ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

معايير جديدة لمفاوضات بيليم: لاهاي ترفع سقف المحاسبة المناخية

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

هل تبدل لاهاي قواعد اللعبة ليحمل “نصّ بيليم” المرتقب لغة العدالة المناخية؟ وهل يُترجم الحقّ في بيئة صحّية إلى التزام فعلي بالتخلّي عن الوقود الأحفوري؟

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

الحقّ في العيش في بيئة نظيفة وصحّية ليس امتيازاً، بل هو أساس لضمان حقوق الإنسان للأجيال الحالية والقادمة، ومبدأ “الملوِّث يدفع” لم يعد خياراً أخلاقياً، فإذا فشلت الحكومات في الحدّ من استخدام الوقود الأحفوري، أو وافقت على مشاريع جديدة له، أو استثمرت الأموال العامّة في هذا القطاع، قد تكون بذلك منتهِكةً للقانون الدولي، فالتحرّك المناخي لم يعد مجرّد رأي أو ساحة للجدل السياسي، بل هو واجب تفرضه قواعد القانون الدولي، ولا يقتصر على المعاهدات المناخية. هذا باختصار ما خلصت إليه محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري التاريخي، الذي اتّخذته بالإجماع في 23 تمّوز/ يوليو 2025.

من على قوس محكمة العدل الدولية، تلا رئيسها القاضي يوجي إيواساوا على مدى أكثر من ساعتين، كنز الحجج القانونية المؤلّف من 133 صفحة، الذي يدحض ادّعاءات الدول الملوّثة بشأن مسؤوليّتها تجاه تغيّر المناخ، واصفاً إيّاه بـ “التهديد العاجل والوجودي”، و”مصدر قلق مشترك والتعاون بشأنه ليس مسألة خيار بل حاجة ملحّة والتزام قانوني للدول”. 

رأي المحكمة ” بوصلة قانونية وأخلاقية واضحة تستند إلى العلم وحقوق الإنسان، وتوفّر لغة تربط بين النصوص القانونية والروايات الإنسانية، وتُكرّس حقّنا في كوكب صالح للعيش”، وفقاً لما قالته سينتيا هونييوهي طالبة حقوق في جامعة المحيط الهادئ ورئيسة منظّمة “الشباب من أجل العدالة المناخية”، التي قادت حملة طلب الرأي الاستشاري من محكمة العدل الدولية، في مقابلة مع “درج”. 

فبفضل هذا الرأي “يمكن للمدّعين الآن أن يبنوا دعاواهم ليس فقط على أرقام الانبعاثات، بل أيضاً على كرامة الأطفال الذين يستحقّون مستقبلاً آمناً”، تقول هونييوهي.

استندت المحكمة في تعليلها إلى علم المناخ، وإلى استنتاجات الهيئة الحكومية الدولية المعنيّة بتغيّر المناخ (IPCC) والتي أشارت إلى أنها باعتبار معظم المشاركين، تقدّم أفضل الأدلّة العلمية المتاحة حول أسباب تغيّر المناخ وطبيعته وآثاره. 

اتّفاقيات المناخ ليست نظاماً مغلقاً

رغم طابعه غير الملزم، يتمتّع الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية بثقل قانوني ومعنوي كبير، بالنظر إلى مكانتها القضائية العليا ودورها المحوري في تفسير قواعد القانون الدولي وتطويرها.

ويُعدّ هذا الرأي الاستشاري نقطة تحوّل تاريخية في مسار مفاوضات المناخ في طريقها إلى قمّة بيليم، خاصّة بعدما حاول العديد من الدول خلال جلسات الاستماع التي عُقدت في لاهاي قبل سبعة أشهر، التنصّل من مسؤوليّاتها، بالتذرّع بأن اتّفاق باريس يُشكّل نهاية التزاماتها تجاه أزمة المناخ. لكنّ المحكمة أرست قاعدة قانونية جديدة، تدمج العدالة المناخية ضمن الإطار الأوسع للقانون الدولي، وتُحمّل الدول مسؤوليّاتها القانونية حتى خارج الإطار التعاهدي.

واعتبر “مركز القانون البيئي الدولي” CIEL، هذا التطوّر “انتصار داوود على جالوت”، مشيراً إلى أن “ما بدأ بمبادرة طالبية في منطقة المحيط الهادئ، تحوّل إلى لحظة مواجهة عالمية – عهد جديد من القوّة القانونية للشعوب والمجتمعات الواقعة في الخطوط الأمامية لأزمة المناخ”. وهو ما عبّرت عنه أيضاً هونييوهي في حديثها إلى “درج”، قائلة: “يمكن للعالم أن يتعلّم أن الشجاعة تبدأ بخطوة صغيرة. مجموعة من طلّاب جزر المحيط الهادئ تجرّأوا على طلب رأي أعلى محكمة في العالم، ونالوا الجواب”.

تُلزَم المحكمة، بموجب المادّة 38 من نظامها الأساسي، بأخذ جميع مصادر القواعد القانونية بعين الاعتبار، بما في ذلك تلك التي تسبق الاتّفاقيات الدولية، والتي غالباً ما تكون خاضعة لحسابات سياسية واقتصادية، وذلك عند إصدار آرائها. 

وفي هذا السياق، قالت هونييوهي لـ”درج”: “نجحت المحكمة في دمج غير مسبوق لأنظمة قانونية متعدّدة – كقانون المعاهدات، والقانون الدولي العرفي، وقانون حقوق الإنسان، وقانون البحار – في واجب موحّد وملزِم لحماية المناخ”، وأضافت: “لم يعد بإمكان الدول الادّعاء بأن الالتزام باتّفاق باريس كافٍ، فهي باتت تواجه التزامات قانونية متعدّدة المصادر، بغض النظر عن مشاركتها في الاتّفاقيات الدولية”.

في تعليقه على الرأي الاستشاري قال سباستيان ديوك المحامي ومدير “حملة حقوق الإنسان والمناخ” في “مركز القانون البيئي الدولي” CIEL: “هذا إعلان بالغ الأهمّية، لقد اعتمد الملوّثون الكبار، سواء كانوا دولاً أو شركات، بشكل كبير على الحجّة القائلة إن اتّفاقيات المناخ التابعة للأمم المتّحدة (بما في ذلك اتّفاق باريس) تُشكّل الإطار الأساسي أو الحصري لفهم نطاق التزامات الدول تجاه المناخ”، وأضاف: “لقد أتاح هذا الأمر للملوّثين الاحتماء وراء ثغرات اتّفاقيات المناخ، التي تُشكّل في كثير من الأحيان القاسم المشترك الأدنى بين الدول، مما سمح لها بتجنّب المساءلة الحقيقية عن التزاماتها البيئية والمناخية”.

وأكّدت المحكمة أن المعاهدات الدولية أو القانون الدولي العرفي، الذي يكرّس مبادئ حقوق الإنسان كأساس ملزم للدول، تُعدّ جزءاً لا يتجزّأ من الإطار القانوني للقضيّة. 

في هذا السياق قال سباستيان ديوك: “إن قاعدة  القانون الخاصّ يغلب العامّ، سترقد بسلام في قضايا العدالة المناخية”. 

ويكتسب هذا الرأي بعداً جديداً حين يُطبّق على قرارات سياسية كبرى، مثل انسحاب بعض الدول من اتّفاق باريس، أو تقاعسها عن الوفاء بالتزاماتها المناخية. 

ففي شباط/ فبراير من العام 2025، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب انسحاب الولايات المتّحدة من اتّفاقية باريس للتغيّر المناخي، مشيراً إلى أن بلاده ستتوقّف عن تنفيذ الاتّفاق بالكامل، بما في ذلك المساهمة الوطنية المحدّدة والمساهمات في صندوق المناخ الأخضر. 

سبق للولايات المتّحدة أن التزمت في مساهمتها المحدّدة وطنياً (NDC) بخفض انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة تتراوح من 26 إلى 28% مقارنة بمستويات العام 2005، وذلك بحلول العام 2025.

غير أن المحكمة شدّدت على التزامات الدول وواجبها في منع الضرر البيئي، حتى لو لم تُصادق على اتّفاقية باريس، وذلك في إطار قواعد ملزمة خارج الإطار التعاهدي. تبقى الدول مُلزمة بتحقيق التزامات موازية بموجب القانون الدولي العرفي.

قالت المتحدّثة باسم البيت الأبيض تايلور روجرز، لوكالة “رويترز” تعليقاً على رأي العدل الدولية “كما هو الحال دائماً، يلتزم الرئيس ترامب والإدارة بكاملها بوضع أميركا أوّلاً وإعطاء الأولوية لمصالح الأميركيين العاديين”. 

أما جوي تشودهوري المحامية البارزة في “مركز القانون البيئي الدولي”، فأوضحت أن “هذا الرأي يطبّق القانون الدولي الملزم الذي سبق للدول أن التزمت به، وستنظر المحاكم الوطنية والإقليمية إلى هذا الرأي كمصدر سلطة إقناعية، وسيُسهم في توجيه أحكام ذات آثار مُلزمة ضمن أنظمتها القانونية الخاصّة”.

الحقّ في العيش في بيئة صحّية

جاء هذا الاعتراف تتويجاً لعقود من النضال خاضها نشطاء ومجتمعات متضرّرة وعلماء قانون، طالبوا خلالها بأن تُعامل البيئة بوصفها جزءاً لا يتجزّأ من منظومة الحقوق الأساسية للإنسان. 

وشكّلت قرارات مجلس حقوق الإنسان والجمعية العامّة للأمم المتّحدة بشأن الاعتراف بالحقّ في بيئة نظيفة وصحّية ومستدامة، محطّات أساسية في مسار ترسيخ هذا الحقّ على الساحة الدولية، رغم طابعها غير الملزم قانوناً. فقد وفّرت هذه القرارات أرضيّة أخلاقية وسياسية قوّية دفعت نحو تحويل المطالبة البيئية إلى قضيّة حقوق إنسان مركزية.

خلصت المحكمة إلى أن “الحقّ في الحياة وفي بيئة نظيفة وصحّية ومستدامة، هو شرط مسبق للتمتّع بحقوق الإنسان بموجب القانون الدولي”. 

في هذا السياق قالت أستريد ريانو المقرّرة الخاصّة المعنيّة بحقّ الإنسان بالعيش في بيئة صحّية: “في هذه اللحظة، أودّ فقط أن أشارك أن ما نعيشه الآن يُجسّد نهاية حقبة وبداية أخرى جديدة، حقبة يسود فيها الترابط والتكامل. لم يعد من الممكن أن نرى، أو نُعلّم، أو نمارس فرعاً من القانون بمعزل عن غيره”. 

وفي حديث إلى “درج”، أوضح بنيامين شاختر منسّق فريق البيئة وتغيّر المناخ في مكتب المفوّض السامي لحقوق الإنسان، أن المحكمة “اعتبرت أن إخلال الدول بالتزاماتها بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، والمتمثّلة في احترام وضمان التمتّع الفعلي بحقوق الإنسان من خلال اتّخاذ التدابير اللازمة لحماية النظام المناخي وأجزاء أخرى من البيئة، يُشكّل فعلاً غير مشروع على الصعيد الدولي”.

ورغم أن هذا الرأي الاستشاري لا يحمل طابع الإلزام المباشر، فإن شاختر يرى فيه نقطة تحوّل حاسمة. ففعاليته، كما يقول “ستُقاس بمدى استعداد الدول لاتّخاذ الإجراءات الضرورية لوقف تفاقم الأزمة المناخية، وضمان تعويض المجتمعات المتضرّرة”.

البيئة والهجرة القسرية: حماية خارج إطار اتّفاقية اللاجئين

يؤدّي تغيّر المناخ إلى ازدياد حالات النزوح والهجرة القسرية، نتيجة الكوارث البيئية مثل ارتفاع درجات الحرارة، وذوبان الجليد، وازدياد الفيضانات وحرائق الغابات، ما يُجبر العديد من السكّان على مغادرة أراضيهم. إلا أن هؤلاء لا يُصنّفون ضمن الفئات المحميّة بموجب اتّفاقية اللاجئين للعام 1951، ما يترك المهاجرين بسبب التغيّر المناخي خارج إطار الحماية القانونية التي توفّرها الاتّفاقية.

سبق أن رفضت المحاكم النيوزيلندية في عام 2015 قضيّة إيواني تيتوا، وهو مواطن من دولة كيريباتي، سعى للحصول على الحماية بسبب تهديدات وجودية ناتجة عن ارتفاع مستوى سطح البحر في بلاده. 

ويُمهّد الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الطريق نحو تطوير أطر قانونية أوسع، تعترف بتغيّر المناخ كسبب جوهري للهجرة القسرية، من خلال تعزيز التزامات الدول في حماية حقوق الإنسان. 

وفي هذا السياق، أكّدت المحكمة أهمّية مبدأ عدم الإعادة القسرية، بوصفه حجر الأساس في حماية الأشخاص المهدّدين بسبب آثار تغيّر المناخ، ومنع إعادتهم إلى أوضاع تُعرّض حياتهم أو كرامتهم للخطر.

معايير جديدة لمفاوضات بيليم

نقلت لاهاي مفاوضات بيليم إلى مستوى جديد من الالتزام والمساءلة. فعلى بُعد أشهر قليلة من الذكرى السنوية العاشرة لاتّفاقية باريس، أكّدت المحكمة أن الاتّفاقية؛ وإن لم تكن الوحيدة، تشكّل ركيزة أساسية في النظام القانوني المناخي، وأن الحدّ من ارتفاع درجات الحرارة إلى 1.5 درجة مئوية، كما نصّت عليه الاتّفاقية في عام 2015، هو المرجع الوحيد الجدّي والفعلي لتحديد ما هو مقبول من الناحية المناخية. 

اقتبس القاضي إيواساوا من تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ (IPCC): “الاحترار بمقدار 1.5 درجة مئوية لا يُعتبَر “آمنًا” بالنسبة إلى معظم الدول والمجتمعات والنُظم البيئية والقطاعات، ويشكّل مخاطر كبيرة على الأنظمة الطبيعية والبشرية”.

في هذا السياق رأت سينثيا هونيوهي أنه وفقاً لاستنتاج المحكمة فإن “المساهمات المحدّدة وطنياً (NDCs) يجب عند جمعها أن تكون قادرة على تحقيق هدف درجات الحرارة، وهو ما يُشكّل معياراً جديداً للمفاوضات في مؤتمرات الأطراف”، وقالت: “لم يعد بإمكان الدول تحديد أهداف غير كافية دون محاسبة – إذ بات أي تقصير جماعي في بلوغ هدف 1.5 درجة مئوية، مهدّداً بأن يُعتبر غير قانوني”. 

من جهتها، قالت إيريكا لينون المحامية في “مركز القانون البيئي الدولي”: “يجب على الدول أن تأخذ رأي محكمة العدل الدولية على محمل الجدّ، وأن تستخدمه لدفع نتائج طموحة في مؤتمر الأطراف COP30 وما بعده”. 

أما هونيوهي، فرأت أن هذا الرأي يشكّل “أداة تفاوض قوّية للدول النامية، للمطالبة بالتمويل ونقل التكنولوجيا بما يتناسب مع حصص التلوّث التاريخية”.

ورفضت المحكمة حجّة بعض الدول بأنها تتمتّع بصلاحية مطلقة في تحديد التزاماتها المحدّدة وطنياً (NDCS).

 وقال ديوك: “من خلال تأكيدها أن اتّفاق باريس يفرض التزامات فعلية في مجال التخفيف على الدول، تستعيد المحكمة دورها كـركيزة أساسية في مساءلة المناخ، وتُواجِه بذلك سنوات من محاولات الدول والشركات عالية الانبعاثات تفريغ الاتّفاق من مضمونه، وتحويله إلى إطار بلا أثر ولا قوّة”.

ورغم أن الأسئلة المقدّمة إلى المحكمة لم تتضمن رأياً مباشراً حول مسؤوليّة الدول في إنتاج الوقود الأحفوري، فإن المحكمة رفعت سقف المساءلة بمنحها معياراً ثانياً لمفاوضات بيليم. فقد اعتبرت أن “فشل الدولة في اتّخاذ إجراءات مناسبة لحماية النظام المناخي من انبعاثات الغازات الدفيئة، بما في ذلك من خلال إنتاج الوقود الأحفوري، أو استهلاكه، أو منح تراخيص استكشافه، أو تقديم الدعم المالي له، قد يُشكّل فعلاً غير مشروع على المستوى الدولي”.

بهذا، تكون المحكمة قد رسمت مساراً قانونياً واضحاً نحو العدالة المناخية، مؤكّدة حقّ كلّ دولة متضرّرة في تفعيل مسؤوليّة أي دولة أخرى ارتكبت فعلًا غير مشروع، أدّى إلى الإضرار بالنظام المناخي أو بأجزاء من البيئة.

فيشال براساد مدير لجنة دول الجزر الصغيرة المعنيّة بتغيّر المناخ (PISFCC) قال: “شهدنا كثيراً من تبادل المسؤوليّات، واستغلال الثغرات، والتأجيل، والوعود غير المنجزة خلال المفاوضات. ومن خلال هذا المسار، لدينا فرصة حقيقية لكي تحسم محكمة العدل الدولية، بشكل واضح وملموس، ما الذي يجب على الدول القيام به”، مضيفاً أن الرأي الاستشاري هو “فرصة تاريخية لصياغة تطوّر القانون الدولي بما يخدم مصالحنا”.

وفي بيان اعتبر خبراء مستقلّون في حقوق الإنسان معيّنون من قبل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتّحدة أنه “على كلّ دولة، ولا سيّما الدول التي كانت ولا تزال من بين الأعلى في الانبعاثات، أن تطبّق ما ورد في رأي محكمة العدل الدولية، وأن تعتمد عليه كأساس لتصحيح مسار جهودها المناخية على المستويين الوطني والدولي، بما يشمل مفاوضات الأمم المتّحدة المقبلة بشأن التلوّث البلاستيكي ومؤتمر المناخ COP30 في البرازيل”.

وبينما يُمهّد الرأي الاستشاري لأرضيّة قانونية غير مسبوقة، لا يتوقّف دوره عند حدود التفسير، بل يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من المفاوضات، تبدأ من غابات الأمازون. وكما قالت هونيوهي، التي ترأست الحملة التي قادتها فانواتو: “بعد صدور الرأي، تبدأ الخطوة التالية: أن تبدأ الحكومات والمجتمع المدني بتحليل هذا المستند بعمق، لفهم كيفية استخدامه في دعم الجهود القائمة لتحقيق العدالة المناخية. هذا هو جوهر الحملة: إدخال عنصر مفصلي يعزّز موقع الحركات المناخية الحالية”.

فهل تبدل لاهاي قواعد اللعبة ليحمل “نصّ بيليم” المرتقب لغة العدالة المناخية؟ وهل يُترجم الحقّ في بيئة صحّية إلى التزام فعلي بالتخلّي عن الوقود الأحفوري؟ وهل سيُحاسب المسؤولون عن الكارثة المناخية، بدلاً من أن تُلقى كلفتها على كاهل المجتمعات الأكثر هشاشة وتهميشاً؟

ديانا مقلد - صحافية وكاتبة لبنانية | 06.12.2025

من نكتة إلى ملفّ أمني… قراءة في عاصفة ماريو مبارك

في العالم العربي، تفاقم هذا المنطق حين خرجت السخرية السياسية أيضاً من المسموح إلى الممنوع، وفي لبنان، الذي يُفترض أن يكون مساحة أكثر انفتاحاً، يتكرّر المشهد نفسه بأساليب مختلفة: استدعاءات، ملاحقات قضائية، ضغط طائفي، وتحريض رقمي يحوّل الكوميدي إلى هدف مشروع. 
31.07.2025
زمن القراءة: 9 minutes

هل تبدل لاهاي قواعد اللعبة ليحمل “نصّ بيليم” المرتقب لغة العدالة المناخية؟ وهل يُترجم الحقّ في بيئة صحّية إلى التزام فعلي بالتخلّي عن الوقود الأحفوري؟


الحقّ في العيش في بيئة نظيفة وصحّية ليس امتيازاً، بل هو أساس لضمان حقوق الإنسان للأجيال الحالية والقادمة، ومبدأ “الملوِّث يدفع” لم يعد خياراً أخلاقياً، فإذا فشلت الحكومات في الحدّ من استخدام الوقود الأحفوري، أو وافقت على مشاريع جديدة له، أو استثمرت الأموال العامّة في هذا القطاع، قد تكون بذلك منتهِكةً للقانون الدولي، فالتحرّك المناخي لم يعد مجرّد رأي أو ساحة للجدل السياسي، بل هو واجب تفرضه قواعد القانون الدولي، ولا يقتصر على المعاهدات المناخية. هذا باختصار ما خلصت إليه محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري التاريخي، الذي اتّخذته بالإجماع في 23 تمّوز/ يوليو 2025.

من على قوس محكمة العدل الدولية، تلا رئيسها القاضي يوجي إيواساوا على مدى أكثر من ساعتين، كنز الحجج القانونية المؤلّف من 133 صفحة، الذي يدحض ادّعاءات الدول الملوّثة بشأن مسؤوليّتها تجاه تغيّر المناخ، واصفاً إيّاه بـ “التهديد العاجل والوجودي”، و”مصدر قلق مشترك والتعاون بشأنه ليس مسألة خيار بل حاجة ملحّة والتزام قانوني للدول”. 

رأي المحكمة ” بوصلة قانونية وأخلاقية واضحة تستند إلى العلم وحقوق الإنسان، وتوفّر لغة تربط بين النصوص القانونية والروايات الإنسانية، وتُكرّس حقّنا في كوكب صالح للعيش”، وفقاً لما قالته سينتيا هونييوهي طالبة حقوق في جامعة المحيط الهادئ ورئيسة منظّمة “الشباب من أجل العدالة المناخية”، التي قادت حملة طلب الرأي الاستشاري من محكمة العدل الدولية، في مقابلة مع “درج”. 

فبفضل هذا الرأي “يمكن للمدّعين الآن أن يبنوا دعاواهم ليس فقط على أرقام الانبعاثات، بل أيضاً على كرامة الأطفال الذين يستحقّون مستقبلاً آمناً”، تقول هونييوهي.

استندت المحكمة في تعليلها إلى علم المناخ، وإلى استنتاجات الهيئة الحكومية الدولية المعنيّة بتغيّر المناخ (IPCC) والتي أشارت إلى أنها باعتبار معظم المشاركين، تقدّم أفضل الأدلّة العلمية المتاحة حول أسباب تغيّر المناخ وطبيعته وآثاره. 

اتّفاقيات المناخ ليست نظاماً مغلقاً

رغم طابعه غير الملزم، يتمتّع الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية بثقل قانوني ومعنوي كبير، بالنظر إلى مكانتها القضائية العليا ودورها المحوري في تفسير قواعد القانون الدولي وتطويرها.

ويُعدّ هذا الرأي الاستشاري نقطة تحوّل تاريخية في مسار مفاوضات المناخ في طريقها إلى قمّة بيليم، خاصّة بعدما حاول العديد من الدول خلال جلسات الاستماع التي عُقدت في لاهاي قبل سبعة أشهر، التنصّل من مسؤوليّاتها، بالتذرّع بأن اتّفاق باريس يُشكّل نهاية التزاماتها تجاه أزمة المناخ. لكنّ المحكمة أرست قاعدة قانونية جديدة، تدمج العدالة المناخية ضمن الإطار الأوسع للقانون الدولي، وتُحمّل الدول مسؤوليّاتها القانونية حتى خارج الإطار التعاهدي.

واعتبر “مركز القانون البيئي الدولي” CIEL، هذا التطوّر “انتصار داوود على جالوت”، مشيراً إلى أن “ما بدأ بمبادرة طالبية في منطقة المحيط الهادئ، تحوّل إلى لحظة مواجهة عالمية – عهد جديد من القوّة القانونية للشعوب والمجتمعات الواقعة في الخطوط الأمامية لأزمة المناخ”. وهو ما عبّرت عنه أيضاً هونييوهي في حديثها إلى “درج”، قائلة: “يمكن للعالم أن يتعلّم أن الشجاعة تبدأ بخطوة صغيرة. مجموعة من طلّاب جزر المحيط الهادئ تجرّأوا على طلب رأي أعلى محكمة في العالم، ونالوا الجواب”.

تُلزَم المحكمة، بموجب المادّة 38 من نظامها الأساسي، بأخذ جميع مصادر القواعد القانونية بعين الاعتبار، بما في ذلك تلك التي تسبق الاتّفاقيات الدولية، والتي غالباً ما تكون خاضعة لحسابات سياسية واقتصادية، وذلك عند إصدار آرائها. 

وفي هذا السياق، قالت هونييوهي لـ”درج”: “نجحت المحكمة في دمج غير مسبوق لأنظمة قانونية متعدّدة – كقانون المعاهدات، والقانون الدولي العرفي، وقانون حقوق الإنسان، وقانون البحار – في واجب موحّد وملزِم لحماية المناخ”، وأضافت: “لم يعد بإمكان الدول الادّعاء بأن الالتزام باتّفاق باريس كافٍ، فهي باتت تواجه التزامات قانونية متعدّدة المصادر، بغض النظر عن مشاركتها في الاتّفاقيات الدولية”.

في تعليقه على الرأي الاستشاري قال سباستيان ديوك المحامي ومدير “حملة حقوق الإنسان والمناخ” في “مركز القانون البيئي الدولي” CIEL: “هذا إعلان بالغ الأهمّية، لقد اعتمد الملوّثون الكبار، سواء كانوا دولاً أو شركات، بشكل كبير على الحجّة القائلة إن اتّفاقيات المناخ التابعة للأمم المتّحدة (بما في ذلك اتّفاق باريس) تُشكّل الإطار الأساسي أو الحصري لفهم نطاق التزامات الدول تجاه المناخ”، وأضاف: “لقد أتاح هذا الأمر للملوّثين الاحتماء وراء ثغرات اتّفاقيات المناخ، التي تُشكّل في كثير من الأحيان القاسم المشترك الأدنى بين الدول، مما سمح لها بتجنّب المساءلة الحقيقية عن التزاماتها البيئية والمناخية”.

وأكّدت المحكمة أن المعاهدات الدولية أو القانون الدولي العرفي، الذي يكرّس مبادئ حقوق الإنسان كأساس ملزم للدول، تُعدّ جزءاً لا يتجزّأ من الإطار القانوني للقضيّة. 

في هذا السياق قال سباستيان ديوك: “إن قاعدة  القانون الخاصّ يغلب العامّ، سترقد بسلام في قضايا العدالة المناخية”. 

ويكتسب هذا الرأي بعداً جديداً حين يُطبّق على قرارات سياسية كبرى، مثل انسحاب بعض الدول من اتّفاق باريس، أو تقاعسها عن الوفاء بالتزاماتها المناخية. 

ففي شباط/ فبراير من العام 2025، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب انسحاب الولايات المتّحدة من اتّفاقية باريس للتغيّر المناخي، مشيراً إلى أن بلاده ستتوقّف عن تنفيذ الاتّفاق بالكامل، بما في ذلك المساهمة الوطنية المحدّدة والمساهمات في صندوق المناخ الأخضر. 

سبق للولايات المتّحدة أن التزمت في مساهمتها المحدّدة وطنياً (NDC) بخفض انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة تتراوح من 26 إلى 28% مقارنة بمستويات العام 2005، وذلك بحلول العام 2025.

غير أن المحكمة شدّدت على التزامات الدول وواجبها في منع الضرر البيئي، حتى لو لم تُصادق على اتّفاقية باريس، وذلك في إطار قواعد ملزمة خارج الإطار التعاهدي. تبقى الدول مُلزمة بتحقيق التزامات موازية بموجب القانون الدولي العرفي.

قالت المتحدّثة باسم البيت الأبيض تايلور روجرز، لوكالة “رويترز” تعليقاً على رأي العدل الدولية “كما هو الحال دائماً، يلتزم الرئيس ترامب والإدارة بكاملها بوضع أميركا أوّلاً وإعطاء الأولوية لمصالح الأميركيين العاديين”. 

أما جوي تشودهوري المحامية البارزة في “مركز القانون البيئي الدولي”، فأوضحت أن “هذا الرأي يطبّق القانون الدولي الملزم الذي سبق للدول أن التزمت به، وستنظر المحاكم الوطنية والإقليمية إلى هذا الرأي كمصدر سلطة إقناعية، وسيُسهم في توجيه أحكام ذات آثار مُلزمة ضمن أنظمتها القانونية الخاصّة”.

الحقّ في العيش في بيئة صحّية

جاء هذا الاعتراف تتويجاً لعقود من النضال خاضها نشطاء ومجتمعات متضرّرة وعلماء قانون، طالبوا خلالها بأن تُعامل البيئة بوصفها جزءاً لا يتجزّأ من منظومة الحقوق الأساسية للإنسان. 

وشكّلت قرارات مجلس حقوق الإنسان والجمعية العامّة للأمم المتّحدة بشأن الاعتراف بالحقّ في بيئة نظيفة وصحّية ومستدامة، محطّات أساسية في مسار ترسيخ هذا الحقّ على الساحة الدولية، رغم طابعها غير الملزم قانوناً. فقد وفّرت هذه القرارات أرضيّة أخلاقية وسياسية قوّية دفعت نحو تحويل المطالبة البيئية إلى قضيّة حقوق إنسان مركزية.

خلصت المحكمة إلى أن “الحقّ في الحياة وفي بيئة نظيفة وصحّية ومستدامة، هو شرط مسبق للتمتّع بحقوق الإنسان بموجب القانون الدولي”. 

في هذا السياق قالت أستريد ريانو المقرّرة الخاصّة المعنيّة بحقّ الإنسان بالعيش في بيئة صحّية: “في هذه اللحظة، أودّ فقط أن أشارك أن ما نعيشه الآن يُجسّد نهاية حقبة وبداية أخرى جديدة، حقبة يسود فيها الترابط والتكامل. لم يعد من الممكن أن نرى، أو نُعلّم، أو نمارس فرعاً من القانون بمعزل عن غيره”. 

وفي حديث إلى “درج”، أوضح بنيامين شاختر منسّق فريق البيئة وتغيّر المناخ في مكتب المفوّض السامي لحقوق الإنسان، أن المحكمة “اعتبرت أن إخلال الدول بالتزاماتها بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، والمتمثّلة في احترام وضمان التمتّع الفعلي بحقوق الإنسان من خلال اتّخاذ التدابير اللازمة لحماية النظام المناخي وأجزاء أخرى من البيئة، يُشكّل فعلاً غير مشروع على الصعيد الدولي”.

ورغم أن هذا الرأي الاستشاري لا يحمل طابع الإلزام المباشر، فإن شاختر يرى فيه نقطة تحوّل حاسمة. ففعاليته، كما يقول “ستُقاس بمدى استعداد الدول لاتّخاذ الإجراءات الضرورية لوقف تفاقم الأزمة المناخية، وضمان تعويض المجتمعات المتضرّرة”.

البيئة والهجرة القسرية: حماية خارج إطار اتّفاقية اللاجئين

يؤدّي تغيّر المناخ إلى ازدياد حالات النزوح والهجرة القسرية، نتيجة الكوارث البيئية مثل ارتفاع درجات الحرارة، وذوبان الجليد، وازدياد الفيضانات وحرائق الغابات، ما يُجبر العديد من السكّان على مغادرة أراضيهم. إلا أن هؤلاء لا يُصنّفون ضمن الفئات المحميّة بموجب اتّفاقية اللاجئين للعام 1951، ما يترك المهاجرين بسبب التغيّر المناخي خارج إطار الحماية القانونية التي توفّرها الاتّفاقية.

سبق أن رفضت المحاكم النيوزيلندية في عام 2015 قضيّة إيواني تيتوا، وهو مواطن من دولة كيريباتي، سعى للحصول على الحماية بسبب تهديدات وجودية ناتجة عن ارتفاع مستوى سطح البحر في بلاده. 

ويُمهّد الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الطريق نحو تطوير أطر قانونية أوسع، تعترف بتغيّر المناخ كسبب جوهري للهجرة القسرية، من خلال تعزيز التزامات الدول في حماية حقوق الإنسان. 

وفي هذا السياق، أكّدت المحكمة أهمّية مبدأ عدم الإعادة القسرية، بوصفه حجر الأساس في حماية الأشخاص المهدّدين بسبب آثار تغيّر المناخ، ومنع إعادتهم إلى أوضاع تُعرّض حياتهم أو كرامتهم للخطر.

معايير جديدة لمفاوضات بيليم

نقلت لاهاي مفاوضات بيليم إلى مستوى جديد من الالتزام والمساءلة. فعلى بُعد أشهر قليلة من الذكرى السنوية العاشرة لاتّفاقية باريس، أكّدت المحكمة أن الاتّفاقية؛ وإن لم تكن الوحيدة، تشكّل ركيزة أساسية في النظام القانوني المناخي، وأن الحدّ من ارتفاع درجات الحرارة إلى 1.5 درجة مئوية، كما نصّت عليه الاتّفاقية في عام 2015، هو المرجع الوحيد الجدّي والفعلي لتحديد ما هو مقبول من الناحية المناخية. 

اقتبس القاضي إيواساوا من تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ (IPCC): “الاحترار بمقدار 1.5 درجة مئوية لا يُعتبَر “آمنًا” بالنسبة إلى معظم الدول والمجتمعات والنُظم البيئية والقطاعات، ويشكّل مخاطر كبيرة على الأنظمة الطبيعية والبشرية”.

في هذا السياق رأت سينثيا هونيوهي أنه وفقاً لاستنتاج المحكمة فإن “المساهمات المحدّدة وطنياً (NDCs) يجب عند جمعها أن تكون قادرة على تحقيق هدف درجات الحرارة، وهو ما يُشكّل معياراً جديداً للمفاوضات في مؤتمرات الأطراف”، وقالت: “لم يعد بإمكان الدول تحديد أهداف غير كافية دون محاسبة – إذ بات أي تقصير جماعي في بلوغ هدف 1.5 درجة مئوية، مهدّداً بأن يُعتبر غير قانوني”. 

من جهتها، قالت إيريكا لينون المحامية في “مركز القانون البيئي الدولي”: “يجب على الدول أن تأخذ رأي محكمة العدل الدولية على محمل الجدّ، وأن تستخدمه لدفع نتائج طموحة في مؤتمر الأطراف COP30 وما بعده”. 

أما هونيوهي، فرأت أن هذا الرأي يشكّل “أداة تفاوض قوّية للدول النامية، للمطالبة بالتمويل ونقل التكنولوجيا بما يتناسب مع حصص التلوّث التاريخية”.

ورفضت المحكمة حجّة بعض الدول بأنها تتمتّع بصلاحية مطلقة في تحديد التزاماتها المحدّدة وطنياً (NDCS).

 وقال ديوك: “من خلال تأكيدها أن اتّفاق باريس يفرض التزامات فعلية في مجال التخفيف على الدول، تستعيد المحكمة دورها كـركيزة أساسية في مساءلة المناخ، وتُواجِه بذلك سنوات من محاولات الدول والشركات عالية الانبعاثات تفريغ الاتّفاق من مضمونه، وتحويله إلى إطار بلا أثر ولا قوّة”.

ورغم أن الأسئلة المقدّمة إلى المحكمة لم تتضمن رأياً مباشراً حول مسؤوليّة الدول في إنتاج الوقود الأحفوري، فإن المحكمة رفعت سقف المساءلة بمنحها معياراً ثانياً لمفاوضات بيليم. فقد اعتبرت أن “فشل الدولة في اتّخاذ إجراءات مناسبة لحماية النظام المناخي من انبعاثات الغازات الدفيئة، بما في ذلك من خلال إنتاج الوقود الأحفوري، أو استهلاكه، أو منح تراخيص استكشافه، أو تقديم الدعم المالي له، قد يُشكّل فعلاً غير مشروع على المستوى الدولي”.

بهذا، تكون المحكمة قد رسمت مساراً قانونياً واضحاً نحو العدالة المناخية، مؤكّدة حقّ كلّ دولة متضرّرة في تفعيل مسؤوليّة أي دولة أخرى ارتكبت فعلًا غير مشروع، أدّى إلى الإضرار بالنظام المناخي أو بأجزاء من البيئة.

فيشال براساد مدير لجنة دول الجزر الصغيرة المعنيّة بتغيّر المناخ (PISFCC) قال: “شهدنا كثيراً من تبادل المسؤوليّات، واستغلال الثغرات، والتأجيل، والوعود غير المنجزة خلال المفاوضات. ومن خلال هذا المسار، لدينا فرصة حقيقية لكي تحسم محكمة العدل الدولية، بشكل واضح وملموس، ما الذي يجب على الدول القيام به”، مضيفاً أن الرأي الاستشاري هو “فرصة تاريخية لصياغة تطوّر القانون الدولي بما يخدم مصالحنا”.

وفي بيان اعتبر خبراء مستقلّون في حقوق الإنسان معيّنون من قبل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتّحدة أنه “على كلّ دولة، ولا سيّما الدول التي كانت ولا تزال من بين الأعلى في الانبعاثات، أن تطبّق ما ورد في رأي محكمة العدل الدولية، وأن تعتمد عليه كأساس لتصحيح مسار جهودها المناخية على المستويين الوطني والدولي، بما يشمل مفاوضات الأمم المتّحدة المقبلة بشأن التلوّث البلاستيكي ومؤتمر المناخ COP30 في البرازيل”.

وبينما يُمهّد الرأي الاستشاري لأرضيّة قانونية غير مسبوقة، لا يتوقّف دوره عند حدود التفسير، بل يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من المفاوضات، تبدأ من غابات الأمازون. وكما قالت هونيوهي، التي ترأست الحملة التي قادتها فانواتو: “بعد صدور الرأي، تبدأ الخطوة التالية: أن تبدأ الحكومات والمجتمع المدني بتحليل هذا المستند بعمق، لفهم كيفية استخدامه في دعم الجهود القائمة لتحقيق العدالة المناخية. هذا هو جوهر الحملة: إدخال عنصر مفصلي يعزّز موقع الحركات المناخية الحالية”.

فهل تبدل لاهاي قواعد اللعبة ليحمل “نصّ بيليم” المرتقب لغة العدالة المناخية؟ وهل يُترجم الحقّ في بيئة صحّية إلى التزام فعلي بالتخلّي عن الوقود الأحفوري؟ وهل سيُحاسب المسؤولون عن الكارثة المناخية، بدلاً من أن تُلقى كلفتها على كاهل المجتمعات الأكثر هشاشة وتهميشاً؟

31.07.2025
زمن القراءة: 9 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية