مع بداية شهر تمّوز/ يوليو الحالي، نشرت جهة مجهولة فيديو قيل إنه يحوي تدريبات لحركة “حسم” الإرهابية، الفيديو المذكور أظهر تدريبات عسكرية في الصحراء لأشخاص ملثّمين، في حوزتهم أسلحة متنوّعة بين متوسطة وخفيفة ومضادات دروع.
وجاء في بيان أصدرته الحركة، أن المنطقة دخلت طوراً جديداً تتغيّر فيه موازين القوى”، وأن الفرصة مؤاتية لاستئناف نشاطها مرّة أخرى، وأن مصر ليست بعيدة عن ذلك.
الفيديو لاقى رواجاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مما دفع وزارة الداخلية المصرية للإعلان عن تحديد موقع تصويره، وادّعت أن التصوير تمّ في سوريا وليس في مصر، قبل أن تعلن بعد ما يقرب من 20 يوماً، عن تصفية خليّة لحركة “حسم” في منطقة بولاق في محافظة الجيزة، وأن الإعلان جاء بعد 13 يوماً من استهداف خليّة “حسم” في القاهرة.
ومع إصدار البيان بدأت الشكوك حول صحّة الفيديو، وسط مخاوف من أن يكون ما جرى مجرّد تصفية لأفراد عاديين، جاءت للتغطية على شيء آخر، ولكن لماذا تُعتبر رواية الداخلية غير موثوقة؟
رواية الداخلية
بحسب بيان الداخلية الذي صدر في 20 تمّوز/ يوليو الحالي، وردت معلومات تتضمّن نيّة قيادات حركة “حسم”؛ التي وصفها البيان بأنها الجناح المسلّح لجماعة “الإخوان المسلمين”، معاودة إحياء نشاطها، وارتكاب عمليّات عدائية تستهدف المنشآت الأمنية والاقتصادية .
وقال البيان إن الحركة دفعت أحد عناصرها الهاربين في إحدى الدول الحدودية، الذي سبق أن تلقّى فيها تدريبات عسكرية متطوّرة، للتسلّل إلى البلاد بصورة غير شرعية، لتنفيذ المخطّط المشار إليه، وذلك تزامناً مع إعداد الحركة مقطع فيديو تداوله العديد من مواقع التواصل الاجتماعى، يتضمّن تدريبات لعناصرها في منطقة صحراوية في إحدى الدول المجاورة، والتوعّد بتنفيذ عمليّات إرهابية في البلاد.
وبحسب بيان الداخلية أيضاً، فإن القائم على الحركة هم 6 متّهمين، أغلبهم هاربون خارج البلاد، ومحكوم عليهم بالإعدام والمؤبّد، إلا أن اثنين منهم اتّخذوا من إحدى الوحدات السكنية في منطقة بولاق وكراً لهما، والمتّهمان بحسب البيان، هما: أحمد محمّد عبد الرازق المدان في عدد من القضايا منها محاولة استهداف الطائرة الرئاسية، وإيهاب عبد اللطيف محمّد عبد القادر، وهو طالب جامعي غير مدان في أي قضيّة، إلا أن البيان وصفه بأنه مطلوب على ذمّة القضيّة 1126 / 2025، وأن المذكورين أطلقا النار على القوّة الأمنية التي داهمت المقرّ، مما أسفر عن مقتلهما، ومقتل مدني صادف وجوده في المنطقة.
لكنّ الرواية الرسمية لم تفسّر لماذا لم يتمّ الكشف عن الواقعة إلا بعد مرور 13 يوماً، وكيف استطاعت الداخلية الوصول للخليّة بعد أقلّ من 4 أيّام من نشر الفيديو، الذي تمّ تصويره في سوريا؟

شكوك مبرّرة
الرواية الرسمية للدولة حول “حسم” لاقت الكثير من الشكوك، كانت بدايتها ما نشرته “مبادرة التحقّق العربي” التي دشنّها الصحافي المصري حسام الهندي، والتي كشفت أن الداخلية استعانت في الفيديو المرفق مع بيانها حول حركة “حسم”، بمشاهد تمثيلية من مسلسل “الاختيار” الذي عُرض في ثلاثة أجزاء، وأن المشاهد المذكورة مأخوذة من الجزء الثاني من المسلسل، وهي المشاهد التي تمثّل عمليّة القبض على همّام عطية مؤسّس تنظيم “أجناد الأرض”، ومشاهد مداهمة أطفيح، وقالت المبادرة إن وزارة الداخلية لم تُشر في البيان، أو في الفيديو إلى وجود مشاهد تمثيلية، وأن تحليل المبادرة لا يمكن أن ينفي، أو يؤكّد ما ورد في بيان الداخلية.
الشكّ الثاني، ما أوردته “الشبكة المصرية لحقوق الإنسان” في بيانها حول الواقعة، حيث كشفت أن إيهاب عبد اللطيف لم يكن له أي انتماء سياسي، كما لم يسبق اتّهامه أو التحقيق معه في أي قضيّة سابقة، وأنه اختفى يوم 2 تمّوز/ يوليو، قبل أن يتمّ القبض على والديه وإخفاؤهما قسرياً منذ 7 تمّوز/ يوليو الحالي.
وأشار البيان إلى أن الشبكة تحقّقت من رقم القضيّة المتّهم فيها إيهاب عبد اللطيف، وهو 1126 / 2025 حصر أمن دولة عليا، وتوصّلت إلى عدم وجود أي بيانات عن هذه القضيّة، أو المتّهمين فيها، وهذا يعني أن إيهاب يمكن أن يكون المتّهم الوحيد في هذه القضيّة، وأنها ربما أُقيمت لتبرير تصفيته خارج نطاق القانون.
وطالب البيان بفتح تحقيق عاجل في الواقعة، والكشف عن مصير والديْ إيهاب عبد اللطيف المخفيّين قسرياً، مشيراً إلى تحليل نشره أحد المهتمّين بتنظيمات الإسلام السياسي لفيديو تدريب “حسم”، قال فيه إن التدريب هو مجرّد دعاية ولا يعبّر عن وجود عمليّات أو تدريبات حقيقية، وتمّ تصويره في وقت سابق قد يكون قبل سقوط نظام بشّار الأسد.
بحسب أحمد العطّار المدير التنفيذي لـ “الشبكة” فإن والديْ إيهاب عبد اللطيف ما زالا مخفيّين قسرياً منذ 7 تمّوز/ يوليو حتى كتابة هذه السطور، ولا يمكن تخيّل ما يمكن أن يعانياه نفسياً وجسدياً.
وكشف العطّار لـ “درج” أن والدة أحمد غنيم مخفيّة قسرياً أيضاً، مشيراً إلى أن الشبكة لا تدعم ارتكاب العنف سواء ضدّ الدولة أو ضدّ الأفراد، ولكن أيضاً لديها شكوكها المبرّرة حول الواقعة، وأهمّ هذه الشكوك تأخّر نشر البيان حول الواقعة لمدّة 13 يوماً، رغم أن الواقعة جرت في منطقة مكتظّة بالسكّان، وطبقاً للبيان لقي فيها مدني مصرعه، فلماذا تمّ التكتّم طوال هذه المدّة؟
وأشار العطّار إلى أن إيهاب ووالديه لم يكن معروف عنهم أي انتماء سياسي، ولم يُعرَف عن إيهاب أي اهتمام بالسياسة، أو الانتماء إلى أي جهة، فكيف تحوّل بصورة مفاجئة إلى عنصر شديد الخطورة؟ مشدّداً على أن بيان الداخلية استند إلى فيديو تدريب “حسم”، الذي نُشر قبل الواقعة بـ 3 أيّام فقط، وتمّ تصويره خارج مصر.
وأوضح العطّار أنه حتى الآن لم يتمّ الكشف عن مصير والديْ إيهاب، ولم يصدر أي بيان من وزارة الداخلية يردّ على التساؤلات المشروعة حول بيانها.
وقائع سابقة
في تاريخ وزارة الداخلية المصرية هناك العديد من وقائع التصفية خارج إطار القانون للتغطية على تهم أو وقائع أخرى، ولعلّ أشهرها ما يُعرّف بـ “ميكروباص ريجيني”، حيث قتلت الوزارة 5 أشخاص في سيّارة ميكروباص في آذار/ مارس 2016، متّهمة إيّاهم بتشكيل عصابي يحترف السرقة، وأن هذا التشكيل هو المسؤول عن قتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني.
وكان ريجيني قد اختفى في القاهرة في كانون الثاني/ يناير 2016، وظهرت جثّته بعد 9 أيّام في منطقة صحراوية في الجيزة وعليها آثار تعذيب، وهو ما تسبّب في أزمة دبلوماسية بين مصر وإيطاليا، حاولت مصر الدفع بعدّة روايات تنفي تورّط وزارة الداخلية في مقتل ريجيني، كان آخرها رواية اتّهام التشكيل العصابي، وهي الرواية التي فنّدتها الصحافية المصرية بسمة مصطفى بعدما كشفت في تحقيق صحافي تمّ حذفه من أرشيف الموقع الذي نُشر فيه، بأن القتلى الخمس هم 3 أشقاء وصديق لهم وسائق، ويعملون في الطلاء، وأنه تمّ قتلهم بينما كانوا في الطريق إلى عملهم، وأن واحداً منهم فقط سبق سجنه في قضيّة مخدّرات.
وأصدرت منظّمة “هيومين رايتس واتش” في أيلول/ سبتمبر 2021 ، تقريراً بعنوان “تعاملت معهم القوّات… عمليّات قتل مشبوهة وإعدامات خارج القضاء على يد قوّات الأمن المصرية”، رصدت فيه 9 وقائع لعمليّات تصفية، يدور حولها شبهات بأنها إعدامات خارج نطاق القضاء، وقتل دون تحقيق، في محافظات الجيزة والفيّوم والقاهرة والاسماعيلية وأسيوط وطريق السودان.
وذكر التقرير أنه من خلال البيانات الرسمية وروايات الأهالي، يبدو أن الضحايا في عمليّات القتل هذه كانوا رجالاً تعتقد الأجهزة الأمنية، دون أدلّة، أنهم ينتمون أو ساعدوا أو موّلوا الجماعات المسلّحة العنيفة التي ظهرت في أعقاب الانقلاب العسكري في 2013، مثل “حسم” و”لواء الثورة”، التي قالت السلطات إنها أذرع مسلّحة لجماعة “الإخوان المسلمين”.
ولفت التقرير إلى أن تحليل الصور ومقاطع الفيديو في ثلاث من وقائع إطلاق النار المزعومة، يُظهر عدم وجود أدلّة تدعم رواية وزارة الداخلية، وأنه تمّ تغيير موضع الجثامين قبل تصويرها.
تمّ تحليل ثلاث صور أخرى، واحدة منها تتعلّق بحالة موثّقة في هذا التقرير، بدا فيها أنه تمّ تكبيل أيدي ثلاثة رجال متوفّين بالأصفاد أو تقييدها قبل وفاتهم مباشرة، وفي صورة أخرى، بدا أنه تمّ وضع سلاح ناري بالقرب من أحد الرجال للإيهام بوقوع إطلاق النار.
لا يمكن الجزم بعدم وجود خليّة لـ حركة “حسم”، وأن واقعة تصفية عناصرها حقيقية، لكن لا يمكن أيضاً الجزم بصحّة رواية الداخلية، لا سيّما وأن للجهاز الأمني في مصر تاريخ طويل من الروايات غير الموثوقة.












