ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

معرض الكتاب في دمشق: أسئلة حول استهلاك الثقافة والاحتفال الذي لا ينتهي!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لا يكفي النظر إلى الحضور الكثيف بوصفه وعياً نقدياً متقدّماً ولا بوصفه انزلاقاً استهلاكياً كاملاً. إنه تعبير عن حاجة اجتماعية مركّبة: حاجة إلى المعنى والاحتفال الذي أصبح جزءاً من قول السلطة، وإلى الشعور بأن شيئاً ما عاد يتحرّك في المجال العامّ، حتى لو بقي هذا المجال محكوماً بإطار لا يُطرح على الطاولة بوصفه سؤالاً سياسياً مباشراً…

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لأكثر من أربعة عقود، كان دخول الكتاب إلى سوريا خاضعاً لمنطق أمني، كثير من الكتّاب السوريين طبعوا في بيروت أو القاهرة أو أوروبا، وبيروت تحديداً كانت المجال الأكبر لطباعة الكتاب، سواء تلك التي تناقش القمع في سوريا الأسد، أو عدد من الكتب التي توصم بأنها “سلفية”، لكنّ هذا المنع لم يكن مطلقاً، بل خاضع لعلاقات الثقة أحياناً مع بعض أصحاب المكاتب، إذ كان يمكن في عهد الأسد، الحصول على نسخة ورقية من رواية “القوقعة” لمصطفى خليفة، الصادرة عن دار الآداب!

اليوم، بعد سقوط نظام الأسد، السوق الذي كان مغلقاً أصبح مفتوحاً، وعاد معرض الكتاب في دورة سُمّيت بـ”استثنائية” كونها الأولى بعد السقوط، وتفاخرت حكومة دمشق بأنها لم تمنع فيها أيّ كتاب.

وسائل التواصل الاجتماعي والتغطية الإعلامية عكست كثافة روّاد المعرض، ونقول روّاد لا قرّاء، لأن “النزهة” كانت جزءاً من الزيارة، مع ذلك، الكتب التي كانت قراءتها تُعدّ تحدّياً ومقاومة لسياسات الأسد في المنع والتخويف، باتت اليوم متاحة بسهولة، وتدخل كتب معارضين منذ أربعين عاماً إلى دمشق من دون وساطة المنفى.

الماضي حاضر في “كتاب”

الانفتاح على الماضي، أي استعادة الممنوع إلى الواجهة، لا يساوي بالضرورة قدرة على كتابة الحاضر. لم نسمع عن كتب مُنعت، لكنّ ذلك أقلّ من نصف الحقيقة. فالمسألة لا تتعلّق فقط بمنع نصوص بعينها، بل بتفريغ الذاكرة من موضوعاتها الأكثر حساسية. المعرض يعمل في زمن ثقافي احتفالي، بينما الكتابة اليوم عن المجازر تعمل في زمن سياسي خفي وخطير، زمن يحمل في داخله سؤال المنع المستقبلي حتى لو لم يُعلن.

 الهوس بالتفكير في المنع والقمع لا يأتي من فراغ؛ اعتاد السوريون أن يكون السؤال الأوّل، هول أيّ منتج فنّي وأدبي، هو: هل سيُمنع هذا؟  غير أن سلطة اليوم قد لا يعنيها المنع المباشر كثيراً. 

الانفتاح على كتب الماضي، وحتى على كتب علمانية، لا يشكّل خطراً فعلياً في الحكم الحالي. المعنى لا يتحدّد بالنصوص المتاحة فحسب، بل بالمدى الزمني الذي يُسمح للكتب بأن تدور حوله. 

هناك فجوات زمنية كاملة لم تُؤرشف بعد، ولم تحوّل إلى كتاب، فمجازر الساحل لم تُكتب سردية طويلة عنها، ومجازر الميليشيات الإسلامية التي انضوت في السلطة لم تدخل بعد في نصوص مؤرشفة. غياب المنع لا يعني حضور الحقيقة، أحياناً يكفي ألا يُكتب الحدث كي يبقى خارج المجال العامّ.

قد تكون شبكات التوزيع حرّة في إدخال الكتب ووضعها على الرفوف، لكنّ الحرّية تمارس داخل نطاق آمن. هناك موضوعات يمكن تداولها من دون كلفة سياسية، وأخرى لا تزال خارج الأرشيف الفعلي. لذلك لا يُقاس الانفتاح بعدد العناوين المتاحة، بل بقدرة البنية على السماح بكتابة اللحظة نفسها، لا فقط إعادة تدوير ما سبقها. الاختبار الحقيقي ليس في غياب قائمة منع، بل في قدرة المجال الثقافي على تحويل الذاكرة الجارية إلى معرفة مؤرشفة، لا إلى صمت مؤجّل.

هناك كُتّاب امتنعوا عن المشاركة، ودور نشر أيضاً، الكاتب هوشنك أوسي، والروائية نجاة عبد الصمد، ودور نشر أصدرت بياناً برفضها المشاركة أو وضع الكتب في دمشق، أسباب الرفض تبدو منطقية، هناك مأسٍ مرّت، وخلل في بنية السلطة ستجعل الكثيرين يبتعدون عن التماهي مع أفراحها.

أيّ “كتاب” تخاف منه السلطة؟

الكتاب الوحيد الذي مُنع في المعرض، على ما عرفنا، هو “هل أتاك حديث الرافضة”، وهو تفريغ صوتي لأبي مصعب الزرقاوي. جرى المنع بطلب من المخابرات العراقية بذريعة الحفاظ على السلم الأهلي.

 المفارقة أن قرار المنع لم يصدر بوصفه قراراً ثقافياً داخلياً، بل بطلب أمني عابر للحدود.  ناهيك بأن الكتاب نفسه، متوفّر بنسخة رقمية في أرشيف المخابرات الأميركية ومتاح للتحميل، هنا يعود السؤال إلى علاقة الأمن بالأرشفة وضبط المجال الرمزي: من يحدّد ما يجوز تداوله من نصّ ديني؟ وهل المنع يتعلّق بحرّية النشر، أم بإدارة التوازنات الطائفية والسياسية؟

في الوقت نفسه، ظهر ممثّل دار النشر في مقطع مصوّر يعلن احترامه لقرار الحكومة، مع الإيحاء بأنه لم يمتنع كلّياً عن بيع الكتاب، بل أخفاه. هذا الالتباس يعكس هشاشة شكل الدولة، القرار يُعلن، لكنّ تنفيذه يظلّ تفاوضياً ومرناً، وهناك معيّة بين الدولة والكتاب بحدّ ذاته، من الصعب فهم أن سلطة دمشق تمنع كتاباً مرجعياً لشخصيّة إلهامية كالزرقاوي.

  لكن إذا كانت الدولة لا تحسم ضبط نصّ ديني داخل معرض رسمي، فكيف تضبط خطاباً دينياً أوسع في المجال العامّ؟ وكيف لها أن تضبط مسلّحاً تابعاً لها، المعيّة والعلاقة المرنة قد تمتدّ أكثر من فهمنا، وهذا ما شهدناه في عديد من تجارب الدولة الجديدة.

الاحتفال بعودة “كتب السُنّة” إلى الواجهة!

انتشرت صور طوابير تنتظر “كتب السُنّة”. و”السُنّة” هنا لا تُستخدم بمعناها الفقهي الضيّق فقط، بل بوصفها علامة هويّة وفخراً دينياً. شبّان بملابس عصرية، من دون لحى في غالبهم، ينتظرون كتباً فقهية لابن تيمية أو الإمام أحمد بن حنبل، ويصوّرون الطوابير بفخر، لأن “سوريا الجديدة”، أعادت هذه الكتب إلى الواجهة، وجدّدت قبر ابن تيمية!

