ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

مغتربون لبنانيون خلال الحرب.. الجسد في “الخارج” والقلب والعقل في لبنان

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

من لم تطاوله الحرب بشكل مباشر، فهو يموت في النهار “ألف موتة” خوفاً على أهل وأحباء وأصدقاء هجرتهم الحرب الإسرائيلية من بيوتهم التي بنوها بعرق جبينهم حجراً حجراً، وباتوا نازحين إما في المدارس من دون أدنى مقومات الحياة، وإما مقيمين في العراء. 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

“أنا عايشة ومش عايشة، جسمي هون بكندا وراسي وقلبي وعقلي بلبنان، جعلتني هذه الحرب تائهة ومشوشة، أحياناً أنسى عائلتي الصغيرة لأتابع الصور والفيديوات الواردة من لبنان، والتي توثق الدمار والخراب وقتل المدنيين. لا أستطيع الاستغناء عن هاتفي ولو للحظة واحدة، ففي كل لحظة أرغب في أن أطمئن على أهلي وأحبائي في لبنان”، هكذا توصّف شارلان مخول حالها في كندا في ظل الحرب الإسرائيلية على لبنان. 

يعتقد كثر من المواطنين اللبنانيين الذين يعانون من مآسي الحرب الشرسة التي تشنّها إسرائيل على لبنان، أن أقرانهم المهاجرين والمغتربين قسرياً في كثير من الأحيان، في منأى عما يحصل في بلدهم الأم.

“الاتهام” بعيد كل البعد عن الحقيقة، نظرة خاطفة على مواقع التواصل الاجتماعي كفيلة بأن تؤكد أن المغتربين الذين أبعدتهم الحروب المتتالية والأزمات الاقتصادية والاجتماعية عن لبنان، يعانون الألم والأسى ذاتهما اللذين يعاني منهما اللبنانيون المقيمون. إذ إن تلك الصفحات تحفل بفيديوات وصور توثّق العلاقة الوثيقة بين اللبناني المغترب والحرب الدائرة، فمنهم من هُدم بيته بالكامل ومنهم من شاهد عن بعد تدمير قبور والديه وأحبائه، ومنهم من بكى قهراً على أسواق تجارية أثرية حفظ أسماء ومحلات فيها عن ظهر قلب، وحفرت في ذاكرته صوراً لا يمكن للغربة أن تمحوها. 

ومن لم تطاوله الحرب بشكل مباشر، فهو يموت في النهار “ألف موتة” خوفاً على أهل وأحباء وأصدقاء هجرتهم الحرب الإسرائيلية من بيوتهم التي بنوها بعرق جبينهم حجراً حجراً، وباتوا نازحين إما في المدارس من دون أدنى مقومات الحياة، وإما مقيمين في العراء. 

من دون أن ننسى أولئك المقيمين بالقرب من المناطق التي تُقصف بشكل يومي، والذين تنهال عليهم اتصالات الأهل والأصدقاء من الخارج للاطمئنان عليهم، أحياناً في اللحظة عشرات المرات.

الوجع الأكبر والأعمق الذي يعاني منه اللبنانيون في الخارج، هو موت أحبتهم من دون توافر الفرصة لرؤيتهم ووداعهم والقيام بالواجب تجاههم، وهذا الوجع لا يمكن أن يوازيه وجع آخر في هذه الحرب، التي خطفت حتى الآن أرواح أكثر من 3000 شخص وأصابت أكثر 14000 بجروح مختلفة وإعاقات دائمة في أحيان كثيرة.

شارلان مخول (42 عاماً)، مغتربة لبنانية حصلت على الجنسية الكندية منذ فترة قصيرة، هي التي كانت تأبى كلياً أن تغادر بلدها لبنان بسبب تعلقها الشديد به وبناسه وبأهلها وأصدقائها، أجبرتها الظروف على الهجرة الى كندا.

 شارلان التي عاشت في طفولتها موجات متكررة من النزوح القسري والاختباء في الملاجئ جراء الحروب المتتالية التي شهدها لبنان في فترة الثمانينيات والتسعينيات، تعاني الأمرّين في غربتها في ظل الحرب الإسرائيلية العدوانية على لبنان، فمن جهة جعلتها هذه الحرب تستعيد لحظات صعبة عاشتها وهي صغيرة، ومن جهة أخرى تعيش توتراً كبيراً وخوفاً على أهلها في لبنان.

