ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

معضلة التفاوض في لبنان: بين استحالة الحلول ودوامة العبث

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

لبنان ليس صامداً بل يتقهقر، ولا يبني بل يتفكّك، ولا يقاوم بل يفقد آخر حصون مناعته بسبب العبث الذي ينتهجه “حزب الله” وحليفه الأقرب حركة “أمل”، ومواقفهما الضبابية التي تدلّ على الشيء ونقيضه في آنٍ واحد.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

يحتار المرءُ أمام ما يحدث اليوم في لبنان: أيفرح أم يحزن؟ أيطمئن أم يخاف؟ أيستبشر خيراً لانطفاء لهيب الحرب الشاملة، ولو مؤقتاً، أم يتشاءم من التفاوض المباشر مع إسرائيل وتقديم التنازلات الكبيرة تحت وطأة نار الاستهدافات اليومية؟ الثابت أن مخزون المورفين لدى “حزب الله” لم ينفد، لكن كل مورفين العالم لم يعد يكفي لتسكين آلام أهل الجنوب، ولا لمنعهم من إثارة الأسئلة المصيرية حول مستقبل وجودهم في أرضهم، خصوصاً سكان القرى الحدودية الذين يبلغ عددهم نحو 180 ألفاً، جزءٌ كبير منهم ينزح منذ سنتين، في حين لا يزال كثيرون من خارج دائرة الخطر المباشر يتبجّحون ويجترّون شعارات المكابرة.

تثير أجواء التفاوض المباشر مع اسرائيل اطمئناناً هشاً مشوباً بتشاؤمٍ ثقيل. لكننا أمام نتائج حتمية لسياسةٍ قادت لبنان إلى نفق التفاوض تحت التهديد بالغزو والقصف العنيف، بدلاً من التفاوض مباشرة بعد وقف إطلاق النار، بشروطٍ تفاوضية مختلفة تماماً. هذا هو حصاد مرحلة من المراوحة بين شعارات الصمود الواهمة، وواقع المساومة على السيادة وضعف الدبلوماسية اللبنانية تحت ضغط النيران الإسرائيلية. وتكمن المفارقة الأقسى في أن لبنان، بعد كل ما دفع من دماءٍ وخراب، لم يعد يفاوض من موقعٍ شبه متكافئ ولو بنسبةٍ ضئيلة، بل من موقع المنهزم الذي يقبل بأي شروطٍ تمليها عليه آلة الحرب الإسرائيلية. هزيمةٌ أجّل مسبّبوها الاعتراف بها عاماً كاملاً، فصارت هزائم.

ثمن المراوحة لعامٍ كامل: من الإسناد إلى الاحتضار

وصلت سردية “حزب الله” التي أُعيد تدويرها باستمرار منذ إعلان “جبهة الإسناد”، وكادت أن تنهار تماماً خلال حرب الـ 66 يوماً، إلى ذروتها، وفي الأيام الأخيرة بدا انحدارها متسارعاً، الى درجة أن جزءاً كبيراً من القاعدة الشعبية للحزب بدأ يُظهِر تململاً غير مسبوقٍ على مواقع التواصل الاجتماعي، لا من الحزب نفسه، بل من نتائج المسار الذي اختاره منذ عامين من دون إجراء أي مراجعة جدية، والتي أتت كارثية، وازداد عمق كارثيتها – ومعها فاتورة الخسائر البشرية والمادية – مع مماطلةٍ لا مبرّر لها في التعامل مع تبعات الهزيمة الأمنية – قبل العسكرية – حتى نضجت في مختبر الشرّ الإسرائيلي على مدى عامٍ كامل، وتحوّلت إلى انكسار استراتيجي تام، لا للحزب وحده، بل للبنان الرسمي أيضاً، حوَّل احتمال التفاوض بحكم الضرورة، من تفاوضٍ غير مباشر – على قاعدة الاعتراف بحدود الهزيمة الأمنية والعسكرية وتقديم تنازلات سياسية محدودة – إلى واقع التفاوض المباشر الخاضعٍ للشروط الإسرائيلية تحت ضغط الاعتداءات اليومية المتصاعدة، تفاوضٌ يحمل في طيّاته خطر تقديم تنازلات سيادية جوهرية، قد تمتد لتشمل مجالات الاقتصاد والطاقة والأمن الغذائي والمائي.

لم تؤثر هذه المماطلة – المدفوعة بتلبية “حزب الله” المطالب الإيرانية على مدى عامٍ كامل – على مجرى التفاوض مع إسرائيل فحسب، بل وضعت المفاوض الوحيد، أي الدولة اللبنانية، في موقفٍ أشد وهناً مما هي عليه. وقد أدى هذا الوهن إلى تضاعف التجبّر والابتزاز الإسرائيلي، وإلى تصعيد إسرائيل عدوانها اليومي واستخدامه أداةً لانتزاع مكاسب تفاوضية مسبقة، متّخذةً من عجز حكومة نواف سلام عن فرض سلطتها – بدءاً من تعذّر تعاملها مع ملف حصر السلاح، وصولاً إلى حادثة الروشة السخيفة – ذريعةً مفتوحة لمزيد من التصعيد.

هذا الإضعاف المكثّف، المدروس، لتمثيل الدولة على المستوى الدبلوماسي، أتى بثمارٍ عفنة على طاولة تفاوضٍ مباشر، ذي طابعٍ سياسي، مع إسرائيل، في وضعٍ يتميز باختلال غير مسبوقٍ في ميزان القوى. وهنا يجب تحميل المسؤوليات السياسية بحزم، فإن لم تُحمَّل المسؤوليات بعد سنة كاملة من التقويض الممنهج لقدرة الدولة اللبنانية على الخروج من الوضع المأزقي الكارثي بأقل خسائر ممكنة – على رغم حتمية وجود خسائر – فمتى يبدأ ذلك؟ هل ننتظرُ ضوءاً أحمر إيرانياً جديداً لعرقلة أية محاولاتٍ للتخفيف من عبء الحال القائم، مستقبلاً، يناقض الضوء الأخضر الذي أعطته طهران للنائب علي حسن خليل للتفاوض في زيارته الأخيرة؟

لعلّ المكسب الأساسي لزيارة خليل إلى طهران هو تفادي فتح جبهة إسنادٍ إضافية – هذه المرة لإيران – يبدو لبنان، في وضعه الحالي، عاجزاً تماماً عن استيعابها والتعامل مع نتائجها، على مستوى الداخل قبل أي مستوى آخر. فأي منطق سياسي يمكن أن يُجبِر “حزب الله” على إسناد إيران بعد كل ما حدث، على رغم كونه امتداداً شبه عضوي للحرس الثوري الإيراني؟ غير أن هذا الوجه من الحقيقة لا يمكن أن يحجب الوجه الآخر، الذي يُظهر الحزب كقوةٍ راسخة في الواقع السياسي والاجتماعي اللبناني، على الرغم من أن مرجعيته الأيديولوجية وتوجهاته الاستراتيجية تتعارضان مع المصلحة المباشرة للواقع اللبناني الذي يتجذّر فيه. ولا بأس بالتعامل مع مثل هذا التناقض بمرونة، فـ “النقاء القومي”، بخاصة في زماننا الحالي، ليس أكثر من وهمٍ أجوف، بشرط تغليب مصلحة لبنان وشعبه، ولا سيما مصلحة أهل جنوب لبنان.

خطاب قاسم: تكرار الأوهام حتى تصبح حقائق

لم يعد التركيز على الجانب الأخلاقي في الصراع، منذ قرار “إسناد غزة”، قادراً على إخفاء السذاجة السياسية التي انطوت عليها سلسلة من القرارات المصيرية. فجوهر “الإسناد” – سواء كان لغزة أو لإيران – سياسيٌ في المقام الأول. ولا علاقة لسردية “إزالة إسرائيل” التي اجتاحت الوجدان العربي – وهي ردُّ فعلٍ مفهوم وطبيعي، خصوصاً مع توحّش اليمين الصهيوني المتطرف وممارسته الإبادة الجماعية في غزة، وتزايد أطماعه التوسّعية في سوريا ولبنان، وسعيه إلى الهيمنة على أمن دول المنطقة ومصالحها بيدٍ من حديد، بما في ذلك مصر – بحقيقة الصراع الجيوسياسي القائم وأسبابه الفعلية. وهو صراعٌ دفع، ولا يزال أهل غزة ولبنان واليمن يدفعون، ثمناً فادحاً لقاءه، على رغم حسم إسرائيل له لمصلحتها بشكل شبه كامل، في حزيران/ يونيو 2025. وما الفصل بين السياسي والأخلاقي إلا عملية قسرية، تطفو حين يطغى أحد البعدين على الآخر إلى حدّ إفراغ الأخلاق من مضمونها السياسي، أو تجريد السياسة من مرجعيتها الأخلاقية. وليست الجهود الكبيرة المبذولة، بل والمبالغ فيها، لطمس ما هو سياسي عبر تبريره أخلاقياً، سوى إقرار ضمني بوجود إشكالية عميقة، لا يمكن لجميع الأنساق السردية الأخلاقية أن تخفيها.

ولا شك في أن هذا الفصل القسري يتعمّق، ويكتسب حصانةً أكبر حين تُستدعى لتغطية القرار السياسي أطرٌ سردية ذات طابع ديني مقدّس، كما أتى في الجزء الأول من كلمة الأمين العام لـ “حزب الله” الشيخ نعيم قاسم (التي تخللها كلامٌ إيجابيٌ حول حرية التعبير، وهو تطوّرٌ لافت في أدبيات الحزب)، فتحويل الصراع إلى “جهاد مقدّس” ينقل الخيارات السياسية القابلة للنقاش والمراجعة والمساءلة إلى مرتبة “الواجب الشرعي” والثواب الأخروي الثابت. وهكذا يُختزَل السؤال السياسي الجوهري عما يمثل المصلحة الوطنية في هذا الفعل أو ذاك، إلى معادلة دينية مغلقة: فكل دمٍ يُسفَك يتحوّل إلى رصيدٍ استشهادي رمزي وشهادة في سبيل الله، وكل خرابٍ يتحوّل إلى قربانٍ للتقرّب من الله، وكل نقدٍ أو تشكيكٍ هو إضعافٌ للإيمان وليس إعمالاً للعقل. يصبح النقاش مستحيلاً، فيلبس السياسي ثوب المقدّس، وتُدفَن الأسئلة تحت عباءة الخلاص الأخروي. على رغم أن النقاش – بدون خطوط حمراء – هو أمسّ ما نحن بحاجةٍ إليه، نقاشٌ بين اللبنانيين و”حزب الله”، وبين السوريين والحزب، وآخر داخل الحزب نفسه.

يكرّر قاسم في الجزء الثاني من كلمته الشيء ونقيضه، بين كل جملةٍ وأخرى، مراراً وتكراراً، ويصرّ على إلقاء مسؤولية “مواجهة العدوان” على الدولة اللبنانية، غير آبهٍ بأي مراجعة لقرارات الحزب، ودوره في عرقلة ملف إعادة الإعمار، وتحرير الأسرى، وغيرهما من النقاط العالقة منذ سنة. وفي رفضه التفاوض المباشر – على رغم رعايته التفاوض المباشر منذ سنوات قليلة خلال محادثات ترسيم الحدود البحرية – وإلقائه المسؤولية كاملة على الدولة اللبنانية، لا يقدّم لنا حلولاً لتعزيز موقف لبنان التفاوضي، عبر تصحيح الاختلال في ميزان القوى، بل ينتهج سياسة العرقلة فقط. وهذا السلوك من شأنه تعميق الشرخ بين الحزب والدولة من جهة، وبين الحزب وباقي القوى السياسية اللبنانية التي ضاقت ذرعاً بمواقفه الضبابية وسلوكياته المتناقضة التي تعرّض لبنان لخطرٍ وجودي فعلي من جهة أخرى. وعلى رغم تعرّضه للخسائر الكبرى، لا يزال الحزب يتصرّف وكأن الحرب نزهة، والتفاوض نزهة من نوعٍ آخر، فهو لا يعتبر نفسه معنياً بالتعامل مع النتائج، لكنه يصرّ على اتخاذ القرارات.

يعتبر قاسم – كما في كل مرة – حصر السلاح بيد الدولة مطلباً أميركياً وإسرائيلياً، مصوّراً المسألة وكأن هناك حرباً كونية ضد لبنان الذي يحميه الحزب وحده، متجاهلاً بذلك اتفاق الطائف (1989) الذي ينص على حل جميع الميليشيات، والقرار الدولي 1559 (2004) الذي دعا إلى انسحاب القوات السورية ونزع سلاح جميع الميليشيات، قبل اغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري واشتعال صراعٍ داخلي حادّ بين كتلتين: واحدة ترى في سلاح الحزب تهديداً لقيام الدولة بعد خروج الجيش السوري من لبنان، والأخرى ترى فيه ضرورة للدفاع بوجه إسرائيل واسترجاع مزارع شبعا وتلال كفرشوبا. غير أن هذه “الضرورة” تحوّلت إلى شيء آخر بعد تحوّل “حزب الله” إلى لاعبٍ إقليمي ودخوله وحل الحرب السورية، ما عمّق الانقسام الداخلي أكثر. وازداد الانقسام تعمّقاً مع كل مرحلة جديدة، من قمع الانتفاضة الشعبية في 2019، إلى عرقلة التحقيق في انفجار مرفأ بيروت في 2020، إلى التحالف مع مصرفيين متّهمين بتبديد أموال المودعين، وصولاً إلى اتخاذ قرارٍ أحادي ومتسرّع في الثامن من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 بفتح جبهة إسنادٍ تُبرِز هي الأخرى الشيء ونقيضه: موقفّ داعمٌ لحركة “حماس” في غزة، لكن لا مواجهة حقيقية مع إسرائيل، بل اشتباكات محدودة ضمن قواعد للاشتباك، حتى تمكّنت إسرائيل من تحييد “حماس” بشكل كامل ثم قلب الطاولة على الحزب في أيلول/ سبتمبر 2024. السلوك الاستخفافي نفسه الذي اعتمده الحزب في “جبهة الإسناد”، يعتمده منذ سنة في السياسة.

لا يرى قاسم في التفاوض المباشر الذي أُرغِم لبنان على خوضه، وإشراك ممثل “مدني” فيه (السفير سيمون كرم)، سوى تنازل جديد، وهو كذلك. لكنَّ هذا التنازل ليس سوى الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة، وهي نتاجٌ مباشر لقرارات الحزب نفسه التي قادت إلى هذا المأزق. إنه تنازلٌ تمليه ضرورة وقف النزيف، وهو الاعتراف العملي بأن المماطلة التي دامت عاماً كاملاً لم تترك خياراً سوى التفاوض من موقع المنهزم، تفادياً لحربٍ شاملة يعلم الحزب جيداً أنه عاجزٌ عن خوضها. فهو يتناسى أن سياسة “الصبر” التي يتبناها، والمتمثلة في الامتناع عن الرد على الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة منذ أكثر من عام، هي في جوهرها اعترافٌ صامت بهذا العجز نفسه. فكيف يُقدِم على اتهام الآخرين بالخضوع للتنازلات، وهو الذي يمارس أعلى درجات التنازل عملياً على الأرض؟ وكيف يستنكر طبيعة التفاوض القائم، وهو الذي حوَّل لبنان بسياساته إلى كيانٍ منهكٍ مُرغَمٍ على الجلوس إلى طاولة المفاوضات تحت وطأة القصف اليومي؟ الاتهام بالتنازل يصدق أولاً على من صنع شروط الهزيمة، ثم يأتي ليلوم من يحاول إنقاذ ما تبقى من الجسد من بين أنقاضها. التنازل الذي يصفه قاسم هو الابن الشرعي لخيارات الحزب، وثمرة مُرَّة لحساباتٍ أغلقَتْ كل الأبواب إلا باب التفاوض المباشر. فليس الجدال حول شرعية التفاوض من عدمها، بل حول من دفع بالبلد إلى حافة الهاوية التي لم يعد منها مخرج إلا بهذا الطريق.

لدى قاسم الحق في التعبير عن الهواجس المتعلّقة بقطع الهواء عن مؤسسات الحزب المدنية، وهذا الملف يجب التوصّل إلى حلولٍ عملية بشأنه، عبر الدولة اللبنانية فقط، ومن خلال تسوية داخلية واضحة المعالم والأهداف، وليس عبر التشبّث بالمواقف الشعبوية التي تعرقل مهام الدولة اللبنانية في إيجاد الحلول العملية. فهو يريد من الدولة التصرّف لمنع العدوان، وفي الوقت نفسه، يرفض قرارات الحكومة اللبنانية، وخطة الجيش، ويرفض أيضاً القرارات الدبلوماسية المتعلّقة بالتفاوض المباشر مع إسرائيل، على رغم الضوء الأخضر الإيراني المعطى لحليفه، وصدور القرار بالتفاوض من أروقة عين التينة. فكيف نفهم هذا التناقض في الخطاب؟ وهل هذا التناقض متعمّد والحزب يحاول السير على حبلين في الوقت ذاته من دون أن يقع مجدداً؟

يوسف رجّي الذي يرى بعينٍ واحدة

غير أن المطلوب أمام اللبنانيين جميعاً من “حزب الله” لا يقل أهمية عن المطلوب من غيره. فعدم تفاعل وزير الخارجية يوسف رجّي مع الدعوة الرسمية لزيارة طهران، بذريعة التدخلات الإيرانية في لبنان – وهي صحيحة – وتبريره رفض هذه الزيارة، وتمسكه بالاجتماع بوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في دولةٍ محايدة، يُظهِر سلوكاً دبلوماسياً غير جادّ، ومماطلة لا تقل سوءاً عن التي يمارسها الحزب؛ بخاصة بعد تأكيد رجّي عدم تلبية الدعوة الإيرانية للموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس، وكأن دور الولايات المتحدة في لبنان يقتصر على الوساطة، ولم يتماثل مع الدور الإيراني في بلوغه حدّ التهديد بإشعال حربٍ أهلية.

فبماذا تختلف إيران التي لمّحت عبر موقع المرشد الإيراني علي خامنئي إلى أن 30 في المئة من عناصر الجيش اللبناني ينتمون إلى “حزب الله”، عن الولايات المتحدة التي لمّحت مجموعة من أعضاء الكونغرس فيها (من الجمهوريين والديمقراطيين) بضرورة استخدام الدولة اللبنانية القوة لنزع سلاح “حزب الله”؟ هناك تقاطعٌ واضح بين التلميحات الإيرانية والأميركية، على رغم كونها غير رسميّة تماماً، وكأن الطرفين يلتقيان حول إشعال نزاعٍ مسلحٍ بين الجيش والحزب، نزاعٌ من شأنه إدخال لبنان نفق حربٍ أهلية جديدة لا أحد يمكن أن يتنبأ بموعد نهايتها، وبطبيعة نتائجها، ورجّي، بصفته وزير الخارجية اللبناني، يقف متفرجاً، مدعياً تمثيله السيادة في مكانٍ دون آخر.

كما أن الولايات المتحدة وإيران تتقاطعان عملياً حول إبقاء الجيش اللبناني ضعيفاً. فعلى سبيل المثال لا الحصر، تصعيد “حزب الله” الخطابي ضد المملكة العربية السعودية في عام 2016 لم يكن الهدف منه سوى قطع المسار السعودي-الفرنسي لتسليح الجيش بمساعدات تبلغ 3 مليارات دولار، إضافة إلى دعم قوى الأمن الداخلي بمساعدات تبلغ المليار دولار، ليبقى الجيش يعتمد على المساعدات والصفقات الأميركية الهزيلة والمشروطة، وبالتالي يظل غير قادر على منافسة القوة العسكرية لـ “حزب الله”. وفي آخر طلب قدمته الحكومة اللبنانية لوزارة الخارجية الأميركية لشراء مركبات تكتيكية متوسطة، جاء في تقرير وكالة التعاون الأمني ​​الدفاعي (DSCA) الآتي: “لن يُغيّر البيع المقترح لهذه المعدات والدعم التوازن العسكري الأساسي في المنطقة”. 

فإيران ترى الجيش اللبناني مجرد قوة مسلحة ثانوية، تقدم دعماً لوجستياً لـ “حزب الله”، فيما ترى فيه الولايات المتحدة مجرد قوة مسلحة ثانوية هدفها منع “حزب الله” من بسط سيطرته العسكرية الكاملة حفظاً لأمن إسرائيل. أما أن يحظى الجيش بدعمٍ كافٍ لحماية الأراضي اللبنانية من الأخطار الخارجية أو تقليصها، بما في ذلك إلغاء الدور العسكري والأمني لـ “حزب الله” على أرض الواقع وعلى أكمل وجه، عبر نزع شرعيته الشعبية في الجنوب، فذلك أمرٌ غير مرغوب فيه من الطرفين. وفي الحالين، فإن النتيجة هي إخضاعٌ ممنهج للسيادة اللبنانية.

يدرك الجميع عجز لبنان عن رفض شروط الولايات المتحدة، في هذا التوقيت بالذات، وفي ظل غياب البدائل التي تمنع خراب لبنان الأخير، إلا أن فصل الدبلوماسية عن السياسة في حالة رجّي، مشابه لفصل الأخلاق عن السياسة في حالة “حزب الله”. فرجّي الذي لا يحاول شقّ مسارٍ دبلوماسي خاصٍ – معقّد بالضرورة – بلبنان، يريد دبلوماسية بلا سياسة، كمن يطلب ناراً بلا حرارة، متناسياً أن تحقيق “السيادة الوطنية” هو عملية سياسية مستمرة، وليس مجرّد تسجيل لمواقف شعبوية، مماثلة لتلك التي يطلقها قاسم. وفي تطمينه أورتاغوس بأنه لن يزور طهران، يخلع ثوب الدبلوماسي القادر على اجتراح الحلول والتسويات، ويرتدي ثوباً آخر لا علاقة له لا بالدبلوماسية ولا بالسياسة معاً. فالولايات المتحدة نفسها تقدّم عروض التفاوض لطهران، لاستئناف المفاوضات النووية – بصرف النظر عن قسوة الشروط الغربية – فيما يُحرَم لبنان من التفكير بأي حلولٍ أو مسارات تسوية تقيه شرّ الحرب مع إسرائيل، أو شرّ الحرب الأهلية بين اللبنانيين أنفسهم.

يبقى أن مواجهة الإجرام الإسرائيلي المتصاعد ليست مسألة لحظوية، بل هي سياق تاريخي، تحكمه متغيرات جيوسياسية وعوامل كثيرة على مستوى المنطقة والعالم. كما أن تجنّب هذا القدر من الإجرام من أن يفعل فعله في ما تبقى من الجسد اللبناني اليوم ليس مسألة قابلة للنقاش. 

لبنان ليس صامداً بل يتقهقر، ولا يبني بل يتفكّك، ولا يقاوم بل يفقد آخر حصون مناعته بسبب العبث الذي ينتهجه “حزب الله” وحليفه الأقرب حركة “أمل”، ومواقفهما الضبابية التي تدلّ على الشيء ونقيضه في آنٍ واحد.

10.12.2025
زمن القراءة: 11 minutes

لبنان ليس صامداً بل يتقهقر، ولا يبني بل يتفكّك، ولا يقاوم بل يفقد آخر حصون مناعته بسبب العبث الذي ينتهجه “حزب الله” وحليفه الأقرب حركة “أمل”، ومواقفهما الضبابية التي تدلّ على الشيء ونقيضه في آنٍ واحد.

يحتار المرءُ أمام ما يحدث اليوم في لبنان: أيفرح أم يحزن؟ أيطمئن أم يخاف؟ أيستبشر خيراً لانطفاء لهيب الحرب الشاملة، ولو مؤقتاً، أم يتشاءم من التفاوض المباشر مع إسرائيل وتقديم التنازلات الكبيرة تحت وطأة نار الاستهدافات اليومية؟ الثابت أن مخزون المورفين لدى “حزب الله” لم ينفد، لكن كل مورفين العالم لم يعد يكفي لتسكين آلام أهل الجنوب، ولا لمنعهم من إثارة الأسئلة المصيرية حول مستقبل وجودهم في أرضهم، خصوصاً سكان القرى الحدودية الذين يبلغ عددهم نحو 180 ألفاً، جزءٌ كبير منهم ينزح منذ سنتين، في حين لا يزال كثيرون من خارج دائرة الخطر المباشر يتبجّحون ويجترّون شعارات المكابرة.

تثير أجواء التفاوض المباشر مع اسرائيل اطمئناناً هشاً مشوباً بتشاؤمٍ ثقيل. لكننا أمام نتائج حتمية لسياسةٍ قادت لبنان إلى نفق التفاوض تحت التهديد بالغزو والقصف العنيف، بدلاً من التفاوض مباشرة بعد وقف إطلاق النار، بشروطٍ تفاوضية مختلفة تماماً. هذا هو حصاد مرحلة من المراوحة بين شعارات الصمود الواهمة، وواقع المساومة على السيادة وضعف الدبلوماسية اللبنانية تحت ضغط النيران الإسرائيلية. وتكمن المفارقة الأقسى في أن لبنان، بعد كل ما دفع من دماءٍ وخراب، لم يعد يفاوض من موقعٍ شبه متكافئ ولو بنسبةٍ ضئيلة، بل من موقع المنهزم الذي يقبل بأي شروطٍ تمليها عليه آلة الحرب الإسرائيلية. هزيمةٌ أجّل مسبّبوها الاعتراف بها عاماً كاملاً، فصارت هزائم.

ثمن المراوحة لعامٍ كامل: من الإسناد إلى الاحتضار

وصلت سردية “حزب الله” التي أُعيد تدويرها باستمرار منذ إعلان “جبهة الإسناد”، وكادت أن تنهار تماماً خلال حرب الـ 66 يوماً، إلى ذروتها، وفي الأيام الأخيرة بدا انحدارها متسارعاً، الى درجة أن جزءاً كبيراً من القاعدة الشعبية للحزب بدأ يُظهِر تململاً غير مسبوقٍ على مواقع التواصل الاجتماعي، لا من الحزب نفسه، بل من نتائج المسار الذي اختاره منذ عامين من دون إجراء أي مراجعة جدية، والتي أتت كارثية، وازداد عمق كارثيتها – ومعها فاتورة الخسائر البشرية والمادية – مع مماطلةٍ لا مبرّر لها في التعامل مع تبعات الهزيمة الأمنية – قبل العسكرية – حتى نضجت في مختبر الشرّ الإسرائيلي على مدى عامٍ كامل، وتحوّلت إلى انكسار استراتيجي تام، لا للحزب وحده، بل للبنان الرسمي أيضاً، حوَّل احتمال التفاوض بحكم الضرورة، من تفاوضٍ غير مباشر – على قاعدة الاعتراف بحدود الهزيمة الأمنية والعسكرية وتقديم تنازلات سياسية محدودة – إلى واقع التفاوض المباشر الخاضعٍ للشروط الإسرائيلية تحت ضغط الاعتداءات اليومية المتصاعدة، تفاوضٌ يحمل في طيّاته خطر تقديم تنازلات سيادية جوهرية، قد تمتد لتشمل مجالات الاقتصاد والطاقة والأمن الغذائي والمائي.

لم تؤثر هذه المماطلة – المدفوعة بتلبية “حزب الله” المطالب الإيرانية على مدى عامٍ كامل – على مجرى التفاوض مع إسرائيل فحسب، بل وضعت المفاوض الوحيد، أي الدولة اللبنانية، في موقفٍ أشد وهناً مما هي عليه. وقد أدى هذا الوهن إلى تضاعف التجبّر والابتزاز الإسرائيلي، وإلى تصعيد إسرائيل عدوانها اليومي واستخدامه أداةً لانتزاع مكاسب تفاوضية مسبقة، متّخذةً من عجز حكومة نواف سلام عن فرض سلطتها – بدءاً من تعذّر تعاملها مع ملف حصر السلاح، وصولاً إلى حادثة الروشة السخيفة – ذريعةً مفتوحة لمزيد من التصعيد.

هذا الإضعاف المكثّف، المدروس، لتمثيل الدولة على المستوى الدبلوماسي، أتى بثمارٍ عفنة على طاولة تفاوضٍ مباشر، ذي طابعٍ سياسي، مع إسرائيل، في وضعٍ يتميز باختلال غير مسبوقٍ في ميزان القوى. وهنا يجب تحميل المسؤوليات السياسية بحزم، فإن لم تُحمَّل المسؤوليات بعد سنة كاملة من التقويض الممنهج لقدرة الدولة اللبنانية على الخروج من الوضع المأزقي الكارثي بأقل خسائر ممكنة – على رغم حتمية وجود خسائر – فمتى يبدأ ذلك؟ هل ننتظرُ ضوءاً أحمر إيرانياً جديداً لعرقلة أية محاولاتٍ للتخفيف من عبء الحال القائم، مستقبلاً، يناقض الضوء الأخضر الذي أعطته طهران للنائب علي حسن خليل للتفاوض في زيارته الأخيرة؟

لعلّ المكسب الأساسي لزيارة خليل إلى طهران هو تفادي فتح جبهة إسنادٍ إضافية – هذه المرة لإيران – يبدو لبنان، في وضعه الحالي، عاجزاً تماماً عن استيعابها والتعامل مع نتائجها، على مستوى الداخل قبل أي مستوى آخر. فأي منطق سياسي يمكن أن يُجبِر “حزب الله” على إسناد إيران بعد كل ما حدث، على رغم كونه امتداداً شبه عضوي للحرس الثوري الإيراني؟ غير أن هذا الوجه من الحقيقة لا يمكن أن يحجب الوجه الآخر، الذي يُظهر الحزب كقوةٍ راسخة في الواقع السياسي والاجتماعي اللبناني، على الرغم من أن مرجعيته الأيديولوجية وتوجهاته الاستراتيجية تتعارضان مع المصلحة المباشرة للواقع اللبناني الذي يتجذّر فيه. ولا بأس بالتعامل مع مثل هذا التناقض بمرونة، فـ “النقاء القومي”، بخاصة في زماننا الحالي، ليس أكثر من وهمٍ أجوف، بشرط تغليب مصلحة لبنان وشعبه، ولا سيما مصلحة أهل جنوب لبنان.

خطاب قاسم: تكرار الأوهام حتى تصبح حقائق

لم يعد التركيز على الجانب الأخلاقي في الصراع، منذ قرار “إسناد غزة”، قادراً على إخفاء السذاجة السياسية التي انطوت عليها سلسلة من القرارات المصيرية. فجوهر “الإسناد” – سواء كان لغزة أو لإيران – سياسيٌ في المقام الأول. ولا علاقة لسردية “إزالة إسرائيل” التي اجتاحت الوجدان العربي – وهي ردُّ فعلٍ مفهوم وطبيعي، خصوصاً مع توحّش اليمين الصهيوني المتطرف وممارسته الإبادة الجماعية في غزة، وتزايد أطماعه التوسّعية في سوريا ولبنان، وسعيه إلى الهيمنة على أمن دول المنطقة ومصالحها بيدٍ من حديد، بما في ذلك مصر – بحقيقة الصراع الجيوسياسي القائم وأسبابه الفعلية. وهو صراعٌ دفع، ولا يزال أهل غزة ولبنان واليمن يدفعون، ثمناً فادحاً لقاءه، على رغم حسم إسرائيل له لمصلحتها بشكل شبه كامل، في حزيران/ يونيو 2025. وما الفصل بين السياسي والأخلاقي إلا عملية قسرية، تطفو حين يطغى أحد البعدين على الآخر إلى حدّ إفراغ الأخلاق من مضمونها السياسي، أو تجريد السياسة من مرجعيتها الأخلاقية. وليست الجهود الكبيرة المبذولة، بل والمبالغ فيها، لطمس ما هو سياسي عبر تبريره أخلاقياً، سوى إقرار ضمني بوجود إشكالية عميقة، لا يمكن لجميع الأنساق السردية الأخلاقية أن تخفيها.

ولا شك في أن هذا الفصل القسري يتعمّق، ويكتسب حصانةً أكبر حين تُستدعى لتغطية القرار السياسي أطرٌ سردية ذات طابع ديني مقدّس، كما أتى في الجزء الأول من كلمة الأمين العام لـ “حزب الله” الشيخ نعيم قاسم (التي تخللها كلامٌ إيجابيٌ حول حرية التعبير، وهو تطوّرٌ لافت في أدبيات الحزب)، فتحويل الصراع إلى “جهاد مقدّس” ينقل الخيارات السياسية القابلة للنقاش والمراجعة والمساءلة إلى مرتبة “الواجب الشرعي” والثواب الأخروي الثابت. وهكذا يُختزَل السؤال السياسي الجوهري عما يمثل المصلحة الوطنية في هذا الفعل أو ذاك، إلى معادلة دينية مغلقة: فكل دمٍ يُسفَك يتحوّل إلى رصيدٍ استشهادي رمزي وشهادة في سبيل الله، وكل خرابٍ يتحوّل إلى قربانٍ للتقرّب من الله، وكل نقدٍ أو تشكيكٍ هو إضعافٌ للإيمان وليس إعمالاً للعقل. يصبح النقاش مستحيلاً، فيلبس السياسي ثوب المقدّس، وتُدفَن الأسئلة تحت عباءة الخلاص الأخروي. على رغم أن النقاش – بدون خطوط حمراء – هو أمسّ ما نحن بحاجةٍ إليه، نقاشٌ بين اللبنانيين و”حزب الله”، وبين السوريين والحزب، وآخر داخل الحزب نفسه.

يكرّر قاسم في الجزء الثاني من كلمته الشيء ونقيضه، بين كل جملةٍ وأخرى، مراراً وتكراراً، ويصرّ على إلقاء مسؤولية “مواجهة العدوان” على الدولة اللبنانية، غير آبهٍ بأي مراجعة لقرارات الحزب، ودوره في عرقلة ملف إعادة الإعمار، وتحرير الأسرى، وغيرهما من النقاط العالقة منذ سنة. وفي رفضه التفاوض المباشر – على رغم رعايته التفاوض المباشر منذ سنوات قليلة خلال محادثات ترسيم الحدود البحرية – وإلقائه المسؤولية كاملة على الدولة اللبنانية، لا يقدّم لنا حلولاً لتعزيز موقف لبنان التفاوضي، عبر تصحيح الاختلال في ميزان القوى، بل ينتهج سياسة العرقلة فقط. وهذا السلوك من شأنه تعميق الشرخ بين الحزب والدولة من جهة، وبين الحزب وباقي القوى السياسية اللبنانية التي ضاقت ذرعاً بمواقفه الضبابية وسلوكياته المتناقضة التي تعرّض لبنان لخطرٍ وجودي فعلي من جهة أخرى. وعلى رغم تعرّضه للخسائر الكبرى، لا يزال الحزب يتصرّف وكأن الحرب نزهة، والتفاوض نزهة من نوعٍ آخر، فهو لا يعتبر نفسه معنياً بالتعامل مع النتائج، لكنه يصرّ على اتخاذ القرارات.

يعتبر قاسم – كما في كل مرة – حصر السلاح بيد الدولة مطلباً أميركياً وإسرائيلياً، مصوّراً المسألة وكأن هناك حرباً كونية ضد لبنان الذي يحميه الحزب وحده، متجاهلاً بذلك اتفاق الطائف (1989) الذي ينص على حل جميع الميليشيات، والقرار الدولي 1559 (2004) الذي دعا إلى انسحاب القوات السورية ونزع سلاح جميع الميليشيات، قبل اغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري واشتعال صراعٍ داخلي حادّ بين كتلتين: واحدة ترى في سلاح الحزب تهديداً لقيام الدولة بعد خروج الجيش السوري من لبنان، والأخرى ترى فيه ضرورة للدفاع بوجه إسرائيل واسترجاع مزارع شبعا وتلال كفرشوبا. غير أن هذه “الضرورة” تحوّلت إلى شيء آخر بعد تحوّل “حزب الله” إلى لاعبٍ إقليمي ودخوله وحل الحرب السورية، ما عمّق الانقسام الداخلي أكثر. وازداد الانقسام تعمّقاً مع كل مرحلة جديدة، من قمع الانتفاضة الشعبية في 2019، إلى عرقلة التحقيق في انفجار مرفأ بيروت في 2020، إلى التحالف مع مصرفيين متّهمين بتبديد أموال المودعين، وصولاً إلى اتخاذ قرارٍ أحادي ومتسرّع في الثامن من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 بفتح جبهة إسنادٍ تُبرِز هي الأخرى الشيء ونقيضه: موقفّ داعمٌ لحركة “حماس” في غزة، لكن لا مواجهة حقيقية مع إسرائيل، بل اشتباكات محدودة ضمن قواعد للاشتباك، حتى تمكّنت إسرائيل من تحييد “حماس” بشكل كامل ثم قلب الطاولة على الحزب في أيلول/ سبتمبر 2024. السلوك الاستخفافي نفسه الذي اعتمده الحزب في “جبهة الإسناد”، يعتمده منذ سنة في السياسة.

لا يرى قاسم في التفاوض المباشر الذي أُرغِم لبنان على خوضه، وإشراك ممثل “مدني” فيه (السفير سيمون كرم)، سوى تنازل جديد، وهو كذلك. لكنَّ هذا التنازل ليس سوى الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة، وهي نتاجٌ مباشر لقرارات الحزب نفسه التي قادت إلى هذا المأزق. إنه تنازلٌ تمليه ضرورة وقف النزيف، وهو الاعتراف العملي بأن المماطلة التي دامت عاماً كاملاً لم تترك خياراً سوى التفاوض من موقع المنهزم، تفادياً لحربٍ شاملة يعلم الحزب جيداً أنه عاجزٌ عن خوضها. فهو يتناسى أن سياسة “الصبر” التي يتبناها، والمتمثلة في الامتناع عن الرد على الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة منذ أكثر من عام، هي في جوهرها اعترافٌ صامت بهذا العجز نفسه. فكيف يُقدِم على اتهام الآخرين بالخضوع للتنازلات، وهو الذي يمارس أعلى درجات التنازل عملياً على الأرض؟ وكيف يستنكر طبيعة التفاوض القائم، وهو الذي حوَّل لبنان بسياساته إلى كيانٍ منهكٍ مُرغَمٍ على الجلوس إلى طاولة المفاوضات تحت وطأة القصف اليومي؟ الاتهام بالتنازل يصدق أولاً على من صنع شروط الهزيمة، ثم يأتي ليلوم من يحاول إنقاذ ما تبقى من الجسد من بين أنقاضها. التنازل الذي يصفه قاسم هو الابن الشرعي لخيارات الحزب، وثمرة مُرَّة لحساباتٍ أغلقَتْ كل الأبواب إلا باب التفاوض المباشر. فليس الجدال حول شرعية التفاوض من عدمها، بل حول من دفع بالبلد إلى حافة الهاوية التي لم يعد منها مخرج إلا بهذا الطريق.

لدى قاسم الحق في التعبير عن الهواجس المتعلّقة بقطع الهواء عن مؤسسات الحزب المدنية، وهذا الملف يجب التوصّل إلى حلولٍ عملية بشأنه، عبر الدولة اللبنانية فقط، ومن خلال تسوية داخلية واضحة المعالم والأهداف، وليس عبر التشبّث بالمواقف الشعبوية التي تعرقل مهام الدولة اللبنانية في إيجاد الحلول العملية. فهو يريد من الدولة التصرّف لمنع العدوان، وفي الوقت نفسه، يرفض قرارات الحكومة اللبنانية، وخطة الجيش، ويرفض أيضاً القرارات الدبلوماسية المتعلّقة بالتفاوض المباشر مع إسرائيل، على رغم الضوء الأخضر الإيراني المعطى لحليفه، وصدور القرار بالتفاوض من أروقة عين التينة. فكيف نفهم هذا التناقض في الخطاب؟ وهل هذا التناقض متعمّد والحزب يحاول السير على حبلين في الوقت ذاته من دون أن يقع مجدداً؟

يوسف رجّي الذي يرى بعينٍ واحدة

غير أن المطلوب أمام اللبنانيين جميعاً من “حزب الله” لا يقل أهمية عن المطلوب من غيره. فعدم تفاعل وزير الخارجية يوسف رجّي مع الدعوة الرسمية لزيارة طهران، بذريعة التدخلات الإيرانية في لبنان – وهي صحيحة – وتبريره رفض هذه الزيارة، وتمسكه بالاجتماع بوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في دولةٍ محايدة، يُظهِر سلوكاً دبلوماسياً غير جادّ، ومماطلة لا تقل سوءاً عن التي يمارسها الحزب؛ بخاصة بعد تأكيد رجّي عدم تلبية الدعوة الإيرانية للموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس، وكأن دور الولايات المتحدة في لبنان يقتصر على الوساطة، ولم يتماثل مع الدور الإيراني في بلوغه حدّ التهديد بإشعال حربٍ أهلية.

فبماذا تختلف إيران التي لمّحت عبر موقع المرشد الإيراني علي خامنئي إلى أن 30 في المئة من عناصر الجيش اللبناني ينتمون إلى “حزب الله”، عن الولايات المتحدة التي لمّحت مجموعة من أعضاء الكونغرس فيها (من الجمهوريين والديمقراطيين) بضرورة استخدام الدولة اللبنانية القوة لنزع سلاح “حزب الله”؟ هناك تقاطعٌ واضح بين التلميحات الإيرانية والأميركية، على رغم كونها غير رسميّة تماماً، وكأن الطرفين يلتقيان حول إشعال نزاعٍ مسلحٍ بين الجيش والحزب، نزاعٌ من شأنه إدخال لبنان نفق حربٍ أهلية جديدة لا أحد يمكن أن يتنبأ بموعد نهايتها، وبطبيعة نتائجها، ورجّي، بصفته وزير الخارجية اللبناني، يقف متفرجاً، مدعياً تمثيله السيادة في مكانٍ دون آخر.

كما أن الولايات المتحدة وإيران تتقاطعان عملياً حول إبقاء الجيش اللبناني ضعيفاً. فعلى سبيل المثال لا الحصر، تصعيد “حزب الله” الخطابي ضد المملكة العربية السعودية في عام 2016 لم يكن الهدف منه سوى قطع المسار السعودي-الفرنسي لتسليح الجيش بمساعدات تبلغ 3 مليارات دولار، إضافة إلى دعم قوى الأمن الداخلي بمساعدات تبلغ المليار دولار، ليبقى الجيش يعتمد على المساعدات والصفقات الأميركية الهزيلة والمشروطة، وبالتالي يظل غير قادر على منافسة القوة العسكرية لـ “حزب الله”. وفي آخر طلب قدمته الحكومة اللبنانية لوزارة الخارجية الأميركية لشراء مركبات تكتيكية متوسطة، جاء في تقرير وكالة التعاون الأمني ​​الدفاعي (DSCA) الآتي: “لن يُغيّر البيع المقترح لهذه المعدات والدعم التوازن العسكري الأساسي في المنطقة”. 

فإيران ترى الجيش اللبناني مجرد قوة مسلحة ثانوية، تقدم دعماً لوجستياً لـ “حزب الله”، فيما ترى فيه الولايات المتحدة مجرد قوة مسلحة ثانوية هدفها منع “حزب الله” من بسط سيطرته العسكرية الكاملة حفظاً لأمن إسرائيل. أما أن يحظى الجيش بدعمٍ كافٍ لحماية الأراضي اللبنانية من الأخطار الخارجية أو تقليصها، بما في ذلك إلغاء الدور العسكري والأمني لـ “حزب الله” على أرض الواقع وعلى أكمل وجه، عبر نزع شرعيته الشعبية في الجنوب، فذلك أمرٌ غير مرغوب فيه من الطرفين. وفي الحالين، فإن النتيجة هي إخضاعٌ ممنهج للسيادة اللبنانية.

يدرك الجميع عجز لبنان عن رفض شروط الولايات المتحدة، في هذا التوقيت بالذات، وفي ظل غياب البدائل التي تمنع خراب لبنان الأخير، إلا أن فصل الدبلوماسية عن السياسة في حالة رجّي، مشابه لفصل الأخلاق عن السياسة في حالة “حزب الله”. فرجّي الذي لا يحاول شقّ مسارٍ دبلوماسي خاصٍ – معقّد بالضرورة – بلبنان، يريد دبلوماسية بلا سياسة، كمن يطلب ناراً بلا حرارة، متناسياً أن تحقيق “السيادة الوطنية” هو عملية سياسية مستمرة، وليس مجرّد تسجيل لمواقف شعبوية، مماثلة لتلك التي يطلقها قاسم. وفي تطمينه أورتاغوس بأنه لن يزور طهران، يخلع ثوب الدبلوماسي القادر على اجتراح الحلول والتسويات، ويرتدي ثوباً آخر لا علاقة له لا بالدبلوماسية ولا بالسياسة معاً. فالولايات المتحدة نفسها تقدّم عروض التفاوض لطهران، لاستئناف المفاوضات النووية – بصرف النظر عن قسوة الشروط الغربية – فيما يُحرَم لبنان من التفكير بأي حلولٍ أو مسارات تسوية تقيه شرّ الحرب مع إسرائيل، أو شرّ الحرب الأهلية بين اللبنانيين أنفسهم.

يبقى أن مواجهة الإجرام الإسرائيلي المتصاعد ليست مسألة لحظوية، بل هي سياق تاريخي، تحكمه متغيرات جيوسياسية وعوامل كثيرة على مستوى المنطقة والعالم. كما أن تجنّب هذا القدر من الإجرام من أن يفعل فعله في ما تبقى من الجسد اللبناني اليوم ليس مسألة قابلة للنقاش. 

لبنان ليس صامداً بل يتقهقر، ولا يبني بل يتفكّك، ولا يقاوم بل يفقد آخر حصون مناعته بسبب العبث الذي ينتهجه “حزب الله” وحليفه الأقرب حركة “أمل”، ومواقفهما الضبابية التي تدلّ على الشيء ونقيضه في آنٍ واحد.