ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

“مصنع السحاب” عالم تتهاوى فيه الحدود

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تطرح الرواية إشكاليات جدلية وعميقة، الكثير منها متداول في الأدب العالمي والعربي المعاصر، ما يدفع الى الاعتقاد أنّ الرقابة هنا لم تمارس على الرواية نفسها فقط، إنّما مورست على حامد عبد الصمد، في محاولة لحجب فكره، فكأنّ منع النشر هو عقاب للمفكّر الذي تجرّأ على مساءلة الفكر الديني بجرأة وعمق، والتضييق عليه بعدما كرّس نفسه لنقد الإسلام الأصولي والحركات المنبثقة منه.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

انتصر الكاتب والمفكر المصري حامد عبد الصمد على سلطة القمع، إذ أعادت دار “التنوير” في بيروت نشر روايته “مصنع السحاب”، بعدما كانت سُحبت من معرض القاهرة الدولي للكتاب مطلع العام الحالي، ومُنعت من النشر في مصر بحجة ترويجها أفكاراً غير مقبولة كالإلحاد بحسب السلطات المانعة. 

وكان الكاتب المصري، وعلى إثر منع نشر روايته، قد أتاح لمتابعيه على منصة فيسبوك، فرصة قراءة الرواية لفترة محدودة كهدية منه لمناسبة عيد مولده، معتبرًا أن وصولها الى أكبر قدر من الناس هو أفضل تحدّ لسلطات القمع وكم الأفواه.

منع الرواية أم إسكات صاحبها؟ 

تطرح الرواية إشكاليات جدلية وعميقة، الكثير منها متداول في الأدب العالمي والعربي المعاصر، ما يدفع الى الاعتقاد أنّ الرقابة هنا لم تمارس على الرواية نفسها فقط، إنّما مورست على حامد عبد الصمد، في محاولة لحجب فكره، فكأنّ منع النشر هو عقاب للمفكّر الذي تجرّأ على مساءلة الفكر الديني بجرأة وعمق، والتضييق عليه بعدما كرّس نفسه لنقد الإسلام الأصولي والحركات المنبثقة منه.

“مصنع السحاب” عالم فريد من نوعه، والمصنع هنا هو مكان لإنتاج التضليل، تضليل قد يكون سياسيًّا أو دينيًّا أو أيديولوجيًّا، وهناك بعد أن يذهب الناس طوعًا، يصبح رحيلهم ممنوعًا، ووجودهم محفوفًا بالقمع والإكراه، تغيب خصوصية الأفراد، وكل ما يمكن أن ينكّه الحياة (كالملح أو الصويا أو العلاقات العاطفية) يتم حجبه أو على الأقل سيبذل الفرد جهدًا مضنيًا في سبيل الحصول عليه.

اليابان مسرح العمل الروائي 

لا يخفى على القارئ المتابع لأعمال عبد الصمد، أن الكاتب ملتصق بمسائل الأدب الياباني وموضوعاته ومهتم بها، لكن على رغم ذلك لا يُستبعد أن حامد عبد الصمد اختار أجواء بعيدة جدًّا عن العالم العربي والإسلامي كإطار مكاني للرواية، في محاولة منه ربما لتقديم فكرته بعيدًا عن إسقاطات قد يجدها الجمهور جارحة، وذلك تفاديًا لتعريض الرواية للأحكام المسبقة وحملات الكراهية أو إساءة الفهم، ولكن للأسف يبدو أن هذه المحاولة باءت بالفشل.

من الناحية الفنيّة، فإن قدرة الكاتب على استحضار أجواء الأدب الياباني مبهرة، حتى يخال القارئ المتذوق ذلك الأدب أنّ الرواية كُتبت على يد أحد أعلام الرواية اليابانية المعاصرة وترجمت باحتراف للعربيّة، محافظةً على جودتها الأدبية وانسيابية لغتها. مبهرة أيضًا قدرته على تقديم أدب ديستوبي شديد العمق، في عدد صفحات قصير نسبيًّا، كأنها حلقة من مسلسل الخيال العلمي الشهير “بلاك ميرور”. “مصنع السحاب” رواية جاهزة تمامًا لتصبح فيلمًا سينمائيّّا.

شخصيات الرواية وتأويلاتها

ساهمت  براعة الكاتب في استخدام الترميز والتأويل في بناء عالم قادر على تقديم تجربة مميزة بتأويلاتها لكلّ فرد. في رحلة القراءة يضبط القارئ نفسه وهو يبحث عن نظيره بين الشخصيات، فالعمل يقدّم إحاطة بالأنماط المختلفة بين البشر في مقاربة الوجود.

 ففي الحياة، كما في الرواية، ستجد الباحثين عن الملاذ والمعنى في الإيمان الديني، والساعين إلى إسكات ذكائهم الفطري بالبساطة والتغافل، ستجد أيضًا الراضين بالتعرّض للابتزاز العاطفي أو للاستغلال الجنسي مقابل الحصول على القبول. هناك من يحارب الجوع العاطفي بالأكل، أو من يقابل قسوة الحياة عليه بالعدائية غير المبرّرة كآلية دفاعيّة للمواجهة. يسلّط الكتاب الضوء على الاختلافات بين البشر، واستعدادهم الفطري للشر، والتباين في قدرتهم على مواجهة بشاعة الحياة ومآسيها. 

تذهب الرواية أبعد من معناها الأولي، لتبدو في معناها الأعمق مزدحمة بالرموز والتأويلات، فهي تبحث أيضًا في مسألة صناعة الوهم، وامتطاء القضايا وتبنيها التخفيف من عقدة ذنب المشاركة في تكريس العنف ماديًّا ومعنويًّا، وعن العدالة الاجتماعية ومسؤوليتنا الجماعية في المآسي الإنسانيّة، والصمت كفعل تواطؤ وصك موافقة على استمرارية الشر واستفحاله حول العالم، فالمجتمع الذي يرفض الانتحار باعتباره نزعة خطيرة يجب محاربتها، يساهم في تذكية الأرضية المؤدية له، ويتغافل عن المسؤولية الجماعية حول المآسي العامّة.

تفتح الرواية نوافذ النقاش نحو مسائل عدة تؤرق بال الإنسان المعاصر، والرواية قد تكون في تأويلها المتسع تعبيرًا عن الحياة المعاصرة في عصر ما بعد الحداثة نفسها، قلقنا الوجودي فيها، ومحاولات الكثير منا للتمسك بالإيمان الديني للبحث عن المعنى، وهوس الإنتاجية الذي يحاصر فيه السواد الأعظم من البشر، إذ يبدو الكثيرون في بلد مثل اليابان، كفئران الهامستر على عجلة الجري، يركضون بروتين ثابت من دون الوصول إلى أي مكان، والأدوار النمطية المفروضة حول العالم للذكورة والأنوثة، وعقدنا الدفينة المختبئة تحت وطأة الشح العاطفي في الطفولة المبكرة، وشبح الأمومة الذي يحاصر الأطفال والأمهات معًا. 

في الرحلة نحو الموت يستعير الكاتب الاعتراف من المسيحية، ليكون المحطة التي ينزل إليها الإنسان قبل أن تحين ساعة موته، ويحوّله إلى جلسة جماعية في مشهد سينمائي تصويري بالغ التعبير. 

الحياة وأسباب البقاء

ليست الرواية دعوة الى الانتحار، ولا تلطيفًا له، بل على العكس تمامًا، هي محاولة للبحث في أسبابه، قد تكون الإجابة الإنسانية والأخلاقية سهلة حين نُسأل عن رأينا في الحق بالانسحاب من الحياة في حالات الألم الجسدي غير المحدود والأمراض المستعصية، وقد يكون الموت هنا رحيمًا فعلًا، لكن السؤال حول حريتنا المطلقة في تقرير لحظة انسحابنا من الحياة التي لم نقرر عيشها في الأساس، يخلق جدلًا فلسفيًّا أكثر توسعًا، والرواية تنجح هنا في فتح باب لأسئلة جديدة، أحيانًا  يعيش الإنسان أوضاعًا تنتفي معها قدرته على اختيار مسارات حياته أو تسييرها مثلًا، وقد توصل إلى نهايات سوداوية حتمًا، فهل يكون الفاقد مسببات إكمال الحياة بالكامل حرًّا عند اتخاذه قراره بالانسحاب هنا؟ 

 في رحلة البحث عن الأسباب التي تجعل الحياة أكثر قابلية على الاحتمال، وعن سبب تمسكنا بها، يظهر أن “الحبّ” بأشكاله كافة طوق النجاة الأبرز، قد يكون شعورنا بالقبول والاحتضان هو الأقدر على انتشالنا من فخاخ اليأس منذ اللحظة التي تطأ أقدامنا هذا العالم.

الانتحار إذًا لا يبدأ لحظة اتخاذ الإنسان القرار بإنهائه حياته، بل قبل ذلك بكثير، والحياة تبدو في بعدها الرمزي كزجاجة “كلاين”، حيث يجب أن نهدم الحدود بين الذات والآخر، الفرد والمجتمع الداخل والخارج، البداية والنهاية، هكذا فقط قد نستطيع فك شيفرة الحياة.

يتمادى الكاتب بإرباك قارئه بالمعضلات، فيحيلنا إلى مساوئ عصرنا الراهن، وقدرته على تعزيز الشكوك وإيغاله في إذكاء فوضانا النفسية، فمع سيادة عصر الذكاء الاصطناعي والهوية الافتراضية بات من الصعب تحديد ما الذي يجعل الإنسان موجودًا وحاضرًا ومؤثرًا، فهل نحن أمام عصر جديد يتحول حضورنا جميعًا فيه إلى مخلوقات رقمية، وتختلف بذلك نظرتنا الى أساس الحياة والموت؟ 

النهاية كتجلٍّ لفرادة الرواية 

العمل محكم البناء، والتفاصيل فيه محاكة بعناية، بدءًا من اختيار العنوان وصورة الغلاف والتوطئة، وصولًا إلى الخاتمة، على رغم ذلك تبدو الصفحات الأخيرة هي التي رفعت قيمته الأدبية والفلسفية، فقد وظف الكاتب الخيال الاجتماعي وانتقل من الحكاية الفردية إلى البنى الاجتماعية نفسها. صارت الرواية هنا سؤالًا سياسيًّا وجرأة أخلاقيّة، يطالب فيها الكاتب الجميع بالالتفات إلى التناقض عند اتخاذ موقف من القتل حسب زمانه ومكانه، والتفكير في مدى اشتراك الجميع في التأسيس للعنف البنيوي، وفي مساهمة المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية في عالم ما بعد الحداثة في ري وتغذية تربة خصبة للأزمات الوجودية والاختلالات النفسية.

“مصنع السحاب” رواية لم تُكتب لتريح القارئ أو تمتعه، بل عالمٌ صمّم ليشرك القارئ في تجربة قاسية وصادمة، قد تكون رواية غير موجهة الى جميع القرّاء، بحيث من الممكن أن يساء فهمها إذا قرأها شخص غير مستقر نفسيًّا، لكنها أيضًا رواية كُتبت بالكثير من الحكمة والدراية، فالنص متوازن، لم يتخذ فيه الكاتب مواقف صدامية من أي شيء، ولم يهاجم فيه المنظومة القيمية أو الدينية، لكنه في الوقت نفسه لم يعوّل على أي إجابة حتميّة ولم يختبئ خلف أي حائط مقدس ليحتمي من عواصف أسئلة الوجود.

“مصنع السحاب” رواية متوازنة وجريئة وتنويرية حقًّا، وحجبها ليس إلّا كما يحاول حجب الشمس بالغربال.

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 04.09.2026

لبنان: مليار دولار قد يستعيدها المودعون من مجالس إدارات المصارف 

محامو المصارف يستعينون بدفاعهم عن فعلة موكليهم بعبارة رهيبة، تتمثل بأن ما أقدم عليه موكلوهم عندما أنقذوا ودائعهم الشخصية من الفعلة التي ارتكبوها بحق زبائنهم هو "قانوني وإن كان غير أخلاقي"، ويبدو أنهم بصدد الاستعانة بهذه المعادلة في المرحلة التي تعقب اعترافهم بفعلتهم "القانونية وغير الأخلاقية".
28.08.2026
زمن القراءة: 5 minutes

تطرح الرواية إشكاليات جدلية وعميقة، الكثير منها متداول في الأدب العالمي والعربي المعاصر، ما يدفع الى الاعتقاد أنّ الرقابة هنا لم تمارس على الرواية نفسها فقط، إنّما مورست على حامد عبد الصمد، في محاولة لحجب فكره، فكأنّ منع النشر هو عقاب للمفكّر الذي تجرّأ على مساءلة الفكر الديني بجرأة وعمق، والتضييق عليه بعدما كرّس نفسه لنقد الإسلام الأصولي والحركات المنبثقة منه.

انتصر الكاتب والمفكر المصري حامد عبد الصمد على سلطة القمع، إذ أعادت دار “التنوير” في بيروت نشر روايته “مصنع السحاب”، بعدما كانت سُحبت من معرض القاهرة الدولي للكتاب مطلع العام الحالي، ومُنعت من النشر في مصر بحجة ترويجها أفكاراً غير مقبولة كالإلحاد بحسب السلطات المانعة. 

وكان الكاتب المصري، وعلى إثر منع نشر روايته، قد أتاح لمتابعيه على منصة فيسبوك، فرصة قراءة الرواية لفترة محدودة كهدية منه لمناسبة عيد مولده، معتبرًا أن وصولها الى أكبر قدر من الناس هو أفضل تحدّ لسلطات القمع وكم الأفواه.

منع الرواية أم إسكات صاحبها؟ 

تطرح الرواية إشكاليات جدلية وعميقة، الكثير منها متداول في الأدب العالمي والعربي المعاصر، ما يدفع الى الاعتقاد أنّ الرقابة هنا لم تمارس على الرواية نفسها فقط، إنّما مورست على حامد عبد الصمد، في محاولة لحجب فكره، فكأنّ منع النشر هو عقاب للمفكّر الذي تجرّأ على مساءلة الفكر الديني بجرأة وعمق، والتضييق عليه بعدما كرّس نفسه لنقد الإسلام الأصولي والحركات المنبثقة منه.

“مصنع السحاب” عالم فريد من نوعه، والمصنع هنا هو مكان لإنتاج التضليل، تضليل قد يكون سياسيًّا أو دينيًّا أو أيديولوجيًّا، وهناك بعد أن يذهب الناس طوعًا، يصبح رحيلهم ممنوعًا، ووجودهم محفوفًا بالقمع والإكراه، تغيب خصوصية الأفراد، وكل ما يمكن أن ينكّه الحياة (كالملح أو الصويا أو العلاقات العاطفية) يتم حجبه أو على الأقل سيبذل الفرد جهدًا مضنيًا في سبيل الحصول عليه.

اليابان مسرح العمل الروائي 

لا يخفى على القارئ المتابع لأعمال عبد الصمد، أن الكاتب ملتصق بمسائل الأدب الياباني وموضوعاته ومهتم بها، لكن على رغم ذلك لا يُستبعد أن حامد عبد الصمد اختار أجواء بعيدة جدًّا عن العالم العربي والإسلامي كإطار مكاني للرواية، في محاولة منه ربما لتقديم فكرته بعيدًا عن إسقاطات قد يجدها الجمهور جارحة، وذلك تفاديًا لتعريض الرواية للأحكام المسبقة وحملات الكراهية أو إساءة الفهم، ولكن للأسف يبدو أن هذه المحاولة باءت بالفشل.

من الناحية الفنيّة، فإن قدرة الكاتب على استحضار أجواء الأدب الياباني مبهرة، حتى يخال القارئ المتذوق ذلك الأدب أنّ الرواية كُتبت على يد أحد أعلام الرواية اليابانية المعاصرة وترجمت باحتراف للعربيّة، محافظةً على جودتها الأدبية وانسيابية لغتها. مبهرة أيضًا قدرته على تقديم أدب ديستوبي شديد العمق، في عدد صفحات قصير نسبيًّا، كأنها حلقة من مسلسل الخيال العلمي الشهير “بلاك ميرور”. “مصنع السحاب” رواية جاهزة تمامًا لتصبح فيلمًا سينمائيّّا.

شخصيات الرواية وتأويلاتها

ساهمت  براعة الكاتب في استخدام الترميز والتأويل في بناء عالم قادر على تقديم تجربة مميزة بتأويلاتها لكلّ فرد. في رحلة القراءة يضبط القارئ نفسه وهو يبحث عن نظيره بين الشخصيات، فالعمل يقدّم إحاطة بالأنماط المختلفة بين البشر في مقاربة الوجود.

 ففي الحياة، كما في الرواية، ستجد الباحثين عن الملاذ والمعنى في الإيمان الديني، والساعين إلى إسكات ذكائهم الفطري بالبساطة والتغافل، ستجد أيضًا الراضين بالتعرّض للابتزاز العاطفي أو للاستغلال الجنسي مقابل الحصول على القبول. هناك من يحارب الجوع العاطفي بالأكل، أو من يقابل قسوة الحياة عليه بالعدائية غير المبرّرة كآلية دفاعيّة للمواجهة. يسلّط الكتاب الضوء على الاختلافات بين البشر، واستعدادهم الفطري للشر، والتباين في قدرتهم على مواجهة بشاعة الحياة ومآسيها. 

تذهب الرواية أبعد من معناها الأولي، لتبدو في معناها الأعمق مزدحمة بالرموز والتأويلات، فهي تبحث أيضًا في مسألة صناعة الوهم، وامتطاء القضايا وتبنيها التخفيف من عقدة ذنب المشاركة في تكريس العنف ماديًّا ومعنويًّا، وعن العدالة الاجتماعية ومسؤوليتنا الجماعية في المآسي الإنسانيّة، والصمت كفعل تواطؤ وصك موافقة على استمرارية الشر واستفحاله حول العالم، فالمجتمع الذي يرفض الانتحار باعتباره نزعة خطيرة يجب محاربتها، يساهم في تذكية الأرضية المؤدية له، ويتغافل عن المسؤولية الجماعية حول المآسي العامّة.

تفتح الرواية نوافذ النقاش نحو مسائل عدة تؤرق بال الإنسان المعاصر، والرواية قد تكون في تأويلها المتسع تعبيرًا عن الحياة المعاصرة في عصر ما بعد الحداثة نفسها، قلقنا الوجودي فيها، ومحاولات الكثير منا للتمسك بالإيمان الديني للبحث عن المعنى، وهوس الإنتاجية الذي يحاصر فيه السواد الأعظم من البشر، إذ يبدو الكثيرون في بلد مثل اليابان، كفئران الهامستر على عجلة الجري، يركضون بروتين ثابت من دون الوصول إلى أي مكان، والأدوار النمطية المفروضة حول العالم للذكورة والأنوثة، وعقدنا الدفينة المختبئة تحت وطأة الشح العاطفي في الطفولة المبكرة، وشبح الأمومة الذي يحاصر الأطفال والأمهات معًا. 

في الرحلة نحو الموت يستعير الكاتب الاعتراف من المسيحية، ليكون المحطة التي ينزل إليها الإنسان قبل أن تحين ساعة موته، ويحوّله إلى جلسة جماعية في مشهد سينمائي تصويري بالغ التعبير. 

الحياة وأسباب البقاء

ليست الرواية دعوة الى الانتحار، ولا تلطيفًا له، بل على العكس تمامًا، هي محاولة للبحث في أسبابه، قد تكون الإجابة الإنسانية والأخلاقية سهلة حين نُسأل عن رأينا في الحق بالانسحاب من الحياة في حالات الألم الجسدي غير المحدود والأمراض المستعصية، وقد يكون الموت هنا رحيمًا فعلًا، لكن السؤال حول حريتنا المطلقة في تقرير لحظة انسحابنا من الحياة التي لم نقرر عيشها في الأساس، يخلق جدلًا فلسفيًّا أكثر توسعًا، والرواية تنجح هنا في فتح باب لأسئلة جديدة، أحيانًا  يعيش الإنسان أوضاعًا تنتفي معها قدرته على اختيار مسارات حياته أو تسييرها مثلًا، وقد توصل إلى نهايات سوداوية حتمًا، فهل يكون الفاقد مسببات إكمال الحياة بالكامل حرًّا عند اتخاذه قراره بالانسحاب هنا؟ 

 في رحلة البحث عن الأسباب التي تجعل الحياة أكثر قابلية على الاحتمال، وعن سبب تمسكنا بها، يظهر أن “الحبّ” بأشكاله كافة طوق النجاة الأبرز، قد يكون شعورنا بالقبول والاحتضان هو الأقدر على انتشالنا من فخاخ اليأس منذ اللحظة التي تطأ أقدامنا هذا العالم.

الانتحار إذًا لا يبدأ لحظة اتخاذ الإنسان القرار بإنهائه حياته، بل قبل ذلك بكثير، والحياة تبدو في بعدها الرمزي كزجاجة “كلاين”، حيث يجب أن نهدم الحدود بين الذات والآخر، الفرد والمجتمع الداخل والخارج، البداية والنهاية، هكذا فقط قد نستطيع فك شيفرة الحياة.

يتمادى الكاتب بإرباك قارئه بالمعضلات، فيحيلنا إلى مساوئ عصرنا الراهن، وقدرته على تعزيز الشكوك وإيغاله في إذكاء فوضانا النفسية، فمع سيادة عصر الذكاء الاصطناعي والهوية الافتراضية بات من الصعب تحديد ما الذي يجعل الإنسان موجودًا وحاضرًا ومؤثرًا، فهل نحن أمام عصر جديد يتحول حضورنا جميعًا فيه إلى مخلوقات رقمية، وتختلف بذلك نظرتنا الى أساس الحياة والموت؟ 

النهاية كتجلٍّ لفرادة الرواية 

العمل محكم البناء، والتفاصيل فيه محاكة بعناية، بدءًا من اختيار العنوان وصورة الغلاف والتوطئة، وصولًا إلى الخاتمة، على رغم ذلك تبدو الصفحات الأخيرة هي التي رفعت قيمته الأدبية والفلسفية، فقد وظف الكاتب الخيال الاجتماعي وانتقل من الحكاية الفردية إلى البنى الاجتماعية نفسها. صارت الرواية هنا سؤالًا سياسيًّا وجرأة أخلاقيّة، يطالب فيها الكاتب الجميع بالالتفات إلى التناقض عند اتخاذ موقف من القتل حسب زمانه ومكانه، والتفكير في مدى اشتراك الجميع في التأسيس للعنف البنيوي، وفي مساهمة المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية في عالم ما بعد الحداثة في ري وتغذية تربة خصبة للأزمات الوجودية والاختلالات النفسية.

“مصنع السحاب” رواية لم تُكتب لتريح القارئ أو تمتعه، بل عالمٌ صمّم ليشرك القارئ في تجربة قاسية وصادمة، قد تكون رواية غير موجهة الى جميع القرّاء، بحيث من الممكن أن يساء فهمها إذا قرأها شخص غير مستقر نفسيًّا، لكنها أيضًا رواية كُتبت بالكثير من الحكمة والدراية، فالنص متوازن، لم يتخذ فيه الكاتب مواقف صدامية من أي شيء، ولم يهاجم فيه المنظومة القيمية أو الدينية، لكنه في الوقت نفسه لم يعوّل على أي إجابة حتميّة ولم يختبئ خلف أي حائط مقدس ليحتمي من عواصف أسئلة الوجود.

“مصنع السحاب” رواية متوازنة وجريئة وتنويرية حقًّا، وحجبها ليس إلّا كما يحاول حجب الشمس بالغربال.