ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

معضلة المعابر غير الرسميّة في العراق… تجارة غير قانونيّة للنفط وطرق تهريب تكبِّد الدولة مليارات الدولارات

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يحتدم الصراع بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان بشأن إدارة المعابر الحدودية في كردستان مع كل من إيران وتركيا، وحجم إيراداتها، وسط اتهامات باستخدامها في “تجارة غير رسمية” للنفط لصالح جهات نافذة، ما يكبد الخزينة العامة سنوياً خسائر بمليارات الدولارات.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

أدم علي

يحتدم الصراع بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان بشأن إدارة المعابر الحدودية في كردستان مع كل من إيران وتركيا، وحجم إيراداتها، وسط اتهامات باستخدامها في “تجارة غير رسمية” للنفط لصالح جهات نافذة، ما يكبد الخزينة العامة سنوياً خسائر بمليارات الدولارات.

هذا الملف يشكل منذ سنوات ساحة مفتوحة للخلافات السياسية والمالية بين بغداد وأربيل وسط تبادل التصريحات والكتب الرسمية، التي تظهر عدم الالتزام بالاتفاقات المالية والسياسية، وغياب الشفافية، واستمرار التهريب عبر المعابر شمالاً وعبر الموانئ جنوباً، والفشل المزمن في استحصال الإيرادات الجمركية.

في حزيران/ يونيو 2025، قال رئيس هيئة المنافذ الحدودية اللواء عمر الوائلي، إن “المادة 110 من الدستور منحت الحكومة الاتحادية صلاحيات حصرية، بينها رسم السياسة الاقتصادية والتجارية”، وإن من غير المقبول “إخضاع المنافذ الاتحادية لإجراءات صارمة، بينما تفتح في كردستان معابر غير رسمية تدخل منها البضائع بلا رقابة حقيقية”. 

الوائلي أبدى استياءه من عدم تنفيذ قرار مجلس الوزراء رقم 13 لسنة 2019، القاضي بربط منافذ إقليم كردستان بالمركز، مشيراً إلى أنه “بعد مرور ست سنوات من صدور القرار، لم يحرز أي تقدم يذكر، على رغم الاجتماعات رفيعة المستوى والأوامر الديوانية”.

يكشف هذا التحقيق، اعتماداً على الوثائق والشهادات الرسمية العراقية، خريطة المنافذ الحدودية في إقليم كردستان، بما في ذلك المنافذ غير الرسمية التي تعمل خارج سلطة الحكومة الاتحادية، وطبيعة التعاملات التجارية التي تُجرى فيها، والإيرادات التقديرية لها، في ظل عدم توافر البيانات الدقيقة نتيجة غياب التنسيق الأمني والرقابي بين بغداد وأربيل.

بوابات كردستان نحو التهريب 

أمام معضلة تزايد النفقات الحكومية وتراجع الإيرادات المالية، نتيجة انخفاض أسعار النفط الى ما دون الـ70 دولاراً، وهو السعر المثبت في الموازنة العامة، تكافح الحكومة العراقية لضبط مواردها المالية وتحصيل إيراداتها الجمركية، سواء في موانئ ومعابر جنوب البلاد الذي عانى لسنوات من التحايل والتهرب الجمركي بوجود قوى نافذة تتحكم بها، أو معابر شمال البلاد التي لا تخضع لسلطة بغداد، والتي يؤكد نواب كرد أن إيراداتها المالية تتراجع في ظل تزايد عمليات التهريب.

يقول عضو اللجنة المالية في مجلس النواب، معين الكاظمي، إن عشرات المنافذ غير الرسمية، تنشط داخل كردستان، بعيداً عن رقابة بغداد ،”هذه لا تمثل فقط خرقاً للنظام الجمركي العراقي، بل تؤشر إلى حالة من الانفصام في إدارة الاقتصاد بين المركز والإقليم”.

الكاظمي يؤكد أن تلك المنافذ “تُستخدم في تهريب البضائع والممنوعات والنفط”. ويرى أن الإقليم ملزم بغلق المنافذ غير الرسمية وخطوط التهريب، وإذا لم يستطع فعليه “تسليم إدارتها إلى بغداد للسيطرة عليها”.

القصة لا تنتهي عند المنافذ غير الرسمية، فحتى تلك المعترف بها والمعروفة للحكومة الاتحادية، لا تسلم عائداتها إلى الحكومة، بحسب الكاظمي، الذي يضيف أن بغداد لا تعلم بدقة حجم إيرادات المنافذ الرسمية في كردستان “ولا يتم تسليمها لها، في مخالفة للقوانين والدستور”. 

عدم تسليم الإيرادات غير النفطية، والجزء الأكبر منها يتمثل بعائدات المعابر الحدودية، من أربيل الى بغداد، وغياب الشفافية بشأنها، إضافة الى عدم تسليم كميات النفط المتفق عليها بين المدينتين وفق قانون الموازنة المعدل والبالغة 400 ألف برميل نفط يومياً، أدت الى اتخاذ الحكومة الاتحاية قراراً في 8 أيار/ مايو 2025 بوقف تمويل رواتب موظفي إقليم كردستان (974 مليار دينار شهرياً)، ما خلق أزمة معيشية حادة في كردستان، حيث لم يستلم نحو مليون و250 ألف موظف رواتبهم.

وتقدّر الحكومة الاتحادية، حجم العائدات غير النفطية بنحو 300 مليار دينار، يفترض أن تسلم أربيل نصفها الى بغداد وفق قانون “الإدارة المالية”، لكن أربيل أرسلت في الأشهر الأولى من العام 2025 مبالغ أقل بكثير، إذ حولت نحو 50 مليار دينار الى حساب وزارة المالية الاتحادية عن الإيرادات غير النفطية لشهر نيسان/ أبريل، وحولت 48 مليار دينار عن إيرادات شهر آذار/ مارس.

واتهمت وزارة المالية الاتحادية، مطلع أيار/ مايو، حكومة الإقليم بعدم الالتزام بتسليم كامل إيراداتها غير النفطية “التي كان يفترض أن تبلغ 90 مليار دينار شهرياً”. وبيّنت رسالة موجهة الى مالية كردستان أن الإقليم سلّم في شهر كانون الثاني/ يناير نحو 52 مليار دينار فقط، وفي شهري شباط/ فبراير وآذار/ مارس أقل من 50 مليار دينار لكل شهر. وطالبت المالية الاتحادية، الإقليم بتحويل 50 مليار دينار إضافية من الإيرادات غير النفطية إلى بغداد.

عدم الالتزام هذا، وفق النائب الكاظمي، أجبر وزارة المالية الاتحادية على وقف إرسال رواتب موظفي الإقليم لشهر أيار/ مايو، إلى حين التزام أربيل بتسليم النفط والإيرادات غير النفطية، وعلى رأسها إيرادات المنافذ الحدودية والمطارات.

وكانت وزارة المالية الاتحادية بررت قرارها بإيقاف تمويل رواتب الإقليم وفق الموازنة الثلاثية “بتجاوزه النسبة المقررة في الموازنة الاتحادية -التي تبلغ 12.67 في المئة بمبلغ 13.547 تريليون دينار (10.23 مليارات دولار)- من إجمالي الصرف الفعلي، نتيجة امتناع حكومة كردستان عن تسليم الإيرادات النفطية وغير النفطية إلى خزينة الدولة الاتحادية”.

قبل أن تتم إعادة تمويل راتب شهر أيار/ مايو (975 مليار دينار)، إثر اتفاق مؤقت بين حكومتي بغداد وأربيل في 17 تموز/ يوليو على تسليم الأخيرة مبلغ 120 مليار دينار شهرياً عن إيراداتها غير النفطية الى جانب تسليم 230 ألف برميل يومياً من إنتاج حقول كردستان الى شركة تسويق النفط “سومو”.  

بالعودة الى عقدة المنافذ التي تخضع لإدارة إقليم كردستان، يؤكد عضو مجلس النواب رائد المالكي، اتهامات نواب آخرين، بوجود “منافذ غير رسمية في الإقليم تُستخدم لتهريب النفط والبضائع”، وأن جهات في كردستان تستفيد من تلك “الثغرات” للحصول على عائدات لا تدخل في حسابات الحكومة الاتحادية.

ويشير النائب، إلى أن تلك المنافذ والطرق غير الرسمية “تُستخدم لإدخال البضائع من إيران وتركيا من دون ضرائب، كما تمرّر شحنات من النفط الخام عبر شاحنات باتجاه الخارج، بمعدل 175 ألف برميل يومياً”.

تلك الأرقام بحسب المالكي، “موثّقة من هيئة المنافذ الحدودية”، وهي تمثل خسائر ضخمة تُمنى بها الخزينة العراقية سنوياً، قد تصل إلى 15 تريليون دينار.

ويحذر من أن استمرار ما يسميه بـ”الفوضى الجمركية” وعدم استحصال الإيرادات بشكل رسمي، وتعدد مصادر القرار بشأن الإيرادات، أمر غير مقبول كونه يضر بالاقتصاد الوطني، ويزيد الضغط المعيشي على المواطنين.

ويلفت عضو البرلمان الى ضرورة حسم الملف سياسياً، قائلاً: “يجب فتح حوار صريح مع حكومة الإقليم، سياسة الدولة يجب أن تكون واحدة، لإيقاف التهريب واستنزاف الاقتصاد العراقي”.

مقابل تلك الاتهامات، ينفي مسؤولون في حكومة إقليم كردستان وجود معابر تُستحصل من خلالها إيرادات من دون تسجيلها، مؤكدين أن القوائم التي تُنشر بأسماء معابر غير رسمية “غير صحيحة”، وألا حركة تجارية فيها، من دون نفي وجود حالات تهريب عبر الحدود كما في مختلف دول العالم “لكنها محدودة”، كما أشار الى ذلك عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي هوشيار زيباري.

وبشأن مبيعات النفط، لا تنفي حكومة كردستان حصول عمليات بيع للنفط المنتج (أو مشتقاته) من حقوله، بشكل محدود الى خارج البلاد، والى إيران بشكل خاص، من خلال الشركات المنتجة للنفط وتلك التي تقوم بعمليات تكرير النفط، وذلك لدفع مستحقات الشركات النفطية الاستثمارية العاملة في كردستان ولإنتاج الكهرباء وتغطية كلف شركات إنتاج المشتقات للحاجة الداخلية.

وهو ما يؤكده وزير المالية السابق في حكومة كردستان والمستشار الحالي لرئيس الحكومة، ريباز حملان، مبيناً أن الإيرادات المتحققة من تلك المبيعات تضمن استمرار عمل الشركات النفطية وإدامة الإنتاج في الحقول التزاماً بالعقود الموقعة مع تلك الشركات ولضرورة إدامة الحد الأدنى من الإنتاج في تلك الحقول لكي لا تغلق بشكل كلي، الى جانب تغطية الحاجة المحلية من المشتقات.

وثائق: اختلافات ومشاكل معلّقة

على الرغم من تباين الروايات وتضارب التصريحات بين بغداد وأربيل بشأن عدد المنافذ الحدودية في إقليم كردستان، وخريطة توزيعها الجغرافي وتصنيفها الرسمي، إلا أن وثائق صادرة من جهات اتحادية ورقابية تؤكد وجود منافذ غير رسمية. 

وما يزيد المشهد تعقيداً أن وثائق تلك الجهات الاتحادية تظهر تبايناً في المعلومات بشأن عدد المعابر غير الرسمية بل وحتى الرسمية، كما أنها لا تقدم ما يؤكد وجود حركة تجارية في تلك المنافذ أو استخدامها للتهريب.

في وثيقة صادرة عن هيئة المنافذ الحدودية – دائرة العمليات والخطط، في 7 أيار/ مايو 2023، تكشف الهيئة أن عدد المنافذ الحدودية غير الرسمية وغير المعترف بها من الحكومة الاتحادية في إقليم كردستان يبلغ 20 منفذاً، أما عدد المنافذ المعترف بها اتحادياً فهو 6 فقط، وهي: منفذ إبراهيم الخليل (دهوك – مع تركيا)،  منفذ حاج عمران (أربيل – مع إيران)،  منفذ باشماخ (السليمانية – مع إيران)، منفذ برويزخان (السليمانية – مع إيران)، مطار أربيل الدولي، ومطار السليمانية الدولي.

في المقابل، تشير الوثيقة إلى وجود 6 منافذ أخرى معترف بها من حكومة إقليم كردستان فقط، من دون اعتراف من بغداد، وهي: منفذ كيلي (السليمانية – مع إيران) منفذ سيران بن (السليمانية – مع إيران) منفذ طويلة (السليمانية – مع إيران) منفذ بشتة (السليمانية – مع إيران) منفذ سرزيري (دهوك) ومعبر سيمالكة – بيشخابور (دهوك – مع سوريا).

الهيئة أشارت في ملاحظتها، إلى أن هذه المنافذ تفتقر الى دراسة جدوى اقتصادية أو إدارية لفتحها رسمياً، ما يضع علامات استفهام حول الغرض من استمرار تشغيلها، وطبيعة النشاطات التي تُجرى فيها.

وثائق أخرى صادرة عن ديوان الرقابة المالية الاتحادي في  24 نيسان/ أبريل 2025، أي بعد عامين من وثائق هيئة المنافذ، تكشف عن استمرار الوضع على ما كان عليه من دون معالجات، وتظهر وجود تباين كبير بين معلومات حكومتي أربيل وبغداد.

تشير الوثائق إلى أن وزارة المالية والاقتصاد في الإقليم/ المديرية العامة للجمارك، أقرت بوجود 7 منافذ حدودية معترف بها من بغداد (بفارق زيادة معبر واحد عن وثائق هيئة المنافذ، وهو معبر سازان في حلبجة)، و5 منافذ غير معترف بها من الحكومة الاتحادية، وبعض تلك المنافذ تختلف عن المنافذ الواردة في وثائق هيئة المنافذ، ما يظهر وجود خلل في تحديد المعابر غير الرسمية بما فيها المعترف بها من حكومة كردستان، فعند الإقليم هي خمسة، وعند بغداد الرقم أعلى وهي في غالبها موجودة في السليمانية، بما يوحي بأن بعض معابر السليمانية التي فيها حركة تجارية، غير معترف بها رسمياً لدى أربيل.

الوثائق الواردة من الإقليم تضمنت قائمة بالمنافذ السبعة المعترف بها اتحادياً، وهي: إبراهيم الخليل في محافظة دهوك، وحاج عمران في أربيل، وباشماخ في السليمانية، وبرويزخان في محافظة السليمانية كذلك، ومنفذ سازان في حلبجة ومطار أربيل الدولي، ومطار السليمانية الدولي. 

أما المنافذ غير المعترف بها بحسب وثائق الجمارك الكردستانية، فكانت: منفذ زيد- زيت في أربيل، وسرزيري في محافظة دهوك، و كيلي في السليمانية، وسيران في السليمانية، ومنفذ بيشخابور في دهوك أيضاً. 

اللافت أن ديوان الرقابة ذكر أن هيئة المنافذ الحدودية الاتحادية كانت وثقت وجود 8 منافذ غير معترف بها من بغداد، ما يشير إلى وجود 3 منافذ أخرى تعترف بها حكومة الإقليم، ولم ترد ضمن وثائق الجمارك الكردية، وهي: (منفذ طويلة، منفذ بشتة، ومنفذ سيد كان – أشنوية). 

الى جانب كل تلك الاختلافات بين بغداد وأربيل بشأن المعابر المعترف بها في كردستان، ورد في وثائق ديوان الرقابة وجود 22 منفذاً آخر غير معترف بها من أربيل وبغداد على حد سواء، وهي تقع ضمن الأراضي التي تسيطر عليها حكومة إقليم كردستان، من بينها “منفذ الوليد ومنفذ المحمودية” في محافظة نينوى (بإضافة منفذين في شمال نينوى على قائمة دائرة العمليات والخطط في هيئة المنافذ الحدودية التي ضمت 20 منفذاً).

ويذكر ديوان الرقابة المالية في ملاحظته، أنه سبق التنبيه إلى هذه المنافذ في تقارير سابقة، من دون أن تُتخذ أية إجراءات رسمية لمعالجة وضعها. 

مع ذلك، يشير ديوان الرقابة، إلى نوع من المرونة من طرف أربيل، إذ يورد كتاب صادر عن رئاسة مجلس وزراء إقليم كردستان في 1 آذار/ مارس 2023، وموجّه إلى مكتب رئيس مجلس الوزراء الاتحادي، أن حكومة الإقليم لا تمانع في تحويل بعض المنافذ غير الرسمية إلى منافذ معترف بها اتحادياً.

وعلى الرغم من أهمية حسم أوضاع المنافذ الرسمية وغير الرسمية في كردستان، كخطوة أساسية لتحديد إيراداتها، وبالتالي المبالغ التي يفترض أن تسلمها حكومة أربيل الى حكومة بغداد شهرياً وفق قانون “الإدارة المالية” الاتحادي، والتأثير الكبير لذلك في حسم الخلافات المتكررة بشأن صرف مستحقات إقليم كردستان من الموازنة الاتحادية، إلا أن أي تقدم لم يحصل طوال ثماني سنوات من الاجتماعات المشتركة والإعلانات المتكررة عن اتخاذ خطوات.

تتضمن وثيقة صادرة من مستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي، موجهة إلى قيادة العمليات المشتركة وهيئة المنافذ الحدودية، في 29 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أمراً بتشكيل لجنة برئاسة قيادة العمليات المشتركة، وعضوية ممثلين عن هيئة المنافذ، وهيئة الجمارك، وجهاز الأمن الوطني، وقوات الحدود، وممثل عن حكومة الإقليم، مهمتها “إجراء مسح وجرد شامل لكافة المنافذ والمعابر الرسمية وغير الرسمية الواقعة على الشريط الحدودي لإقليم كردستان مع الدول المجاورة”.

لكن لم تصدر لاحقاً أية كتب رسمية أو تصريحات، تؤكد حسم هذا الملف، سواء من حكومة الإقليم أو الحكومة الاتحادية. 

ملاذ للهروب من الجمارك

على امتداد الشريط الحدودي الوعر في شمال العراق، تمر شاحنات محمّلة بالبضائع من دون أن تخضع لأي رقابة اتحادية، عبر منافذ غير خاضعة للسلطة المركزية، بحسب تحذيرات أطلقها الباحث في الشأن الاقتصادي عبد الرحمن الشيخلي، الذي يرى في هذه المعابر غير الشرعية “ثغرات مفتوحة تقوض هيبة الدولة، وتسهل التهريب، وتهدر مليارات من الإيرادات العامة سنوياً”. 

الشيخلي يشير إلى وجود ستة منافذ رسمية معلنة -يفترض أن إيراداتها معروفة للدولة وتدخل موازنتها- لكن هناك في المقابل ثلاثة أضعاف ذلك الرقم خارج الحسابات تماماً.

يقول: “تلك المنافذ غير الشرعية تُستخدم لإدخال البضائع من دون رقابة حكومية اتحادية، ما يضرب أسس المنافسة العادلة، ويتيح لتجار كثر التهرب من الرسوم الجمركية عبر دفع مبالغ أقل لجهات غير رسمية”.

وينبه الشيخلي الى صعوبة إيجاد حل، كون الأمر لا يتعلق بمجرد منافذ غير خاضعة لسيطرة الدولة تحصل فيها عمليات تهريب محدودة، بل الى منافذ بعضها يخضع لسيطرة قوى سياسية نافذة ومسلحة، “ما يجعل تنفيذ أي إصلاح إداري شامل أمراً بالغ الصعوبة، ما لم يحصل توافق سياسي حقيقي وواسع”.

ويضيف: “الإيرادات الجمركية الاتحادية التي تم تحصيلها خلال شهر أيار/ مايو 2025 لم تتجاوز الـ274 مليار دينار (هي تقل عن 3 تريليونات سنوياً)، بينما يمكن أن تصل إلى 10 تريليونات سنوياً، لو ضُبطت المنافذ وتم الحد من الفساد”.

هذا الواقع يؤكده الخبير الجمركي مصطفى الفرج، الذي يرى أن نجاح نظام الأتمتة الجمركية “الأسيكودا” ما زال منقوصاً، فعلى الرغم من تطبيق النظام في معظم المنافذ الاتحادية، فإن “منافذ إقليم كردستان لا تزال خارج هذا الإطار، ما يدفع كثراً من التجار من وسط العراق وجنوبه إلى التوجه نحو منافذ كردستان، هرباً من الرقابة والتعقيدات البيروقراطية”.

الفرج يشير إلى مشكلة رئيسية أخرى تقوّض جهود الإصلاح، تتمثل بـ “التفاوت في التعرفة الجمركية بين معابر الإقليم وباقي المحافظات”، والتي تصل في بعض البضائع الى الضعف.

وهذه عقدة أُجريت سلسلة اجتماعات بشأنها بين أربيل وبغداد منذ العام 2017، لكنها ما زالت غير محسومة، وهو ما يدفع الحكومة العراقية الى وضع نقاط جمركية في مناطق حدود سيطرتها مع الإقليم كشمال نينوى، تفرض “تعرفة مالية” إضافية على دخول المواد المستوردة الى باقي المحافظات العراقية.

وينبه الفرج الى أن استمرار هذه الفجوة يمثل “تهديداً مباشراً لأي إصلاح اقتصادي حقيقي”، مطالباً بضم جميع المنافذ إلى نظام جمركي موحد وإغلاق “غير الرسمي” منها بالكامل.

وبشأن فرص تعظيم الإيرادات، يوضح أن استكمال نظام الأتمتة، والربط الإلكتروني مع البنك المركزي، وتوحيد التصريح الجمركي يمكن أن يرفع الإيرادات التي بلغت في العام 2024 نحو تريليونين و131 ملياراً إلى 4 تريليونات دينار سنوياً كحد أدنى.

ويخلص الى القول: “العراق بلد استيرادي بامتياز، ولا يعقل أن تستمر بعض المنافذ خارج سيطرة الدولة إلى هذا الحد، وألا يتم استحصال إيراداتها كما يفترض، وبالتالي الإصلاح الجمركي لم يعد ترفاً بل ضرورة وطنية عاجلة”.

21 تريليون فاقد مالي 

يرسم الخبير الاقتصادي منار العبيدي صورة أكثر قتامة عن حجم الفاقد المالي نتيجة الفوضى في القطاع الجمركي. إذ يقول إن “العراق خسر أكثر من 20 تريليون دينار عراقي (نحو 15 مليار دولار) خلال خمس سنوات فقط، بسبب فساد النظام الجمركي، والتحويلات المالية غير الخاضعة للرقابة في البلاد، الى جانب المنافذ غير الرسمية في كردستان”. 

وتستند تقديرات العبيدي إلى بيانات البنك المركزي، التي تشير إلى أن إجمالي التحويلات للاستيراد بلغ 314 مليار دولار، في حين لم تحصل الدولة سوى على 6.4 مليار دولار كعوائد جمركية – ما يعادل 2 في المئة فقط من الإجمالي.

ويوضح: “لو كانت التعرفة الجمركية المطبقة 7 في المئة كما هو مفترض، لحققت الدولة نحو 29 تريليون دينار، لكن الفاقد الحقيقي بلغ أكثر من 21 تريليون دينار، وهو ما لا يمكن تفسيره بالإعفاءات فقط”.

ويشير إلى ثغرات خطيرة في النظام، منها تحويل مسارات الشحن نحو كردستان، حيث تُجبى الرسوم محلياً ولا تحوّل الى بغداد، فضلاً عن انتشار “الاستيرادات الوهمية، وتزوير الفواتير، وتقليل قيمة الشحنات للتهرب من الرسوم”.

ويحذر العبيدي من تداعيات استمرار تلك الثغرات: “سيبقى العراق في حالة عجز دائم، ويفتح الباب لمزيد من هيمنة القوى المتنفّذة على موارد الدولة”.

كردستان: منافذ بغداد غير قانونية

في مشهد يعكس عمق الأزمة بين بغداد وأربيل، اتهمت مديرية الجمارك في كردستان، في 4 حزيران/ يونيو 2025، هيئة المنافذ الحدودية العراقية بأنها “هيئة غير قانونية أُنشئت للتغطية على الفساد”. 

البيان وصف انتقادات الهيئة للإقليم بأنها “تحركات سياسية تهدف إلى صرف الأنظار عن إخفاق مؤسسات الحكومة الفيدرالية”.

وأضاف البيان أن معابر كردستان “تعمل بنظام إدارة حديثة”، وأن حكومة الإقليم ملتزمة بـ”الشفافية والحوكمة الرشيدة” في إدارة منافذه، في حين يعاني باقي العراق من “فساد وسوء تنظيم”، لافتاً الى أن “الفساد المستشري في المؤسسات الفيدرالية بلغ مستويات خطيرة”، وأن منافذ كردستان “تخضع لإدارة دقيقة تُعنى بجمع الإيرادات بشكل منظم”.

ووصف البيان، موقف هيئة المنافذ العراقية، بأنه هجوم إعلامي “لتضليل الرأي العام” واستهداف كردستان للتغطية على “أزمات داخلية تضرب مؤسسات الدولة المركزية”.

كما رد سامي جلال، مستشار وزارة الداخلية في حكومة إقليم كردستان، على الانتقادات بشأن معابر الإقليم غير الرسمية، قائلاً: “هذه الاتهامات لا أساس لها من الصحة، لا توجد معابر غير رسمية مفتوحة بين الإقليم والدول المجاورة، وقد أغلقنا 20 معبراً غير رسمي منذ عام 2007 بقرار من قيادة المنطقة الأولى لحرس الحدود العراقي”.

وأوضح جلال أن المنافذ الرسمية المعترف بها من الطرفين، تشمل (إبراهيم الخليل، حاج عمران، برويزخان، باشماخ، إلى جانب مطاري أربيل والسليمانية الدوليين). 

وأضاف: “لدينا أيضا 6 منافذ معترف بها من الإقليم فقط، وقد أجرينا مباحثات موسعة منذ سنوات مع الحكومة الاتحادية لتحويلها إلى منافذ رسمية مشتركة، لكننا لم نتلقَّ رداً حتى الآن، على رغم إرسال كتاب رسمي لأمانة مجلس الوزراء”.

وأشار إلى صدور قرار من مجلس الأمن الوزاري بفتح معبر كلشين الحدودي مع إيران، وتشكيل لجنة لهذا الغرض، لكنها لم تباشر أعمالها بعد. 

ويكرر جمال تأكيده: “لا توجد منافذ غير رسمية خارج سلطة حكومة الإقليم إطلاقاً، وما يحصل الآن هو حرب اقتصادية تستهدف الإقليم، ومن أدواتها إضعاف الحركة التجارية في منافذ كردستان”.

ويربط جلال الاتهامات الحالية بتراكم سياسي، قائلاً: “هذه المواقف هي رد فعل على الاستفتاء الذي أجراه الإقليم (استفتاء الانفصال الذي أُجري في العام 2017) وأحداث 16 أكتوبر (فرض القوى الأمنية والعسكرية للحكومة الاتحادية سيطرتها على كركوك بعدما كانت تدار من البيشمركة) وفشل محاولات السيطرة العسكرية على كردستان، تبعها فرض سيطرات جمركية وتطبيق قرار 13 لتوحيد التعرفة الجمركية”.

وتابع: “مع بداية عمل التشكيلة الحكومية التاسعة للإقليم (في العام 2019)، تصاعدت هذه الحرب الاقتصادية ضدنا، والمفاوضات مستمرة منذ عام 2017. وفي عام 2023 توصلنا إلى اتفاقات، لكن الطرف الاتحادي تراجع عنها فجأة، وأصر على فرض السيطرة الميدانية على المنافذ، خلافاً للدستور”.

وأشار جلال إلى أن “الإيرادات تسلم كاملة إلى الحكومة الاتحادية، وكل دينار يدخل خزينة الإقليم يتم إبلاغها به، عبر ميزان مراجعة شهري من وزارة المالية، يتضمن الإيرادات والنفقات كافة”، واعتبر أن “ادعاء عدم إرسال الإيرادات غير صحيح”.

لكن بعض تلك المعلومات تتقاطع مع ما تورده قوى المعارضة الكردية، كما مع تفاصيل الاتفاق بين بغداد وأربيل الذي أقره مجلس الوزراء العراقي في 17 تموز/ يوليو 2025، والذي حسم مشكلة إعادة دفع رواتب موظفي كردستان، حيث وافق الإقليم على دفع 120 مليار دينار الى بغداد بعدما كانت تُسلم أقل من 50 ملياراً في الأشهر الأربعة الأولى من العام.

يقول علي حمه صالح، النائب بالبرلمان الكردستاني عن حركة “الموقف”، إن العائدات غير النفطية للإقليم تتراجع، لأن هناك قوى حزبية على الأرض تستحصل بصورة غير رسمية مبالغ من التجار مقابل إدخال مواد مختلفة من لحوم وسجائر ومشروبات، من دون دفع الجمارك، عبر طرق تعرف في كردستان بـ”خطوط التنسيق”.

وبشأن العائدات غير النفطية، يقول صالح، في تصريحات متكررة، إن آلاف الشاحنات المحملة بالنفط ومشتقاته، تنقل بصورة علنية وعبر الطرق الرئيسية حمولاتها الى خارج الإقليم، مبيناً أنه خلال 28 شهراً تم بيع 258 مليون برميل نفط، لكن دولاراً واحداً من عائداتها لم تصل الى خزينة وزارة مالية الإقليم. 

ويؤكد أن “الطن الواحد من النفط المنتج في كردستان يباع بنحو 270 دولاراً، أي أن سعر برميل النفط الواحد يباع بـ35 دولاراً أو أقل بقليل، وبفارق 30 دولاراً عن السعر العالمي”.

ويوجه صالح خطابات يومية الى الشارع الكردي، متسائلاً عن “مصير تلك الأموال” إذا لم تكن تصل الى مالية كرستان؟. ويقول: “هي تنتهي الى جيوب الشركات الحزبية، فيما لا يحصل المواطن حتى على راتبه”.

في سياق متصل بمشكلة الفشل في استحصال الرسوم، أصدرت هيئة المنافذ الحدودية الاتحادية، في 6 حزيران/ يونيو 2025، توصيات تهدف الى تعزيز الرقابة وتعظيم الإيرادات، عبر جباية الرسوم الفعلية، ومنع التلاعب، وتفعيل الحوكمة الإلكترونية، وتدقيق الفواتير وربطها بالجهات المالية والرقابية للكشف عن الشركات المشبوهة، مع إحالتها إلى مكتب مكافحة غسل الأموال.

كما شددت الهيئة على ضرورة تطبيق قرارات الحكومة الاتحادية على منافذ كردستان، لضمان توحيد الرسوم، وتفعيل خلايا استخبارية داخل المنافذ لرصد مظاهر الفساد. 

الفساد وتعدّد مراكز القرار

على الرغم من الخطوات الحكومية لتعزيز الرقابة الحدودية وتوحيد الإجراءات على المنافذ، تبقى المشكلة الجوهرية متمثلة في غياب السيطرة الحكومية الكاملة على بعض المنافذ، نتيجة نفوذ قوى حزبية واستغلالها لتحقيق أرباح كبيرة.

ووفقاً لعضو لجنة الاقتصاد والاستثمار النيابية، كاظم الشمري، تخضع بعض المنافذ لنفوذ قوى سياسية داخل مجلس النواب وخارجه، ما يعرقل أي مسار إصلاحي جاد، في ظل تضارب المصالح وتعدد مراكز القرار.

ويوضح أن الإصلاح يتطلب اتخاذ سلسلة خطوات، “أولها القضاء على ظاهرة المنافذ غير الرسمية، وتمكين الدولة من بسط سلطتها عليها”، وهذا يحتاج الى إرادة وطنية.

ويخلص الى القول، إن “الفساد المستشري حالياً يجعل الإيرادات المتحققة من المنافذ لا تتجاوز  الــ3 في المئة من الموازنة العامة الاتحادية، مقارنة بما يمكن أن تحققه، وهو 20 في المئة إذا ما ضُبطت بالكامل”.

مشكلة عائدات المعابر المهدورة لا ترتبط بإقليم كردستان فقط، كما يؤكد نواب وباحثون، بل بباقي مناطق البلاد، بخاصة في موانئ ومنافذ البصرة جنوباً، حيث تسيطر قوى حزبية على بعض مفاصل إدارتها، وتحقق مبالغ كبيرة من عمليات تلاعب وتهريب.

فقد كشفت وثيقة صادرة من شركة تسويق النفط الحكومية “سومو” بتاريخ 27 تموز/ يوليو 2025، عن رصد “أنشطة مشبوهة لناقلات نفط تعمل داخل المياه الإقليمية العراقية، تتضمن تزييف بيانات نظام تحديد الهوية الآلي (AIS Spoofing) وعمليات نقل نفط غير مصرح بها”.

وحذرت الشركة من استخدام “تقنيات متقدمة للتلاعب ببيانات نظام تحديد الهوية الآلي بهدف إخفاء المواقع الحقيقية لناقلات النفط أو تغيير مساراتها، بالإضافة إلى تأخير الإفصاح عن معلومات الشحنات وجهاتها”، مشيرة الى احتمالية ارتكاب ممارسات غير قانونية، منها التلاعب بأنظمة التتبع وعمليات نقل غير مصرح بها تعرف باسم “التحويلات المظلمة” (Dark Ship-to-Ship Transfers) التي تتم في عرض البحر.

ووفق متخصصين، مثل الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي، فإن ما أشارت إليه “سومو”، ربما يرتبط بعمليات تهريب للنفط الأسود من العراق إلى الإمارات، ومن خلال منح وكالات لجهات معينة (مثل المصانع الإنشائية المحلية) لشراء تلك المواد بالسعر الرسمي المدعوم، لتعود وتبيعها الى شركات ثانوية تنقلها عبر الصهاريج الى موانئ عراقية ومن ثم عبر الناقلات إلى ميناء جبل علي في الإمارات.

يؤكد باحثون، أن تلك الأموال المهدورة والمقدرة بعشرات تريليونات الدنانير سنوياً، والتي لا تدخل موازنة الدولة، لا تساهم في خطط البناء والتنمية الوطنية، لكنها تُضخم قدرات قوى سياسية وتساهم في بناء “إمبراطوريتها المالية” على حساب الشعب.

أنجزت المادة تحت إشراف الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية “نيريج”

13.08.2025
زمن القراءة: 16 minutes

يحتدم الصراع بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان بشأن إدارة المعابر الحدودية في كردستان مع كل من إيران وتركيا، وحجم إيراداتها، وسط اتهامات باستخدامها في “تجارة غير رسمية” للنفط لصالح جهات نافذة، ما يكبد الخزينة العامة سنوياً خسائر بمليارات الدولارات.

أدم علي

يحتدم الصراع بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان بشأن إدارة المعابر الحدودية في كردستان مع كل من إيران وتركيا، وحجم إيراداتها، وسط اتهامات باستخدامها في “تجارة غير رسمية” للنفط لصالح جهات نافذة، ما يكبد الخزينة العامة سنوياً خسائر بمليارات الدولارات.

هذا الملف يشكل منذ سنوات ساحة مفتوحة للخلافات السياسية والمالية بين بغداد وأربيل وسط تبادل التصريحات والكتب الرسمية، التي تظهر عدم الالتزام بالاتفاقات المالية والسياسية، وغياب الشفافية، واستمرار التهريب عبر المعابر شمالاً وعبر الموانئ جنوباً، والفشل المزمن في استحصال الإيرادات الجمركية.

في حزيران/ يونيو 2025، قال رئيس هيئة المنافذ الحدودية اللواء عمر الوائلي، إن “المادة 110 من الدستور منحت الحكومة الاتحادية صلاحيات حصرية، بينها رسم السياسة الاقتصادية والتجارية”، وإن من غير المقبول “إخضاع المنافذ الاتحادية لإجراءات صارمة، بينما تفتح في كردستان معابر غير رسمية تدخل منها البضائع بلا رقابة حقيقية”. 

الوائلي أبدى استياءه من عدم تنفيذ قرار مجلس الوزراء رقم 13 لسنة 2019، القاضي بربط منافذ إقليم كردستان بالمركز، مشيراً إلى أنه “بعد مرور ست سنوات من صدور القرار، لم يحرز أي تقدم يذكر، على رغم الاجتماعات رفيعة المستوى والأوامر الديوانية”.

يكشف هذا التحقيق، اعتماداً على الوثائق والشهادات الرسمية العراقية، خريطة المنافذ الحدودية في إقليم كردستان، بما في ذلك المنافذ غير الرسمية التي تعمل خارج سلطة الحكومة الاتحادية، وطبيعة التعاملات التجارية التي تُجرى فيها، والإيرادات التقديرية لها، في ظل عدم توافر البيانات الدقيقة نتيجة غياب التنسيق الأمني والرقابي بين بغداد وأربيل.

بوابات كردستان نحو التهريب 

أمام معضلة تزايد النفقات الحكومية وتراجع الإيرادات المالية، نتيجة انخفاض أسعار النفط الى ما دون الـ70 دولاراً، وهو السعر المثبت في الموازنة العامة، تكافح الحكومة العراقية لضبط مواردها المالية وتحصيل إيراداتها الجمركية، سواء في موانئ ومعابر جنوب البلاد الذي عانى لسنوات من التحايل والتهرب الجمركي بوجود قوى نافذة تتحكم بها، أو معابر شمال البلاد التي لا تخضع لسلطة بغداد، والتي يؤكد نواب كرد أن إيراداتها المالية تتراجع في ظل تزايد عمليات التهريب.

يقول عضو اللجنة المالية في مجلس النواب، معين الكاظمي، إن عشرات المنافذ غير الرسمية، تنشط داخل كردستان، بعيداً عن رقابة بغداد ،”هذه لا تمثل فقط خرقاً للنظام الجمركي العراقي، بل تؤشر إلى حالة من الانفصام في إدارة الاقتصاد بين المركز والإقليم”.

الكاظمي يؤكد أن تلك المنافذ “تُستخدم في تهريب البضائع والممنوعات والنفط”. ويرى أن الإقليم ملزم بغلق المنافذ غير الرسمية وخطوط التهريب، وإذا لم يستطع فعليه “تسليم إدارتها إلى بغداد للسيطرة عليها”.

القصة لا تنتهي عند المنافذ غير الرسمية، فحتى تلك المعترف بها والمعروفة للحكومة الاتحادية، لا تسلم عائداتها إلى الحكومة، بحسب الكاظمي، الذي يضيف أن بغداد لا تعلم بدقة حجم إيرادات المنافذ الرسمية في كردستان “ولا يتم تسليمها لها، في مخالفة للقوانين والدستور”. 

عدم تسليم الإيرادات غير النفطية، والجزء الأكبر منها يتمثل بعائدات المعابر الحدودية، من أربيل الى بغداد، وغياب الشفافية بشأنها، إضافة الى عدم تسليم كميات النفط المتفق عليها بين المدينتين وفق قانون الموازنة المعدل والبالغة 400 ألف برميل نفط يومياً، أدت الى اتخاذ الحكومة الاتحاية قراراً في 8 أيار/ مايو 2025 بوقف تمويل رواتب موظفي إقليم كردستان (974 مليار دينار شهرياً)، ما خلق أزمة معيشية حادة في كردستان، حيث لم يستلم نحو مليون و250 ألف موظف رواتبهم.

وتقدّر الحكومة الاتحادية، حجم العائدات غير النفطية بنحو 300 مليار دينار، يفترض أن تسلم أربيل نصفها الى بغداد وفق قانون “الإدارة المالية”، لكن أربيل أرسلت في الأشهر الأولى من العام 2025 مبالغ أقل بكثير، إذ حولت نحو 50 مليار دينار الى حساب وزارة المالية الاتحادية عن الإيرادات غير النفطية لشهر نيسان/ أبريل، وحولت 48 مليار دينار عن إيرادات شهر آذار/ مارس.

واتهمت وزارة المالية الاتحادية، مطلع أيار/ مايو، حكومة الإقليم بعدم الالتزام بتسليم كامل إيراداتها غير النفطية “التي كان يفترض أن تبلغ 90 مليار دينار شهرياً”. وبيّنت رسالة موجهة الى مالية كردستان أن الإقليم سلّم في شهر كانون الثاني/ يناير نحو 52 مليار دينار فقط، وفي شهري شباط/ فبراير وآذار/ مارس أقل من 50 مليار دينار لكل شهر. وطالبت المالية الاتحادية، الإقليم بتحويل 50 مليار دينار إضافية من الإيرادات غير النفطية إلى بغداد.

عدم الالتزام هذا، وفق النائب الكاظمي، أجبر وزارة المالية الاتحادية على وقف إرسال رواتب موظفي الإقليم لشهر أيار/ مايو، إلى حين التزام أربيل بتسليم النفط والإيرادات غير النفطية، وعلى رأسها إيرادات المنافذ الحدودية والمطارات.

وكانت وزارة المالية الاتحادية بررت قرارها بإيقاف تمويل رواتب الإقليم وفق الموازنة الثلاثية “بتجاوزه النسبة المقررة في الموازنة الاتحادية -التي تبلغ 12.67 في المئة بمبلغ 13.547 تريليون دينار (10.23 مليارات دولار)- من إجمالي الصرف الفعلي، نتيجة امتناع حكومة كردستان عن تسليم الإيرادات النفطية وغير النفطية إلى خزينة الدولة الاتحادية”.

قبل أن تتم إعادة تمويل راتب شهر أيار/ مايو (975 مليار دينار)، إثر اتفاق مؤقت بين حكومتي بغداد وأربيل في 17 تموز/ يوليو على تسليم الأخيرة مبلغ 120 مليار دينار شهرياً عن إيراداتها غير النفطية الى جانب تسليم 230 ألف برميل يومياً من إنتاج حقول كردستان الى شركة تسويق النفط “سومو”.  

بالعودة الى عقدة المنافذ التي تخضع لإدارة إقليم كردستان، يؤكد عضو مجلس النواب رائد المالكي، اتهامات نواب آخرين، بوجود “منافذ غير رسمية في الإقليم تُستخدم لتهريب النفط والبضائع”، وأن جهات في كردستان تستفيد من تلك “الثغرات” للحصول على عائدات لا تدخل في حسابات الحكومة الاتحادية.

ويشير النائب، إلى أن تلك المنافذ والطرق غير الرسمية “تُستخدم لإدخال البضائع من إيران وتركيا من دون ضرائب، كما تمرّر شحنات من النفط الخام عبر شاحنات باتجاه الخارج، بمعدل 175 ألف برميل يومياً”.

تلك الأرقام بحسب المالكي، “موثّقة من هيئة المنافذ الحدودية”، وهي تمثل خسائر ضخمة تُمنى بها الخزينة العراقية سنوياً، قد تصل إلى 15 تريليون دينار.

ويحذر من أن استمرار ما يسميه بـ”الفوضى الجمركية” وعدم استحصال الإيرادات بشكل رسمي، وتعدد مصادر القرار بشأن الإيرادات، أمر غير مقبول كونه يضر بالاقتصاد الوطني، ويزيد الضغط المعيشي على المواطنين.

ويلفت عضو البرلمان الى ضرورة حسم الملف سياسياً، قائلاً: “يجب فتح حوار صريح مع حكومة الإقليم، سياسة الدولة يجب أن تكون واحدة، لإيقاف التهريب واستنزاف الاقتصاد العراقي”.

مقابل تلك الاتهامات، ينفي مسؤولون في حكومة إقليم كردستان وجود معابر تُستحصل من خلالها إيرادات من دون تسجيلها، مؤكدين أن القوائم التي تُنشر بأسماء معابر غير رسمية “غير صحيحة”، وألا حركة تجارية فيها، من دون نفي وجود حالات تهريب عبر الحدود كما في مختلف دول العالم “لكنها محدودة”، كما أشار الى ذلك عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي هوشيار زيباري.

وبشأن مبيعات النفط، لا تنفي حكومة كردستان حصول عمليات بيع للنفط المنتج (أو مشتقاته) من حقوله، بشكل محدود الى خارج البلاد، والى إيران بشكل خاص، من خلال الشركات المنتجة للنفط وتلك التي تقوم بعمليات تكرير النفط، وذلك لدفع مستحقات الشركات النفطية الاستثمارية العاملة في كردستان ولإنتاج الكهرباء وتغطية كلف شركات إنتاج المشتقات للحاجة الداخلية.

وهو ما يؤكده وزير المالية السابق في حكومة كردستان والمستشار الحالي لرئيس الحكومة، ريباز حملان، مبيناً أن الإيرادات المتحققة من تلك المبيعات تضمن استمرار عمل الشركات النفطية وإدامة الإنتاج في الحقول التزاماً بالعقود الموقعة مع تلك الشركات ولضرورة إدامة الحد الأدنى من الإنتاج في تلك الحقول لكي لا تغلق بشكل كلي، الى جانب تغطية الحاجة المحلية من المشتقات.

وثائق: اختلافات ومشاكل معلّقة

على الرغم من تباين الروايات وتضارب التصريحات بين بغداد وأربيل بشأن عدد المنافذ الحدودية في إقليم كردستان، وخريطة توزيعها الجغرافي وتصنيفها الرسمي، إلا أن وثائق صادرة من جهات اتحادية ورقابية تؤكد وجود منافذ غير رسمية. 

وما يزيد المشهد تعقيداً أن وثائق تلك الجهات الاتحادية تظهر تبايناً في المعلومات بشأن عدد المعابر غير الرسمية بل وحتى الرسمية، كما أنها لا تقدم ما يؤكد وجود حركة تجارية في تلك المنافذ أو استخدامها للتهريب.

في وثيقة صادرة عن هيئة المنافذ الحدودية – دائرة العمليات والخطط، في 7 أيار/ مايو 2023، تكشف الهيئة أن عدد المنافذ الحدودية غير الرسمية وغير المعترف بها من الحكومة الاتحادية في إقليم كردستان يبلغ 20 منفذاً، أما عدد المنافذ المعترف بها اتحادياً فهو 6 فقط، وهي: منفذ إبراهيم الخليل (دهوك – مع تركيا)،  منفذ حاج عمران (أربيل – مع إيران)،  منفذ باشماخ (السليمانية – مع إيران)، منفذ برويزخان (السليمانية – مع إيران)، مطار أربيل الدولي، ومطار السليمانية الدولي.

في المقابل، تشير الوثيقة إلى وجود 6 منافذ أخرى معترف بها من حكومة إقليم كردستان فقط، من دون اعتراف من بغداد، وهي: منفذ كيلي (السليمانية – مع إيران) منفذ سيران بن (السليمانية – مع إيران) منفذ طويلة (السليمانية – مع إيران) منفذ بشتة (السليمانية – مع إيران) منفذ سرزيري (دهوك) ومعبر سيمالكة – بيشخابور (دهوك – مع سوريا).

الهيئة أشارت في ملاحظتها، إلى أن هذه المنافذ تفتقر الى دراسة جدوى اقتصادية أو إدارية لفتحها رسمياً، ما يضع علامات استفهام حول الغرض من استمرار تشغيلها، وطبيعة النشاطات التي تُجرى فيها.

وثائق أخرى صادرة عن ديوان الرقابة المالية الاتحادي في  24 نيسان/ أبريل 2025، أي بعد عامين من وثائق هيئة المنافذ، تكشف عن استمرار الوضع على ما كان عليه من دون معالجات، وتظهر وجود تباين كبير بين معلومات حكومتي أربيل وبغداد.

تشير الوثائق إلى أن وزارة المالية والاقتصاد في الإقليم/ المديرية العامة للجمارك، أقرت بوجود 7 منافذ حدودية معترف بها من بغداد (بفارق زيادة معبر واحد عن وثائق هيئة المنافذ، وهو معبر سازان في حلبجة)، و5 منافذ غير معترف بها من الحكومة الاتحادية، وبعض تلك المنافذ تختلف عن المنافذ الواردة في وثائق هيئة المنافذ، ما يظهر وجود خلل في تحديد المعابر غير الرسمية بما فيها المعترف بها من حكومة كردستان، فعند الإقليم هي خمسة، وعند بغداد الرقم أعلى وهي في غالبها موجودة في السليمانية، بما يوحي بأن بعض معابر السليمانية التي فيها حركة تجارية، غير معترف بها رسمياً لدى أربيل.

الوثائق الواردة من الإقليم تضمنت قائمة بالمنافذ السبعة المعترف بها اتحادياً، وهي: إبراهيم الخليل في محافظة دهوك، وحاج عمران في أربيل، وباشماخ في السليمانية، وبرويزخان في محافظة السليمانية كذلك، ومنفذ سازان في حلبجة ومطار أربيل الدولي، ومطار السليمانية الدولي. 

أما المنافذ غير المعترف بها بحسب وثائق الجمارك الكردستانية، فكانت: منفذ زيد- زيت في أربيل، وسرزيري في محافظة دهوك، و كيلي في السليمانية، وسيران في السليمانية، ومنفذ بيشخابور في دهوك أيضاً. 

اللافت أن ديوان الرقابة ذكر أن هيئة المنافذ الحدودية الاتحادية كانت وثقت وجود 8 منافذ غير معترف بها من بغداد، ما يشير إلى وجود 3 منافذ أخرى تعترف بها حكومة الإقليم، ولم ترد ضمن وثائق الجمارك الكردية، وهي: (منفذ طويلة، منفذ بشتة، ومنفذ سيد كان – أشنوية). 

الى جانب كل تلك الاختلافات بين بغداد وأربيل بشأن المعابر المعترف بها في كردستان، ورد في وثائق ديوان الرقابة وجود 22 منفذاً آخر غير معترف بها من أربيل وبغداد على حد سواء، وهي تقع ضمن الأراضي التي تسيطر عليها حكومة إقليم كردستان، من بينها “منفذ الوليد ومنفذ المحمودية” في محافظة نينوى (بإضافة منفذين في شمال نينوى على قائمة دائرة العمليات والخطط في هيئة المنافذ الحدودية التي ضمت 20 منفذاً).

ويذكر ديوان الرقابة المالية في ملاحظته، أنه سبق التنبيه إلى هذه المنافذ في تقارير سابقة، من دون أن تُتخذ أية إجراءات رسمية لمعالجة وضعها. 

مع ذلك، يشير ديوان الرقابة، إلى نوع من المرونة من طرف أربيل، إذ يورد كتاب صادر عن رئاسة مجلس وزراء إقليم كردستان في 1 آذار/ مارس 2023، وموجّه إلى مكتب رئيس مجلس الوزراء الاتحادي، أن حكومة الإقليم لا تمانع في تحويل بعض المنافذ غير الرسمية إلى منافذ معترف بها اتحادياً.

وعلى الرغم من أهمية حسم أوضاع المنافذ الرسمية وغير الرسمية في كردستان، كخطوة أساسية لتحديد إيراداتها، وبالتالي المبالغ التي يفترض أن تسلمها حكومة أربيل الى حكومة بغداد شهرياً وفق قانون “الإدارة المالية” الاتحادي، والتأثير الكبير لذلك في حسم الخلافات المتكررة بشأن صرف مستحقات إقليم كردستان من الموازنة الاتحادية، إلا أن أي تقدم لم يحصل طوال ثماني سنوات من الاجتماعات المشتركة والإعلانات المتكررة عن اتخاذ خطوات.

تتضمن وثيقة صادرة من مستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي، موجهة إلى قيادة العمليات المشتركة وهيئة المنافذ الحدودية، في 29 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أمراً بتشكيل لجنة برئاسة قيادة العمليات المشتركة، وعضوية ممثلين عن هيئة المنافذ، وهيئة الجمارك، وجهاز الأمن الوطني، وقوات الحدود، وممثل عن حكومة الإقليم، مهمتها “إجراء مسح وجرد شامل لكافة المنافذ والمعابر الرسمية وغير الرسمية الواقعة على الشريط الحدودي لإقليم كردستان مع الدول المجاورة”.

لكن لم تصدر لاحقاً أية كتب رسمية أو تصريحات، تؤكد حسم هذا الملف، سواء من حكومة الإقليم أو الحكومة الاتحادية. 

ملاذ للهروب من الجمارك

على امتداد الشريط الحدودي الوعر في شمال العراق، تمر شاحنات محمّلة بالبضائع من دون أن تخضع لأي رقابة اتحادية، عبر منافذ غير خاضعة للسلطة المركزية، بحسب تحذيرات أطلقها الباحث في الشأن الاقتصادي عبد الرحمن الشيخلي، الذي يرى في هذه المعابر غير الشرعية “ثغرات مفتوحة تقوض هيبة الدولة، وتسهل التهريب، وتهدر مليارات من الإيرادات العامة سنوياً”. 

الشيخلي يشير إلى وجود ستة منافذ رسمية معلنة -يفترض أن إيراداتها معروفة للدولة وتدخل موازنتها- لكن هناك في المقابل ثلاثة أضعاف ذلك الرقم خارج الحسابات تماماً.

يقول: “تلك المنافذ غير الشرعية تُستخدم لإدخال البضائع من دون رقابة حكومية اتحادية، ما يضرب أسس المنافسة العادلة، ويتيح لتجار كثر التهرب من الرسوم الجمركية عبر دفع مبالغ أقل لجهات غير رسمية”.

وينبه الشيخلي الى صعوبة إيجاد حل، كون الأمر لا يتعلق بمجرد منافذ غير خاضعة لسيطرة الدولة تحصل فيها عمليات تهريب محدودة، بل الى منافذ بعضها يخضع لسيطرة قوى سياسية نافذة ومسلحة، “ما يجعل تنفيذ أي إصلاح إداري شامل أمراً بالغ الصعوبة، ما لم يحصل توافق سياسي حقيقي وواسع”.

ويضيف: “الإيرادات الجمركية الاتحادية التي تم تحصيلها خلال شهر أيار/ مايو 2025 لم تتجاوز الـ274 مليار دينار (هي تقل عن 3 تريليونات سنوياً)، بينما يمكن أن تصل إلى 10 تريليونات سنوياً، لو ضُبطت المنافذ وتم الحد من الفساد”.

هذا الواقع يؤكده الخبير الجمركي مصطفى الفرج، الذي يرى أن نجاح نظام الأتمتة الجمركية “الأسيكودا” ما زال منقوصاً، فعلى الرغم من تطبيق النظام في معظم المنافذ الاتحادية، فإن “منافذ إقليم كردستان لا تزال خارج هذا الإطار، ما يدفع كثراً من التجار من وسط العراق وجنوبه إلى التوجه نحو منافذ كردستان، هرباً من الرقابة والتعقيدات البيروقراطية”.

الفرج يشير إلى مشكلة رئيسية أخرى تقوّض جهود الإصلاح، تتمثل بـ “التفاوت في التعرفة الجمركية بين معابر الإقليم وباقي المحافظات”، والتي تصل في بعض البضائع الى الضعف.

وهذه عقدة أُجريت سلسلة اجتماعات بشأنها بين أربيل وبغداد منذ العام 2017، لكنها ما زالت غير محسومة، وهو ما يدفع الحكومة العراقية الى وضع نقاط جمركية في مناطق حدود سيطرتها مع الإقليم كشمال نينوى، تفرض “تعرفة مالية” إضافية على دخول المواد المستوردة الى باقي المحافظات العراقية.

وينبه الفرج الى أن استمرار هذه الفجوة يمثل “تهديداً مباشراً لأي إصلاح اقتصادي حقيقي”، مطالباً بضم جميع المنافذ إلى نظام جمركي موحد وإغلاق “غير الرسمي” منها بالكامل.

وبشأن فرص تعظيم الإيرادات، يوضح أن استكمال نظام الأتمتة، والربط الإلكتروني مع البنك المركزي، وتوحيد التصريح الجمركي يمكن أن يرفع الإيرادات التي بلغت في العام 2024 نحو تريليونين و131 ملياراً إلى 4 تريليونات دينار سنوياً كحد أدنى.

ويخلص الى القول: “العراق بلد استيرادي بامتياز، ولا يعقل أن تستمر بعض المنافذ خارج سيطرة الدولة إلى هذا الحد، وألا يتم استحصال إيراداتها كما يفترض، وبالتالي الإصلاح الجمركي لم يعد ترفاً بل ضرورة وطنية عاجلة”.

21 تريليون فاقد مالي 

يرسم الخبير الاقتصادي منار العبيدي صورة أكثر قتامة عن حجم الفاقد المالي نتيجة الفوضى في القطاع الجمركي. إذ يقول إن “العراق خسر أكثر من 20 تريليون دينار عراقي (نحو 15 مليار دولار) خلال خمس سنوات فقط، بسبب فساد النظام الجمركي، والتحويلات المالية غير الخاضعة للرقابة في البلاد، الى جانب المنافذ غير الرسمية في كردستان”. 

وتستند تقديرات العبيدي إلى بيانات البنك المركزي، التي تشير إلى أن إجمالي التحويلات للاستيراد بلغ 314 مليار دولار، في حين لم تحصل الدولة سوى على 6.4 مليار دولار كعوائد جمركية – ما يعادل 2 في المئة فقط من الإجمالي.

ويوضح: “لو كانت التعرفة الجمركية المطبقة 7 في المئة كما هو مفترض، لحققت الدولة نحو 29 تريليون دينار، لكن الفاقد الحقيقي بلغ أكثر من 21 تريليون دينار، وهو ما لا يمكن تفسيره بالإعفاءات فقط”.

ويشير إلى ثغرات خطيرة في النظام، منها تحويل مسارات الشحن نحو كردستان، حيث تُجبى الرسوم محلياً ولا تحوّل الى بغداد، فضلاً عن انتشار “الاستيرادات الوهمية، وتزوير الفواتير، وتقليل قيمة الشحنات للتهرب من الرسوم”.

ويحذر العبيدي من تداعيات استمرار تلك الثغرات: “سيبقى العراق في حالة عجز دائم، ويفتح الباب لمزيد من هيمنة القوى المتنفّذة على موارد الدولة”.

كردستان: منافذ بغداد غير قانونية

في مشهد يعكس عمق الأزمة بين بغداد وأربيل، اتهمت مديرية الجمارك في كردستان، في 4 حزيران/ يونيو 2025، هيئة المنافذ الحدودية العراقية بأنها “هيئة غير قانونية أُنشئت للتغطية على الفساد”. 

البيان وصف انتقادات الهيئة للإقليم بأنها “تحركات سياسية تهدف إلى صرف الأنظار عن إخفاق مؤسسات الحكومة الفيدرالية”.

وأضاف البيان أن معابر كردستان “تعمل بنظام إدارة حديثة”، وأن حكومة الإقليم ملتزمة بـ”الشفافية والحوكمة الرشيدة” في إدارة منافذه، في حين يعاني باقي العراق من “فساد وسوء تنظيم”، لافتاً الى أن “الفساد المستشري في المؤسسات الفيدرالية بلغ مستويات خطيرة”، وأن منافذ كردستان “تخضع لإدارة دقيقة تُعنى بجمع الإيرادات بشكل منظم”.

ووصف البيان، موقف هيئة المنافذ العراقية، بأنه هجوم إعلامي “لتضليل الرأي العام” واستهداف كردستان للتغطية على “أزمات داخلية تضرب مؤسسات الدولة المركزية”.

كما رد سامي جلال، مستشار وزارة الداخلية في حكومة إقليم كردستان، على الانتقادات بشأن معابر الإقليم غير الرسمية، قائلاً: “هذه الاتهامات لا أساس لها من الصحة، لا توجد معابر غير رسمية مفتوحة بين الإقليم والدول المجاورة، وقد أغلقنا 20 معبراً غير رسمي منذ عام 2007 بقرار من قيادة المنطقة الأولى لحرس الحدود العراقي”.

وأوضح جلال أن المنافذ الرسمية المعترف بها من الطرفين، تشمل (إبراهيم الخليل، حاج عمران، برويزخان، باشماخ، إلى جانب مطاري أربيل والسليمانية الدوليين). 

وأضاف: “لدينا أيضا 6 منافذ معترف بها من الإقليم فقط، وقد أجرينا مباحثات موسعة منذ سنوات مع الحكومة الاتحادية لتحويلها إلى منافذ رسمية مشتركة، لكننا لم نتلقَّ رداً حتى الآن، على رغم إرسال كتاب رسمي لأمانة مجلس الوزراء”.

وأشار إلى صدور قرار من مجلس الأمن الوزاري بفتح معبر كلشين الحدودي مع إيران، وتشكيل لجنة لهذا الغرض، لكنها لم تباشر أعمالها بعد. 

ويكرر جمال تأكيده: “لا توجد منافذ غير رسمية خارج سلطة حكومة الإقليم إطلاقاً، وما يحصل الآن هو حرب اقتصادية تستهدف الإقليم، ومن أدواتها إضعاف الحركة التجارية في منافذ كردستان”.

ويربط جلال الاتهامات الحالية بتراكم سياسي، قائلاً: “هذه المواقف هي رد فعل على الاستفتاء الذي أجراه الإقليم (استفتاء الانفصال الذي أُجري في العام 2017) وأحداث 16 أكتوبر (فرض القوى الأمنية والعسكرية للحكومة الاتحادية سيطرتها على كركوك بعدما كانت تدار من البيشمركة) وفشل محاولات السيطرة العسكرية على كردستان، تبعها فرض سيطرات جمركية وتطبيق قرار 13 لتوحيد التعرفة الجمركية”.

وتابع: “مع بداية عمل التشكيلة الحكومية التاسعة للإقليم (في العام 2019)، تصاعدت هذه الحرب الاقتصادية ضدنا، والمفاوضات مستمرة منذ عام 2017. وفي عام 2023 توصلنا إلى اتفاقات، لكن الطرف الاتحادي تراجع عنها فجأة، وأصر على فرض السيطرة الميدانية على المنافذ، خلافاً للدستور”.

وأشار جلال إلى أن “الإيرادات تسلم كاملة إلى الحكومة الاتحادية، وكل دينار يدخل خزينة الإقليم يتم إبلاغها به، عبر ميزان مراجعة شهري من وزارة المالية، يتضمن الإيرادات والنفقات كافة”، واعتبر أن “ادعاء عدم إرسال الإيرادات غير صحيح”.

لكن بعض تلك المعلومات تتقاطع مع ما تورده قوى المعارضة الكردية، كما مع تفاصيل الاتفاق بين بغداد وأربيل الذي أقره مجلس الوزراء العراقي في 17 تموز/ يوليو 2025، والذي حسم مشكلة إعادة دفع رواتب موظفي كردستان، حيث وافق الإقليم على دفع 120 مليار دينار الى بغداد بعدما كانت تُسلم أقل من 50 ملياراً في الأشهر الأربعة الأولى من العام.

يقول علي حمه صالح، النائب بالبرلمان الكردستاني عن حركة “الموقف”، إن العائدات غير النفطية للإقليم تتراجع، لأن هناك قوى حزبية على الأرض تستحصل بصورة غير رسمية مبالغ من التجار مقابل إدخال مواد مختلفة من لحوم وسجائر ومشروبات، من دون دفع الجمارك، عبر طرق تعرف في كردستان بـ”خطوط التنسيق”.

وبشأن العائدات غير النفطية، يقول صالح، في تصريحات متكررة، إن آلاف الشاحنات المحملة بالنفط ومشتقاته، تنقل بصورة علنية وعبر الطرق الرئيسية حمولاتها الى خارج الإقليم، مبيناً أنه خلال 28 شهراً تم بيع 258 مليون برميل نفط، لكن دولاراً واحداً من عائداتها لم تصل الى خزينة وزارة مالية الإقليم. 

ويؤكد أن “الطن الواحد من النفط المنتج في كردستان يباع بنحو 270 دولاراً، أي أن سعر برميل النفط الواحد يباع بـ35 دولاراً أو أقل بقليل، وبفارق 30 دولاراً عن السعر العالمي”.

ويوجه صالح خطابات يومية الى الشارع الكردي، متسائلاً عن “مصير تلك الأموال” إذا لم تكن تصل الى مالية كرستان؟. ويقول: “هي تنتهي الى جيوب الشركات الحزبية، فيما لا يحصل المواطن حتى على راتبه”.

في سياق متصل بمشكلة الفشل في استحصال الرسوم، أصدرت هيئة المنافذ الحدودية الاتحادية، في 6 حزيران/ يونيو 2025، توصيات تهدف الى تعزيز الرقابة وتعظيم الإيرادات، عبر جباية الرسوم الفعلية، ومنع التلاعب، وتفعيل الحوكمة الإلكترونية، وتدقيق الفواتير وربطها بالجهات المالية والرقابية للكشف عن الشركات المشبوهة، مع إحالتها إلى مكتب مكافحة غسل الأموال.

كما شددت الهيئة على ضرورة تطبيق قرارات الحكومة الاتحادية على منافذ كردستان، لضمان توحيد الرسوم، وتفعيل خلايا استخبارية داخل المنافذ لرصد مظاهر الفساد. 

الفساد وتعدّد مراكز القرار

على الرغم من الخطوات الحكومية لتعزيز الرقابة الحدودية وتوحيد الإجراءات على المنافذ، تبقى المشكلة الجوهرية متمثلة في غياب السيطرة الحكومية الكاملة على بعض المنافذ، نتيجة نفوذ قوى حزبية واستغلالها لتحقيق أرباح كبيرة.

ووفقاً لعضو لجنة الاقتصاد والاستثمار النيابية، كاظم الشمري، تخضع بعض المنافذ لنفوذ قوى سياسية داخل مجلس النواب وخارجه، ما يعرقل أي مسار إصلاحي جاد، في ظل تضارب المصالح وتعدد مراكز القرار.

ويوضح أن الإصلاح يتطلب اتخاذ سلسلة خطوات، “أولها القضاء على ظاهرة المنافذ غير الرسمية، وتمكين الدولة من بسط سلطتها عليها”، وهذا يحتاج الى إرادة وطنية.

ويخلص الى القول، إن “الفساد المستشري حالياً يجعل الإيرادات المتحققة من المنافذ لا تتجاوز  الــ3 في المئة من الموازنة العامة الاتحادية، مقارنة بما يمكن أن تحققه، وهو 20 في المئة إذا ما ضُبطت بالكامل”.

مشكلة عائدات المعابر المهدورة لا ترتبط بإقليم كردستان فقط، كما يؤكد نواب وباحثون، بل بباقي مناطق البلاد، بخاصة في موانئ ومنافذ البصرة جنوباً، حيث تسيطر قوى حزبية على بعض مفاصل إدارتها، وتحقق مبالغ كبيرة من عمليات تلاعب وتهريب.

فقد كشفت وثيقة صادرة من شركة تسويق النفط الحكومية “سومو” بتاريخ 27 تموز/ يوليو 2025، عن رصد “أنشطة مشبوهة لناقلات نفط تعمل داخل المياه الإقليمية العراقية، تتضمن تزييف بيانات نظام تحديد الهوية الآلي (AIS Spoofing) وعمليات نقل نفط غير مصرح بها”.

وحذرت الشركة من استخدام “تقنيات متقدمة للتلاعب ببيانات نظام تحديد الهوية الآلي بهدف إخفاء المواقع الحقيقية لناقلات النفط أو تغيير مساراتها، بالإضافة إلى تأخير الإفصاح عن معلومات الشحنات وجهاتها”، مشيرة الى احتمالية ارتكاب ممارسات غير قانونية، منها التلاعب بأنظمة التتبع وعمليات نقل غير مصرح بها تعرف باسم “التحويلات المظلمة” (Dark Ship-to-Ship Transfers) التي تتم في عرض البحر.

ووفق متخصصين، مثل الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي، فإن ما أشارت إليه “سومو”، ربما يرتبط بعمليات تهريب للنفط الأسود من العراق إلى الإمارات، ومن خلال منح وكالات لجهات معينة (مثل المصانع الإنشائية المحلية) لشراء تلك المواد بالسعر الرسمي المدعوم، لتعود وتبيعها الى شركات ثانوية تنقلها عبر الصهاريج الى موانئ عراقية ومن ثم عبر الناقلات إلى ميناء جبل علي في الإمارات.

يؤكد باحثون، أن تلك الأموال المهدورة والمقدرة بعشرات تريليونات الدنانير سنوياً، والتي لا تدخل موازنة الدولة، لا تساهم في خطط البناء والتنمية الوطنية، لكنها تُضخم قدرات قوى سياسية وتساهم في بناء “إمبراطوريتها المالية” على حساب الشعب.

أنجزت المادة تحت إشراف الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية “نيريج”