ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

مصير “الدواعش” المنقولين من سوريا إلى العراق: أي طريق قانونيّ ينتظرهم؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يُعد ملف السجون في العراق من أكثر الملفات تعقيداً، بسبب الاكتظاظ والانتهاكات المتعددة، بما في ذلك إدخال الممنوعات، وغياب البيانات الرسمية حول عدد النزلاء، الذي يقدر بنحو 100 ألف موزعين بين سجون وزارات العدل والداخلية والدفاع، إضافة إلى سجون أجهزة الأمن والاستخبارات. 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

مع تسارع التطورات الأمنية في شمال سوريا وشرقها، ودخول ملف سجون تنظيم داعش مرحلة حرجة، وجد العراق نفسه أمام واحد من أكثر الملفات حساسية منذ هزيمة التنظيم عسكريًا عام 2017: نقل آلاف من معتقلي داعش من الأراضي السورية إلى السجون العراقية.

القرار الذي فرضته تسوية أميركية أثار جدلاً واسعاً داخلياً، وفتح أسئلة قانونية وسياسية وأمنية ومالية معقّدة، تتعلق بالاختصاص القضائي، والعقوبات المحتملة، وحدود المسؤولية الدولية، وكلفة هذا الملف على موازنة الدولة.

خطوة “استباقيّة” بغطاء دولي

الحكومة العراقية تصف خطوة نقل معتقلي داعش بأنها إجراء أمني استباقي فرضته تطورات الميدان السوري، خصوصاً بعد الهجمات على السجون التي كانت تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، ومخاطر فتحها أو فقدان السيطرة عليها.
رئيس الوزراء محمد شياع السوداني أكد أن نقل المعتقلين “جاء للحفاظ على الأمن الوطني العراقي وأمن المنطقة”، مشدداً على أن العراق أثبت قدرته على منع عودة النشاط الإرهابي.

هذا الموقف حظي بدعم أممي وأميركي، إذ رحّبت القيادة المركزية الأميركية بالخطوة، واعتبرتها ضرورية لضمان بقاء عناصر التنظيم في مرافق احتجاز آمنة، فيما دعت واشنطن دول العالم إلى استعادة رعاياها من عناصر داعش وعدم تحميل العراق العبء وحده.

بدأت عملية نقل معتقلي داعش من سوريا إلى العراق بتسليم الدفعة الأولى التي ضمت 150 عنصراً من العراقيين والأجانب، وهو ما يمثل خطوة عملية لتطبيق الخطط الأمنية المشتركة بين بغداد والتحالف الدولي.

تسليم هذه الدفعة يعكس قدرة السلطات العراقية على إدارة الملف بصرامة ووفق بروتوكولات أمنية دقيقة، ويؤكد التزام العراق بتوفير بيئة احتجاز آمنة ومراقبة مشددة. فيما ستتم خطة نقل بقية المعتقلين البالغ عددهم نحو 7 آلاف، على دفعات متتابعة لضمان السيطرة الكاملة ومنع أي فرار جماعي أو اضطراب أمني.

من طلب التسليم؟ رواية استخبارية

يكشف المتخصص بشؤون التنظيمات الإرهابية أحمد محسن، أن العراق هو من طالب منذ عام 2019 بتسلّم عناصر داعش المعتقلين في سوريا، عبر لجنة خاصة أُنشئت بإشراف مستشارية الأمن القومي وتنفيذ مباشر من جهاز المخابرات العراقي.

ويؤكد محسن أن الأجهزة الاستخبارية العراقية بنت خلال ست سنوات قاعدة بيانات متكاملة عن معتقلي التنظيم، تشمل الأسماء، الجنسيات، الرتب التنظيمية، البصمات البيومترية، وحتى طبيعة الدور الذي أدّاه كل عنصر داخل داعش، بهدف محاكمتهم ومنع أي سيناريو هروب أو إعادة تدوير أمني لهم.

السؤال المركزي: من يحاكم من؟

بحسب المحامي والخبير القانوني وليد الشبيبي، فإن القانون العراقي يعتمد على ثلاثة أسس رئيسية للاختصاص، وهي  الاختصاص الشخصي (جنسية المتهم)، والمكاني (مكان وقوع الجريمة)، والموضوعي (طبيعة الجريمة والضحايا).

وبناءً على ذلك: العراقيون المنتمون الى داعش أو المتورطون بجرائم داخل العراق يُحاكمون حصراً أمام القضاء العراقي،  والأجانب الذين ارتكبوا جرائم داخل الأراضي العراقية أو ضد عراقيين يخضعون أيضاً للقضاء العراقي. 

أما الأجانب الذين لم يثبت تورطهم بجرائم داخل العراق، فيُفترض قانوناً تسليمهم إلى دولهم وفق مبدأ تنازع القوانين والمعاملة بالمثل.

الإعدام.. بين النص والواقع

لا يستبعد الشبيبي صدور أحكام بالإعدام بحق متورطين بجرائم كبرى، لكنه يشير إلى إشكالية دستورية مزمنة تتمثل في اشتراط مصادقة رئيس الجمهورية على أحكام الإعدام، ما عطّل تنفيذ الغالبية العظمى منها منذ سنوات، لتبقى الأحكام حبيسة الأدراج على رغم صدورها القضائي.

تنصّ قوانين مكافحة الإرهاب على أن العقوبة بحق المنتمين الى داعش قد تصل إلى السجن المؤبد أو الإعدام.

ذاكرة السجون ومخاوف التكرار

الجدل الشعبي حول نقل المعتقلين لا ينفصل عن ذاكرة هروب سجناء أبو غريب والتاجي عام 2013، الذي مهّد لاحقاً لتمدد داعش.
الحكومة تؤكد أن تكرار هذا السيناريو “غير ممكن” اليوم، في ظل اختلاف الواقع الأمني، وتوزيع المعتقلين على سجون اتحادية محصّنة عدة، على رغم الاعتراف بمشكلة الاكتظاظ، خصوصاً في سجن الناصرية المركزي.

الكلفة المالية

إلى جانب الجوانب القانونية والأمنية، يبرز الملف المالي كأحد أكثر عناصر الجدل حساسية.
تشير تقديرات متخصصة إلى أن السجين الواحد يكلّف الدولة العراقية نحو 9 آلاف دينار يومياً كتكاليف ثلاث وجبات طعام فقط، في حين تؤكد مصادر حكومية أن الكلفة الحقيقية تصل إلى 25 ألف دينار يومياً، تشمل الغذاء، الحراسة، الخدمات الطبية، والإدارة والتشغيل.

في هذا السياق، حدّد الخبير المالي حيدر الشيخ كلفة الطعام للسجين الواحد بنحو 270 ألف دينار شهرياً، أي ما يعادل 3 ملايين و250 ألف دينار سنوياً، من دون احتساب باقي المستلزمات.

ويبيّن الشيخ أن نقل نحو 7 آلاف معتقل من داعش سيكلّف الدولة العراقية، أكثر من 60 مليون دينار يومياً كمخصصات طعام فقط، ونحو 18 ملياراً و900 مليون دينار شهرياً، وأكثر من 250 مليار دينار سنوياً عند احتساب الطعام والملابس والمستلزمات الأخرى.

في المقابل، يكشف مصدر حكومي مسؤول أن الكلفة التشغيلية الكاملة لاحتجاز السجين الواحد تبلغ 25 ألف دينار يومياً، ما يعني إضافة سنوية على الموازنة قد تتراوح بين 30 إلى 40 مليون دولار، وهو عبء وصفه المصدر بأنه “ضغط حقيقي” على موازنة تعاني أصلاً من تراجع أسعار النفط وتقلّب الإيرادات.

واقع السجون العراقيّة

يُعد ملف السجون في العراق من أكثر الملفات تعقيداً، بسبب الاكتظاظ والانتهاكات المتعددة، بما في ذلك إدخال الممنوعات، وغياب البيانات الرسمية حول عدد النزلاء، الذي يقدر بنحو 100 ألف موزعين بين سجون وزارات العدل والداخلية والدفاع، إضافة إلى سجون أجهزة الأمن والاستخبارات. 

وأكدت شبكة العدالة للسجناء أن أكثر من 80 في المئة من المباني قديمة وغير صالحة للعيش، ولا توجد تصنيفات واضحة بين المتهمين بالقتل، الإرهاب أو الجنح البسيطة، ما يزيد المخاطر الصحية والأمنية.

 وأعلنت لجنة حقوق الإنسان البرلمانية أن نسبة الاكتظاظ بلغت نحو 300 في المئة، مع تأكيد أهمية مقترح قانون العقوبات البديلة لمعالجة الأزمة. وشدد وفد معهد القانون الدولي وحقوق الإنسان على ضرورة تشريع القانون، ومتابعة لجنة حقوق الإنسان لواجبها التشريعي، لضمان تحسين ظروف الاحتجاز، الحد من المخاطر الصحية، ووضع آليات إصلاحية تواكب المعايير الدولية لحماية حقوق النزلاء وإعادة تأهيلهم.

يُمثل نقل معتقلي داعش إلى العراق تحدياً مزدوجاً، أمنياً ومالياً، وسط ظروف سجون تعاني أصلاً من الاكتظاظ والافتقار الى البنى التحتية الملائمة. 

على رغم الاستعدادات الأمنية المكثفة، يبقى احتمال حدوث خروقات أو محاولات هروب وارداً، بخاصة مع العدد الكبير للمعتقلين وتنوع جنسياتهم ومستوياتهم التنظيمية. كما أن الضغط المالي على الموازنة العراقية سيكون ملموساً، مع محدودية الموارد وإمكانية تأثير ذلك على الخدمات الأساسية الأخرى. وفي الوقت نفسه، توفر هذه الخطوة فرصة لتعزيز قدرات العراق القضائية والأمنية، وإثبات التزامه بالقوانين المحلية والدولية، مع إعادة تقييم استراتيجية الاحتجاز والإصلاح لمعالجة أزمة السجون بشكل مستدام.

“لا ينبغي أن يتحمّلها العراق وحده”

وزير الخارجية فؤاد حسين شدّد في اتصاله مع مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، على أن أعباء هذا الملف الأمنية والمالية لا ينبغي أن يتحملها العراق بمفرده، مؤكداً أن مسؤولية التعامل مع معتقلي داعش تقع على عاتق جميع الدول المعنية، ولا سيما تلك التي ينتمي إليها المعتقلون الأجانب.

ملف معتقلي عناصر داعش المنقولين من سوريا إلى العراق لم يعد قضية أمنية فحسب، بل هو اختبار شامل لقدرة الدولة العراقية على إدارة العدالة، والسيادة، والاقتصاد، والالتزامات الدولية في آن.

العراق وفق المعطيات، تحرّك بدافع أمني استباقي، لكنه في المقابل يطالب المجتمع الدولي بتحمّل نصيبه من المسؤولية، سواء عبر استعادة رعاياه أو تقديم دعم مالي وقانوني حقيقي، فيما يبقى الحسم النهائي لهذا الملف رهناً بما ستقوله المحاكم وبما ستحتمله الموازنة.

عاصم الشميري-صحافي يمني | 18.07.2026

من الطالبة إلى الزينبية: كيف بنت جماعة الحوثي منظومتها لجندرة العنف وتجنيد النساء

لم يكن انخراط النساء في مشروع جماعة الحوثي وليد اللحظة، بقدر ما كان نتاج مسار بدأ منذ الحروب الأولى، ومع مرور الوقت، تحوّلت اللقاءات النسائية المرتبطة بالمناسبات الدينية إلى منصّات للتعبئة الفكرية.
26.01.2026
زمن القراءة: 5 minutes

يُعد ملف السجون في العراق من أكثر الملفات تعقيداً، بسبب الاكتظاظ والانتهاكات المتعددة، بما في ذلك إدخال الممنوعات، وغياب البيانات الرسمية حول عدد النزلاء، الذي يقدر بنحو 100 ألف موزعين بين سجون وزارات العدل والداخلية والدفاع، إضافة إلى سجون أجهزة الأمن والاستخبارات. 

مع تسارع التطورات الأمنية في شمال سوريا وشرقها، ودخول ملف سجون تنظيم داعش مرحلة حرجة، وجد العراق نفسه أمام واحد من أكثر الملفات حساسية منذ هزيمة التنظيم عسكريًا عام 2017: نقل آلاف من معتقلي داعش من الأراضي السورية إلى السجون العراقية.

القرار الذي فرضته تسوية أميركية أثار جدلاً واسعاً داخلياً، وفتح أسئلة قانونية وسياسية وأمنية ومالية معقّدة، تتعلق بالاختصاص القضائي، والعقوبات المحتملة، وحدود المسؤولية الدولية، وكلفة هذا الملف على موازنة الدولة.

خطوة “استباقيّة” بغطاء دولي

الحكومة العراقية تصف خطوة نقل معتقلي داعش بأنها إجراء أمني استباقي فرضته تطورات الميدان السوري، خصوصاً بعد الهجمات على السجون التي كانت تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، ومخاطر فتحها أو فقدان السيطرة عليها.
رئيس الوزراء محمد شياع السوداني أكد أن نقل المعتقلين “جاء للحفاظ على الأمن الوطني العراقي وأمن المنطقة”، مشدداً على أن العراق أثبت قدرته على منع عودة النشاط الإرهابي.

هذا الموقف حظي بدعم أممي وأميركي، إذ رحّبت القيادة المركزية الأميركية بالخطوة، واعتبرتها ضرورية لضمان بقاء عناصر التنظيم في مرافق احتجاز آمنة، فيما دعت واشنطن دول العالم إلى استعادة رعاياها من عناصر داعش وعدم تحميل العراق العبء وحده.

بدأت عملية نقل معتقلي داعش من سوريا إلى العراق بتسليم الدفعة الأولى التي ضمت 150 عنصراً من العراقيين والأجانب، وهو ما يمثل خطوة عملية لتطبيق الخطط الأمنية المشتركة بين بغداد والتحالف الدولي.

تسليم هذه الدفعة يعكس قدرة السلطات العراقية على إدارة الملف بصرامة ووفق بروتوكولات أمنية دقيقة، ويؤكد التزام العراق بتوفير بيئة احتجاز آمنة ومراقبة مشددة. فيما ستتم خطة نقل بقية المعتقلين البالغ عددهم نحو 7 آلاف، على دفعات متتابعة لضمان السيطرة الكاملة ومنع أي فرار جماعي أو اضطراب أمني.

من طلب التسليم؟ رواية استخبارية

يكشف المتخصص بشؤون التنظيمات الإرهابية أحمد محسن، أن العراق هو من طالب منذ عام 2019 بتسلّم عناصر داعش المعتقلين في سوريا، عبر لجنة خاصة أُنشئت بإشراف مستشارية الأمن القومي وتنفيذ مباشر من جهاز المخابرات العراقي.

ويؤكد محسن أن الأجهزة الاستخبارية العراقية بنت خلال ست سنوات قاعدة بيانات متكاملة عن معتقلي التنظيم، تشمل الأسماء، الجنسيات، الرتب التنظيمية، البصمات البيومترية، وحتى طبيعة الدور الذي أدّاه كل عنصر داخل داعش، بهدف محاكمتهم ومنع أي سيناريو هروب أو إعادة تدوير أمني لهم.

السؤال المركزي: من يحاكم من؟

بحسب المحامي والخبير القانوني وليد الشبيبي، فإن القانون العراقي يعتمد على ثلاثة أسس رئيسية للاختصاص، وهي  الاختصاص الشخصي (جنسية المتهم)، والمكاني (مكان وقوع الجريمة)، والموضوعي (طبيعة الجريمة والضحايا).

وبناءً على ذلك: العراقيون المنتمون الى داعش أو المتورطون بجرائم داخل العراق يُحاكمون حصراً أمام القضاء العراقي،  والأجانب الذين ارتكبوا جرائم داخل الأراضي العراقية أو ضد عراقيين يخضعون أيضاً للقضاء العراقي. 

أما الأجانب الذين لم يثبت تورطهم بجرائم داخل العراق، فيُفترض قانوناً تسليمهم إلى دولهم وفق مبدأ تنازع القوانين والمعاملة بالمثل.

الإعدام.. بين النص والواقع

لا يستبعد الشبيبي صدور أحكام بالإعدام بحق متورطين بجرائم كبرى، لكنه يشير إلى إشكالية دستورية مزمنة تتمثل في اشتراط مصادقة رئيس الجمهورية على أحكام الإعدام، ما عطّل تنفيذ الغالبية العظمى منها منذ سنوات، لتبقى الأحكام حبيسة الأدراج على رغم صدورها القضائي.

تنصّ قوانين مكافحة الإرهاب على أن العقوبة بحق المنتمين الى داعش قد تصل إلى السجن المؤبد أو الإعدام.

ذاكرة السجون ومخاوف التكرار

الجدل الشعبي حول نقل المعتقلين لا ينفصل عن ذاكرة هروب سجناء أبو غريب والتاجي عام 2013، الذي مهّد لاحقاً لتمدد داعش.
الحكومة تؤكد أن تكرار هذا السيناريو “غير ممكن” اليوم، في ظل اختلاف الواقع الأمني، وتوزيع المعتقلين على سجون اتحادية محصّنة عدة، على رغم الاعتراف بمشكلة الاكتظاظ، خصوصاً في سجن الناصرية المركزي.

الكلفة المالية

إلى جانب الجوانب القانونية والأمنية، يبرز الملف المالي كأحد أكثر عناصر الجدل حساسية.
تشير تقديرات متخصصة إلى أن السجين الواحد يكلّف الدولة العراقية نحو 9 آلاف دينار يومياً كتكاليف ثلاث وجبات طعام فقط، في حين تؤكد مصادر حكومية أن الكلفة الحقيقية تصل إلى 25 ألف دينار يومياً، تشمل الغذاء، الحراسة، الخدمات الطبية، والإدارة والتشغيل.

في هذا السياق، حدّد الخبير المالي حيدر الشيخ كلفة الطعام للسجين الواحد بنحو 270 ألف دينار شهرياً، أي ما يعادل 3 ملايين و250 ألف دينار سنوياً، من دون احتساب باقي المستلزمات.

ويبيّن الشيخ أن نقل نحو 7 آلاف معتقل من داعش سيكلّف الدولة العراقية، أكثر من 60 مليون دينار يومياً كمخصصات طعام فقط، ونحو 18 ملياراً و900 مليون دينار شهرياً، وأكثر من 250 مليار دينار سنوياً عند احتساب الطعام والملابس والمستلزمات الأخرى.

في المقابل، يكشف مصدر حكومي مسؤول أن الكلفة التشغيلية الكاملة لاحتجاز السجين الواحد تبلغ 25 ألف دينار يومياً، ما يعني إضافة سنوية على الموازنة قد تتراوح بين 30 إلى 40 مليون دولار، وهو عبء وصفه المصدر بأنه “ضغط حقيقي” على موازنة تعاني أصلاً من تراجع أسعار النفط وتقلّب الإيرادات.

واقع السجون العراقيّة

يُعد ملف السجون في العراق من أكثر الملفات تعقيداً، بسبب الاكتظاظ والانتهاكات المتعددة، بما في ذلك إدخال الممنوعات، وغياب البيانات الرسمية حول عدد النزلاء، الذي يقدر بنحو 100 ألف موزعين بين سجون وزارات العدل والداخلية والدفاع، إضافة إلى سجون أجهزة الأمن والاستخبارات. 

وأكدت شبكة العدالة للسجناء أن أكثر من 80 في المئة من المباني قديمة وغير صالحة للعيش، ولا توجد تصنيفات واضحة بين المتهمين بالقتل، الإرهاب أو الجنح البسيطة، ما يزيد المخاطر الصحية والأمنية.

 وأعلنت لجنة حقوق الإنسان البرلمانية أن نسبة الاكتظاظ بلغت نحو 300 في المئة، مع تأكيد أهمية مقترح قانون العقوبات البديلة لمعالجة الأزمة. وشدد وفد معهد القانون الدولي وحقوق الإنسان على ضرورة تشريع القانون، ومتابعة لجنة حقوق الإنسان لواجبها التشريعي، لضمان تحسين ظروف الاحتجاز، الحد من المخاطر الصحية، ووضع آليات إصلاحية تواكب المعايير الدولية لحماية حقوق النزلاء وإعادة تأهيلهم.

يُمثل نقل معتقلي داعش إلى العراق تحدياً مزدوجاً، أمنياً ومالياً، وسط ظروف سجون تعاني أصلاً من الاكتظاظ والافتقار الى البنى التحتية الملائمة. 

على رغم الاستعدادات الأمنية المكثفة، يبقى احتمال حدوث خروقات أو محاولات هروب وارداً، بخاصة مع العدد الكبير للمعتقلين وتنوع جنسياتهم ومستوياتهم التنظيمية. كما أن الضغط المالي على الموازنة العراقية سيكون ملموساً، مع محدودية الموارد وإمكانية تأثير ذلك على الخدمات الأساسية الأخرى. وفي الوقت نفسه، توفر هذه الخطوة فرصة لتعزيز قدرات العراق القضائية والأمنية، وإثبات التزامه بالقوانين المحلية والدولية، مع إعادة تقييم استراتيجية الاحتجاز والإصلاح لمعالجة أزمة السجون بشكل مستدام.

“لا ينبغي أن يتحمّلها العراق وحده”

وزير الخارجية فؤاد حسين شدّد في اتصاله مع مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، على أن أعباء هذا الملف الأمنية والمالية لا ينبغي أن يتحملها العراق بمفرده، مؤكداً أن مسؤولية التعامل مع معتقلي داعش تقع على عاتق جميع الدول المعنية، ولا سيما تلك التي ينتمي إليها المعتقلون الأجانب.

ملف معتقلي عناصر داعش المنقولين من سوريا إلى العراق لم يعد قضية أمنية فحسب، بل هو اختبار شامل لقدرة الدولة العراقية على إدارة العدالة، والسيادة، والاقتصاد، والالتزامات الدولية في آن.

العراق وفق المعطيات، تحرّك بدافع أمني استباقي، لكنه في المقابل يطالب المجتمع الدولي بتحمّل نصيبه من المسؤولية، سواء عبر استعادة رعاياه أو تقديم دعم مالي وقانوني حقيقي، فيما يبقى الحسم النهائي لهذا الملف رهناً بما ستقوله المحاكم وبما ستحتمله الموازنة.

26.01.2026
زمن القراءة: 5 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية