افتُتح معرضٌ للكتاب في دمشق، وأغفل القائمون عليه ترقيم الدورة، واصفين إياها بـ”النسخة الأولى” بعد سقوط نظام الأسد، ليصبح التساؤل إن كانت الثانية والثلاثين بعد مسيرة بدأت عام 1985 إثر تشييد مكتبة الأسد (المكتبة الوطنية حالياً)، أم الرابعة بعد ثلاث دورات لمعرض إدلب للكتاب!
نقصد “معرفات” المعرض الرسمية والصفحات الخاصة به، فنجد مقطعًا مرئيًا يفيض بتقنيات الذكاء الاصطناعي، يسرد تاريخ المعرض، ويعتبر البداية منتصف الخمسينات (يخلط صناع الفيديو ببراءة بين معرض الكتاب مع معرض دمشق الدولي) ثم ينتقل الى معرض الكتاب في إدلب عام 2024 الذي افتتحه الرئيس أحمد الشرع، مهملًا كلّ ما بينهما.
يتوسّع الالتباس حول المعرض ليشمل مواعيد الافتتاح والزيارة، إذ أُعلن أنّه يمتد من 5 الى 16 من شباط/ فبراير الحالي، وتدريجيًا باتت المنشورات توضح أن المعرض يستقبل الزوّار بدءًا من السادس، ويقتصر يوم الافتتاح على مراسم رئاسية أُجريت في قصر المؤتمرات؛ المجاور لمدينة المعارض حيث أجنحة المعرض وأنشطته المتنوعة، ولا يخلو الأمر من بعض دور النشر أو المؤثرين ممن تاهوا في أيام المعرض العشرة ليعلنوا أنّه من الـ5 حتى الـ15 من الشهر الحالي، وأحياناً شمل اللغط اسمه ليكون معرض دمشق للكتاب الدولي.
الطريق إلى المعرض والسوشي
بالتزامن مع الإعلانات الترويجيّة للمعرض، خرج علينا إيتشيكو يامادا، الناشط الياباني المقيم في سوريا، و”الأمويّ القادم من أٌقصى الشرق”، الذي أعلن عن افتتاح تجريبي لمطعم السوشي الخاص به “كوميمارو” في أحد أجنحة معرض الكتاب، وهكذا أصبحت لـ”سيران/ نزهة” المعرض أهداف عدة: الكتب، والسوشي، والكثير الكثير من صور السيلفي.
حُدّدت 4 نقاط في العاصمة للنقل المجاني إلى المعرض عبر باصات حديثة، وطُلب من الزوّار التسجيل عبر تطبيق “فعالية” لحجز تذكرة مجّانية، تخوّل صاحبها زيارة المعرض في كلّ أيّامه، إضافةً الى نقاطٍ محددة ضمن محافظات ومواعيد عدة للانطلاق. في دمشق، كان الوعد بباص ينطلق كل 10 دقائق، لكنّ هذا لم يتحقق -على الأقل- ضمن الساعات الأولى من يوم الجمعة، وبقي العشرات منتظرين عودة الباصات من مدينة المعارض، التي تبتعد نحو 13 كم عن طرف المدينة الشرقي.
تحلّق حول المنتظرين مجموعة من سائقي السرافيس، هؤلاء كان أملهم اقتناص فرصة لربحٍ سريع والاتفاق مع بعض الزوار لتأمين رحلتهم، لكن في الوقت ذاته دبّ الهلع ببعض المارّة ممن ظنوا الازدحام متعلقًا بالمواصلات في يوم جمعة، لكنّ حديثاً عفوياً وسريعاً بين المنتظرين طمأن السيّدة التي كانت تريد الذهاب إلى جرمانا، وظنت أن “الجميع” ينتظر مثلها.
في حضرة الكتاب
لم يسأل أحدٌ من القائمين على المعرض عن التذكرة التي حجزتها عبر التطبيق، وأُجري تفتيش روتينيٌّ بسيط على مدخل مدينة المعارض، مساران للسيدات ومثلهما للرجال، وبعد الدخول، يحصل اللقاء الأول مع “الكتاب” في المعرض داخل ممرٍّ “يشبح” بعض كتب الجامعات وتتزين جدرانه بعباراتٍ عن تحرر الكلمة والكتاب من عهد الأسد، يريد المدخل أن يقول إنّ الكتاب كان معتقلًا، وارتأى المنظمون أن تطبيق إحدى وسائل التعذيب على كتب حقيقية يفيد بتلك الرمزية.

تتوزع معظم دور النشر المشاركة في بناءين أساسيين، إضافةً الى قاعة رئاسية وأخرى للمحاضرات ومثلها للفعاليات، ولا نزال نكتشف بقعًا لم تكن لها أي دلالة مثل جناح الجامعات السورية، إذ تشي حال المعرض -في اليوم الأول- بأنّ الجاهزية لم تكن على أكمل وجه، ومع الازدحام الخانق والحركة البطيئة للحشود في الممرات يمكن أن ترى كلّ حين صناديق من الكتب تصل للتو، أو بعض أجنحة الدور لا تزال عارية من يافطةٍ توضّح اسمها وبلدها، أو موظفين يحتلّون جناحًا خاويًا بينما يجهزون اليافطات، وتتناثر في الممرات بقايا التغليف، ولربما تعثرت بإحدى فتحات الصرف الصحي التي يغطيها السجّاد في البناء رقم 10.
البناء رقم 1 يمتاز بتنظيم أعلى وازدحام أكبر، لا سيّما بوجود جناح ضيوف الشرف؛ قطر والسعودية، وجناح وزارة الثقافة ذي الصبغة الدمشقية التراثية، حيث تتوافر بضعة كراسٍ للجلوس، وهي الوحيدة ضمن أروقة المعرض، وهناك قد تحظى بفنجان قهوة قبل أن يُلمّح لك بضرورة الإكرامية. في كلَي البناءين يقتصر المدخل والمخرج على باب وحيد، ويجاهد بعض المنظمون في فصل المسارين شابكين أيديهم، لكن هذا المسعى يتعطّل إذا ما مرّ طرد كتبٍ أو مؤلفٌ شهير يسترعي الانتباه من القرّاء، وفي حالتنا هذه مؤثران سوريان معروفان وقّعا كتبهما في اليوم الأول.
يزيد من صعوبة الحركة الصفة “السيرانية” و”التنزهيّة” التي اكتساها المعرض، فباستثناء بضع عائلاتٍ أقامت سيران يوم الجمعة على طريق المطار حيث منتزهات المقالي والكراسي المطويّة، تحوّل المعرض بمساحته الخارجية الكبيرة ونافورته الشهيرة إلى وجهةٍ للسيران، فترى العائلات جالبين أطعمتهم وأطفالهم ليستحوذوا مقعدًا بعد جولةٍ عائلية في السراديب بين أجنحة الكتب، ولا دليل على ذلك أوضح من بعض المناشدات بعدم إدخال الطعام إلى المصلّى.
في الوقت ذاته، كثر السؤال عن مطعم السوشي، أو بصورة أدق، بدأت أسأل عن السوشي، أين سنتذوقه بيد الشيف المستشرق جداً السيد يامادا، الذي سيصنع لنا طبقاً على الطريقة اليابانية الأصيلة، بحثت في عدد من القاعات، والصالات، لكن لا أثر للسوشي!
النصر الذي لا ينتهي…
اصطبغ المعرض بصفتين باتتا ملازمتين لأي فعالية سورية بعد الـ 8 من كانون الأول/ ديسمبر، الأول هو الاحتفاء المستمر بالنصر، وحضور صنّاع المحتوى ورجال بمختلف الأعمار ببذلات رسمية وشعار العقاب بدون أن نعرف إن كانوا موظفين أو متحمسين للدولة الجديدة! وبذلك يمكن فهم حمل بعض الزوار القادمين أعلام سوريا وكأنهم في طريقهم لاحتفال نصر جديد!
الصفة الثانية هي المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي عن المعرض، المحتوى الذي يتحرك بين تصويرٍ من أعلى عبر الدرون ولقطاتٍ مسرّعة أو مبطأة بحسب الإيقاع المرجو، وكأن الزمن الحقيقي على الأرض خارج الاهتمام.
أمام كوّة التصريف المتاحة في البناء 1، يتحدث صديقان يجوبان المعرض عن ضرورة العودة الى البناء 10، إذ الحال هنا “لا تسرّ بحضور المعازف”، التي لم تكن سوى تقسيماتٍ على العود من الضيوف السعوديين والقطريين، نلمح جناحًا يضم شركة لبيع السكوتر والدراجات الكهربائية، وتصرّ شبكة اتصال عامّة مشبوهة على الاتصال عبر الـ wi-fi لكل أجهزة الموبايل مما يوقظ في المرء الوساوس.
أغادر المعرض على وقع قراءة جهرية لسورة النصر في صلاة المغرب أمام المصلّى الذي امتلأ داخله، وبانتظار باص العودة يُنادي بعض سائقي المواصلات العامّة للركّاب كما في الكراج نحو دوما وغيرها من ضواحي ريف دمشق، ليس هناك أزمةٌ في العودة، ويبدو التشديد واضحًا بعدم ملء الحافلات إلّا جلوسًا.
في أحوال الكتب
ليست الكتب الدينية طارئةً على معرض الكتاب في دمشق، ونلقى الممنوع سابقًا وقد تصدّر بعض الواجهات، خصوصاً منشورات ابن تيمية الذي تحول اسمه إلى فيتيش للإغاظة وشتم “العلمنج”، ولا تخفي بعض الدور تبشيرها بالتوزيع المجاني لبعض الإصدارات، نرى كتبًا تتحدّث عن الآفات مثل القومية والوطنية بحضور علم سوريا على غلافه، وبالطبع لإيران نصيبها بعد سنوات من الاحتفاء السابق.
يحضر أدونيس مترجمًا، بينما يحافظ نزيه أبو عفش على حضوره كشاعر، يؤمّن موقع المعرض فهرسًا للكتب، وإن كان ليس تامًّا – إذ توجد كتبٌ في المعرض من كيان للمنشورات لا تتوافر ضمن الفهرس – وتلفت النظر أيضاً الأجنحة الرسمية، كجناح وزارة الدفاع ووزارة الإعلام. لكن اللافت هو “جناح الأمانة العامة للشؤون السياسية” التابعة للخارجية، والمشاركة في معرض داخلي! تستضيف مثلاً مؤثرين كبشر نجار، وأساتذة جامعة، هذه الهيئة التي استبدلت حزب البعث غامضة، لكنها حاضرة كالبعث نفسه في “كل مكان”.


تجدر الإشارة الى محاسن التنظيم بوجود سيارة إسعاف، والجهد الكبير في محاولة الحفاظ على نظافة المكان، وقد سخّرت محافظة دمشق فيلقًا من “مهندسي النظافة”، مجددًا تتكرّر حالة الانتقاص من مهنة عامل النظافة أو “الزبّال” ومعاملتها كشتيمة تستوجب الاستبدال، عدا أن بعض التأمّل يتركنا نطلق صفة “مهندسي ثقافة” على القائمين على المعرض، حيث كلمة المثقف حاضرةٌ كشتيمة لدى جمهورٍ أوسع.
استمر البحث عن السوشي طوال اليوم الأول، وعدت إلى المنزل من دون أن أتذوق السلمون النيء والأرز، وبينما أنا في المواصلات العامة، محشوراً في أحد الباصات باتجاه “جسر الحرية”، نشر يامادا على صفحة المطعم أن الافتتاح سيؤجل أياماً عدة بسبب “الرياح”.










