fbpx

مصر دولة ديون: هل إفقار المصريين هو الحلّ لأزمة التضخم؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تواجه مصر أزمة مالية مشابهة لما حصل في التسعينات، لكن خطة صندوق النقد الدولي الحاليّة لن تنقذ الاقتصاد إلا بإفقار المواطنين والتخلّي عن أصول الدولة الاقتصاديّة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

يبدو أن الجنيه المصري يواصل تراجعه، فالدولار الواحد بات يعادل 32 جنيهاً بعد يومين من تصريحات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مؤتمر التحالف للعمل الأهلي والتنموي حول الأزمة الاقتصادية في مصر، التي لخّصها بعبارة “بطلوا هري بقى” مع ابتسامة واسعة وتصفيق من الحضور قبل ليلة واحدة من إعلان نتيجة المفاوضات بين بعثة “صندوق النقد الدولي” والحكومة المصرية.

 أسفرت المفاوضات التي لم يعرف المصريون ما حصل فيها إلا من خلال بيان الصندوق، عن موافقة مصر على شروط الصندوق، بهدف إتمام حصولها على 3 مليارات دولار خلال 4 سنوات، كما تحدث البيان علناً عن اختلالات هيكلية في الاقتصاد المصري يجب تصحيحها، فما قصة هذه الاختلالات؟

تباعد كبير بين الصندوق والحكومة

أرجع صندوق النقد مشكلة السياسات الاقتصادية المصرية الى عدم مرونة سعر صرف الجنيه، “ما أدى إلى تراكم الاختلالات، وبالتالي تراجع الأصول بالنقد الأجنبي لدى البنك المركزي والبنوك التجارية”، كان هذا قبل الحرب الأوكرانية، ولُخص الحل حينها بإرساء سعر صرف مرن.

تغيرت نظرة الصندوق الى الاختلالات اليوم، إذ رفض تذرع الحكومة المصرية بالحرب الأوكرانيّة التي كشفت الاختلالات المتراكمة، وبلورت ضغوطاً موجودة مسبقاً، من أهمها “الاعتماد الكبير على استثمارات الأجانب في أدوات الدين المصري لتمويل مشروعات حكومية”، واعتماد مصر على روسيا وأوكرانيا في السياحة وواردات القمح.

قطع صندوق النقد الطريق أمام تبريرات الحكومة المصرية، وأكد أن الاقتصاد المصري يعاني من اختلالات هيكلية سابقة على ما تشهده أوروبا حالياً، وألزم الصندوق الحكومة المصرية بإبطاء الإنفاق على المشاريع العامة للحد من الضغط على سوق الصرف الأجنبي وخفض معدل التضخم. 

وأعلن الرئيس السيسي مسبقاً أن المشروعات الضخمة لن تتأثر بالأزمة الاقتصادية، وقررت حكومته تأجيل تنفيذ المشروعات الجديدة  التي لم يبدأ تنفيذها، والتي تؤدي دوراً واضحاً في تقلبات الدولار. هدف  التأجيل ترشيد الإنفاق العام، ما يتركنا أمام سؤال لمن السيادة في القرار الاقتصادي المصري؟

اشترط الصندوق الحصول على موافقة وزارة المالية لصرف المكون الأجنبي للمشاريع بعد التنسيق مع البنك المركزي و “الجهات المعنية” (في إشارة غير معلنة إلى بعثة الصندوق للسياسات الاقتصادية المصرية)، وتأجيل الصرف على أي احتياجات لا تحمل طابع الضرورة القصوى، وترشيد جميع أعمال السفر خارج البلاد.

هنا نحن أمام سؤالين، هل سبب اختلالات الاقتصاد المصري هو اندلاع حرب في شرق أوروبا  (وفق الرواية المصرية؟)، أم الاعتماد على القروض في تمويل مشروعات عقارية في الصحراء (وفق رواية الصندوق)؟

فشل الاقتصاد المصري طوال عهد الرئيس السيسي (2014 وحتى الآن) في أن يصبح إنتاجياً، وفشل النظام السياسي في ابتكار نمو يقوده التصدير، واعتمد على الثروة الريعية المتمثلة في قناة السويس والخدمات وتحويلات العاملين في الخارج.

وبسبب الفشل المتكرر، ظلت بنية الاقتصاد تقوم على الاستهلاك وحده، الذي تحول إلى أحد الدوافع الرئيسة للنمو في بلاد لا تنتج كل ما تحتاجه، إذ بلغت الواردات المصرية غير البترولية خلال الفترة (كانون الثاني/يناير – كانون الأول/ديسمبر) 2021 نحو 76.798 مليار دولار، بينما بلغت قيمة الصادرات المصرية غير البترولية خلال الفترة نفسها نحو 32.342 مليار دولار، ما أدى الى عجز الميزان التجاري!.

يبدو أن الجنيه المصري يواصل تراجعه، فالدولار الواحد بات يعادل 32 جنيهاً بعد يومين من تصريحات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مؤتمر التحالف للعمل الأهلي والتنموي حول الأزمة الاقتصادية في مصر.

تعد مصر متأخرةً  للغاية في ما يخص معدلات الادخار، فنظراً الى الطابع الريعي لاقتصاد البلاد، الذي تغذيه تحويلات العاملين في الخارج، أصبح الاقتصاد خاملاً واستهلاكياً، إذ تُغري الأموال الآتية من الخارج البعض، وتدفعهم الى تبني أنماط حياة مكلفة من دون تحويل هذا الدخل إلى أصل إنتاجي، كما  اعتاد المصريون في الخارج على ضخّ تحويلاتهم في سوق العقارات التي لا تنتج شيئاً.

وعوضاً عن تحديث القطاع الصناعي سواء عبر الاقتراض أو حشد إمكانات المصريين ومواردهم(مثلما فعلت في حفر قناة السويس الجديدة)، استدانت السلطة نحو 130 مليار دولار، أُنفقت على تمويل العجز التجاري والمشروعات العاقر في الصحراء، أملاً بأن يشتري المصريون في الخارج هذه العقارات بالعملة الصعبة. وهنا اقترفت السلطة خطأ أكبر، يتمثّل في الاعتماد على “الهوت موني” لتمويل تلك المشروعات، الأسلوب الذي تدفع البلاد ثمنه مضاعفاً. 

الهوت موني وسماسرة القروض

دفع ضعف الإيرادات بالدولار الدولة الى الاعتماد على التمويل من البنوك المحلية، ما ضاعف نسبة الإنفاق على الدين، فوجدت نفسها مضطرةً لرفع معدل الفائدة لتعويض الدائنين، ما أدخل البلاد في فخ آخر.

اجتذبت أسعار الفائدة العالية منذ 2016 مستثمري الديون الأجانب، الذين استغلوا انخفاض نسبة الفائدة الشديد لدى الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، فاقترضوا من البنوك الأميركية بفائدة تترواح بين صفر و0,25 في المئة، وأقرضوا الحكومة المصرية بفائدة وصلت إلى 13.25 في المئة عام 2020 حين سادت جائحة كورونا.

شهد العام التالي على كورونا، أي 2021، ووفق الباحث الاقتصادي محمد رمضان، كانت الحكومة المصرية تمنح فائدة بنسبة 22 في المئة سنوياً للمستثمرين الأجانب في السندات المقوّمة بالجنيه، أي ثلاثة أضعاف معدل الأسواق الناشئة (كانت معدلات النمو حينها  7 في المئة تقريباً).

تدفقت الدولارات على مصر مجدداً، واستُثمرت الكتلة المتقلبة من الدولار في المشروعات العقارية، لكن بمجرد رفع البنك الفيدرالي الأميركي سعر الفائدة إثر الحرب الأوكرانية في 2022، هربت الأموال (الساخنة) تاركةً البلاد تلملم ما مُنيت به من خسارة.

خسرت مصر في شكل مضاعف، بسبب نسبة الفائدة المرتفعة لمنافسة الدول النامية على اجتذاب الدولارات الجديدة، والنقص المفاجئ إثر سحب 20 مليار دولار من القروض قصيرة الأجل، ما تسبب، مع جملة عوامل أخرى، في الأزمة الاقتصادية التي نشهدها الآن. وحقق المستثمرون أرباحاً طائلة في المرتين، أرباحاً يسدِّد فاتورتها المواطنون المصريون الذين تآكلت رواتبهم ومدخراتهم.

صندوق النقد بمواجهة احتكار الجيش للاستثمار

يقول الباحث الاقتصادي مجدي عبد الهادي لـ”درج”، أن صندوق النقد الدولي معني بالتوازنات الكليّة، لا بالتوازنات الحقيقية، فالأولى تتعلق بالمؤشرات المالية والنقدية وما شابه، بينما ترتبط الثانية بهياكل الاقتصاد. ويشير إلى أن الارتباط بين الاثنين لا يعني تطابقهما، إذ يصحّ مثلاً أن تكون التوازنات الكليّة جيدة جداً لأسباب عرضيّة، كما حدث خلال فترات معتبرة من عهد مبارك، بينما تتعمق الاختلالات الهيكلية بسبب تراكم المديونية المستمر، الأمر الذي أدى إلى ملازمة التضخم للاقتصاد المصري، والتهديد بانفجار السوق أمام أول أزمة.

ويتساءل عبد الهادي حول تحجّج الحكومة المصرية بكورونا وأوكرانيا، وتجاهلها  أسباب هشاشة الاقتصاد المصري إلى حد يجعله عرضة للتأثر بشدة بأي أزمة عالميّة مقارنة مع اقتصاد الدول الأخرى التي تمتلك حجم الاقتصاد ذاته؟.

يتقاطع سؤال عبد الهادي مع قضية أكبر، لماذا عجز النظام السياسي عن إقامة أي نموذج تنموي، بما في ذلك النموذج النيوليبرالي الذي يدافع عنه صندوق النقد؟ إذ اتبعت مصر برنامج صندوق النقد منذ 2016 حتى نهاية 2022، لكنها لم تسع إلى تغيير هيكل الصادرات والإفادة منه عبر التصنيع أو تطوير التكنولوجيا أو حتى رفع معدل الاستثمار أو إنشاء اقتصاد سوق ذات كفاءة. وشهدت التسعينات عمليات خصخصة كثيرة لمصلحة القوات المسلحة بعد 2011، فتعمّق التشوه الاقتصادي أكثر فأكثر في بلدٍ لا يعتمد على النفط ولا يحتمل اقتصاده شبكات مصالح متنافسة.

قررت النخبة العسكرية القائدة أن تكون اللاعب الأساسي في الاقتصاد، فبيدها أدوات توزيع المنافع والموارد، لكنها لم تسع إلى بناء نموذج تنموي فعال، ولم تحفّز قطاع الأعمال الرسمي والقطاع الخاص لدعم تنافسية الاقتصاد المصري وتعزيز صلابته ورفده بالكفاءات عبر الاستثمار في البنية الأساسية المادية والموارد البشرية، بل انخرطت في ممارسات تحوم حولها شبهات احتكارية أثرت سلباً في مجمل النشاط الاقتصادي.

مصر الآن دولة ديون، وتواجه أزمة اقتصاديّة تضاف إلى الأزمة السياسية الدائمة المتعلقة بانعدام شرعية النظام، ما فتح شهية البلدان النفطية المجاورة لأخذ حصة الأسد من ملكية الشعب، فأضيف لوبي مصالح خليجي إلى الشبكات المحلية المتنافسة.

قرر صندوق النقد أن تعتمد مصر على حشد تدفقات نقدية من شركائها الأجانب لسد الفجوة التمويلية المتبقية التي تقدر بحوالى 5.04 مليار دولار حتى نهاية حزيران/يونيو المقبل فقط، وفرض على البلاد أن تبيع أصولاً بقيمة 2 مليار دولار قبل نهاية حزيران 2023، وأصولاً بقيمة 4.6 مليار دولار في العام المالي المقبل (حزيران 2023 – حزيران 2024) ، يتبعها بيع أصول بقيمة 1.8 مليار دولار في 2024-2025.

وأعطى الصندوق أفضلية البيع إلى دول الخليج التي سبق وقادت موجة شرائية في السوق المصرية أسفرت عن تعزيز الدور الخليجي في الاقتصاد المصري.  فحصلت آنذاك على نحو 66 صفقة شراء في مصر خلال عام 2022 (منها 40 صفقة لمصلحة السعودية والإمارات) ضمن قطاعات الخدمات المصرفية والمالية، والصناعة والطاقة والاتصالات، لتستحوذ على أكثر المؤسسات ربحاً في البورصة المصرية.

وأسفرت المفاوضات مع الصندوق عن موافقة مصر على تحرير سعر الوقود والغاز الطبيعي وبيعهما بالأسعار العالمية وفرض ضرائب إضافية عليهما، ما زاد كلفة الإنتاج الصناعي والأعباء على المواطنين ككل.

أضرّ اتباع تعليمات صندوق النقد بنشاط الاقتصاد المصري، في ظل التخفيض المتكرر لسعر الصرف، وتدني مستوى الربح عن مستويات الفائدة، وارتفاع معدل التضخم السنوي ليبلغ قرابة 22 في المئة وفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء، ما أفقد المستثمرين الثقة في اقتصاد البلاد وأضعف أكثر فأكثر قدرة المواطنين الشرائية.

وأعلن صندوق النقد أن  هدفه الحدّ من دور الدولة في الاقتصاد، منوهاً بمن أسماهم “أصحاب المصالح الخاصة”، الذين تنضوي تحت لوائهم شركات القطاع العام وشركات قطاع الأعمال العام والشركات المملوكة للجيش، لكن الأخيرة هي الهدف رقم واحد للصندوق.

ويتوقع  عبد الهادي أن تؤدي الإجراءات التي وافقت عليها الحكومة، إلى تحسُّن موقت للمؤشرات المالية والتجارية والنقدية، لكن لن يتضح أثرها إلا بعد إنهاء الحكومة مشروعها التقشفي الانكماشي، وتخفيضها متوسط الدخل القومي ومستوى المعيشة إلى مستويات تتعادل فيها واردات مصر مع صادراتها، أي إفقار حتمي ونقل ملكية الأصول الوطنية. علماً أن مصر شهدت في التسعينات الأزمة نفسها، لكن الإجراءات التي تُتبع حالياً لن تُغيّر النموذج الاقتصادي ولن تحلّ مشكلة الاختلالات الهيكلية التي يتم التحدث عنها.

فداء زياد - كاتبة فلسطينية من غزة | 14.06.2024

عن تخمة الشعور واختبارات النجاة في غزة

ليلة اقتحام رفح، كانت حيلتي أن أستعير أقدام الطبيبة أميرة العسولي، المرأة الطبيبة التي جازفت بحياتها لتنقذ حياة مصاب، فترة حصار الجيش الإسرائيلي مستشفى ناصر في خانيونس، كي أحاول إنقاذ أخي وعائلته وأختي وأبنائها المقيمين في الجهة المقابلة لنا، لأنهم كانوا أكثر قرباً من الخطر.
12.01.2023
زمن القراءة: 7 minutes

تواجه مصر أزمة مالية مشابهة لما حصل في التسعينات، لكن خطة صندوق النقد الدولي الحاليّة لن تنقذ الاقتصاد إلا بإفقار المواطنين والتخلّي عن أصول الدولة الاقتصاديّة.

يبدو أن الجنيه المصري يواصل تراجعه، فالدولار الواحد بات يعادل 32 جنيهاً بعد يومين من تصريحات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مؤتمر التحالف للعمل الأهلي والتنموي حول الأزمة الاقتصادية في مصر، التي لخّصها بعبارة “بطلوا هري بقى” مع ابتسامة واسعة وتصفيق من الحضور قبل ليلة واحدة من إعلان نتيجة المفاوضات بين بعثة “صندوق النقد الدولي” والحكومة المصرية.

 أسفرت المفاوضات التي لم يعرف المصريون ما حصل فيها إلا من خلال بيان الصندوق، عن موافقة مصر على شروط الصندوق، بهدف إتمام حصولها على 3 مليارات دولار خلال 4 سنوات، كما تحدث البيان علناً عن اختلالات هيكلية في الاقتصاد المصري يجب تصحيحها، فما قصة هذه الاختلالات؟

تباعد كبير بين الصندوق والحكومة

أرجع صندوق النقد مشكلة السياسات الاقتصادية المصرية الى عدم مرونة سعر صرف الجنيه، “ما أدى إلى تراكم الاختلالات، وبالتالي تراجع الأصول بالنقد الأجنبي لدى البنك المركزي والبنوك التجارية”، كان هذا قبل الحرب الأوكرانية، ولُخص الحل حينها بإرساء سعر صرف مرن.

تغيرت نظرة الصندوق الى الاختلالات اليوم، إذ رفض تذرع الحكومة المصرية بالحرب الأوكرانيّة التي كشفت الاختلالات المتراكمة، وبلورت ضغوطاً موجودة مسبقاً، من أهمها “الاعتماد الكبير على استثمارات الأجانب في أدوات الدين المصري لتمويل مشروعات حكومية”، واعتماد مصر على روسيا وأوكرانيا في السياحة وواردات القمح.

قطع صندوق النقد الطريق أمام تبريرات الحكومة المصرية، وأكد أن الاقتصاد المصري يعاني من اختلالات هيكلية سابقة على ما تشهده أوروبا حالياً، وألزم الصندوق الحكومة المصرية بإبطاء الإنفاق على المشاريع العامة للحد من الضغط على سوق الصرف الأجنبي وخفض معدل التضخم. 

وأعلن الرئيس السيسي مسبقاً أن المشروعات الضخمة لن تتأثر بالأزمة الاقتصادية، وقررت حكومته تأجيل تنفيذ المشروعات الجديدة  التي لم يبدأ تنفيذها، والتي تؤدي دوراً واضحاً في تقلبات الدولار. هدف  التأجيل ترشيد الإنفاق العام، ما يتركنا أمام سؤال لمن السيادة في القرار الاقتصادي المصري؟

اشترط الصندوق الحصول على موافقة وزارة المالية لصرف المكون الأجنبي للمشاريع بعد التنسيق مع البنك المركزي و “الجهات المعنية” (في إشارة غير معلنة إلى بعثة الصندوق للسياسات الاقتصادية المصرية)، وتأجيل الصرف على أي احتياجات لا تحمل طابع الضرورة القصوى، وترشيد جميع أعمال السفر خارج البلاد.

هنا نحن أمام سؤالين، هل سبب اختلالات الاقتصاد المصري هو اندلاع حرب في شرق أوروبا  (وفق الرواية المصرية؟)، أم الاعتماد على القروض في تمويل مشروعات عقارية في الصحراء (وفق رواية الصندوق)؟

فشل الاقتصاد المصري طوال عهد الرئيس السيسي (2014 وحتى الآن) في أن يصبح إنتاجياً، وفشل النظام السياسي في ابتكار نمو يقوده التصدير، واعتمد على الثروة الريعية المتمثلة في قناة السويس والخدمات وتحويلات العاملين في الخارج.

وبسبب الفشل المتكرر، ظلت بنية الاقتصاد تقوم على الاستهلاك وحده، الذي تحول إلى أحد الدوافع الرئيسة للنمو في بلاد لا تنتج كل ما تحتاجه، إذ بلغت الواردات المصرية غير البترولية خلال الفترة (كانون الثاني/يناير – كانون الأول/ديسمبر) 2021 نحو 76.798 مليار دولار، بينما بلغت قيمة الصادرات المصرية غير البترولية خلال الفترة نفسها نحو 32.342 مليار دولار، ما أدى الى عجز الميزان التجاري!.

يبدو أن الجنيه المصري يواصل تراجعه، فالدولار الواحد بات يعادل 32 جنيهاً بعد يومين من تصريحات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مؤتمر التحالف للعمل الأهلي والتنموي حول الأزمة الاقتصادية في مصر.

تعد مصر متأخرةً  للغاية في ما يخص معدلات الادخار، فنظراً الى الطابع الريعي لاقتصاد البلاد، الذي تغذيه تحويلات العاملين في الخارج، أصبح الاقتصاد خاملاً واستهلاكياً، إذ تُغري الأموال الآتية من الخارج البعض، وتدفعهم الى تبني أنماط حياة مكلفة من دون تحويل هذا الدخل إلى أصل إنتاجي، كما  اعتاد المصريون في الخارج على ضخّ تحويلاتهم في سوق العقارات التي لا تنتج شيئاً.

وعوضاً عن تحديث القطاع الصناعي سواء عبر الاقتراض أو حشد إمكانات المصريين ومواردهم(مثلما فعلت في حفر قناة السويس الجديدة)، استدانت السلطة نحو 130 مليار دولار، أُنفقت على تمويل العجز التجاري والمشروعات العاقر في الصحراء، أملاً بأن يشتري المصريون في الخارج هذه العقارات بالعملة الصعبة. وهنا اقترفت السلطة خطأ أكبر، يتمثّل في الاعتماد على “الهوت موني” لتمويل تلك المشروعات، الأسلوب الذي تدفع البلاد ثمنه مضاعفاً. 

الهوت موني وسماسرة القروض

دفع ضعف الإيرادات بالدولار الدولة الى الاعتماد على التمويل من البنوك المحلية، ما ضاعف نسبة الإنفاق على الدين، فوجدت نفسها مضطرةً لرفع معدل الفائدة لتعويض الدائنين، ما أدخل البلاد في فخ آخر.

اجتذبت أسعار الفائدة العالية منذ 2016 مستثمري الديون الأجانب، الذين استغلوا انخفاض نسبة الفائدة الشديد لدى الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، فاقترضوا من البنوك الأميركية بفائدة تترواح بين صفر و0,25 في المئة، وأقرضوا الحكومة المصرية بفائدة وصلت إلى 13.25 في المئة عام 2020 حين سادت جائحة كورونا.

شهد العام التالي على كورونا، أي 2021، ووفق الباحث الاقتصادي محمد رمضان، كانت الحكومة المصرية تمنح فائدة بنسبة 22 في المئة سنوياً للمستثمرين الأجانب في السندات المقوّمة بالجنيه، أي ثلاثة أضعاف معدل الأسواق الناشئة (كانت معدلات النمو حينها  7 في المئة تقريباً).

تدفقت الدولارات على مصر مجدداً، واستُثمرت الكتلة المتقلبة من الدولار في المشروعات العقارية، لكن بمجرد رفع البنك الفيدرالي الأميركي سعر الفائدة إثر الحرب الأوكرانية في 2022، هربت الأموال (الساخنة) تاركةً البلاد تلملم ما مُنيت به من خسارة.

خسرت مصر في شكل مضاعف، بسبب نسبة الفائدة المرتفعة لمنافسة الدول النامية على اجتذاب الدولارات الجديدة، والنقص المفاجئ إثر سحب 20 مليار دولار من القروض قصيرة الأجل، ما تسبب، مع جملة عوامل أخرى، في الأزمة الاقتصادية التي نشهدها الآن. وحقق المستثمرون أرباحاً طائلة في المرتين، أرباحاً يسدِّد فاتورتها المواطنون المصريون الذين تآكلت رواتبهم ومدخراتهم.

صندوق النقد بمواجهة احتكار الجيش للاستثمار

يقول الباحث الاقتصادي مجدي عبد الهادي لـ”درج”، أن صندوق النقد الدولي معني بالتوازنات الكليّة، لا بالتوازنات الحقيقية، فالأولى تتعلق بالمؤشرات المالية والنقدية وما شابه، بينما ترتبط الثانية بهياكل الاقتصاد. ويشير إلى أن الارتباط بين الاثنين لا يعني تطابقهما، إذ يصحّ مثلاً أن تكون التوازنات الكليّة جيدة جداً لأسباب عرضيّة، كما حدث خلال فترات معتبرة من عهد مبارك، بينما تتعمق الاختلالات الهيكلية بسبب تراكم المديونية المستمر، الأمر الذي أدى إلى ملازمة التضخم للاقتصاد المصري، والتهديد بانفجار السوق أمام أول أزمة.

ويتساءل عبد الهادي حول تحجّج الحكومة المصرية بكورونا وأوكرانيا، وتجاهلها  أسباب هشاشة الاقتصاد المصري إلى حد يجعله عرضة للتأثر بشدة بأي أزمة عالميّة مقارنة مع اقتصاد الدول الأخرى التي تمتلك حجم الاقتصاد ذاته؟.

يتقاطع سؤال عبد الهادي مع قضية أكبر، لماذا عجز النظام السياسي عن إقامة أي نموذج تنموي، بما في ذلك النموذج النيوليبرالي الذي يدافع عنه صندوق النقد؟ إذ اتبعت مصر برنامج صندوق النقد منذ 2016 حتى نهاية 2022، لكنها لم تسع إلى تغيير هيكل الصادرات والإفادة منه عبر التصنيع أو تطوير التكنولوجيا أو حتى رفع معدل الاستثمار أو إنشاء اقتصاد سوق ذات كفاءة. وشهدت التسعينات عمليات خصخصة كثيرة لمصلحة القوات المسلحة بعد 2011، فتعمّق التشوه الاقتصادي أكثر فأكثر في بلدٍ لا يعتمد على النفط ولا يحتمل اقتصاده شبكات مصالح متنافسة.

قررت النخبة العسكرية القائدة أن تكون اللاعب الأساسي في الاقتصاد، فبيدها أدوات توزيع المنافع والموارد، لكنها لم تسع إلى بناء نموذج تنموي فعال، ولم تحفّز قطاع الأعمال الرسمي والقطاع الخاص لدعم تنافسية الاقتصاد المصري وتعزيز صلابته ورفده بالكفاءات عبر الاستثمار في البنية الأساسية المادية والموارد البشرية، بل انخرطت في ممارسات تحوم حولها شبهات احتكارية أثرت سلباً في مجمل النشاط الاقتصادي.

مصر الآن دولة ديون، وتواجه أزمة اقتصاديّة تضاف إلى الأزمة السياسية الدائمة المتعلقة بانعدام شرعية النظام، ما فتح شهية البلدان النفطية المجاورة لأخذ حصة الأسد من ملكية الشعب، فأضيف لوبي مصالح خليجي إلى الشبكات المحلية المتنافسة.

قرر صندوق النقد أن تعتمد مصر على حشد تدفقات نقدية من شركائها الأجانب لسد الفجوة التمويلية المتبقية التي تقدر بحوالى 5.04 مليار دولار حتى نهاية حزيران/يونيو المقبل فقط، وفرض على البلاد أن تبيع أصولاً بقيمة 2 مليار دولار قبل نهاية حزيران 2023، وأصولاً بقيمة 4.6 مليار دولار في العام المالي المقبل (حزيران 2023 – حزيران 2024) ، يتبعها بيع أصول بقيمة 1.8 مليار دولار في 2024-2025.

وأعطى الصندوق أفضلية البيع إلى دول الخليج التي سبق وقادت موجة شرائية في السوق المصرية أسفرت عن تعزيز الدور الخليجي في الاقتصاد المصري.  فحصلت آنذاك على نحو 66 صفقة شراء في مصر خلال عام 2022 (منها 40 صفقة لمصلحة السعودية والإمارات) ضمن قطاعات الخدمات المصرفية والمالية، والصناعة والطاقة والاتصالات، لتستحوذ على أكثر المؤسسات ربحاً في البورصة المصرية.

وأسفرت المفاوضات مع الصندوق عن موافقة مصر على تحرير سعر الوقود والغاز الطبيعي وبيعهما بالأسعار العالمية وفرض ضرائب إضافية عليهما، ما زاد كلفة الإنتاج الصناعي والأعباء على المواطنين ككل.

أضرّ اتباع تعليمات صندوق النقد بنشاط الاقتصاد المصري، في ظل التخفيض المتكرر لسعر الصرف، وتدني مستوى الربح عن مستويات الفائدة، وارتفاع معدل التضخم السنوي ليبلغ قرابة 22 في المئة وفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء، ما أفقد المستثمرين الثقة في اقتصاد البلاد وأضعف أكثر فأكثر قدرة المواطنين الشرائية.

وأعلن صندوق النقد أن  هدفه الحدّ من دور الدولة في الاقتصاد، منوهاً بمن أسماهم “أصحاب المصالح الخاصة”، الذين تنضوي تحت لوائهم شركات القطاع العام وشركات قطاع الأعمال العام والشركات المملوكة للجيش، لكن الأخيرة هي الهدف رقم واحد للصندوق.

ويتوقع  عبد الهادي أن تؤدي الإجراءات التي وافقت عليها الحكومة، إلى تحسُّن موقت للمؤشرات المالية والتجارية والنقدية، لكن لن يتضح أثرها إلا بعد إنهاء الحكومة مشروعها التقشفي الانكماشي، وتخفيضها متوسط الدخل القومي ومستوى المعيشة إلى مستويات تتعادل فيها واردات مصر مع صادراتها، أي إفقار حتمي ونقل ملكية الأصول الوطنية. علماً أن مصر شهدت في التسعينات الأزمة نفسها، لكن الإجراءات التي تُتبع حالياً لن تُغيّر النموذج الاقتصادي ولن تحلّ مشكلة الاختلالات الهيكلية التي يتم التحدث عنها.

12.01.2023
زمن القراءة: 7 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية