ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

معارضون مصريون: السجن أو متاهات المنفى…

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لا يوجد حصر للمصريين في المنفى منذ حزيرن/ يونيو 2013، على الرغم من تقديرات بأنهم بالآلاف، بخاصة بعد أحداث فض رابعة، لكنهم يعانون مما يُعرف بالقمع العابر للحدود، إذ وثقت تقارير صحافية امتناع المؤسسات الدبلوماسية عن تجديد وثائقهم وجوازات السفر وحتى الامتناع عن تسجيل مواليدهم.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

“أخاف أن أمرض، لأنني وحيدة ولا أعرف من يعتني بي”… بهذه العبارة لخّصت المعارضة المصرية سارة مهنى وضعها، إذ وجدت نفسها مضطرة إلى الهروب إلى المنفى، بعد تمضيتها فترة قصيرة في السجن على خلفية اتّهامها بتأسيس جماعة محظورة، والتحريض على التظاهر، وتعطيل مؤسسات الدولة، وتلقّي أموال لتنفيذ أعمال إرهابية، وإثارة الشغب ضد اتفاقية ترسيم الحدود الخاصة بـ”تيران وصنافير”. 

وكانت سارة اعتقلت في آب/ أغسطس 2017 من حديقة الأزهر أثناء احتفالها مع أصدقائها بعيد الفطر، واتُّهمت هي وزملاؤها بتأسيس ما عُرف بـ”اتحاد الجرابيع”. إلا أنها ترى أن اعتقالها كان على خلفية مشاركتها في الاحتجاجات التي شهدتها مصر منذ نيسان/ أبريل 2016، اعتراضًا على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، التي انتقلت بموجبها تبعية جزيرتي تيران وصنافير المصريتين إلى السعودية، فيما اعتبرته المعارضة بيعًا للجزيرتين.

غادرت سارة مصر مطلع عام 2018، ليس لأنها خططت لحياة جديدة في الخارج، بل لأنها كانت تحاول الإفلات من دوامة رأت أنها لن تنتهي. فبعد إحالة القضية المتهمة فيها بسرعة إلى محكمة أمن الدولة، أدركت أن المحاكمة السريعة ليست سوى بداية لمسار أطول، في ظل قضايا أخرى سبق أن خضعت للتحقيق فيها بالاتهامات نفسها.

سارة واحدة من مئات الناشطين السياسيين الذين غادروا مصر هربًا من الملاحقة الأمنية، في منفى اختياري لا يستطيعون العودة منه. بعضهم استطاع أن يستقر ويبني حياة في المنفى، بينما واجه آخرون عقبات عدة، تبدأ من صعوبة الحصول على إقامة والملاحقة الأمنية في بلد المنفى، ولا تنتهي عند عدم القدرة على العمل أو التعلم. وهناك من ظل معلقًا بالوطن على أمل عودة لا يعتقد أنها قريبة، ومن يعاني مما يُعرف بالقمع العابر للحدود.

تقول سارة إنها لم تكن تخشى الحكم في قضية بعينها بقدر ما كانت تخشى أن يتحول السجن إلى إقامة مفتوحة على قضايا جديدة، وأن تمتد كلفة قرارها السياسي إلى أسرتها، التي تصف الشهرين ونصف الشهر التي أمضتها رهن الحبس بأنها كانت كفيلة بتعطيل حياة العائلة كلها. عندها اتخذت قرار المغادرة، ليس باعتباره اختياراً، بل باعتباره أقل الخيارات قسوة.

وبحسب سارة، فإنها حين غادرت من القاهرة إلى ماليزيا كانت تتعامل مع الأمر على أنه رحلة قصيرة، وأن غيابها لن يطول إلا بقدر فترة المحاكمة فقط. وحتى بعد صدور الحكم، ظلت لسنوات تؤجل بناء أي حياة جديدة، متمسكة بفكرة العودة أكثر من تمسكها بأي مستقبل آخر. وتقول إن السنوات الأولى في المنفى لم تكن حياة بالمعنى الكامل، بل انتظارًا طويلًا لعودة لم تأتِ، ولذلك ظلت تؤجل العمل والاستقرار وحتى اتخاذ قراراتها الشخصية، وكأن حياتها الحقيقية ما زالت معلقة في المدينة التي غادرتها.

لكن المنفى لم يكن محطة واحدة. فمن ماليزيا إلى كوريا الجنوبية، حيث عانت من التضييق وسُحبت إقامتها، ثم إلى إيطاليا مرورًا بألمانيا، كانت كل محاولة للاستقرار تنتهي بعقبة جديدة: تضييق على الإقامة، أو تعقيدات بيروقراطية، أو عزلة فرضتها جائحة كورونا وتسببت في إصابتها بالاكتئاب، ولا سيما بعد نقلها إلى جنوب إيطاليا، حيث تختلف اللهجة والثقافة عن روما. ولم تعد المشكلة مقتصرة على فقدان الوطن، بل امتدت إلى فقدان الإحساس بالثبات. وتقول إن أكثر ما يرهقها اليوم ليس فقط البعد عن أسرتها، التي لم ترها منذ ما يقارب التسع سنوات، بل ذلك الشعور الدائم بأن حياتها مؤقتة، وأن عليها في كل بلد أن تبدأ من الصفر، وأن تثبت جدارتها أكثر من غيرها لمجرد أنها لاجئة.

بعد سنوات من الخروج، لم تعد سارة تقيس المنفى بعدد الدول التي عبرتها، بل بعدد الأشياء التي فقدت معناها. فالنوم صار موعدًا مع الكوابيس، وأسوأها على الإطلاق كابوس المطاردة في مصر وعدم القدرة على الخروج. وبسبب تلك الكوابيس والمعاناة النفسية، أصبح العلاج النفسي والأدوية هما الحل الوحيد لاستكمال حياتها. وتقول إنها لا تعرف لماذا تعاني من هذا كله، على الرغم من أنها لم ترتكب أي جريمة سوى الدفاع عن أرض الوطن من البيع.

كانت سارة محظوظة، إذ قُبل طلب لجوئها خلال ثلاثة أشهر فقط. لكن، على عكسها، لم يكن سيد منسي محظوظًا بالقدر نفسه، إذ لم يُبت في طلب اللجوء الذي قدّمه في جنوب أفريقيا منذ عامين.

يكتب سيد عبر صفحته على “فيس بوك” معبرًا عن وضعه الذي لم يعد فيه موجودًا، قائلًا: “لم يعد الخوف مجرد شعور، بل واقعًا نعيشه كل يوم. وخلال هذه الأحداث فقدت المكان الذي كنت أعيش فيه، وأصبحت بلا مأوى حقيقي، أتنقل من مكان إلى آخر وأنا لا أعرف أين سأكون غدًا. أشعر أحيانًا أنني أصبحت غير مرئي. لا أنتمي إلى أي مكان، ولا يسمع أحد صرختي إلا للحظات، ثم يمضي الجميع إلى حياتهم، بينما أبقى أنا هنا، أواجه مصيري وحدي”.

وسيد منسي واحد من شباب ثورة يناير. فقد انطلقت الثورة وهو ابن 16 عامًا فقط، ولم يكمل عامه العشرين حتى اعتُقل في تظاهرة لإحياء ذكرى الثورة عام 2015، حيث تعرّض للتعذيب. ثم اعتُقل مرة أخرى في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام نفسه، خلال تظاهرة صغيرة لإحياء ذكرى أحداث محمد محمود، ليتعرّض للتعذيب مرة أخرى في قسم الشرطة، قبل أن يُنقل إلى السجن، حيث بقي حتى صدور حكم ببراءته في نيسان/ أبريل 2016. وبعدها شارك في تظاهرات “الأرض” اعتراضًا على بيع تيران وصنافير، فاعتُقل مجددًا مطلع عام 2017، وظل رهن الحبس حتى عام 2018. وحتى بعد إخلاء سبيله، تعرّض للإخفاء القسري قبل حبسه على ذمة قضية أخرى، في دوامة لم تنتهِ حتى عام 2019، حين استطاع الهروب خارج مصر إلى أذربيجان، ومنها حاول الوصول إلى ماليزيا أو جورجيا، لكن رُفض دخوله إلى البلدين، ما اضطره إلى السفر إلى أفريقيا، متنقلًا من كينيا إلى موزمبيق، قبل أن يدخل جنوب أفريقيا بطريقة غير شرعية ليلتمس اللجوء، إلا أن طلبه لم يُبت فيه حتى الآن، ليبقى سيد هاربًا من سجنه الأصغر في مصر إلى سجن بلا قضبان، بحسب وصفه، ولا سيما في ظل موجات التحريض ضد اللاجئين.

لا يوجد حصر للمصريين في المنفى منذ حزيرن/ يونيو 2013، على الرغم من تقديرات بأنهم بالآلاف، بخاصة بعد أحداث فض رابعة، لكنهم يعانون مما يُعرف بالقمع العابر للحدود، إذ وثقت تقارير صحافية امتناع المؤسسات الدبلوماسية عن تجديد وثائقهم وجوازات السفر وحتى الامتناع عن تسجيل مواليدهم.

غادر “محمود عامر” (اسم مستعار)، وهو إعلامي مصري، بلاده معتقدًا أن غيابه لن يتجاوز البضعة أشهر. كان يظن أن العاصفة ستهدأ، وأنه سيعود إلى عمله وحياته بمجرد انقضاء الأزمة التي وجد نفسه في قلبها بسبب عمله الإعلامي. لكن بعد مغادرته، علم من محامين وأصدقاء أن اسمه أُدرج على قوائم الترقب والوصول، لتتحول الرحلة المؤقتة إلى منفى مفتوح لا يعرف متى ينتهي.

شارك محمود، قبل سنوات عدة، في مشروع إعلامي، لكنه لم يكن يعلم أن هذا المشروع تابع لمؤسسة إعلامية غير مرغوب فيها في مصر، ما تسبب في ملاحقة العاملين فيها، ومن بينهم هو. إلا أنه استطاع الهرب إلى خارج مصر، معتقدًا أن حالة الهرب هذه لن تتجاوز بضعة أشهر تهدأ خلالها العاصفة.

يقول محمود إن قرار المغادرة لم يكن مرتبطًا بانتماء سياسي أو نشاط معارض، بل بإدراكه أن ممارسة الصحافة في مصر أصبحت محفوفة بالمخاطر. ويضيف: “أنا لا أعتبر نفسي معارضًا بالمعنى التقليدي، ولم أكن منخرطًا في أي نشاط سياسي. كل ما في الأمر أنني كنت أمارس عملي، ثم قيل إن ما أفعله يضر بالدولة”.

وعلى خلاف كثيرين، استطاع محمود تسوية وضعه القانوني في البلد الذي يقيم فيه، متنقلًا بين أنواع مختلفة من الإقامات، كما تمكن من تجديد جواز سفره عبر السفارة المصرية لأنه لا يواجه حكمًا قضائيًا. لكنه يرى أن هذا الاستقرار يظل هشًا، إذ ترتبط معاملات رسمية كثيرة ببطاقة الرقم القومي، التي لا يمكن تجديدها إلا من داخل مصر، وهو ما يجعل كل إجراء إداري مصدر قلق جديداً.

وبحسب محمود، فإن حياته في الخارج صعبة على المستوى المعيشي، لكنه يعتبرها حياة قائمة على التكيف المستمر، مشددًا على أن الاندماج لم يكن خيارًا بقدر ما كان ضرورة، لذلك حاول أن يبني حياة هادئة بعيدًا عن أي نشاط سياسي أو عام، وأن يظل غير مرئي قدر الإمكان.

وعلى الرغم من أنه يقيم في بلد لا يشهد تصاعدًا لخطابات الكراهية ضد المهاجرين، ولا يشعر فيه بتهديد مباشر، فإن الإحساس بالأمان يبقى ناقصًا. فالأمان، كما يصفه، ليس مجرد غياب الخطر الأمني، بل هو أيضًا أن يكون الإنسان في بلده، وبين عائلته، ويعرف أن هناك من يمكنه اللجوء إليه إذا تعرض لأزمة.

يقول محمود: “تشعر أنك في أمان لأنك بعيد عن الخطر الذي خرجت هربًا منه، لكنك، في الوقت نفسه، تدرك أنك وحدك. لو واجهتك مشكلة، أو احتجت إلى دعم، لا تشعر أن هناك من يستطيع أن يقوم بهذا الدور، حتى السفارة لا تراها ملاذًا حقيقيًا للمصريين في الخارج”.

وبعد سنوات من المنفى، لم تعد الإجراءات القانونية أو أوراق الإقامة هي أكثر ما يثقله، بل المسافة التي تفصله عن أسرته. ويقول إن أصعب ما يواجهه هو اعتياد الغياب؛ أن تتحول المناسبات العائلية إلى مكالمات عبر الهاتف، وأن يصبح لقاء الأهل مؤجلًا إلى أجل غير معلوم، في ظل صعوبة انتقالهم للإقامة معه أو انتقاله هو لزيارتهم. 

يضيف محمود: “بعد كل هذه السنوات، اكتشفت أن أصعب ما في المنفى ليس البداية، بل استمراره؛ أن تستيقظ كل يوم وأنت تعرف أن حياتك تمضي في مكان، بينما أهلك يعيشون حياتهم في مكان آخر، وأنك لا تملك سوى أن تتابع ذلك كله من بعيد”.

أما نهى الشناوي، أو نهى عبير كما تحب أن تنسب نفسها إلى والدتها، فلم يتم القبض عليها، إلا أنها شعرت بالخوف الشديد بعد مصادرة جواز سفرها أثناء محاولتها السفر في رحلة عمل تابعة للمؤسسة الحقوقية التي تعمل بها، ثم استدعائها للتحقيق أكثر من مرة، ما جعلها تدرك أن الأمر مسألة وقت قبل أن تصبح رقمًا ضمن أرقام المعتقلين. لذلك قررت الخروج من مصر، واستطاعت السفر في أيلول/ سبتمبر 2024 بعد تجديد جواز سفرها.

لم تحاول نهى التوجه إلى أوروبا، وإنما انطلقت إلى موريشيوس، وهي دولة لم توقّع على اتفاقية اللجوء، لكنها استطاعت الحصول على اللجوء إلكترونيًا لدى أقرب دولة موقعة على الاتفاقية، وهي جنوب أفريقيا. لكنها، كلاجئة في موريشيوس، لا يحق لها الحصول على الخدمات الصحية أو التعليم أو العمل، ما يضعها تحت ضغط مادي، ويجعل حياتها شبه متوقفة، مع أوقات فراغ كبيرة لا تملؤها إلا بالمكالمات مع أصدقائها في مصر.

وتعاني نهى أيضًا من الخوف. فموريشيوس دولة آمنة نهارًا، لكنها، كسائر الجزر، تضم مساحات واسعة لا تصل إليها الإضاءة ليلًا، وتتوقف فيها وسائل المواصلات. كما تخشى التقرب من أي شخص، لأنها إذا تعرضت لأزمة فلن يستطيع أحد إنقاذها. ويزيد من حرصها في التعامل مع المواطنين ما تتعرض له فئات من اللاجئين في موريشيوس من هجمات، إذ تخشى أن تتعرض لمضايقات ردًا على ذلك.

قد يختلف وضع نهى عن سارة ومحمود وسيد، لكن في النهاية يبقى المستقبل بالنسبة إليهم جميعًا، ولمن هم في مثل حالتهم، سؤالًا مفتوحًا أكثر منه مشروعًا واضحًا. وقد يشعر بعضهم بالأمان، لكنه يبقى أمانًا مشروطًا؛ أمانًا لا يعني الطمأنينة بقدر ما يعني أنهم ليسوا في المكان الذي يخشون العودة إليه.

24.07.2026
زمن القراءة: 8 minutes

لا يوجد حصر للمصريين في المنفى منذ حزيرن/ يونيو 2013، على الرغم من تقديرات بأنهم بالآلاف، بخاصة بعد أحداث فض رابعة، لكنهم يعانون مما يُعرف بالقمع العابر للحدود، إذ وثقت تقارير صحافية امتناع المؤسسات الدبلوماسية عن تجديد وثائقهم وجوازات السفر وحتى الامتناع عن تسجيل مواليدهم.

“أخاف أن أمرض، لأنني وحيدة ولا أعرف من يعتني بي”… بهذه العبارة لخّصت المعارضة المصرية سارة مهنى وضعها، إذ وجدت نفسها مضطرة إلى الهروب إلى المنفى، بعد تمضيتها فترة قصيرة في السجن على خلفية اتّهامها بتأسيس جماعة محظورة، والتحريض على التظاهر، وتعطيل مؤسسات الدولة، وتلقّي أموال لتنفيذ أعمال إرهابية، وإثارة الشغب ضد اتفاقية ترسيم الحدود الخاصة بـ”تيران وصنافير”. 

وكانت سارة اعتقلت في آب/ أغسطس 2017 من حديقة الأزهر أثناء احتفالها مع أصدقائها بعيد الفطر، واتُّهمت هي وزملاؤها بتأسيس ما عُرف بـ”اتحاد الجرابيع”. إلا أنها ترى أن اعتقالها كان على خلفية مشاركتها في الاحتجاجات التي شهدتها مصر منذ نيسان/ أبريل 2016، اعتراضًا على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، التي انتقلت بموجبها تبعية جزيرتي تيران وصنافير المصريتين إلى السعودية، فيما اعتبرته المعارضة بيعًا للجزيرتين.

غادرت سارة مصر مطلع عام 2018، ليس لأنها خططت لحياة جديدة في الخارج، بل لأنها كانت تحاول الإفلات من دوامة رأت أنها لن تنتهي. فبعد إحالة القضية المتهمة فيها بسرعة إلى محكمة أمن الدولة، أدركت أن المحاكمة السريعة ليست سوى بداية لمسار أطول، في ظل قضايا أخرى سبق أن خضعت للتحقيق فيها بالاتهامات نفسها.

سارة واحدة من مئات الناشطين السياسيين الذين غادروا مصر هربًا من الملاحقة الأمنية، في منفى اختياري لا يستطيعون العودة منه. بعضهم استطاع أن يستقر ويبني حياة في المنفى، بينما واجه آخرون عقبات عدة، تبدأ من صعوبة الحصول على إقامة والملاحقة الأمنية في بلد المنفى، ولا تنتهي عند عدم القدرة على العمل أو التعلم. وهناك من ظل معلقًا بالوطن على أمل عودة لا يعتقد أنها قريبة، ومن يعاني مما يُعرف بالقمع العابر للحدود.

تقول سارة إنها لم تكن تخشى الحكم في قضية بعينها بقدر ما كانت تخشى أن يتحول السجن إلى إقامة مفتوحة على قضايا جديدة، وأن تمتد كلفة قرارها السياسي إلى أسرتها، التي تصف الشهرين ونصف الشهر التي أمضتها رهن الحبس بأنها كانت كفيلة بتعطيل حياة العائلة كلها. عندها اتخذت قرار المغادرة، ليس باعتباره اختياراً، بل باعتباره أقل الخيارات قسوة.

وبحسب سارة، فإنها حين غادرت من القاهرة إلى ماليزيا كانت تتعامل مع الأمر على أنه رحلة قصيرة، وأن غيابها لن يطول إلا بقدر فترة المحاكمة فقط. وحتى بعد صدور الحكم، ظلت لسنوات تؤجل بناء أي حياة جديدة، متمسكة بفكرة العودة أكثر من تمسكها بأي مستقبل آخر. وتقول إن السنوات الأولى في المنفى لم تكن حياة بالمعنى الكامل، بل انتظارًا طويلًا لعودة لم تأتِ، ولذلك ظلت تؤجل العمل والاستقرار وحتى اتخاذ قراراتها الشخصية، وكأن حياتها الحقيقية ما زالت معلقة في المدينة التي غادرتها.

لكن المنفى لم يكن محطة واحدة. فمن ماليزيا إلى كوريا الجنوبية، حيث عانت من التضييق وسُحبت إقامتها، ثم إلى إيطاليا مرورًا بألمانيا، كانت كل محاولة للاستقرار تنتهي بعقبة جديدة: تضييق على الإقامة، أو تعقيدات بيروقراطية، أو عزلة فرضتها جائحة كورونا وتسببت في إصابتها بالاكتئاب، ولا سيما بعد نقلها إلى جنوب إيطاليا، حيث تختلف اللهجة والثقافة عن روما. ولم تعد المشكلة مقتصرة على فقدان الوطن، بل امتدت إلى فقدان الإحساس بالثبات. وتقول إن أكثر ما يرهقها اليوم ليس فقط البعد عن أسرتها، التي لم ترها منذ ما يقارب التسع سنوات، بل ذلك الشعور الدائم بأن حياتها مؤقتة، وأن عليها في كل بلد أن تبدأ من الصفر، وأن تثبت جدارتها أكثر من غيرها لمجرد أنها لاجئة.

بعد سنوات من الخروج، لم تعد سارة تقيس المنفى بعدد الدول التي عبرتها، بل بعدد الأشياء التي فقدت معناها. فالنوم صار موعدًا مع الكوابيس، وأسوأها على الإطلاق كابوس المطاردة في مصر وعدم القدرة على الخروج. وبسبب تلك الكوابيس والمعاناة النفسية، أصبح العلاج النفسي والأدوية هما الحل الوحيد لاستكمال حياتها. وتقول إنها لا تعرف لماذا تعاني من هذا كله، على الرغم من أنها لم ترتكب أي جريمة سوى الدفاع عن أرض الوطن من البيع.

كانت سارة محظوظة، إذ قُبل طلب لجوئها خلال ثلاثة أشهر فقط. لكن، على عكسها، لم يكن سيد منسي محظوظًا بالقدر نفسه، إذ لم يُبت في طلب اللجوء الذي قدّمه في جنوب أفريقيا منذ عامين.

يكتب سيد عبر صفحته على “فيس بوك” معبرًا عن وضعه الذي لم يعد فيه موجودًا، قائلًا: “لم يعد الخوف مجرد شعور، بل واقعًا نعيشه كل يوم. وخلال هذه الأحداث فقدت المكان الذي كنت أعيش فيه، وأصبحت بلا مأوى حقيقي، أتنقل من مكان إلى آخر وأنا لا أعرف أين سأكون غدًا. أشعر أحيانًا أنني أصبحت غير مرئي. لا أنتمي إلى أي مكان، ولا يسمع أحد صرختي إلا للحظات، ثم يمضي الجميع إلى حياتهم، بينما أبقى أنا هنا، أواجه مصيري وحدي”.

وسيد منسي واحد من شباب ثورة يناير. فقد انطلقت الثورة وهو ابن 16 عامًا فقط، ولم يكمل عامه العشرين حتى اعتُقل في تظاهرة لإحياء ذكرى الثورة عام 2015، حيث تعرّض للتعذيب. ثم اعتُقل مرة أخرى في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام نفسه، خلال تظاهرة صغيرة لإحياء ذكرى أحداث محمد محمود، ليتعرّض للتعذيب مرة أخرى في قسم الشرطة، قبل أن يُنقل إلى السجن، حيث بقي حتى صدور حكم ببراءته في نيسان/ أبريل 2016. وبعدها شارك في تظاهرات “الأرض” اعتراضًا على بيع تيران وصنافير، فاعتُقل مجددًا مطلع عام 2017، وظل رهن الحبس حتى عام 2018. وحتى بعد إخلاء سبيله، تعرّض للإخفاء القسري قبل حبسه على ذمة قضية أخرى، في دوامة لم تنتهِ حتى عام 2019، حين استطاع الهروب خارج مصر إلى أذربيجان، ومنها حاول الوصول إلى ماليزيا أو جورجيا، لكن رُفض دخوله إلى البلدين، ما اضطره إلى السفر إلى أفريقيا، متنقلًا من كينيا إلى موزمبيق، قبل أن يدخل جنوب أفريقيا بطريقة غير شرعية ليلتمس اللجوء، إلا أن طلبه لم يُبت فيه حتى الآن، ليبقى سيد هاربًا من سجنه الأصغر في مصر إلى سجن بلا قضبان، بحسب وصفه، ولا سيما في ظل موجات التحريض ضد اللاجئين.

لا يوجد حصر للمصريين في المنفى منذ حزيرن/ يونيو 2013، على الرغم من تقديرات بأنهم بالآلاف، بخاصة بعد أحداث فض رابعة، لكنهم يعانون مما يُعرف بالقمع العابر للحدود، إذ وثقت تقارير صحافية امتناع المؤسسات الدبلوماسية عن تجديد وثائقهم وجوازات السفر وحتى الامتناع عن تسجيل مواليدهم.

غادر “محمود عامر” (اسم مستعار)، وهو إعلامي مصري، بلاده معتقدًا أن غيابه لن يتجاوز البضعة أشهر. كان يظن أن العاصفة ستهدأ، وأنه سيعود إلى عمله وحياته بمجرد انقضاء الأزمة التي وجد نفسه في قلبها بسبب عمله الإعلامي. لكن بعد مغادرته، علم من محامين وأصدقاء أن اسمه أُدرج على قوائم الترقب والوصول، لتتحول الرحلة المؤقتة إلى منفى مفتوح لا يعرف متى ينتهي.

شارك محمود، قبل سنوات عدة، في مشروع إعلامي، لكنه لم يكن يعلم أن هذا المشروع تابع لمؤسسة إعلامية غير مرغوب فيها في مصر، ما تسبب في ملاحقة العاملين فيها، ومن بينهم هو. إلا أنه استطاع الهرب إلى خارج مصر، معتقدًا أن حالة الهرب هذه لن تتجاوز بضعة أشهر تهدأ خلالها العاصفة.

يقول محمود إن قرار المغادرة لم يكن مرتبطًا بانتماء سياسي أو نشاط معارض، بل بإدراكه أن ممارسة الصحافة في مصر أصبحت محفوفة بالمخاطر. ويضيف: “أنا لا أعتبر نفسي معارضًا بالمعنى التقليدي، ولم أكن منخرطًا في أي نشاط سياسي. كل ما في الأمر أنني كنت أمارس عملي، ثم قيل إن ما أفعله يضر بالدولة”.

وعلى خلاف كثيرين، استطاع محمود تسوية وضعه القانوني في البلد الذي يقيم فيه، متنقلًا بين أنواع مختلفة من الإقامات، كما تمكن من تجديد جواز سفره عبر السفارة المصرية لأنه لا يواجه حكمًا قضائيًا. لكنه يرى أن هذا الاستقرار يظل هشًا، إذ ترتبط معاملات رسمية كثيرة ببطاقة الرقم القومي، التي لا يمكن تجديدها إلا من داخل مصر، وهو ما يجعل كل إجراء إداري مصدر قلق جديداً.

وبحسب محمود، فإن حياته في الخارج صعبة على المستوى المعيشي، لكنه يعتبرها حياة قائمة على التكيف المستمر، مشددًا على أن الاندماج لم يكن خيارًا بقدر ما كان ضرورة، لذلك حاول أن يبني حياة هادئة بعيدًا عن أي نشاط سياسي أو عام، وأن يظل غير مرئي قدر الإمكان.

وعلى الرغم من أنه يقيم في بلد لا يشهد تصاعدًا لخطابات الكراهية ضد المهاجرين، ولا يشعر فيه بتهديد مباشر، فإن الإحساس بالأمان يبقى ناقصًا. فالأمان، كما يصفه، ليس مجرد غياب الخطر الأمني، بل هو أيضًا أن يكون الإنسان في بلده، وبين عائلته، ويعرف أن هناك من يمكنه اللجوء إليه إذا تعرض لأزمة.

يقول محمود: “تشعر أنك في أمان لأنك بعيد عن الخطر الذي خرجت هربًا منه، لكنك، في الوقت نفسه، تدرك أنك وحدك. لو واجهتك مشكلة، أو احتجت إلى دعم، لا تشعر أن هناك من يستطيع أن يقوم بهذا الدور، حتى السفارة لا تراها ملاذًا حقيقيًا للمصريين في الخارج”.

وبعد سنوات من المنفى، لم تعد الإجراءات القانونية أو أوراق الإقامة هي أكثر ما يثقله، بل المسافة التي تفصله عن أسرته. ويقول إن أصعب ما يواجهه هو اعتياد الغياب؛ أن تتحول المناسبات العائلية إلى مكالمات عبر الهاتف، وأن يصبح لقاء الأهل مؤجلًا إلى أجل غير معلوم، في ظل صعوبة انتقالهم للإقامة معه أو انتقاله هو لزيارتهم. 

يضيف محمود: “بعد كل هذه السنوات، اكتشفت أن أصعب ما في المنفى ليس البداية، بل استمراره؛ أن تستيقظ كل يوم وأنت تعرف أن حياتك تمضي في مكان، بينما أهلك يعيشون حياتهم في مكان آخر، وأنك لا تملك سوى أن تتابع ذلك كله من بعيد”.

أما نهى الشناوي، أو نهى عبير كما تحب أن تنسب نفسها إلى والدتها، فلم يتم القبض عليها، إلا أنها شعرت بالخوف الشديد بعد مصادرة جواز سفرها أثناء محاولتها السفر في رحلة عمل تابعة للمؤسسة الحقوقية التي تعمل بها، ثم استدعائها للتحقيق أكثر من مرة، ما جعلها تدرك أن الأمر مسألة وقت قبل أن تصبح رقمًا ضمن أرقام المعتقلين. لذلك قررت الخروج من مصر، واستطاعت السفر في أيلول/ سبتمبر 2024 بعد تجديد جواز سفرها.

لم تحاول نهى التوجه إلى أوروبا، وإنما انطلقت إلى موريشيوس، وهي دولة لم توقّع على اتفاقية اللجوء، لكنها استطاعت الحصول على اللجوء إلكترونيًا لدى أقرب دولة موقعة على الاتفاقية، وهي جنوب أفريقيا. لكنها، كلاجئة في موريشيوس، لا يحق لها الحصول على الخدمات الصحية أو التعليم أو العمل، ما يضعها تحت ضغط مادي، ويجعل حياتها شبه متوقفة، مع أوقات فراغ كبيرة لا تملؤها إلا بالمكالمات مع أصدقائها في مصر.

وتعاني نهى أيضًا من الخوف. فموريشيوس دولة آمنة نهارًا، لكنها، كسائر الجزر، تضم مساحات واسعة لا تصل إليها الإضاءة ليلًا، وتتوقف فيها وسائل المواصلات. كما تخشى التقرب من أي شخص، لأنها إذا تعرضت لأزمة فلن يستطيع أحد إنقاذها. ويزيد من حرصها في التعامل مع المواطنين ما تتعرض له فئات من اللاجئين في موريشيوس من هجمات، إذ تخشى أن تتعرض لمضايقات ردًا على ذلك.

قد يختلف وضع نهى عن سارة ومحمود وسيد، لكن في النهاية يبقى المستقبل بالنسبة إليهم جميعًا، ولمن هم في مثل حالتهم، سؤالًا مفتوحًا أكثر منه مشروعًا واضحًا. وقد يشعر بعضهم بالأمان، لكنه يبقى أمانًا مشروطًا؛ أمانًا لا يعني الطمأنينة بقدر ما يعني أنهم ليسوا في المكان الذي يخشون العودة إليه.