 أثارت مقاطع الفيديو التي يظهر فيها شيوخ و”مريدوهم” لدى كثيرين شعوراً بالخوف، وقراءات استعجالية عن دمار قادم أو  هيمنة فكر سلفي جهادي. هذه التأويلات الاستباقية تتغذّى من وقائع جزئية حقيقية، كانتشار خطاب سلفي وحضور جماعات جهادية في السنة المنصرمة، لكنّها ليست السردية الوحيدة الممكنة. 

ثمّة حقيقة  لا يمكن تجاهلها، سوريا لم تكن خالية يوماً من الكتب الدينية، ولم يكن النظام الأسدي قادراً على أن يمنع كلّياً كتب التراث السنّي أو الشيعي أو الباطني، لكنّها كانت تُصادر في المداهمات، وهذا ما تكشفه وثائق سبق أن اطّلع عليها “درج”، ومثلاً وزارة الثقافة السورية في زمن الأسد، لم تمنع كتاباً مثلاً عن نقد المنطق الأرسطي وفيه ابن تيمية ناقداً. 

الكتب الدينية كانت متاحة في المكتبات، لكنّها لم تكن الأعلى مبيعاً، ولم ترتفع أسعارها، ما يدلّ على أن الطلب عليها لم يكن تاريخياً كثيفاً. التداول الواسع اليوم لا يعني بالضرورة تحوّلاً جذرياً في البنية الاجتماعية، بل قد يعكس لحظة هويّة، أو بحثاً عن يقين في زمن اضطراب. 

لا يكفي النظر إلى طابور ينتظر كتاباً دينياً بوصفه مؤشّراً نهائياً على مسار المجتمع. المشهد يحتاج إلى قراءة مركّبة: بين خوف مفهوم من توظيف الدين سياسياً، وبين واقع أن الكتب الدينية كانت دائماً جزءاً من المشهد الثقافي السوري، من دون أن تتحوّل تلقائياً إلى مشروع سياسي شامل، بصورة ما تداول كتب ابن تيمية لا يعني بالضرورة تسييسها. وجود النصّ الديني في السوق الثقافي لا يحوّله تلقائياً إلى برنامج سياسي، كما أن الإقبال عليه لا يساوي اصطفافاً أيديولوجياً جاهزاً.

الفارق، إذاً، ليس بين كتاب ديني وكتاب غير ديني، بل بين قراءة تُبقي النصّ داخل أفقه التاريخي، وقراءة تُنزله منزلة برنامج سياسي. التداول وحده لا يُنتج خطراً، الذي يفعل ذلك هو تحويل النصّ إلى أداة سيادة داخل المجال العامّ.

نزهة في المعرض 

تكاثف الحضور إلى المعرض لا يبدو محكوماً فقط بمنطق الشراء، بل برغبة في عيش تجربة النزهة، و اجتماع رمزي حول الكتاب بعد سنوات من الانقطاع، زيارة المعرض ممارسة اجتماعية تتجاوز الاستهلاك إلى اختبار جماعي لذاكرة ثقافية كانت معطّلة.

في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل الجانب الترفيهي والتسويقي الذي طغى على الحدث. عشرات صانعي المحتوى صنعوا فيديوهات داخل المعرض، لكنّهم لم يتعاملوا معه بوصفه معرضاً للكتاب، بل بوصفه احتفال نصر، وخلفية لصيد المارّة، وإجراء مقابلات عابرة، وطرح أسئلة سريعة، وتغطية منتجات ثقافية غير الكتب، ومقابلات تخلو من المسافة النقدية، التغطية بدت أقرب إلى صناعة الفرجة منها إلى مساءلة الحدث أو تفكيكه.

داخل المعرض نفسه، ظهرت ظواهر موازية للكتاب:عروض تصوير وصور كلاسيكية، مركز صغير لاختبار “النزاهة الشخصية”، وهيئة لمكافحة الفساد تعرض برنامجاً لقسمها المركزي المستقلّ المرتبط برئاسة الجمهورية لتقديم الشكاوى ضدّ المؤسّسات الحكومية. 

المعرض هنا لم يعد فضاءً للكتاب فقط، بل مساحة تتجاور فيها عروض استعراضية مع رموز مؤسّساتية، ويُعاد ترتيب المشهد بحيث يتوازى عرض الظاهرة مع عرض الكتاب. حتى الحوامل الثقافية، كفرقة موسيقية من التراث القطري، اندمجت في هذا السياق بوصفها جزءاً من المشهد الاحتفالي العامّ، المعرض تحوّل جزئياً إلى فضاء عرض، وإلى سوق ثقافي يعمل على إنتاج الانتباه بقدر ما يعمل على محاولته إنتاج القراءة. 

“صناعة الترفيه” هنا لم تكن هامشية، بل بلغت درجة يصعب أحياناً إدراك حدودها. التغطية الإعلامية لم تبتعد فقط عن النقد، بل انخرطت في إعادة إنتاج الحدث كفرجة خالصة، حيث يصبح الظهور أهمّ من السؤال، واللحظة المصوّرة أهمّ من المعنى المتداول.

لذلك، لا يكفي النظر إلى الحضور الكثيف بوصفه وعياً نقدياً متقدّماً، ولا بوصفه انزلاقاً استهلاكياً كاملاً. إنه تعبير عن حاجة اجتماعية مركّبة: حاجة إلى المعنى، وإلى الاحتفال الذي أصبح جزءاً من قول السلطة، وإلى الشعور بأن شيئاً ما عاد يتحرك في المجال العامّ، حتى لو بقي هذا المجال محكوماً بإطار لا يُطرح على الطاولة بوصفه سؤالاً سياسياً مباشراً.

رنا زيد - كاتبة وشاعرة فلسطينية سورية | 11.07.2026

إنان م. بلاي: أهرب من العراق كلّه إلى غرفتي

تحاور الشاعرة والصحافية رنا زيد الكاتبة والنسوية إنان م. بلاي في طقس تصفه زيد بأنه يتحدّى السرد التقليدي للنساء، وللأمّهات والجدّات المشرقيات، حوار يتحدّى الفاشية المشرقية ومعها الفاشية الغربية، لضرورة أن يُسمع صوتها، صوت إنان، وصوت كلّ من تمثّله في العراق.
19.02.2026
زمن القراءة: 6 minutes

لا يكفي النظر إلى الحضور الكثيف بوصفه وعياً نقدياً متقدّماً ولا بوصفه انزلاقاً استهلاكياً كاملاً. إنه تعبير عن حاجة اجتماعية مركّبة: حاجة إلى المعنى والاحتفال الذي أصبح جزءاً من قول السلطة، وإلى الشعور بأن شيئاً ما عاد يتحرّك في المجال العامّ، حتى لو بقي هذا المجال محكوماً بإطار لا يُطرح على الطاولة بوصفه سؤالاً سياسياً مباشراً…

لأكثر من أربعة عقود، كان دخول الكتاب إلى سوريا خاضعاً لمنطق أمني، كثير من الكتّاب السوريين طبعوا في بيروت أو القاهرة أو أوروبا، وبيروت تحديداً كانت المجال الأكبر لطباعة الكتاب، سواء تلك التي تناقش القمع في سوريا الأسد، أو عدد من الكتب التي توصم بأنها “سلفية”، لكنّ هذا المنع لم يكن مطلقاً، بل خاضع لعلاقات الثقة أحياناً مع بعض أصحاب المكاتب، إذ كان يمكن في عهد الأسد، الحصول على نسخة ورقية من رواية “القوقعة” لمصطفى خليفة، الصادرة عن دار الآداب!

اليوم، بعد سقوط نظام الأسد، السوق الذي كان مغلقاً أصبح مفتوحاً، وعاد معرض الكتاب في دورة سُمّيت بـ”استثنائية” كونها الأولى بعد السقوط، وتفاخرت حكومة دمشق بأنها لم تمنع فيها أيّ كتاب.

