في كتابها “رحم العالم”، تتتبّع الكاتبة شيرين أبو النجا تحوّلات صورة الأمّ في الأدب العربي، فتشير إلى نماذج غير تقليدية للأمومة: الأمّ المقاومة التي تشارك في النضال السياسي، والأمّ الهاربة التي تترك أبناءها رفضاً لقيد الدور المفروض عليها، والأمّ الأبوية التي تُعيد إنتاج السلطة الذكورية في بيتها.
هذه النماذج تبيّن أن الأمومة ليست بالضرورة موقعاً للحبّ والاحتواء فقط، بل موقع هشّ ومركّب، يتفاعل مع العنف الاجتماعي والسياسي. لكن خارج الأدب، وفي قلب الواقع القاسي، برز نموذج آخر لا تصفه أبو النجا: الأمّ القاتلة.
في نهاية حزيران/ يونيو الماضي، وفي حيّ الشروق، أحد الأحياء الراقية في شرق القاهرة، أقدمت أمّ على قتل أطفالها الثلاثة أثناء نومهم، وهم في أعمار 9 و8 و6 سنوات. سلّمت الأمّ نفسها للشرطة، وقالت إنها تمرّ بحالة نفسية شديدة السوء، وعاجزة عن تحمّل نفقات تعليمهم المرتفعة في مدرسة بريطانية خاصّة. كانت قد انفصلت عن والدهم منذ أربع سنوات. أمرت النيابة بعرضها على الطبّ النفسي وإجراء تحاليل مخدّرات.
رغم الطابع الخاصّ والفردي للجريمة، لكن لا بدّ من محاولة قراءتها في سياق أوسع من المعطيات.

أزمات نفسية تتغذّى من الأزمات الاقتصادية
تربط منظّمة الصحّة العالمية بين الأزمات الاقتصادية وتدهور الصحّة النفسية، مشيرة إلى أنها قد تؤدّي إلى الاكتئاب، أو الانتحار، أو الإفراط في تعاطي الكحول. وتشير دراسات عديدة إلى أن الصدمات الاقتصادية الكبرى، كما حدث في أزمة 2008، أو في أزمة 1997 في شرق آسيا، أدّت إلى ارتفاع كبير في معدّلات الانتحار، بخاصّة بين الرجال.
أثناء جائحة كورونا، كانت الآثار الاقتصادية أشدّ على الفئات الهشّة، خصوصاً النساء العاملات في القطاعات المرتبطة بالخدمات والرعاية، اللواتي فقدن وظائفهن، وتضاعفت عليهن أعباء الرعاية المنزلية والتعليم عن بُعد، من دون دعم مؤسّسي حقيقي.
مُعيلات على حافّة الانهيار
حادثة الأمّ القاتلة، وإن بدت صادمة نظراً لانتماء الأسرة إلى طبقة ميسورة، تسلّط الضوء على ضغوط الأمومة في مصر، خصوصاً حين تُلقى على كاهل النساء المُعيلات وحدهن. في ظلّ تدهور العملة، وارتفاع أسعار الوقود والسلع الأساسية، لم تعد آلاف الأسر قادرة على تأمين احتياجاتها اليومية، وبات كثير من النساء يفقدن القدرة على الصمود.
تشير البيانات إلى أن النساء هن الأكثر فقراً، والأقلّ امتلاكاً لشبكات الحماية الاجتماعية، وهن أيضاً الأكثر عملاً في القطاع غير الرسمي، الذي يمثّل أكثر من 40% من الناتج المحلّي الإجمالي، ويُدار خارج أي نظام تأميني أو قانوني.

الوصول إلى العدالة… لمن يملك المال فقط
تزداد الصعوبات أيضاً أمام النساء اللواتي يلجأن إلى القضاء في قضايا الأحوال الشخصيّة. فمع زيادة الرسوم القضائية التي أقرّتها وزارة العدل، باتت النساء ذوات الدخل المحدود، يواجهن صعوبة في مقاضاة الأزواج الممتنعين عن الإنفاق، أو في متابعة قضايا الطلاق والحضانة.
في بيان صادر عن مؤسّسة قضايا المرأة المصرية، اعتُبر قرار رفع الرسوم القضائية بنسبة 10% عائقاً إضافياً أمام النساء في الوصول إلى العدالة، خصوصاً في قضايا النفقة، ما يكرّس تمييزاً غير مباشر يضاعف هشاشتهن.
قصّة من الواقع: مريم والنضال من أجل البقاء
مريم (اسم مستعار) تبلغ من العمر 42 عاماً، وأمّ لطفلين، تحكي لموقع “درج” أن السبب الرئيسي في طلاقها كان امتناع زوجها عن الإنفاق، تراكمت عليها الديون لتأمين تعليم الطفلين، ثم اختفى الزوج تماماً.
رفعت مريم دعوى نفقة، فحكمت لها المحكمة بمبلغ زهيد لا يكفي حتى مصروفات الدراسة. لاحقاً رفعت دعوى ولاية تعليمية، وتقول إن كلفة التقاضي نفسها منهكة، إذ يتقاضى المحامي نسبة من النفقة، وتُضاف إليها مصاريف القضيّة.
قبل الطلاق، لم تكن مريم تعمل، لكنّها اليوم مضطرّة لتأمين الحدّ الأدنى من الضروريات. تخلّت عن التمارين والورش التعليمية، واكتفت بما يكفي للبقاء، وسط اقتصاد لا يرحم.
ليست مريم وحدها من تخلّت عن بعض الضروريات. فقد أظهرت دراسة صادرة عن “المبادرة المصرية للحقوق الشخصيّة” بعنوان “كيف يعيش الفقراء في ظلّ الغلاء”، أن 85% من الأسر خفّضت استهلاكها من البروتين الحيواني، و75% قلّصت استهلاكها من البيض، واستبدلتها بعناصر غذائية أقلّ تكلفة.
عندما يصبح البكاء غير كافٍ
تكتب شيرين أبو النجا في خاتمة “رحم العالم”:
“كأن البكاء هو القدر المحتوم للأمّهات، بكاء لا يلفت النظر، لا يحرّك مشاعر المتفرّجين لأنهم يرونه طبيعياً، جزءاً من الأمومة”.
بهذه العبارة، تنتقد أبو النجا كيف يُطبّع المجتمع مع ألم النساء، ويعتبر دموع الأمّهات مشهداً اعتيادياً لا يستدعي التعاطف أو التدخّل. لكن، ماذا لو تجاوز الألم حدوده؟ ماذا لو لم يعد البكاء كافياً؟
حادثة الأمّ القاتلة ليست مبرَّرة، لكنّها تُجبرنا على التساؤل: كيف تتحوّل الأمومة من مساحة حبّ ورعاية إلى عبء لا يُحتمل؟ ومتى يصبح الصمت المرافق لمعاناة النساء قنبلة موقوتة؟
وفيما تتحدّث الخطابات الرسمية عن “تمكين المرأة”، هناك ملايين النساء يعشن الأمومة كصراع صامت، من دون دعم، ومن دون عدالة، ومن دون من يسمع.