أما هيام مبارك (43 عاماً)، التي هاجرت الى فرنسا منذ نحو الخمس عشرة سنة، وحصلت خلالها على الجنسية الفرنسية، تصف شعورها في الغربة خلال هذه الحرب بالصعب جداً، في ظل الخطر الذي يهدد ليس عائلتها وأهلها فقط وإنما أيضاً جميع اللبنانيين بمختلف أطيافهم، والخوف الشديد والدائم الذي لا يفارقها، بالإضافة الى الإحساس بالتقصير والذنب، فيما يعاني المواطنون اللبنانيون أقسى الظروف من قصف لبيوتهم وتهجيرهم منها وغياب أدنى مقومات الحياة. 

مع كل تلك الهواجس، تتساءل هيام: ” كيف لي أن أعيش مطمنئة البال في ظل هذه الأيام الصعبة، فعلى رغم بعدي عن بلدي، إلا أنني أعيش هذه الحرب بكل تفاصيلها”. وتضيف: “في العادة، ليس لدي الوقت لاستخدام الهاتف خلال النهار إلا للأمور الطارئة، لكن في الوقت الحالي هو الوسيلة الوحيدة لمعرفة آخر المستجدات والاطمئنان على الأهل والأصدقاء”، لافتة “ما بشيل التلفون من إيدي طول النهار، حتى خلال الليل بعيش بقلق دايم، بنام شوي وبوعا وبرجع اطلع على التلفون. أعيش كابوساً أتمنى الخروج منه بأسرع وقت ممكن”.

تلفت هيام: “أشعر بغصة كبيرة كلما أشاهد الناس هنا في فرنسا يعيشون حياة طبيعية مستقرة وهانئة، لا حرب تعكر صفوهم، ولا قلق يعتريهم من المستقبل، وأتساءل في نفسي: هلى قدرنا نحن اللبنانيين أن نولد في الحرب ونموت في الحرب، هل قدرنا أن نتعايش مع القهر والخوف وعدم الاستقرار؟!”.    

دانا، (35 عاماً) مقيمة حالياً في أفريقيا مع زوجها وابنتها، وهي من بلدة الحوش الجنوبية، تقول إنها عانت الأمرّين في بداية الحرب الإسرائيلية، لا سيما وأن ابنتها لا تزال صغيرة جداً، إذ اضطرت لترك بيتها بشكل فوري بعد اشتداد القصف، وظلت وعائلتها ساعات طويلة جداً عالقين على الطريق.

تصف تجربتها هذه بالمرعبة، بالتزامن مع الغارات القريبة التي كانت تشنها إسرائيل. وتلفت الى أنها نزحت الى بيروت بعدها لتواجه ما لن تنساه في حياتها، ألا وهو يوم استهداف حسن نصرالله، حيث ارتجّ المكان حيث يوجدون.

وبعد تهديد المبنى الذي لجأت إليه مع عائلتها، والكائن في منطقة الروشة، تم تهديده بالقصف، فما كان منهم إلا السفر الى أنغولا في أفريقيا مع كل ما حملت هذه الرحلة من مصاعب، ويحزّ في قلبها أنها لم تستطع توديع أهلها، فيما تعرّض منزلها للحوش للدمار. 

وختمت دانا قائلة، إنها على الرغم من وجودها بعيداً عن الحرب، إلا أنها تعاني من التوتر الشديد والخوف على من تحب في لبنان، وهذا الشعور بالنسبة إليها لا يمكن اختصاره بأي كلام. 

” كيف لي أن أعيش مطمنئة البال في ظل هذه الأيام الصعبة، فعلى رغم بعدي عن بلدي، إلا أنني أعيش هذه الحرب بكل تفاصيلها”.

هجرة قسرية

كان للحروب الإسرائيلية والأزمات المتتالية التي شهدها لبنان على مر السنوات تأثير كبير على اللبنانيين بأطيافهم وطوائفهم كافة، ما أجبرهم على ترك بلدهم الأم والهجرة الى بلدان أكثر أمناً وأماناً، منها كندا وأوستراليا وفرنسا. 

فمثلاً، بين عام 2005، السنة التي اغتيل فيها رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، وعام 2006 الذي شنت إسرائيل خلاله الحرب على لبنان، وتحديداً في شهر تموز/ يوليو،  بلغ عدد الذين غادروا لبنان، بحسب تقرير لـ”الدولية للمعلومات”، نحو 45 ألفاً. كما كشف التقرير نفسه أن 257,852 شخصاً غادروا لبنان خلال الأعوام 2017-2022 بفعل الأزمة الاقتصادية وتدهور سعر صرف الليرة اللبنانية وضياع ودائع اللبنانيين في المصارف اللبنانية وتذويبها، ناهيك بانفجار مرفأ بيروت الذي شكل القشة التي قصمت ظهر البعير. 

من دون أن ننسى اللبنانيين الذي قرروا العودة إلى لبنان في السنوات الأخيرة على رغم كل الظروف الصعبة، فأجبرتهم الحرب الحالية على العودة أدراجهم الى البلدان التي يحملون جنسيتها، ناهيك بلجوء المئات الى بلدان مجاورة ممن لا يحملون جنسية أخرى، بانتظار العودة مجدداً الى لبنان ريثما تنتهي الحرب.

ما سبق يشير إلى أن المغتربين اللبنانيين في معظمهم لم يقصدوا بلداناً أخرى بفعل رغبة أو ترف وإنما بسبب ما يحل ببلدهم من حروب مدمرة وأزمات اقتصادية تسببت بها زمرة حاكمة سرقت الأخضر واليابس الى أن وصلت الى نهب جنى أعمارهم. 

واليوم يقع هؤلاء المغتربون بين نار الغربة التي تأكل سنوات من عمرهم ليجدوا بعد سنوات طويلة أنهم أمضوا معظم سنوات عمرهم شوقاً وبعداً عمن يحبون، فيشعرون بغربتين، الأولى غربة في المنفى والثانية الغربة عن البلد الأم، حيث غياب القوانين والفوضى والفساد الذي ينخر “عظام” الدولة اللبنانية بكل ما فيها. أما حالياً، فنار الحرب الدائرة على أرض لبنان تلتهم عقولهم وقلوبهم قهراً وحزناً على كل ما حلّ به وبأهله من خراب ودمار، فكل ما يشاهدونه وراء الشاشة الصغيرة وعلى مواقع التواصل يعنيهم، يكون أشدّ وطأة عليهم أحياناً ممن يعيشه على أرض الواقع، خصوصاً موت الأحبة والأصدقاء. وهؤلاء إن نجوا في الغربة من قصف أو موت تحت الركام، فلن ينجوا من الخوف على عائلاتهم وأحبائهم.

20.11.2024
زمن القراءة: 5 minutes

من لم تطاوله الحرب بشكل مباشر، فهو يموت في النهار “ألف موتة” خوفاً على أهل وأحباء وأصدقاء هجرتهم الحرب الإسرائيلية من بيوتهم التي بنوها بعرق جبينهم حجراً حجراً، وباتوا نازحين إما في المدارس من دون أدنى مقومات الحياة، وإما مقيمين في العراء. 

“أنا عايشة ومش عايشة، جسمي هون بكندا وراسي وقلبي وعقلي بلبنان، جعلتني هذه الحرب تائهة ومشوشة، أحياناً أنسى عائلتي الصغيرة لأتابع الصور والفيديوات الواردة من لبنان، والتي توثق الدمار والخراب وقتل المدنيين. لا أستطيع الاستغناء عن هاتفي ولو للحظة واحدة، ففي كل لحظة أرغب في أن أطمئن على أهلي وأحبائي في لبنان”، هكذا توصّف شارلان مخول حالها في كندا في ظل الحرب الإسرائيلية على لبنان. 

يعتقد كثر من المواطنين اللبنانيين الذين يعانون من مآسي الحرب الشرسة التي تشنّها إسرائيل على لبنان، أن أقرانهم المهاجرين والمغتربين قسرياً في كثير من الأحيان، في منأى عما يحصل في بلدهم الأم.

“الاتهام” بعيد كل البعد عن الحقيقة، نظرة خاطفة على مواقع التواصل الاجتماعي كفيلة بأن تؤكد أن المغتربين الذين أبعدتهم الحروب المتتالية والأزمات الاقتصادية والاجتماعية عن لبنان، يعانون الألم والأسى ذاتهما اللذين يعاني منهما اللبنانيون المقيمون. إذ إن تلك الصفحات تحفل بفيديوات وصور توثّق العلاقة الوثيقة بين اللبناني المغترب والحرب الدائرة، فمنهم من هُدم بيته بالكامل ومنهم من شاهد عن بعد تدمير قبور والديه وأحبائه، ومنهم من بكى قهراً على أسواق تجارية أثرية حفظ أسماء ومحلات فيها عن ظهر قلب، وحفرت في ذاكرته صوراً لا يمكن للغربة أن تمحوها. 

ومن لم تطاوله الحرب بشكل مباشر، فهو يموت في النهار “ألف موتة” خوفاً على أهل وأحباء وأصدقاء هجرتهم الحرب الإسرائيلية من بيوتهم التي بنوها بعرق جبينهم حجراً حجراً، وباتوا نازحين إما في المدارس من دون أدنى مقومات الحياة، وإما مقيمين في العراء. 

من دون أن ننسى أولئك المقيمين بالقرب من المناطق التي تُقصف بشكل يومي، والذين تنهال عليهم اتصالات الأهل والأصدقاء من الخارج للاطمئنان عليهم، أحياناً في اللحظة عشرات المرات.

الوجع الأكبر والأعمق الذي يعاني منه اللبنانيون في الخارج، هو موت أحبتهم من دون توافر الفرصة لرؤيتهم ووداعهم والقيام بالواجب تجاههم، وهذا الوجع لا يمكن أن يوازيه وجع آخر في هذه الحرب، التي خطفت حتى الآن أرواح أكثر من 3000 شخص وأصابت أكثر 14000 بجروح مختلفة وإعاقات دائمة في أحيان كثيرة.

شارلان مخول (42 عاماً)، مغتربة لبنانية حصلت على الجنسية الكندية منذ فترة قصيرة، هي التي كانت تأبى كلياً أن تغادر بلدها لبنان بسبب تعلقها الشديد به وبناسه وبأهلها وأصدقائها، أجبرتها الظروف على الهجرة الى كندا.

 شارلان التي عاشت في طفولتها موجات متكررة من النزوح القسري والاختباء في الملاجئ جراء الحروب المتتالية التي شهدها لبنان في فترة الثمانينيات والتسعينيات، تعاني الأمرّين في غربتها في ظل الحرب الإسرائيلية العدوانية على لبنان، فمن جهة جعلتها هذه الحرب تستعيد لحظات صعبة عاشتها وهي صغيرة، ومن جهة أخرى تعيش توتراً كبيراً وخوفاً على أهلها في لبنان.

أما هيام مبارك (43 عاماً)، التي هاجرت الى فرنسا منذ نحو الخمس عشرة سنة، وحصلت خلالها على الجنسية الفرنسية، تصف شعورها في الغربة خلال هذه الحرب بالصعب جداً، في ظل الخطر الذي يهدد ليس عائلتها وأهلها فقط وإنما أيضاً جميع اللبنانيين بمختلف أطيافهم، والخوف الشديد والدائم الذي لا يفارقها، بالإضافة الى الإحساس بالتقصير والذنب، فيما يعاني المواطنون اللبنانيون أقسى الظروف من قصف لبيوتهم وتهجيرهم منها وغياب أدنى مقومات الحياة. 

مع كل تلك الهواجس، تتساءل هيام: ” كيف لي أن أعيش مطمنئة البال في ظل هذه الأيام الصعبة، فعلى رغم بعدي عن بلدي، إلا أنني أعيش هذه الحرب بكل تفاصيلها”. وتضيف: “في العادة، ليس لدي الوقت لاستخدام الهاتف خلال النهار إلا للأمور الطارئة، لكن في الوقت الحالي هو الوسيلة الوحيدة لمعرفة آخر المستجدات والاطمئنان على الأهل والأصدقاء”، لافتة “ما بشيل التلفون من إيدي طول النهار، حتى خلال الليل بعيش بقلق دايم، بنام شوي وبوعا وبرجع اطلع على التلفون. أعيش كابوساً أتمنى الخروج منه بأسرع وقت ممكن”.

تلفت هيام: “أشعر بغصة كبيرة كلما أشاهد الناس هنا في فرنسا يعيشون حياة طبيعية مستقرة وهانئة، لا حرب تعكر صفوهم، ولا قلق يعتريهم من المستقبل، وأتساءل في نفسي: هلى قدرنا نحن اللبنانيين أن نولد في الحرب ونموت في الحرب، هل قدرنا أن نتعايش مع القهر والخوف وعدم الاستقرار؟!”.    

دانا، (35 عاماً) مقيمة حالياً في أفريقيا مع زوجها وابنتها، وهي من بلدة الحوش الجنوبية، تقول إنها عانت الأمرّين في بداية الحرب الإسرائيلية، لا سيما وأن ابنتها لا تزال صغيرة جداً، إذ اضطرت لترك بيتها بشكل فوري بعد اشتداد القصف، وظلت وعائلتها ساعات طويلة جداً عالقين على الطريق.

تصف تجربتها هذه بالمرعبة، بالتزامن مع الغارات القريبة التي كانت تشنها إسرائيل. وتلفت الى أنها نزحت الى بيروت بعدها لتواجه ما لن تنساه في حياتها، ألا وهو يوم استهداف حسن نصرالله، حيث ارتجّ المكان حيث يوجدون.

وبعد تهديد المبنى الذي لجأت إليه مع عائلتها، والكائن في منطقة الروشة، تم تهديده بالقصف، فما كان منهم إلا السفر الى أنغولا في أفريقيا مع كل ما حملت هذه الرحلة من مصاعب، ويحزّ في قلبها أنها لم تستطع توديع أهلها، فيما تعرّض منزلها للحوش للدمار. 

وختمت دانا قائلة، إنها على الرغم من وجودها بعيداً عن الحرب، إلا أنها تعاني من التوتر الشديد والخوف على من تحب في لبنان، وهذا الشعور بالنسبة إليها لا يمكن اختصاره بأي كلام. 

” كيف لي أن أعيش مطمنئة البال في ظل هذه الأيام الصعبة، فعلى رغم بعدي عن بلدي، إلا أنني أعيش هذه الحرب بكل تفاصيلها”.

هجرة قسرية

كان للحروب الإسرائيلية والأزمات المتتالية التي شهدها لبنان على مر السنوات تأثير كبير على اللبنانيين بأطيافهم وطوائفهم كافة، ما أجبرهم على ترك بلدهم الأم والهجرة الى بلدان أكثر أمناً وأماناً، منها كندا وأوستراليا وفرنسا. 

فمثلاً، بين عام 2005، السنة التي اغتيل فيها رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، وعام 2006 الذي شنت إسرائيل خلاله الحرب على لبنان، وتحديداً في شهر تموز/ يوليو،  بلغ عدد الذين غادروا لبنان، بحسب تقرير لـ”الدولية للمعلومات”، نحو 45 ألفاً. كما كشف التقرير نفسه أن 257,852 شخصاً غادروا لبنان خلال الأعوام 2017-2022 بفعل الأزمة الاقتصادية وتدهور سعر صرف الليرة اللبنانية وضياع ودائع اللبنانيين في المصارف اللبنانية وتذويبها، ناهيك بانفجار مرفأ بيروت الذي شكل القشة التي قصمت ظهر البعير. 

من دون أن ننسى اللبنانيين الذي قرروا العودة إلى لبنان في السنوات الأخيرة على رغم كل الظروف الصعبة، فأجبرتهم الحرب الحالية على العودة أدراجهم الى البلدان التي يحملون جنسيتها، ناهيك بلجوء المئات الى بلدان مجاورة ممن لا يحملون جنسية أخرى، بانتظار العودة مجدداً الى لبنان ريثما تنتهي الحرب.

ما سبق يشير إلى أن المغتربين اللبنانيين في معظمهم لم يقصدوا بلداناً أخرى بفعل رغبة أو ترف وإنما بسبب ما يحل ببلدهم من حروب مدمرة وأزمات اقتصادية تسببت بها زمرة حاكمة سرقت الأخضر واليابس الى أن وصلت الى نهب جنى أعمارهم. 

واليوم يقع هؤلاء المغتربون بين نار الغربة التي تأكل سنوات من عمرهم ليجدوا بعد سنوات طويلة أنهم أمضوا معظم سنوات عمرهم شوقاً وبعداً عمن يحبون، فيشعرون بغربتين، الأولى غربة في المنفى والثانية الغربة عن البلد الأم، حيث غياب القوانين والفوضى والفساد الذي ينخر “عظام” الدولة اللبنانية بكل ما فيها. أما حالياً، فنار الحرب الدائرة على أرض لبنان تلتهم عقولهم وقلوبهم قهراً وحزناً على كل ما حلّ به وبأهله من خراب ودمار، فكل ما يشاهدونه وراء الشاشة الصغيرة وعلى مواقع التواصل يعنيهم، يكون أشدّ وطأة عليهم أحياناً ممن يعيشه على أرض الواقع، خصوصاً موت الأحبة والأصدقاء. وهؤلاء إن نجوا في الغربة من قصف أو موت تحت الركام، فلن ينجوا من الخوف على عائلاتهم وأحبائهم.