لم يطمح جراح نصار، الربّاع البارالمبي، بأكثر من راتب شهريّ يساعده على إعالة أسرته، هو الذي حاز حتى اليوم أكثر من ثلاث ميداليات بارالمبية، ذهبية في ريو دي جانيرو، وفضية في طوكيو ، وبرونزية في بارالمبياد باريس.
مسيرة جراح نصار الرياضيّة ليست بالسهلة، إذ يتمرن في منزله، ويقطع مسافة طويلة إلى بغداد لدخول معسكر تدريبي، أو اقتناص بعض التوجيهات من المدرب.
يعمل جراح كبائع خضار وفواكه بعد انتهاء البارالمبياد، ولا يحظى بالاحتفاء إلا لساعات بعد رجوعه، ثم يعود منسياً ليتابع التمرين ومشقة تأمين لقمة العيش.
على الرغم من تأهّل 19 لاعباً ولاعبة من العراق يمثلون سبعة اتحادات بارالمبية للمشاركة في بارالمبياد باريس، فإن الحكومة العراقية تبدو غير مهتمة بدعمهم، مفضّلةً توجيه مواردها واهتمامها نحو رياضة كرة القدم فقط، إذ خصص اتحاد كرة القدم العراقي 33 مليون دولار لتنظيم بطولة “كأس الخليج” عام 2023، حسبما أعلن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني حينها.
في قاعة خلفية من ملعب الشعب الدولي في بغداد، يقع جناح اللجنة البارالمبية، مكان مخصص لجميع رياضات ذوي الاحتياجات الخاصة، زرتها قبل سنتين، في شهر آب/ أغسطس الفائت.
حينها كانت الكهرباء منقطعة، ويتدرب اللاعبون غارقين بعرقهم، يتهافت بعضهم الى مبردة هواء وحيدة، وينتظر آخرون لفحة هواء ترحمهم، مع ذلك، كانوا مصممين على التدريب للتوجه الى باريس لخوض المنافسات.
قال لي يومها أحد لاعبي المبارزة :”يجب أن نبارز الاهمال قبل كل شيء، نتوسلهم لإصلاح الكهرباء و الاضاءة المعطلة دائما، لكنهم يتباكون: لا نملك الميزانية”، والـ”هم” هنا تعود على وزارة الشباب والرياضة التي لا تكترث بحال الرياضيين.
يتابع المُبارز الذي بُترت قدمه بسبب انفجار قائلاً: “نشتري الماء من مالنا الشخصي، وندفع ثمن المعدات وحتى أدوات التدريب من مصروفنا، وما يجعلنا نستمر هو شغفنا وحبنا للرياضة”.
نحن لسنا أمام حالات فردية ضحية اللامبالاة الرسميّة، إذ يتعرض رياضيو العراق من الاحتياجات الخاصة لتمييز وإهمال، ليبدو الأمر وكأنهم يمثلون أنفسهم في المسابقات الدوليةّ، لا بلدهم الذي يرفعون علمه في حفلات الافتتاح.
يتم التعامل مع الرياضيين ذوي الإعاقة على أنهم مجرد أرقام تضاف الى وزارة الشباب والرياضة، إلى حد أن اللجنة البارالمبية نفسها تشتكي من هذا الوضع، وتحاول دائماً الوصول -على الأقل- الى ربع الميزانيات الضخمة التي ينالها اتحاد كرة القدم أو اللجنة الأولمبية.
بعض اللاعبين يضطرون لاستئجار ملاعب على حسابهم الخاص، ويشتكي كثر من المحسوبيات في الوسط الرياضي بشكل عام، وتلعب العلاقات الشخصية والواسطات دوراً كبيراً في ترقية اللاعبين وضمّهم الى المنتخب الوطني.
في حديث سابق مع جراح نصار، أكد أنه وعلى مدار سنوات طويلة كان وكلما تقدم بطلب التمرين في قاعة، يأتيه الرد: “عندك بيت تتمرن بي”.
يقول جراح نصار: “لا أحد يعلم أنه ليس بيتي، فأنا أعيش بالإيجار وأتمرن في غرفة المعيشة، وأحياناً في السطح. يستقبلونني عند إحراز ميدالية، وأحيانا أعود حتى من دون استقبال، في إحدى المرات قالوا إنهم لا يملكون سيارة لتقلّني من المطار”.
“ليس لدينا ملعب نتدرب به، نستعير واحداً خاصاً برياضيي ألعاب القوى، وأحياناً يكون مشغولاً بهم. كل مطالبنا لا تأتي بأي نتيجة، لا مقارنة بيننا وبين اللجنة الأولمبية التي يتلقى لاعبوها أو فرقها كل الدعم”.
معجزة أن تكون رياضياً من ذوي الإعاقة في العراق
سارة حيال، لاعبة قوس وسهم في بارالمباد باريس، تقول في حديث لـ”درج”: “غالبية التدريبات تتم في منازل الرياضيين، بخاصة ممن يسكنون المحافظات، فأماكن التمرين متهالكة، ويسافر الرياضيون إلى تلك القاعة اليتيمة في بغداد، وليس لهم أي رواتب سوى مبالغ رمزية لا تكفي حاجتهم لاستكمال تمرينهم”.
تتابع حيال: “يعتمد الرياضيون في غالبيتهم، إن لم يكن جميعهم، على مهن متعددة، فيما تكون الرياضة جزءاً ثانوياً من حياتهم… حصلت على ميداليتين ذهبيتين، وفضية، وما زلت لا أمتلك راتباً حتى، أو عملاً لكوني متفرغة للرياضة”.
تضيف:” إنها معجزة أن تكون من ذوي الإعاقة في العراق وتجد وظيفة، وقادراً على إتمام تمارينك في بيئة محبطة، لا نشعر بسعادة الفوز سوى لأيام قبل أن نعود الى الواقع”.
حاولت سارة حيال سابقاً إجراء عملية مكلفة على حساب وزارة الصحة، لتصحيح الخلع الولادي في حوضها، لكن إحدى مسؤولات لجنة بغداد طردتها، مؤكدة عدم حاجتها الى إجراء عملية، والسبب أنها ما زالت قادرة على الذهاب الى المدرسة بكرسي متحرك!
تقول حيال لـ”درج”: “ليس لدينا ملعب نتدرب به، نستعير واحداً خاصاً برياضيي ألعاب القوى، وأحياناً يكون مشغولاً بهم. كل مطالبنا لا تأتي بأي نتيجة، لا مقارنة بيننا وبين اللجنة الأولمبية التي يتلقى لاعبوها أو فرقها كل الدعم”.
نجلة عماد، التي حققت ذهبية تنس الطاولة، أكدت في وقت سابق أنها ما زالت غير قادرة على إيجاد مكان للتدريب في محافظتها ديالى، هي التي أصيبت بعمر صغير جداً بانفجار سيارة والدها، وفقدت ثلاثةً من أطرافها، ولعبت لسنوات عدة من دون اطراف.
تقول نجلة عماد إن والدها إلى اليوم ينقلها بسيارته الخاصة الى بغداد للتمرن في قاعة اللجنة البارالمبية، ثم يعودان في اليوم نفسه.
من عدي صدام حسين إلى شكاوى وسائل التواصل الاجتماعي
لا أحد يعلم حجم الميزانية التي صُرفت للجنة الأولمبية المشاركة في أولمبياد باريس، بمشاركة أكثر من 30 فرداً بين اللاعبين والطاقم، هل هي بملايين الدولارات؟ لا نعلم.
ما نعرفه أن الفرق تعود خالية الوفاض، لا نتيجة واحدة، ولا حتى تأهل واحد لدور الـ16، لا للفريق الأولمبي لكرة القدم، ولا للرياضات الفردية. يبقى إنجاز العراق ببرونزية واحدة فقط عام 1963 لواحد عبد العزيز في رفع الأثقال، فيما تعدت ميداليات البارالمبية الـ17 ميدالية حتى اليوم بعد أول مشاركة للعراق عام 1992 حين حقق ثلاث ميداليات ذهبية.
حتى 2003 كانت اللجنة البارالمبية الوطنية العراقية جزءاً من اللجنة الأولمبية برعاية عدي صدام حسين، لكن قراراً رسمياً اتخذته اللجنة الأولمبية الدولية بعد الحرب تم فيه الإعلان الرسمي من ممثل اللجنة الأولمبية الدولية فيليب فيلو، عن حل اللجنة الأولمبية الوطنية العراقية رسمياً والإعلان عن تشكيل هيئتين مؤقتتين لإدارة الرياضة في العراق، إحداها تمثل رياضات “الأصحاء” والأخرى لذوي الإعاقة.
حققت الهيئتين على مدى السنوات الماضية إنجازات عدة، ولكن تبقى المشاركات في البطولات الآسيوية والأولمبياد هي المعيار الحقيقي للإنجاز، ومع غياب الدعم، ناشدت اللجنة البارالمبية “المسؤولين” كثيراً في سبيل الحصول على الدعم الرسمي، إلى حد نشر المطالب على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، وشكت معاناة الرياضيين من نقص حاد في الدعم والتمويل.
وقالت اللجنة عبر حسابها في “فيسبوك”، قبل شهر من انطلاق الفعاليات الرياضية، إن اللاعبين المؤهلين يشعرون بالإحباط من هذا الإهمال، إذ يعبر كثر منهم عن خيبة أمل كبيرة من عدم تقدير جهودهم ومثابرتهم.
تساءل الجمهور حينها عن سبب هذا التمييز وغياب العدالة في توزيع المخصصات المالية بين مختلف الرياضات، لكن من دون إجابة، وبينما أكتب هذا وصلني إشعار يؤكد دعم وزارة الشباب والرياضة وتخصيصها ميزانية ضخمة -لم تصرح عنها- لدعم منتخب العراق في تصفيات كأس العالم!.
إقرأوا أيضاً:












