هذه المقارنة الصادمة أطلقت جدلاً واسعاً حول واقع مصر الاقتصادي وأعادت إلى الأذهان كابوس النكسة وتداعياتها الكارثية، حيث عاش المصريون حينها أزمة قومية طالت نواحي الحياة كافة. لكن اليوم، وفي ظل غياب عدو خارجي، تكثر التساؤلات حول حقيقة الأزمة وأسبابها، ومدى مسؤولية سياسات الحكومة الاقتصادية عن تعميقها، حتى باتت، وفقاً للرئيس نفسه، تستدعي استنهاض همة شعب بأكمله. هل نحن حقاً نعيش أجواء النكسة في عهد السيسي؟ أم أن هذا التصريح محاولة لإلقاء عبء الأزمة على المواطن، وخلق حالة من الصبر والتحمّل من دون تقديم إجابات شافية حول جذور الأزمة ومعالجتها؟
اعتراف أم تبرير؟
يُعد حديث السيسي عن أن مصر تعيش “ظروف ما بعد نكسة 67” تصريحاً لافتاً للغاية. فالأوضاع آنذاك كانت تتطلب توحيد القوى الوطنية للخروج من هزيمة عسكرية ثقيلة، حيث كان العدو واضحاً، والهدف الوطني محدداً: تحرير الأرض. لكن الوضع الحالي في مصر مختلف تماماً، فلا توجد حرب عسكرية ولا عدو على الحدود يهدد الأمن الوطني؛ بل إن التحديات داخلية، تتعلق بإدارة الموارد والديون والتضخم وضعف العملة. يبدو أن الرئيس أراد التأكيد أن البلاد تمر بمرحلة صعبة تتطلب الوحدة والصبر، لكن تشبيهه المرحلة هذه بالنكسة يشير بشكل ضمني إلى فشل اقتصادي يتطلب إصلاحات جذرية، وليس فقط صبر المواطنين.
فحين يعترف رئيس الجمهورية بأن الأوضاع “تشبه النكسة”، فإنه يضع يده على جرح عميق، لكن هذا الجرح ليس مجرد نتيجة لتحديات خارجية، بل أيضاً لسياسات داخلية كانت لها عواقب اقتصادية وخيمة. فمنذ توليه السلطة عام 2014، كانت وعود السيسي بتحسين الاقتصاد واضحة، لكن بعد سنوات من الاستثمار في مشاريع ضخمة مثل العاصمة الإدارية الجديدة، والتوسع في الاقتراض من دون تخطيط مُستدام للعوائد، وجد المصريون أنفسهم في أزمة أعمق من ذي قبل. مما يدفع العديد إلى التساؤل: هل تتحمّل سياسات السيسي وحكومته مسؤولية ما نحن فيه؟ وهل يمكن للشعب تحمّل عبء الأزمة من دون رؤية واضحة للحلول؟
اقتصاد حرب بدون حرب
مع استمرار التحديات الاقتصادية، لم يقتصر خطاب الأزمة على الرئيس فحسب؛ فقد جاء تصريح رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بأن مصر تتجه إلى “اقتصاد الحرب” ليؤكد أن البلاد أمام وضع غير مسبوق. و”اقتصاد الحرب” هنا لا يعني الاستعداد العسكري، بل التوجه نحو تقليل النفقات غير الضرورية وتوجيه الموارد نحو الأولويات الأساسية. لكن البعض يتساءل: لماذا وصلنا إلى هذا الوضع؟ وكيف يمكن للاقتصاد المصري، الذي يعتمد على الديون والمساعدات، أن يتعافى في ظل غياب خطط واضحة للنهوض؟
الحديث عن “اقتصاد الحرب” يبدو للبعض مبرراً لتقديم تضحيات جديدة من الشعب، من دون تقديم حلول واضحة. فمع ارتفاع أسعار المحروقات عدة مرات في عام واحد، وتوقّعات بتعويم جديد للجنيه وفقاً لمراجعات صندوق النقد الدولي، يبدو أن مصر تتجه نحو مرحلة جديدة من التضخم وارتفاع الأسعار، مما سيزيد من معاناة المواطنين. فالتضخم الحالي أثّر بشدة على الأسر المصرية، حيث فقد الجنيه المصري قيمته بشكل كبير، وارتفعت الأسعار، مما جعل حياة المصريين أكثر صعوبة.
إقرأوا أيضاً:
تصدير المسؤولية إلى الشعب
يبدو أن تصريحات السيسي ومدبولي تسعى إلى تحميل المصريين جزءاً من مسؤولية الأزمة، عبر دعوات متكررة للصبر والتكاتف، وكأن الأزمة مسألة قدرية لا علاقة للسياسات الحكومية بها. وبينما يرى السيسي في خطاباته أن على الشعب تحمّل صعوبات المرحلة مثلما تحمّل النكسة في السابق، يتساءل المواطن العادي: إلى متى يمكن الصبر على غلاء المعيشة وتدني الأجور؟ وفي وقت يستمر فيه الحديث عن التضحية، يشعر المواطن بأن هناك تبديداً للموارد في مشاريع ضخمة لا تثمر فائدة مباشرة.
إحدى الأمثلة على هذا، هي العاصمة الإدارية الجديدة التي استنزفت موارد هائلة، من دون أن يستفيد المواطن البسيط منها بشكل مباشر. إضافة إلى ذلك، هناك مسألة بيع الأصول الوطنية، مثل صفقة رأس الحكمة مع الإمارات، والتوجه لبيع المزيد من الأصول الاستراتيجية، مما يجعل البلاد أكثر عرضة للتبعية الاقتصادية. هذه الخطوات تجعل المصريين يشعرون بأن الحلول المتاحة لا تخدمهم بشكل مباشر، بل تجعل مستقبلهم مرهوناً بتبعات الديون وتوجهات صندوق النقد الدولي.
استحضار روح أكتوبر وواقع الاختلاف
خلال الاحتفال بذكرى “نصر أكتوبر”، دعا السيسي المصريين إلى التكاتف مع الحكومة كما تكاتفوا في حرب 1973، لكنه تجاهل أن الوضع مختلف اليوم؛ ففي فترة ما بعد النكسة، كان هناك إجماع وطني وتكاتف حقيقي بين الشعب والجيش، تحت قيادة كان هدفها الأول هو تحرير الأرض. أما اليوم، فيشعر المواطن بأن النظام يطلب منه التضحية في سبيل سياسات اقتصادية لم تُسهم في تحسين حياته، بل جعلتها أكثر صعوبة. وبينما كانت “حرب أكتوبر” تحمل شعار “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”، يبدو أن المعركة الحالية تتعلق بتبرير الفشل بدلاً من تقديم حلول فعلية.
علاوة على ذلك، تأتي تصريحات السيسي وحكومته في وقت تتزايد فيه مظاهر الاستياء الشعبي من الأوضاع المعيشية المتدهورة. فالشعب المصري لم يعد قادراً على تحمل الأعباء المتزايدة، ويشعر بأن التضحيات التي يُطلب منه تقديمها قد لا تكون منصفة، خاصة عندما يتم ربطها بمشاريع ضخمة لا تعود عليه بالنفع. وبدلاً من تعزيز التكاتف، يبدو أن الحكومة تعزز الشعور بالغربة بين المواطن والدولة، مما جعل حتى “احتفالات النصر” تبدو مشهداً بعيداً عن واقع المواطن المصري الذي يعاني يومياً من أجل تأمين احتياجاته الأساسية.
هل لم تُعد إسرائيل هي العدو؟
وفي الوقت الذي تحدث فيه السيسي عن أجواء النكسة، تجنّب الحديث عن إسرائيل كعدو. بل إن الحكومة تبنت خطاباً جديداً يروّج للسلام والتعاون مع إسرائيل ودول الجوار، متجاوزة الخلافات التاريخية والصراعات القديمة. لكن هذه الخطوة تثير تساؤلات حول الهوية الوطنية والسيادة، خصوصاً في ظل القرارات الأخيرة ببيع بعض الأراضي والأصول الاستراتيجية لدول أخرى. ويُذكّر البعض هنا كيف أن السادات، رغم إعلانه السلام، كان يحمل رؤية وطنية تهدف إلى استعادة الكرامة الوطنية وتعزيز الوحدة بين الشعب والنظام.
بين دعوات التكاتف وتحمّل الأعباء، يرى العديد من المصريين أن الحكومة تفتقر إلى الشفافية وتقديم الخطط الملموسة للنهوض الاقتصادي، وتعتمد على الشعار أكثر من الفعل. فمصر اليوم في مفترق طرق؛ فإما أن تسلك طريق الإصلاح الحقيقي الذي يتطلب شفافية وإعادة توجيه الموارد نحو المشاريع المنتجة والمفيدة مباشرة للمواطنين، وإما أن تستمر في سياسات تعتمد على بيع الأصول، وزيادة الديون، مما يجعل اقتصادها أكثر هشاشة وتبعية للضغوط الخارجية.
وفي الوقت الذي قد يرى البعض في تصريحات السيسي اعترافاً غير مسبوق بصعوبة المرحلة، يعتبره آخرون تبريراً للفشل ومحاولة لإبعاد المسؤولية عن كاهل الحكومة. الشعب المصري عانى طويلاً من أجل تحسين ظروفه، لكن في غياب رؤية واضحة للإصلاح، يشعر أن وعود الحكومة بتحقيق النمو والازدهار باتت واهية، ويفقد الأمل في أن تُحقق الأهداف المرجوة.
في النهاية، فإن مصر بحاجة إلى خطوات عملية واستراتيجية واضحة تتجاوز مجرد الخطابات والشعارات. فالنصر في هذه “المعركة الاقتصادية” يتطلب أكثر من دعوات الصبر والتكاتف، بل يستدعي إجراءات جدية تتعامل مع جذور الأزمة وتستجيب لاحتياجات المواطن المصري، الذي يتطلع إلى رؤية مستقبل أفضل له ولأولاده، من دون أن يشعر بأن مصيره مرهون بتغيرات لا يتحكم فيها ولا يستفيد منها.