وسائل التواصل الاجتماعي والتغطية الإعلامية عكست كثافة روّاد المعرض، ونقول روّاد لا قرّاء، لأن “النزهة” كانت جزءاً من الزيارة، مع ذلك، الكتب التي كانت قراءتها تُعدّ تحدّياً ومقاومة لسياسات الأسد في المنع والتخويف، باتت اليوم متاحة بسهولة، وتدخل كتب معارضين منذ أربعين عاماً إلى دمشق من دون وساطة المنفى.

الماضي حاضر في “كتاب”

الانفتاح على الماضي، أي استعادة الممنوع إلى الواجهة، لا يساوي بالضرورة قدرة على كتابة الحاضر. لم نسمع عن كتب مُنعت، لكنّ ذلك أقلّ من نصف الحقيقة. فالمسألة لا تتعلّق فقط بمنع نصوص بعينها، بل بتفريغ الذاكرة من موضوعاتها الأكثر حساسية. المعرض يعمل في زمن ثقافي احتفالي، بينما الكتابة اليوم عن المجازر تعمل في زمن سياسي خفي وخطير، زمن يحمل في داخله سؤال المنع المستقبلي حتى لو لم يُعلن.

 الهوس بالتفكير في المنع والقمع لا يأتي من فراغ؛ اعتاد السوريون أن يكون السؤال الأوّل، هول أيّ منتج فنّي وأدبي، هو: هل سيُمنع هذا؟  غير أن سلطة اليوم قد لا يعنيها المنع المباشر كثيراً. 

الانفتاح على كتب الماضي، وحتى على كتب علمانية، لا يشكّل خطراً فعلياً في الحكم الحالي. المعنى لا يتحدّد بالنصوص المتاحة فحسب، بل بالمدى الزمني الذي يُسمح للكتب بأن تدور حوله. 

هناك فجوات زمنية كاملة لم تُؤرشف بعد، ولم تحوّل إلى كتاب، فمجازر الساحل لم تُكتب سردية طويلة عنها، ومجازر الميليشيات الإسلامية التي انضوت في السلطة لم تدخل بعد في نصوص مؤرشفة. غياب المنع لا يعني حضور الحقيقة، أحياناً يكفي ألا يُكتب الحدث كي يبقى خارج المجال العامّ.

قد تكون شبكات التوزيع حرّة في إدخال الكتب ووضعها على الرفوف، لكنّ الحرّية تمارس داخل نطاق آمن. هناك موضوعات يمكن تداولها من دون كلفة سياسية، وأخرى لا تزال خارج الأرشيف الفعلي. لذلك لا يُقاس الانفتاح بعدد العناوين المتاحة، بل بقدرة البنية على السماح بكتابة اللحظة نفسها، لا فقط إعادة تدوير ما سبقها. الاختبار الحقيقي ليس في غياب قائمة منع، بل في قدرة المجال الثقافي على تحويل الذاكرة الجارية إلى معرفة مؤرشفة، لا إلى صمت مؤجّل.

هناك كُتّاب امتنعوا عن المشاركة، ودور نشر أيضاً، الكاتب هوشنك أوسي، والروائية نجاة عبد الصمد، ودور نشر أصدرت بياناً برفضها المشاركة أو وضع الكتب في دمشق، أسباب الرفض تبدو منطقية، هناك مأسٍ مرّت، وخلل في بنية السلطة ستجعل الكثيرين يبتعدون عن التماهي مع أفراحها.

أيّ “كتاب” تخاف منه السلطة؟

الكتاب الوحيد الذي مُنع في المعرض، على ما عرفنا، هو “هل أتاك حديث الرافضة”، وهو تفريغ صوتي لأبي مصعب الزرقاوي. جرى المنع بطلب من المخابرات العراقية بذريعة الحفاظ على السلم الأهلي.

 المفارقة أن قرار المنع لم يصدر بوصفه قراراً ثقافياً داخلياً، بل بطلب أمني عابر للحدود.  ناهيك بأن الكتاب نفسه، متوفّر بنسخة رقمية في أرشيف المخابرات الأميركية ومتاح للتحميل، هنا يعود السؤال إلى علاقة الأمن بالأرشفة وضبط المجال الرمزي: من يحدّد ما يجوز تداوله من نصّ ديني؟ وهل المنع يتعلّق بحرّية النشر، أم بإدارة التوازنات الطائفية والسياسية؟

في الوقت نفسه، ظهر ممثّل دار النشر في مقطع مصوّر يعلن احترامه لقرار الحكومة، مع الإيحاء بأنه لم يمتنع كلّياً عن بيع الكتاب، بل أخفاه. هذا الالتباس يعكس هشاشة شكل الدولة، القرار يُعلن، لكنّ تنفيذه يظلّ تفاوضياً ومرناً، وهناك معيّة بين الدولة والكتاب بحدّ ذاته، من الصعب فهم أن سلطة دمشق تمنع كتاباً مرجعياً لشخصيّة إلهامية كالزرقاوي.

  لكن إذا كانت الدولة لا تحسم ضبط نصّ ديني داخل معرض رسمي، فكيف تضبط خطاباً دينياً أوسع في المجال العامّ؟ وكيف لها أن تضبط مسلّحاً تابعاً لها، المعيّة والعلاقة المرنة قد تمتدّ أكثر من فهمنا، وهذا ما شهدناه في عديد من تجارب الدولة الجديدة.

الاحتفال بعودة “كتب السُنّة” إلى الواجهة!

انتشرت صور طوابير تنتظر “كتب السُنّة”. و”السُنّة” هنا لا تُستخدم بمعناها الفقهي الضيّق فقط، بل بوصفها علامة هويّة وفخراً دينياً. شبّان بملابس عصرية، من دون لحى في غالبهم، ينتظرون كتباً فقهية لابن تيمية أو الإمام أحمد بن حنبل، ويصوّرون الطوابير بفخر، لأن “سوريا الجديدة”، أعادت هذه الكتب إلى الواجهة، وجدّدت قبر ابن تيمية!

 أثارت مقاطع الفيديو التي يظهر فيها شيوخ و”مريدوهم” لدى كثيرين شعوراً بالخوف، وقراءات استعجالية عن دمار قادم أو  هيمنة فكر سلفي جهادي. هذه التأويلات الاستباقية تتغذّى من وقائع جزئية حقيقية، كانتشار خطاب سلفي وحضور جماعات جهادية في السنة المنصرمة، لكنّها ليست السردية الوحيدة الممكنة. 

ثمّة حقيقة  لا يمكن تجاهلها، سوريا لم تكن خالية يوماً من الكتب الدينية، ولم يكن النظام الأسدي قادراً على أن يمنع كلّياً كتب التراث السنّي أو الشيعي أو الباطني، لكنّها كانت تُصادر في المداهمات، وهذا ما تكشفه وثائق سبق أن اطّلع عليها “درج”، ومثلاً وزارة الثقافة السورية في زمن الأسد، لم تمنع كتاباً مثلاً عن نقد المنطق الأرسطي وفيه ابن تيمية ناقداً. 

الكتب الدينية كانت متاحة في المكتبات، لكنّها لم تكن الأعلى مبيعاً، ولم ترتفع أسعارها، ما يدلّ على أن الطلب عليها لم يكن تاريخياً كثيفاً. التداول الواسع اليوم لا يعني بالضرورة تحوّلاً جذرياً في البنية الاجتماعية، بل قد يعكس لحظة هويّة، أو بحثاً عن يقين في زمن اضطراب. 

لا يكفي النظر إلى طابور ينتظر كتاباً دينياً بوصفه مؤشّراً نهائياً على مسار المجتمع. المشهد يحتاج إلى قراءة مركّبة: بين خوف مفهوم من توظيف الدين سياسياً، وبين واقع أن الكتب الدينية كانت دائماً جزءاً من المشهد الثقافي السوري، من دون أن تتحوّل تلقائياً إلى مشروع سياسي شامل، بصورة ما تداول كتب ابن تيمية لا يعني بالضرورة تسييسها. وجود النصّ الديني في السوق الثقافي لا يحوّله تلقائياً إلى برنامج سياسي، كما أن الإقبال عليه لا يساوي اصطفافاً أيديولوجياً جاهزاً.

الفارق، إذاً، ليس بين كتاب ديني وكتاب غير ديني، بل بين قراءة تُبقي النصّ داخل أفقه التاريخي، وقراءة تُنزله منزلة برنامج سياسي. التداول وحده لا يُنتج خطراً، الذي يفعل ذلك هو تحويل النصّ إلى أداة سيادة داخل المجال العامّ.

نزهة في المعرض 

تكاثف الحضور إلى المعرض لا يبدو محكوماً فقط بمنطق الشراء، بل برغبة في عيش تجربة النزهة، و اجتماع رمزي حول الكتاب بعد سنوات من الانقطاع، زيارة المعرض ممارسة اجتماعية تتجاوز الاستهلاك إلى اختبار جماعي لذاكرة ثقافية كانت معطّلة.

في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل الجانب الترفيهي والتسويقي الذي طغى على الحدث. عشرات صانعي المحتوى صنعوا فيديوهات داخل المعرض، لكنّهم لم يتعاملوا معه بوصفه معرضاً للكتاب، بل بوصفه احتفال نصر، وخلفية لصيد المارّة، وإجراء مقابلات عابرة، وطرح أسئلة سريعة، وتغطية منتجات ثقافية غير الكتب، ومقابلات تخلو من المسافة النقدية، التغطية بدت أقرب إلى صناعة الفرجة منها إلى مساءلة الحدث أو تفكيكه.

داخل المعرض نفسه، ظهرت ظواهر موازية للكتاب:عروض تصوير وصور كلاسيكية، مركز صغير لاختبار “النزاهة الشخصية”، وهيئة لمكافحة الفساد تعرض برنامجاً لقسمها المركزي المستقلّ المرتبط برئاسة الجمهورية لتقديم الشكاوى ضدّ المؤسّسات الحكومية. 

المعرض هنا لم يعد فضاءً للكتاب فقط، بل مساحة تتجاور فيها عروض استعراضية مع رموز مؤسّساتية، ويُعاد ترتيب المشهد بحيث يتوازى عرض الظاهرة مع عرض الكتاب. حتى الحوامل الثقافية، كفرقة موسيقية من التراث القطري، اندمجت في هذا السياق بوصفها جزءاً من المشهد الاحتفالي العامّ، المعرض تحوّل جزئياً إلى فضاء عرض، وإلى سوق ثقافي يعمل على إنتاج الانتباه بقدر ما يعمل على محاولته إنتاج القراءة. 

“صناعة الترفيه” هنا لم تكن هامشية، بل بلغت درجة يصعب أحياناً إدراك حدودها. التغطية الإعلامية لم تبتعد فقط عن النقد، بل انخرطت في إعادة إنتاج الحدث كفرجة خالصة، حيث يصبح الظهور أهمّ من السؤال، واللحظة المصوّرة أهمّ من المعنى المتداول.

لذلك، لا يكفي النظر إلى الحضور الكثيف بوصفه وعياً نقدياً متقدّماً، ولا بوصفه انزلاقاً استهلاكياً كاملاً. إنه تعبير عن حاجة اجتماعية مركّبة: حاجة إلى المعنى، وإلى الاحتفال الذي أصبح جزءاً من قول السلطة، وإلى الشعور بأن شيئاً ما عاد يتحرك في المجال العامّ، حتى لو بقي هذا المجال محكوماً بإطار لا يُطرح على الطاولة بوصفه سؤالاً سياسياً مباشراً.

19.02.2026
زمن القراءة: 6 minutes
|
آخر القصص
جمال سليمان وأيمن زيدان: “بوح” الخصوم!
زياد عدوان- مسرحي وأكاديمي سوري | 11.07.2026
إنان م. بلاي: أهرب من العراق كلّه إلى غرفتي
رنا زيد - كاتبة وشاعرة فلسطينية سورية | 11.07.2026

اشترك بنشرتنا البريدية