مصرع فتيات كفر السنابسة أثناء عودتهن من العمل في قطف العنب لدى إحدى المزارع التصديرية، نتيجة غير مباشرة لهذا القانون، وتتجسد مفارقة تشبه تمامًا ما يحدث على الجانب الآخر من العالم في مزارع الأفوكادو في أميركا اللاتينية، حيث يُنتج غذاء عالي القيمة من عرق الفقراء ولا يصل يومًا إلى موائدهم.
هؤلاء الفتيات كن يعملن في أرضٍ لا يملكنها، ويقطفن محصولًا لا يأكلنه، ويُصدّر إلى أسواقٍ بعيدة لا يعرفنها، بينما يعانين هن من سوء التغذية ويعملن مقابل يومية لا تتجاوز الـ200 جنيه، تُحسم منها نسبة مقاول الأنفار وأجرة المواصلات التي تكون صفرًا في غالبية الأوقات. فتنتهي بأجرة لا تتجاوز الـ 130 جنيه لليوم كاملًا، تبذل كل منهن صحتها وطاقتها طيلة اليوم من دون مبالغة مقابل أقل من 3 دولارات في يوم العمل، مثل مزارعي بويبلا أو ميتشواكان في المكسيك، يزرعون أفوكادو فاخراً يذهب للأثرياء في الولايات المتحدة وأوروبا، بينما يواجهون هم سوء التغذية ومياهًا ملوثة وأجوراً شديدة الإجحاف.
الرابط بين المشهدين ليس نوع المحصول، بل نمط الإنتاج القائم على انتزاع القيمة من الأجساد العاملة، واستنزاف قوتها وقوّتها لصالح أسواق لا تعنيها معاناتهم ولا حياتهم، بل لا تعرف بوجودهم من الأساس. في الحالتين، يصبح الطعام سلعة عابرة للقارات، تُنتج بجهود من لا يأكلون، وتُستهلك بعيدًا عن الأرض التي أنبتتها.
القوانين كخرائط للسُلطة لا للعدالة
كذلك، لا تبدو الحكاية مجرد تشابه قانوني بين الارتداد على قانون الإصلاح الزراعي في الريف بالأمس والإيجار القديم في المدينة اليوم، أو تقاطع بين الفلاح المطرود والمستأجِر المهدَّد بالطرد، بل تبدو أكثر شبهًا بخريطة طبقية يُعاد رسمها بتشريعات رسمية، وخطاب ومنطق لا يُلقي بالًا لمن يُنتج ولا لمن يسكن، بل فقط لمن يملك. ما حدث في الريف المصري مع قانون 96 لسنة 1992، وما يحدث اليوم مع قانون تحرير الإيجارات القديمة، ليسا واقعتين منفصلتين، بل هما تجلٍّ للعقلية ذاتها التي تُسقط الحماية عن الفئات الأضعف وتُعيد توزيع الموارد لصالح من يملكون رأس المال، لا من يصنعون القيمة.
من يزرع لا يأكل
فتيات كفر السنابسة، اللواتي عملن في أرضٍ لا نصيب لهن من ثمرها، يتجاوز مصرعهن كونه مأساة محلية، ويكشف عن بنية أعمق بكثير من الإجحاف الاجتماعي. كما أن زراعة العنب للتصدير وسط قرى لا تكاد تجد قوتها، تشبه زراعة الأفوكادو في أميركا اللاتينية حيث لا يتذوقه من زرعه. هذه ليست مفارقات بقدر ما هي أنظمة إنتاج تُبنى على الانقسام: من يزرع لا يأكل، ومن يعمل لا يأمن، وفي ظل تغييب لرؤية عادلة تعيد الاعتبار الى الفئات التي صنعت بقاء هذا المجتمع بأيديها، ستظل هذه القوانين تساوي إعلان الحرب في تأثيرها، تعمّق الفجوة ولا تقربها.
إقرأوا أيضاً:









