fbpx

معارك “ويجز” لدعم القضيّة الفلسطينيّة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

ويجز، يمثل جيلاً أصغر وأذكى، كان مفاجئاً للأجيال الأكبر في قدرته على فهم القضية الفلسطينية التي غُيبت عن عمد في مناهج الدراسة المصرية، ومن الخطاب الفني والإعلامي، بل ومباغتاً في حيويته وقدرته على استخدام وسائل عصرية وفعالة ومبتكرة لإيصال صوته.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

تعليقاً على فيديو قصير في موقع “إكس”، يصرخ فيه أحد أفراد العائلات الفلسطينية أسفل منزله الذي استولى عليه مستوطنون إسرائيليون في القدس، “نريد ملابسنا وأدويتنا، طردتمونا من منزلنا واستوليتهم على الأثاث“، كتب مغني الراب المصري  ويجز واصفاً بالإنكليزية سلوك المستوطنين الإسرائيليين، بأنهم “فئران حقيقية تملك أسلحة نووية”.

منذ اللحظة الأولى لبدء الحرب على غزة، لم يتوقف ويجز من خلال حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، أو خلال جولة لحفلاته الموسيقية، عن الحديث عن غزة وما تشهده، إذ حرص أخيراً في جولة استمرت لأسابيع في أميركا وعدد من الدول الأوروبية، على رفع علم فلسطين وارتداء الكوفية الفلسطينية، (الشأن الذي قام به في حفلته التي أحياها في باريس قبل أي حرب أو اشتباك). دعا ويجز جمهوره الى الهتاف بالإنكليزية: “الحرية لفلسطين”، وقد أوضح عبر حسابه على “إكس”، “استخدام الجولة لرفع مستوى الوعي حول المعاناة المستمرة لإخواننا وأخواتنا في فلسطين”.

بكلمات بسيطة لكن ذكية، يشرح في لقاء تلفزيونيّ على قناة الجزيرة مباشر، مرتدياً الكوفية الفلسطينية، موقفه من تعاطي الإعلام الأميركي مع الحرب على غزة، إذ يقول: “ما حدش يكلمني على أميركا بتاعت الحرية والديمقراطية… الحكاية كلها أنه بيحطني على خط… ويقول هي دي الحرية وأول ما أطلع براه يقول دي مش الحرية”.

واحدة من آخر تغريداته هي: “افتحوا معبر رفح من أجل الإنسانية”، وقد يكون الفنان المصري الوحيد الذي كتب ذلك جهاراً، بما يحمله ذلك المطلب من مسؤولية معلقة في عنق السلطات المصرية، بالإضافة إلى أنه الفنان المصري الوحيد الذي أعلن بشكل واضح ومؤثر منذ اليوم الأول، تأييده لحركة المقاطعة للمنتجات الداعمة لإسرائيل والجيش الإسرائيلي.

المقاطعة ممنوعة!

هذه المقاطعة حاول الإعلام السعودي والمصري شجبها، وبذل جهداً كبيراً لإثناء المصريين والعرب عن الفكرة، بحجة أنهم يضرون باقتصاد العاملين العرب في المقام الأول، كبرامج عمرو أديب في قناة “إم بي سي” السعودية ولميس الحديدي في برنامج “كلمة أخيرة” الذي يُعرض على قناة “أون” المصرية والتابعة لجهات سيادية، بل إن تركي آل شيخ، رئيس هيئة الترفيه السعودية، دعم بنفسه مطاعم ماكدونالدز بشكل فج، بعد خسائرها الواضحة بسبب العزوف عنها من المستهلك السعودي، غير القادر على الإدلاء برأيه علناً.

تأتي تلك الكلمات في عصر صار الفنانون المصريون مدجنين، لا يستطيعون قول كلمات صادقة ونابعة من القلب تعبر عن مواقف غير متماهية مع السلطة ولا تخضع لحسابات الشهرة والنفوذ، ويمكن ببساطة اتهام كلماتهم الشحيحة بشأن القضية الفلسطينية بالزيف، فمن المعروف مثلاً أن الفنانين المصريين لم يجرؤوا على الحديث عن القضية الفلسطينية إلا بعد طلب الرئيس عبد الفتاح السيسي نوعاً من التفويض ليصل صوت الرأي العام بشأن رفضه قضية التهجير.

بعد كلمة السيسي، خرجت تظاهرات مدبَّرة من أجهزة أمنية يقول فيها بعض الفنانين كلمات غاضبة تجاه إسرائيل، لكن التزمت كلها الصمت من جديد، عندما أدركت السلطات أن فتح المجال العام لتظاهرات تدعم القضية الفلسطينية، قد ينقلب ضدها، بهتافات تتذكر في الأساس الوضع الاقتصادي والسياسي الصعب في مصر، وبكلمة واحدة التزم هؤلاء الفنانون الجحور.

تأثير ويجز قد يكون أشد من عشرات البيانات الرسمية والدراسات البحثية وتأثير الإعلام، ففضلاً عن شعبيته الجارفة، الموسيقى أسهل في الوصول والارتباط بالجماهير، إذ إنها لغة يفهمها الجميع في أي بقعة في العالم.

يصمت الفنانون المصريون ويتقاعسون عن استغلال حساباتهم أو شهرتهم في دعم القضية الفلسطينية، باستثناء الفنان محمد سلام في موقفه الشهير الذي رفض فيه المشاركة في موسم الرياض تضامناً مع غزة عبر فيديو قصير، ما عرضه لحملة شعواء من لجان إلكترونية سعودية والإعلامي المدلل لتركي آل شيخ، المذيع عمرو أديب، وهو أمر قد يهدد مسيرته الفنية بعدما صارت الإيرادات المهولة التي تحققها الأفلام المصرية في دور العرض السعودية تتحكم في اختيارات المنتجين.

“ما حدش يكلمني على أميركا بتاعت الحرية والديمقراطية… الحكاية كلها أنه بيحطني على خط… ويقول هي دي الحرية وأول ما أطلع براه يقول دي مش الحرية”.

هل يُغلق باب العالميّة بوجه ويجز؟

فرادة موقف ويجز لا تتوقف عند تهديده داخل مصر، بل تمتد إلى تهديد مستقبل العالمية التي شرعت في فتح أبوابها له، لتتخطى شعبيته الجارفة حدود الوطن العربي.

قبل شهرين فقط، نشرت صحيفة نيويورك تايمز، تقريراً عن ويجز بعنوان The Egyptian Rapper WEG Wants to Take Arabic Hip-Hop Worldwide، وصفته فيه بنجم جيله، وعرف ويجز فهمه لدوره قائلاً: “أرى نفسي شخصاً موجوداً هنا ليظهر للناس أشياء لم يكونوا على علم بها”.

يحتفي التقرير بويجز، الشاب البالغ 25 عاماً، والذي أصبح نجماً من دون حتى أن يصدر ألبوماً كاملاً، اختتم لتوه جولته الموسيقية في الولايات المتحدة الأميركية و”يأمل بالارتقاء بموسيقاه إلى أبعد من ذلك”، من دون أن يغيب عن التقرير أن يبرز أن” المطرب سكندري الأصل، هو من أكبر الداعمين للقضية الفلسطينية بين نجوم الراب والمطربين العرب، وقد خصص 10 في المئةة من عائدات حفلاته في الولايات المتحدة وكندا لصالح جهود الإغاثة في غزة، كما نشر مقطعاً على إنستغرام لمشاركته في تظاهرة مؤيدة للفلسطينيين في مدينة نيويورك، والتي تطالب بوقف العدوان الإسرائيلي على المدنيين والأطفال”.

ويجز بحسب التقرير، “مغني الراب المصري الذي يريد أن يأخذ الهيب هوب العربي إلى العالمية”، وهو ” الفنان الأكثر بثاً واستماعاً عبر كثير من المنصات الموسيقية الكبرى في مصر منذ عام 2020″، وأصبح “أول فنان مصري يقدم عرضاً في FIFA World، نهائي كأس العالم في قطر قبل بضعة أشهر”. يكمل التقرير بتصريح على لسان ويجز، “أنه سيظل صريحاً في دعم الفلسطينيين، ولا ينوي التخفيف من حدة آرائه، بينما يعمل على الوصول إلى جمهور عالمي واسع”.

يعلم ويجز إذاً أي خطر يتهدد أحلامه، لكنه لا يبالي، وقد أبرز تقاعس اللاعب المصري العالمي محمد صلاح عن مساندة أهل غزة، إلا بعد ضغط طويل، منتظراً حادثاً إنسانياً كضرب المستشفى المعمداني، لا يؤذي أحلامه في الغرب بالحصول على “الكرة الذهبيّة”، وجاءت كلماته محايدة، باردة، غير مرضية للملايين من محبيه، إذ إنها محسوبة، ولا تتحدث صراحة عن الفلسطينيين، بل تحوّل ما يحصل إلى حرب بين جانبين متكافئين.

 بغض النظر عن احتمال أن هذا كل ما يستطيع محمد صلاح فعله، ولا يمكن أحداً أن يفرض على أحد آخر نصرة قضية، (وإلا عدّت مزايدة فارغة،) لكن الجماهير كانت تنتظر موقفاً أخلاقياً واضحاً لنجم طالما دعمته بقلوبها وأسّس جزءاً من شعبيته بتقديمه نفسه كمثال يُحتذى.

باستثناء الفيديو، لم يبدِ محمد صلاح ثانية أي بادرة دعم، إلا أن موقفه يبرز ما قد يخسره ويجز في رحلة صعوده إلى عالمية تخطى أعتابها، وقد يصل فيها بلغته الموسيقية المتوافقة مع العصر إلى آفاق ندر أن بلغها مغنّ مصري سابقاً، رغم كل محاولاتهم الدؤوبة لذلك.

بحسب ملاحظة الناقد الفني حسام الدين السيد، فإن ويجز قد طبق كل قواعد “الدس في الراب”.

الهجوم من دون فلتر

الدس-Diss في الراب هو تقنية أو فن لفظي يستخدمه الرابر لإظهار قدراته اللفظية والإبداعية في الكتابة والغناء، ويُسْتَخْدَم في سياق المنافسة والتحدي. إنه طريقة تتسم بالعدوانية الواضحة، إلا أنه مفهوم داخل ثقافة الراب كطريقة طبيعية تشعل حماسة المنافسة بين الرابرز.

وهو ما يشرح السيد تطبيقه في طريقة ويجز في دعم القضية الفلسطينية، إذ إنه “يهاجم الكيان بكل قوة ومن دون فلتر، وهو ما نسميه في الثقافة المصرية الشعبية برجل (مقطع بطاقته)، ولو أن أي تغريدة من عنده ترجمت ونشرت في الصحف العالمية خصوصاً بعد تقرير نيويورك تايمز عن مسيرته، قد يمنعه ذلك من حلم العالمية إلى الأبد”.

يضيف السيد: “هنا إنسان يتطوع بخسارة مادية مهنية محتملة، وربما مؤكدة من أجل مبدأ أخلاقي ومعنوي، ليذكرنا أن الإنسان- بذلك الفعل النادر والصعب- هو المخلوق الوحيد الذي قد يختار الخسارة المؤكدة لينقذ روحه”.

ما يميز أحمد علي، الشهير بـ”ويجز”، والذي يملك على حسابه ما يزيد عن 450 ألف متابع، بحسب أحد المعلقين، هو الوضوح الأخلاقي وطرحه مبادئه من دون مساومة وبكلمات بسيطة مؤثرة بشكل أفضل من كثير من الأكاديميين والصحافيين وأجيال قد توقف تفكيرهم عند لحظة اتفاق أوسلو، إذ يقفون عاجزين عن طرح تصورات أو بدائل جديدة.

وإن كان تقرير نيويورك تايمز، قد أوضح دعم ويجز الواضح للقضية الفلسطينية، إلا أنه في النهاية لم ير سوى خطوط قد تكون مقبولة من فنان عربي، يتكلم باسم الإنسانية وضمن تيار واسع يدين قتل الأطفال، لكن عند خطوط معينة وصف انتهاكات الجيش الإسرائيلي من دون تفكير، وقد تكون لذلك عواقب حقيقية.

التهديد مصري… وليس غربيّاً

تأتي المفارقة، أن التهديدات التي واجهها ويجز نتيجة دعمه الحق الفلسطينيّ لم تأت أصلاً من الغرب، بل من حسابات لمؤثرين على الإنترنت كوائل غنيم، الذي خاض معه ويجز معركة واضحة. وكان غنيم اتخذ موقفاً يتفق فيه مع آراء داليا زيادة المعروفة بموالاتها الفجة والواضحة لإسرائيل، إذ لم يكتفيا بانتقاد حركة “حماس” وتخوينها، بل كتبا وتكلما بكل ما يملكان من جماهير وتأثير للتشويش على حق الشعب الفلسطيني، والتعاطف الواضح مع القتلى في الجانب الإسرائيلي من دون ذكر انتهاكات جيشه في حق أهل غزة والضفة، والدعوة الكاذبة الى سلام لا يكون فيه هناك طرفان متساويان.

 إن كانت داليا زيادة أكثر فجاجة بما لا يقاس في موقفها من وائل غنيم، إلا أن الأخير تحوّل من أيقونة ثورة يناير إلى مهرج يتخذ عشرات المواقف الرجعية الصادمة، وعلى طريقة ويجز في الدس، وصفه بالجاسوس، إذ لا فرق لديه بين الموالي لإسرائيل وبين الخيانة على ذلك المستوى، وبعد وصلة شتائم من غنيم، قام بحركة طفولية عن طريق تهكير حساب ويجز القديم، الذي كان يحمل اسم أحمد علي ليضع عليه صورته متشفياً.

حساب كريم جاهين، وهو مؤثر آخر يتبنى موقفاً موالياً لإسرائيل بشكل تام، يكشف عن اختلاط الوحشية النيوليبرالية مع سذاجة دعاة التنوير، كخالد منتصر وإبراهيم عيسى، إذ يحوّل تخوّفهم من الإسلام السياسي الى عدم التفرقة بين المقاومة والإرهاب، مهدداً ويجز بشكل غير مباشر في مسألة مستقبله، وهو ما رد عليه ويجز:

“يعني قصدك ألم الدور عشان مستقبل أسرتي في خطر ما ده الإرهاب يابني يعني لما تهددون كل شخص يتكلم في حقوق الشعب الفلسطيني فدولة على أرضه مع وجود شوية صقيع أوروبيين قاعدين يلوحون بالـ400 رأس نووي فوق ستات شبه مامتك بالضبط وعيال صغيرة بتموت عشان ياخدونها بالقوة مش هتعرفوا تسكتوا كله”.

واحد ممن ندعوهم في مصر “المواطنين الشرفاء”، وهو لقب اتخذ معنى منحطاً، لأنه صار مرتبطاً بالوقوف في صف ما هو رجعي وظلامي وجاهل واستبدادي، حوّل التهديد إلى فعل، بمنشن لتغريدات ويجز وضع فيه عدداً كبيراً من السفارات الأجنبية، واصفاً إياه بـ”الإرهابي والمتطرف”.

اضطر ويجز في النهاية إلى حذف عدد من التغريدات التي قد يتم تفسيرها بشكل متطرف، على الرغم من أنه يعبر عن شعور الملايين في مصر والوطن العربي، بل وقطاعات واسعة من الغرب، إذ يسمي الأشياء بأسمائها، ولم يتوقف حتى تلك اللحظة عن بذل كل ما في استطاعته للتغريد لدعم القضية الفلسطينية وشرحها باللغتين العربية والإنكليزية.

 الانفعال الصادق هو ما يسوق ويجز من دون حسابات كبيرة لشهرته أو أحلامه، ما زال يكتب المزيد من التغريدات التي يمكن بسهولة أن يعاقب من خلالها داخلياً وعالمياً، ولعل آخرها تغريدة الدعوة الى فتح معبر رفح وتغريدة وصف سلوك المستوطنين الإسرائيلين في الاستيلاء على بيوت الفلسطينيين وطردهم بسلوك الفئران المسلّحة نووياً.

ويجز، يمثل جيلاً أصغر وأذكى، كان مفاجئاً للأجيال الأكبر في قدرته على فهم القضية الفلسطينية التي غُيبت عن عمد في مناهج الدراسة المصرية، ومن الخطاب الفني والإعلامي، بل ومباغتاً في حيويته وقدرته على استخدام وسائل عصرية وفعالة ومبتكرة لإيصال صوته.  وهو فنان الراب الذي خاض معارك ضارية مع النقيب السابق للموسيقيين هاني شاكر، ومن بعده مصطفى كامل النقيب الحالي، اتهما فيها جيله بتغييب الوعي ونشر الرداءة، ليظهر أن ويجز وجيله كانوا أكثر وعياً بما لا يقاس من عقول غلّفتها “الكمكمة” تعيش في قرن آخر، لم يعد ينتمي إلى زماننا، بينما يملك ويجز قدرة على تخطي ما هو أكثر من الحدود المفروضة بانفتاحه الحي والجريء والشجاع على المستقبل.

فداء زياد - كاتبة فلسطينية من غزة | 14.06.2024

عن تخمة الشعور واختبارات النجاة في غزة

ليلة اقتحام رفح، كانت حيلتي أن أستعير أقدام الطبيبة أميرة العسولي، المرأة الطبيبة التي جازفت بحياتها لتنقذ حياة مصاب، فترة حصار الجيش الإسرائيلي مستشفى ناصر في خانيونس، كي أحاول إنقاذ أخي وعائلته وأختي وأبنائها المقيمين في الجهة المقابلة لنا، لأنهم كانوا أكثر قرباً من الخطر.
19.12.2023
زمن القراءة: 8 minutes

ويجز، يمثل جيلاً أصغر وأذكى، كان مفاجئاً للأجيال الأكبر في قدرته على فهم القضية الفلسطينية التي غُيبت عن عمد في مناهج الدراسة المصرية، ومن الخطاب الفني والإعلامي، بل ومباغتاً في حيويته وقدرته على استخدام وسائل عصرية وفعالة ومبتكرة لإيصال صوته.

تعليقاً على فيديو قصير في موقع “إكس”، يصرخ فيه أحد أفراد العائلات الفلسطينية أسفل منزله الذي استولى عليه مستوطنون إسرائيليون في القدس، “نريد ملابسنا وأدويتنا، طردتمونا من منزلنا واستوليتهم على الأثاث“، كتب مغني الراب المصري  ويجز واصفاً بالإنكليزية سلوك المستوطنين الإسرائيليين، بأنهم “فئران حقيقية تملك أسلحة نووية”.

منذ اللحظة الأولى لبدء الحرب على غزة، لم يتوقف ويجز من خلال حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، أو خلال جولة لحفلاته الموسيقية، عن الحديث عن غزة وما تشهده، إذ حرص أخيراً في جولة استمرت لأسابيع في أميركا وعدد من الدول الأوروبية، على رفع علم فلسطين وارتداء الكوفية الفلسطينية، (الشأن الذي قام به في حفلته التي أحياها في باريس قبل أي حرب أو اشتباك). دعا ويجز جمهوره الى الهتاف بالإنكليزية: “الحرية لفلسطين”، وقد أوضح عبر حسابه على “إكس”، “استخدام الجولة لرفع مستوى الوعي حول المعاناة المستمرة لإخواننا وأخواتنا في فلسطين”.

بكلمات بسيطة لكن ذكية، يشرح في لقاء تلفزيونيّ على قناة الجزيرة مباشر، مرتدياً الكوفية الفلسطينية، موقفه من تعاطي الإعلام الأميركي مع الحرب على غزة، إذ يقول: “ما حدش يكلمني على أميركا بتاعت الحرية والديمقراطية… الحكاية كلها أنه بيحطني على خط… ويقول هي دي الحرية وأول ما أطلع براه يقول دي مش الحرية”.

واحدة من آخر تغريداته هي: “افتحوا معبر رفح من أجل الإنسانية”، وقد يكون الفنان المصري الوحيد الذي كتب ذلك جهاراً، بما يحمله ذلك المطلب من مسؤولية معلقة في عنق السلطات المصرية، بالإضافة إلى أنه الفنان المصري الوحيد الذي أعلن بشكل واضح ومؤثر منذ اليوم الأول، تأييده لحركة المقاطعة للمنتجات الداعمة لإسرائيل والجيش الإسرائيلي.

المقاطعة ممنوعة!

هذه المقاطعة حاول الإعلام السعودي والمصري شجبها، وبذل جهداً كبيراً لإثناء المصريين والعرب عن الفكرة، بحجة أنهم يضرون باقتصاد العاملين العرب في المقام الأول، كبرامج عمرو أديب في قناة “إم بي سي” السعودية ولميس الحديدي في برنامج “كلمة أخيرة” الذي يُعرض على قناة “أون” المصرية والتابعة لجهات سيادية، بل إن تركي آل شيخ، رئيس هيئة الترفيه السعودية، دعم بنفسه مطاعم ماكدونالدز بشكل فج، بعد خسائرها الواضحة بسبب العزوف عنها من المستهلك السعودي، غير القادر على الإدلاء برأيه علناً.

تأتي تلك الكلمات في عصر صار الفنانون المصريون مدجنين، لا يستطيعون قول كلمات صادقة ونابعة من القلب تعبر عن مواقف غير متماهية مع السلطة ولا تخضع لحسابات الشهرة والنفوذ، ويمكن ببساطة اتهام كلماتهم الشحيحة بشأن القضية الفلسطينية بالزيف، فمن المعروف مثلاً أن الفنانين المصريين لم يجرؤوا على الحديث عن القضية الفلسطينية إلا بعد طلب الرئيس عبد الفتاح السيسي نوعاً من التفويض ليصل صوت الرأي العام بشأن رفضه قضية التهجير.

بعد كلمة السيسي، خرجت تظاهرات مدبَّرة من أجهزة أمنية يقول فيها بعض الفنانين كلمات غاضبة تجاه إسرائيل، لكن التزمت كلها الصمت من جديد، عندما أدركت السلطات أن فتح المجال العام لتظاهرات تدعم القضية الفلسطينية، قد ينقلب ضدها، بهتافات تتذكر في الأساس الوضع الاقتصادي والسياسي الصعب في مصر، وبكلمة واحدة التزم هؤلاء الفنانون الجحور.

تأثير ويجز قد يكون أشد من عشرات البيانات الرسمية والدراسات البحثية وتأثير الإعلام، ففضلاً عن شعبيته الجارفة، الموسيقى أسهل في الوصول والارتباط بالجماهير، إذ إنها لغة يفهمها الجميع في أي بقعة في العالم.

يصمت الفنانون المصريون ويتقاعسون عن استغلال حساباتهم أو شهرتهم في دعم القضية الفلسطينية، باستثناء الفنان محمد سلام في موقفه الشهير الذي رفض فيه المشاركة في موسم الرياض تضامناً مع غزة عبر فيديو قصير، ما عرضه لحملة شعواء من لجان إلكترونية سعودية والإعلامي المدلل لتركي آل شيخ، المذيع عمرو أديب، وهو أمر قد يهدد مسيرته الفنية بعدما صارت الإيرادات المهولة التي تحققها الأفلام المصرية في دور العرض السعودية تتحكم في اختيارات المنتجين.

“ما حدش يكلمني على أميركا بتاعت الحرية والديمقراطية… الحكاية كلها أنه بيحطني على خط… ويقول هي دي الحرية وأول ما أطلع براه يقول دي مش الحرية”.

هل يُغلق باب العالميّة بوجه ويجز؟

فرادة موقف ويجز لا تتوقف عند تهديده داخل مصر، بل تمتد إلى تهديد مستقبل العالمية التي شرعت في فتح أبوابها له، لتتخطى شعبيته الجارفة حدود الوطن العربي.

قبل شهرين فقط، نشرت صحيفة نيويورك تايمز، تقريراً عن ويجز بعنوان The Egyptian Rapper WEG Wants to Take Arabic Hip-Hop Worldwide، وصفته فيه بنجم جيله، وعرف ويجز فهمه لدوره قائلاً: “أرى نفسي شخصاً موجوداً هنا ليظهر للناس أشياء لم يكونوا على علم بها”.

يحتفي التقرير بويجز، الشاب البالغ 25 عاماً، والذي أصبح نجماً من دون حتى أن يصدر ألبوماً كاملاً، اختتم لتوه جولته الموسيقية في الولايات المتحدة الأميركية و”يأمل بالارتقاء بموسيقاه إلى أبعد من ذلك”، من دون أن يغيب عن التقرير أن يبرز أن” المطرب سكندري الأصل، هو من أكبر الداعمين للقضية الفلسطينية بين نجوم الراب والمطربين العرب، وقد خصص 10 في المئةة من عائدات حفلاته في الولايات المتحدة وكندا لصالح جهود الإغاثة في غزة، كما نشر مقطعاً على إنستغرام لمشاركته في تظاهرة مؤيدة للفلسطينيين في مدينة نيويورك، والتي تطالب بوقف العدوان الإسرائيلي على المدنيين والأطفال”.

ويجز بحسب التقرير، “مغني الراب المصري الذي يريد أن يأخذ الهيب هوب العربي إلى العالمية”، وهو ” الفنان الأكثر بثاً واستماعاً عبر كثير من المنصات الموسيقية الكبرى في مصر منذ عام 2020″، وأصبح “أول فنان مصري يقدم عرضاً في FIFA World، نهائي كأس العالم في قطر قبل بضعة أشهر”. يكمل التقرير بتصريح على لسان ويجز، “أنه سيظل صريحاً في دعم الفلسطينيين، ولا ينوي التخفيف من حدة آرائه، بينما يعمل على الوصول إلى جمهور عالمي واسع”.

يعلم ويجز إذاً أي خطر يتهدد أحلامه، لكنه لا يبالي، وقد أبرز تقاعس اللاعب المصري العالمي محمد صلاح عن مساندة أهل غزة، إلا بعد ضغط طويل، منتظراً حادثاً إنسانياً كضرب المستشفى المعمداني، لا يؤذي أحلامه في الغرب بالحصول على “الكرة الذهبيّة”، وجاءت كلماته محايدة، باردة، غير مرضية للملايين من محبيه، إذ إنها محسوبة، ولا تتحدث صراحة عن الفلسطينيين، بل تحوّل ما يحصل إلى حرب بين جانبين متكافئين.

 بغض النظر عن احتمال أن هذا كل ما يستطيع محمد صلاح فعله، ولا يمكن أحداً أن يفرض على أحد آخر نصرة قضية، (وإلا عدّت مزايدة فارغة،) لكن الجماهير كانت تنتظر موقفاً أخلاقياً واضحاً لنجم طالما دعمته بقلوبها وأسّس جزءاً من شعبيته بتقديمه نفسه كمثال يُحتذى.

باستثناء الفيديو، لم يبدِ محمد صلاح ثانية أي بادرة دعم، إلا أن موقفه يبرز ما قد يخسره ويجز في رحلة صعوده إلى عالمية تخطى أعتابها، وقد يصل فيها بلغته الموسيقية المتوافقة مع العصر إلى آفاق ندر أن بلغها مغنّ مصري سابقاً، رغم كل محاولاتهم الدؤوبة لذلك.

بحسب ملاحظة الناقد الفني حسام الدين السيد، فإن ويجز قد طبق كل قواعد “الدس في الراب”.

الهجوم من دون فلتر

الدس-Diss في الراب هو تقنية أو فن لفظي يستخدمه الرابر لإظهار قدراته اللفظية والإبداعية في الكتابة والغناء، ويُسْتَخْدَم في سياق المنافسة والتحدي. إنه طريقة تتسم بالعدوانية الواضحة، إلا أنه مفهوم داخل ثقافة الراب كطريقة طبيعية تشعل حماسة المنافسة بين الرابرز.

وهو ما يشرح السيد تطبيقه في طريقة ويجز في دعم القضية الفلسطينية، إذ إنه “يهاجم الكيان بكل قوة ومن دون فلتر، وهو ما نسميه في الثقافة المصرية الشعبية برجل (مقطع بطاقته)، ولو أن أي تغريدة من عنده ترجمت ونشرت في الصحف العالمية خصوصاً بعد تقرير نيويورك تايمز عن مسيرته، قد يمنعه ذلك من حلم العالمية إلى الأبد”.

يضيف السيد: “هنا إنسان يتطوع بخسارة مادية مهنية محتملة، وربما مؤكدة من أجل مبدأ أخلاقي ومعنوي، ليذكرنا أن الإنسان- بذلك الفعل النادر والصعب- هو المخلوق الوحيد الذي قد يختار الخسارة المؤكدة لينقذ روحه”.

ما يميز أحمد علي، الشهير بـ”ويجز”، والذي يملك على حسابه ما يزيد عن 450 ألف متابع، بحسب أحد المعلقين، هو الوضوح الأخلاقي وطرحه مبادئه من دون مساومة وبكلمات بسيطة مؤثرة بشكل أفضل من كثير من الأكاديميين والصحافيين وأجيال قد توقف تفكيرهم عند لحظة اتفاق أوسلو، إذ يقفون عاجزين عن طرح تصورات أو بدائل جديدة.

وإن كان تقرير نيويورك تايمز، قد أوضح دعم ويجز الواضح للقضية الفلسطينية، إلا أنه في النهاية لم ير سوى خطوط قد تكون مقبولة من فنان عربي، يتكلم باسم الإنسانية وضمن تيار واسع يدين قتل الأطفال، لكن عند خطوط معينة وصف انتهاكات الجيش الإسرائيلي من دون تفكير، وقد تكون لذلك عواقب حقيقية.

التهديد مصري… وليس غربيّاً

تأتي المفارقة، أن التهديدات التي واجهها ويجز نتيجة دعمه الحق الفلسطينيّ لم تأت أصلاً من الغرب، بل من حسابات لمؤثرين على الإنترنت كوائل غنيم، الذي خاض معه ويجز معركة واضحة. وكان غنيم اتخذ موقفاً يتفق فيه مع آراء داليا زيادة المعروفة بموالاتها الفجة والواضحة لإسرائيل، إذ لم يكتفيا بانتقاد حركة “حماس” وتخوينها، بل كتبا وتكلما بكل ما يملكان من جماهير وتأثير للتشويش على حق الشعب الفلسطيني، والتعاطف الواضح مع القتلى في الجانب الإسرائيلي من دون ذكر انتهاكات جيشه في حق أهل غزة والضفة، والدعوة الكاذبة الى سلام لا يكون فيه هناك طرفان متساويان.

 إن كانت داليا زيادة أكثر فجاجة بما لا يقاس في موقفها من وائل غنيم، إلا أن الأخير تحوّل من أيقونة ثورة يناير إلى مهرج يتخذ عشرات المواقف الرجعية الصادمة، وعلى طريقة ويجز في الدس، وصفه بالجاسوس، إذ لا فرق لديه بين الموالي لإسرائيل وبين الخيانة على ذلك المستوى، وبعد وصلة شتائم من غنيم، قام بحركة طفولية عن طريق تهكير حساب ويجز القديم، الذي كان يحمل اسم أحمد علي ليضع عليه صورته متشفياً.

حساب كريم جاهين، وهو مؤثر آخر يتبنى موقفاً موالياً لإسرائيل بشكل تام، يكشف عن اختلاط الوحشية النيوليبرالية مع سذاجة دعاة التنوير، كخالد منتصر وإبراهيم عيسى، إذ يحوّل تخوّفهم من الإسلام السياسي الى عدم التفرقة بين المقاومة والإرهاب، مهدداً ويجز بشكل غير مباشر في مسألة مستقبله، وهو ما رد عليه ويجز:

“يعني قصدك ألم الدور عشان مستقبل أسرتي في خطر ما ده الإرهاب يابني يعني لما تهددون كل شخص يتكلم في حقوق الشعب الفلسطيني فدولة على أرضه مع وجود شوية صقيع أوروبيين قاعدين يلوحون بالـ400 رأس نووي فوق ستات شبه مامتك بالضبط وعيال صغيرة بتموت عشان ياخدونها بالقوة مش هتعرفوا تسكتوا كله”.

واحد ممن ندعوهم في مصر “المواطنين الشرفاء”، وهو لقب اتخذ معنى منحطاً، لأنه صار مرتبطاً بالوقوف في صف ما هو رجعي وظلامي وجاهل واستبدادي، حوّل التهديد إلى فعل، بمنشن لتغريدات ويجز وضع فيه عدداً كبيراً من السفارات الأجنبية، واصفاً إياه بـ”الإرهابي والمتطرف”.

اضطر ويجز في النهاية إلى حذف عدد من التغريدات التي قد يتم تفسيرها بشكل متطرف، على الرغم من أنه يعبر عن شعور الملايين في مصر والوطن العربي، بل وقطاعات واسعة من الغرب، إذ يسمي الأشياء بأسمائها، ولم يتوقف حتى تلك اللحظة عن بذل كل ما في استطاعته للتغريد لدعم القضية الفلسطينية وشرحها باللغتين العربية والإنكليزية.

 الانفعال الصادق هو ما يسوق ويجز من دون حسابات كبيرة لشهرته أو أحلامه، ما زال يكتب المزيد من التغريدات التي يمكن بسهولة أن يعاقب من خلالها داخلياً وعالمياً، ولعل آخرها تغريدة الدعوة الى فتح معبر رفح وتغريدة وصف سلوك المستوطنين الإسرائيلين في الاستيلاء على بيوت الفلسطينيين وطردهم بسلوك الفئران المسلّحة نووياً.

ويجز، يمثل جيلاً أصغر وأذكى، كان مفاجئاً للأجيال الأكبر في قدرته على فهم القضية الفلسطينية التي غُيبت عن عمد في مناهج الدراسة المصرية، ومن الخطاب الفني والإعلامي، بل ومباغتاً في حيويته وقدرته على استخدام وسائل عصرية وفعالة ومبتكرة لإيصال صوته.  وهو فنان الراب الذي خاض معارك ضارية مع النقيب السابق للموسيقيين هاني شاكر، ومن بعده مصطفى كامل النقيب الحالي، اتهما فيها جيله بتغييب الوعي ونشر الرداءة، ليظهر أن ويجز وجيله كانوا أكثر وعياً بما لا يقاس من عقول غلّفتها “الكمكمة” تعيش في قرن آخر، لم يعد ينتمي إلى زماننا، بينما يملك ويجز قدرة على تخطي ما هو أكثر من الحدود المفروضة بانفتاحه الحي والجريء والشجاع على المستقبل.

19.12.2023
زمن القراءة: 8 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية