قبل أيّام، قصد الفنّان التشكيلي المصري طارق سرحان منطقة البحيرات الصناعية في حدائق المتنزّه، أقصى شرق الإسكندرية، افترش الأرض بمجموعة محدودة من الألوان وحامل لوحات، وبدأ برسم البحيرة الصناعية وسرب البطّ الذي يسبح داخلها. أنهى رسم البحيرة، لكن قبل أن ينتقل إلى رسم سرب البطّ، فوجئ بأمن المتنزّه يسأله إن كان يحمل تصريحاً أمنياً لرسم البحيرة وبطّها!
سرحان الذي كان في حالة اندماج كامل، استغرب السؤال، واستفسر بجدّية:
“هل أحتاج فعلاً إلى تصريح لأجلس في مكان عامّ وأرسم؟”.
البحيرة والبطّ، مشهد طبيعي لا يحمل أي رمز أو دلالة مثيرة، لكنّه لم ينجُ من التساؤل والتوقيف، إذ طُلب منه التوقّف عن الرسم، لأن الرسم في المجال العامّ يحتاج تصريحاً.
هذه الحادثة ليست الأولى من نوعها، لكنّها تُسلّط الضوء على مساحات غير واضحة من التنظيم في مصر، حيث يتعذّر على فنّان أن يرسم لوحته الخاصّة في فضاء مفتوح، من دون أن يُواجَه بإجراءات أو محاذير غير محدّدة المعالم.
يقول سرحان لـ”درج”: “هذه هي المرة الأولى التي أذهب فيها إلى المتنزّه بعد التجديد، ولم أعلم أن هذا التجديد صاحبته تعليمات جديدة أيضاً، بخاصّة أنه من غير المنطقي أن أفكّر في ضرورة الحصول على تصريح مسبق للرسم في الفضاء العامّ، لأنني أرسم مشهداً يراه الجميع. لم أرسم منطقة حكومية أو عسكرية، ولا حتى قصر المتنزّه من الخارج”، مضيفاً: “الأمر كلّه بحيرة صناعية وشوية بطّ”.
أصرّ أمن المتنزّه على أن يدفع سرحان غرامة مالية، وأن يتوقّف فوراً عن رسم اللوحة، وهو ما رفضه، وأصرّ على أن يصحبه الأمن إلى إدارة حدائق المتنزّه ليستعلم عن هذه التعليمات الجديدة.
يقول سرحان: “لم يسئ الأمن ولا الإدارة معاملتي، لكنّني لم أحصل على إجابات. كنت أسألهم ما المشكلة في رسم اللوحة، وما هي التعليمات الجديدة؟ ولماذا لم يمنعني أمن البوابة من البداية، وهو يرى الألوان التي أحملها والحامل؟ لكن لم أحصل على أي إجابة سوى تكرار عبارة: معاك تصريح؟”.
أكّدت الإدارة كلام موظّف الأمن وضرورة دفع غرامة مالية، أو أن يأخذ سرحان ألوانه ولوحته ويرحل فوراً من الحديقة، فاختار عدم دفع الغرامة ورحل من دون أن يُكمل اللوحة.
لم تكن هذه الحادثة هي الوحيدة التي تعرّض لها الفنّان طارق سرحان، فقد واجه خلال عطلة عيد الفطر الماضي، موقفاً مشابهاً في حديقة أنطونيادس في الإسكندرية أيضاً، يقول: “سألني الأمن عن التصريح، لكنّه تركني بشرط أن أُنهي اللوحة بسرعة. كانت الخامة التي أرسم بها سريعة البناء، وبالفعل أنجزت اللوحة سريعاً ورحلت”.
لم يسبق أن تعرّض سرحان من قبل لمواقف مشابهة في الأماكن العامّة التي كان يقصدها للرسم، ويظهر في فيديوهات وهو يرسم بسلاسة، مثلما حدث في لوحة “حديقة الأسماك”، ما يعني أن حوادث السؤال عن تصريح للرسم لم تكن ظاهرة بعد. لكنّ تكرارها، حتى ولو بشكل فردي، يجعل الحديث عنها ضرورة الآن، لأنها تشير إلى سطوة بعض أفراد الأمن وتجاوزاتهم في الأماكن العامّة، وإلى مغالاتهم من تلقاء أنفسهم في المنع أو السؤال عن تصاريح أمنية غير قانونية.
أين تبدأ حرّية الفنّان؟ وأين تنتهي حدود المسموح به؟ أسئلة تفرض نفسها حين يصبح الرسم –حتى في أكثر صوره هدوءاً وتجريداً– موضع رصد أو اشتباه، لا من باب السياسة، بل من باب البيروقراطية الممتدّة. وفي الوقت الذي تشجّع فيه الدولة على “استعادة الذوق العامّ”، يبدو أن الطريق إلى الجمال لا يزال محفوفاً بالمراجعة من الأعين المتربّصة، وربما بتأويلات سياسية شاطحة ومبالغ فيها.
يقول سرحان: “هذه المشكلة تحتاج إلى حلّ. مواقف مثل هذه تجعلني أشعر بأنني أقوم بفعل غير محبّب، وغير حرّ، بل مقيد نسبياً. هل مطلوب من الفنّان الآن أن يأخذ صورة من الطبيعة أو من الشارع بكاميرا هاتفه، ويذهب إلى مرسمه ليقوم بنسخها؟ الهاتف سيعكس لي الانطباع، لكنّه لن يعطيني الألوان الطبيعية نفسها، وسأحتاج إلى تقريب الصورة. أنا في الواقع لا أحتاج إلى عمل “زوم” على العناصر كي أرسم، هي مسألة لها علاقة بتغذيتي البصرية، ورؤيتي للألوان على طبيعتها، وطريقة تحضيري للوحة بشكل عفوي وحرّ”.
“هناك مشاهد كثيرة أحبّ أن أرسمها على الطبيعة، ومشاهد داخل المتاحف والقصور. لكنّهم، إن سمحوا لنا بالرسم يلزمونا أيضاً باستخدام خامات معيّنة. إذا كان “سكتش” وقلم رصاص داخل المتحف مسموحاً، فإن خامات الزيت و”الغواش” تجعلهم يشعرون أننا نوثّق مشاهد ونُظهر تفاصيل. هذا التحديد والخطوط الحمراء تجعلني محدوداً أيضاً ومحبطاً”.
إقرأوا أيضاً:
الحقّ في استخدام الفضاء العامّ للإبداع البصري جزء من الثقافة المدنية لأي مجتمع حديث، فالرسم في الأماكن العامّة لا يُعدّ فعلاً مزعجاً، بل تقليد عريق في كثير من دول العالم. وغياب هذا الحقّ –ولو بالصمت– يعني أن الفنّان يُعامل كمشتبه به، لا كمواطن يُضيف شيئاً إلى الجمال العامّ. وفي بلد يطمح لتطوير الذوق العامّ، تُصبح الرقابة على اللوحة الطبيعية تناقضاً جوهرياً مع هذا الهدف.
في مفارقة مؤلمة، تبدو الإعلانات التجارية واللافتات الحكومية أكثر حرّية على جدران المدن من رسمة فنّان. يمكنك أن ترى لافتات عملاقة لعقارات فاخرة، أو حملات رسمية عن “حياة كريمة”، تملأ الفضاء العامّ من دون عائق، في حين يُطلب من فنّان شابّ أن يبرّر وجوده في الميدان، ولو كان يرسم تفصيلة معمارية أو زهرة على لوح ورقي محمول. هذا التحوّل يُشير إلى نوع من إعادة تعريف المجال العامّ في مصر: ليس الفضاء العامّ مكاناً مشتركاً للمواطنين، بل مساحة يقرّر المسؤول متى تُفتح ولمن، ومتى تُغلق ولمنع ماذا؟
جزء من سحر الرسم في الأماكن العامّة هو عفويته، هو لحظة شخصيّة تتقاطع فيها الذات مع المحيط، وحين تُفرّغ هذه اللحظة من تلقائيتها، وتُحمَّل بإجراءات وقيود، يتحوّل الفنّ من حوار إلى استجواب.
الأغرب أن هذه الرقابة لا تميّز بين لوحة واقعية وأخرى تجريدية، بين شجرة أو بطّة أو حتى حذاء مرسوم. الفنّ في المجال العامّ ينعش الروح الحضرية، ويمنح المواطن إحساساً بالشراكة في الجمال، أما في القاهرة، فإن ذلك يتحوّل إلى مصدر قلق، ما ينعكس على علاقتنا بالمدن ذاتها، لأن مدينة بلا فنّ في الفضاء العامّ، هي مدينة تُدار مثل إدارة مرور، لا كجسد حيّ.
الفنّان ياسين محمّد من أبرز الفنّانين التشكيليين الشباب في مصر حالياً، وقد تعرّض هو الآخر لمواقف مشابهة لتلك التي تعرّض لها طارق سرحان. لكنّ محمّد مشاغب، ويعلم أن حدوده وحقوقه لا يمكن سلبهما منه عنوة أو جهلاً.
يقول محمّد إنه كان يرسم لوحة على كوبري “ستانلي” في الإسكندرية، وجاء أحد أفراد الأمن ليخبره أن الرسم على الكوبري ممنوع، وإلا سيدفع غرامة. رفض محمّد دفع الغرامة وأصرّ على إكمال اللوحة، حتى جاء الضابط وأمر فرد الأمن بأن يتركه.
في المتحف المصري الكبير، ورغم البروباغندا الهائلة التي صاحبت إنشاءه، ورغم ما يحويه من فنون بصرية سواء كانت برديّات أو منحوتات، منع أحد أفراد أمن المتحف محمّد من الرسم على “سكتش” صغير باستخدام قلم رصاص، يقول محمّد: “رفضت محاولات منعهم، وجاء مدير المتحف والإدارة وأصرّوا على أن الرسم ممنوع داخل المتحف. عملت لهم فضيحة وكملت رسمتي”.
يعتبر محمّد أن المنع نابع من جهل بالقانون: “هم فقط يستشعرون الخطورة من أي فعل له علاقة بالتصوير أو الرسم. يتصوّرون أنه قد يؤدّي إلى فعل خطير. تفكيرهم قائم على التربّص ونظرية المؤامرة، وربما لأن الرسم في مساحة عامّة شيء غير دارج، يعتقدون أن منعه أفضل من باب الاحتياط”.
رغم أن محمّد يناقش ويصرّ على حقّه في الرسم في الأماكن العامّة، فإنه عانى بعد هذه المواقف من “بلوك فنّي” استمرّ لفترة، خاصّة أن بعض اللوحات لا تكتمل معه إلا بعد مدّة طويلة، لكنّه في النهاية يصرّ على إكمالها.
الرسم في الأماكن العامّة غير ممنوع صراحة، وغير معمّم، لكن يُفترض أخذ موافقة من الحيّ أو المحافظة، إذا كان سيستغرق وقتاً طويلاً، أو قد يثير تجمّعات. إلا أن هذه الإجراءات لا تُنشر رسمياً، ولا يُعلَن عنها بوضوح، ما يترك الفنّانين في مواجهة “سلطة تقديرية” تُمارَس ميدانياً من قِبل أفراد أمن أو إدارات لا علاقة لها بالفنّ من الأساس.
الفرق بين مدينة حرّة ومدينة مكمّمة، ليس فقط في قوانينها، بل في كيفية إدارة فراغاتها. المدينة التي تُعامل المواطن كضيف عابر تجبره على الصمت، أما المدينة التي تدرك أن سكّانها هم صانعو هوّيتها، فإنها تفتح لهم الرصيف، وتمنحهم الجدار. في مصر، يتراجع الفضاء العامّ عاماً بعد عام، لا لأن الناس لا يرغبون في التواجد، بل لأنهم يشعرون بأنهم مُراقبون، مُشكوك في أمرهم، غير مرحب بهم. والفنّان –وهو أول من يخرج ليملأ الفراغ– يصبح ضحيّة هذه النظرة، وكأن وجوده ترف، لا ضرورة.
“لوحة البحيرة والبطّ” لم تكتمل وربما لن تكتمل، لأن حالتها تبدّلت تماماً. يقول طارق سرحان: “اللوحة أصبحت تحمل انطباعاً من اللخبطة والكآبة، والبحيرة في الطبيعة كانت ساطعة بأشعة الشمس، كنت أنوي رسم النور والألوان الزاهية، وذلك قبل أن يأتي فرد الأمن ليسألني عن التصريح. اللوحة الآن تحمل حالة من القتامة، وفقيرة بعناصر الطبيعة التي مُنعت من إضافتها إليها. لقد تغيّر معناها تماماً بسبب هذا الموقف”.













