ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

مفارقات “الحياة اليومية لمرتكبي الإبادة”!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

“من هم أولئك القادرون على القتل في سوريا؟ ما الذي يدور في عقولهم وفي حياتهم لتفسير أفعالهم؟”.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

البندقيةُ سريعةٌ كالجفن
والزنادُ الوحشي هادئٌ أمام العينين الخضراوين

القتل- محمد الماغوط (مجلّة شعر عـ 6، 1958)

أصدر الباحث والمحلّل النفسي الفرنسي ريشارد ريتشمان في عام 2015، كتاب “الحياة اليومية لمرتكبي الإبادة “، ريتشمان الذي عمل لأكثر من 30 عاماً مع الناجين من الإبادات الجماعية من مختلف أنحاء العالم، يحاول أن “يقرأ” حياة مرتكبي القتل الجماعي وتفاصيلهم اليومية، ولا نقصد القتل بشكله الجنائي بهدف السرقة أو الانتقام الفردي، بل ذاك القتل الإبادي، التطهيري، الذي يستهدف جماعة ذات “حياة” لا تستحقّ أن تُعاش.

الشهادات المتنوّعة في الكتاب وتحليلها، تُلخّص بمحاولة الإجابة عن سؤال: “من هم أولئك القادرون على القتل؟ ما الذي يدور في عقولهم وفي حياتهم لتفسير أفعالهم؟”، ويشير إلى أن غيابهم العلني، أي القتلة، أو الجهل بهم “يدفعنا إلى التخيّل وبناء حيواتهم من أجل إعطاء معنى”، وعادة “ما يكون التفسير باثولوجياً/ مرضياً”.

أثناء محاولات  الإجابة عن السؤال، تمرّ عبارة في مقدّمة الكتاب، على لسان ريتشمان عبارة “الأيديولوجيا لا تقتل، بل البشر”، والسؤال عن هوّيات “هؤلاء”، يفسّر عنوان الكتاب الذي لا يبحث في الأيديولوجيا أو الأمراض النفسية، بل يوظّف مفهوم “الحياة اليومية” لفهم أولئك الذين يقتلون دون أن يرتجف لهم جفن، ولا نقصد الانغماسيين، بل من يقتل، ويعود لـ”يتابع حياته”، لكنّ السؤال نفسه يفتح الباب على تقسيم بين “نحن الذين لا نقتل”، و”أولئك الذين يقتلون”، وكأن “نحن” ذات خصائص أو تكوين فكري/ عاطفي/ لغوي، لا تجعل خيار القتل الجماعي حاضراً في تصوّرهم عن العلاقة مع الآخر.

التشابه والتصنيف في سوريا

التقسيم السابق (قتلة/ لا قتلة) يُحيلنا إلى سوريا في زمن الإدارة الانتقالية، وأشكال القتل الجماعي التي يُمارسها أفراد، وتحتفي به جموع تتبنّى هوّية “نيو أموية” وهمية، وخطاب مظلومية أعمى، وتحتفل بالقتل، ومزيج من الرموز الإسلاموية، لكنّ أبرز العبارات  التي تكرّرت  هي “الإدارة الجديدة تُشبهنا”، العبارة الغريبة لم تفسّر، فمن “هم” الذين يتشابهون مع “السلطة”؟ وما هي أوجه الشبه؟

مجازر الساحل ومجازر السويداء وحملات الاغتيال المعنوي التي يمارسها “ناشطو الدولة”، كشفت بدقّة عن شكل التشابه المرجوّ، من لا ينصاع لإرادة “الدولة الجديدة” ولا يتشابه معها، هو محطّ القتل، المادّي أو الرمزي، التشابه إذاً، شكل من أشكال الولاء، ولا يعني فقط استهلاك رموز السلطة واستعراضها، بل “قتل” الآخر الذي يرفض التشابه، ناهيك بالتمسّك بـ”الدولة” التي نظرياً مهمّتها، حصر السلاح، أي تجريد القتلة من أدوات القتل المعاصرة التي يتباهون بها.

التشابه يتحرّك بين أشدّ المعاني ابتذالاً، تقليد قصّة شعر أحمد الشرع وطقومه، وصولاً إلى نزع المعاني التي تحملها رموز معروفة كراية “داعش” و”جبهة النصرة”، وارتداء تي شيرتات “أمويّة”، التشابه قائم على إعادة إنتاج الرموز لخلق “الجماعة” وحدود اختلافها عن “الآخرين”، وأطيافهم المستحقّة لأشكال متنوّعة من الاغتيال والتهجير ونزع الملكيّة، تدمير الرموز التي يحتفون بها علناً وإذلالاً (حلق شوارب المشايخ الدروز هي المثال الأوضح).

التشابه هنا ضدّ الفردانية وسبيل الدخول في الحشد، والتماهي مع “الكلّ”، والعمه عن تلاشي “الأفراد” حدّ القتل، نحن أمام خلق إجماع جديد حول الرموز والحكايات، حدّ إنكار الحقائق، الهمّ اليومي والمُعاش يتلاشى على حساب الرمز، ومن يرفض، أو ينتقد “يُقتل” لأنه لا يتشابه مع الحشد الإبادي المتفائل! 

القتل الذي يمارَس بحقّ جماعات سورية عبر حشود مسلّحة، هو الأشدّ تمكيناً لسطوة التشابه، يُفني “الآخر” ويحقّر من بقي حياً عبر حيونته عواء، ونزع إنسانيته استكلاباً وخنزرة، أي يُباح قتله لأنه” لا يُشبهنا”، لكن نعود للسؤال، من هم هؤلاء القتلة؟

هل هم “وحوش”؟

حكايات القتلة السوريين دخلت التاريخ عبر المحاكمات التي أُقيمت في أوروبا ضدّ مجرمي الحرب الفارّين، نحن أمام جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية، وُثّقت بلسان مرتكبيها أمام القضاء، وربما أقساها هي شهادة الطبيب علاء موسى، الذي حُكم بالسجن المؤبّد في ألمانيا.

لكن، في “سوريا الجديدة”، لا شهادات بعد على ألسنة القتلة، هناك فقط وصف الضحايا لقاتليهم، حيث تتكرّر كلمة “وحوش” أو “وحش”، وإن سحبنا الكلمة من سياقها اليومي نحو النظرية السياسية، فتُحيلنا إلى كائن عصيّ على الترويض، خارج السيادة كونه لا ينصاع لها عنفاً أو ترويضاً، الوحش خارج العقد الاجتماعي، مُنفلت من “السلطة” ويتحرّك خارج “الدولة،” وهذا الوحش لا يعترف بـ”الآخر” أياً كان، لا ندّاً ولا قريناً.

الوحش/ القاتل يتجاوز أساليب التعاقد الأيديولوجي والوطني، وهذا يتّضح بدقّة في تسجيل الإعدام الميداني الشهير في السويداء، حيث سأل القاتل ضحيّته “أيش يعني سوري؟”، ضرب السؤال قبل القتل عمق الانتماء والهوّية الوطنية السابقة واللاحقة، والمرعب، أن الآخر الضحيّة لم يكذب لينجو بنفسه، لم يختر الجواب الأسلم، بل اختار ما يمكن أن يجمعه مع من يوجه إليه، سوريا!

خيار الضحيّة السابق،  يدفعنا إلى إعادة النظر بعبارة الفرنسي ألبير كامو”لم أرَ أحداً مات من أجل إشكاليّة أنطولوجية”، في إشارة إلى حقائق الكون الكبرى ككروية الأرض أو تسطيحها، لكن وفي سياق القتل في سوريا، هل سؤال “أيش يعني سوري؟” سؤال أنطولوجي؟ والتباس الإجابة قد يؤدّي إلى القتل؟ نعم، لأن الجدل لم يكن حول هل هو سوري أو غير سوري، بل هل تُشبهنا أم لا تُشبهنا؟ هل ولدت خنزيراً أم أموياً؟

الملاحظ في القتل الطائفي في سوريا هو نزع الوطنية عن الضحيّة، سوريته لا تنقذ حياته ولا تشفع له (الوهم الذي عاشه الكثيرون) ولا نقصد على مستوى الصراع السياسي على شكل الحكم، بل على مستوى القتل اليومي القائم على المواجهة، قتل في الشوارع وعلى الأرصفة وفي البيوت، والمفارقة الأشدّ، أن أصابع الاتّهام كانت موجّهة إلى “المقاتلين الأجانب”، ضمن معادلة، من يقتل ليس بسوري و”لا يُشبهنا”، لكن مع انتشار الفيديوهات والتسجيلات التي يبثّها القتلة، أصبح سؤال المقاتلين الأجانب ساخراً، فمن يقتل يتحدّث عربية سورية تتنوّع بلاغتها ولهجاتها.

الإبادي الإنفلونسر

الإجابة عن الأسئلة حول “الحياة اليومية لمرتكبي الإبادة” كانت أشبه بلغز، لأن مصدرها المحاكمات والشهادات الطبّية والاعترافات، لا المراقبة المخبرية شبه المستحيلة. بصورة ما، كانت التفاصيل تتّضح خارج سياق القتل نفسه و”الحياة اليومية”.

 لكن اليوم، نحن أمام القاتل – الإنفلونسر، منذ مجازر الساحل مروراً بالسويداء “يوميات القتلة” تُبثّ بصورة مباشرة، هم أنفسهم يستعرضون القتل، ورحلات في السيّارات من مجزرة إلى أخرى، وسخرية وتهكّماً من المدن المنكوبة، وتوثيقاً للقتل في لحظته، ونشر  لحظات مختلفة مما قبله أو بعده، كشرب العصير، والغناء،  الزمن بين القتل واكتشافه لم يعد طويلاً، بل شبه آني.

 نرى القاتل يلهو، يُهين، و”يصنع محتوى”، وأحياناً يسبح ويمارس أنشطة رياضية، القاتل يخاطب جمهوراً، نحن أمام فعل واعٍ بأن يكون القاتل معروفاً، ملامحه واضحة، القتل إذاً حدث يومي، غير استثنائي، وكأن لا جديد فيه!

لكن لا إجابة إلى الآن، من هم هؤلاء الذين يُشبهون السلطة؟ هنا نرتجل، هم رجال أذاب التستسترون عقولهم، يخطفون، يشتمون، يبصقون، يضربون، ويقتلون، بسطوة الذراع والساعد وأحياناً السيف والبندقيّة، لا يُحدّث هؤلاء ضحاياهم وجهاً لوجه، بل يُذل القاتل “هدفه” على ركبتيه، يحدّق من أعلى بالتوازي مع عدسة الكاميرا، هي تعابير عن القضيبية الموتورة، تطبيق عملي للتحديقة الذكورية.

 لا يرى القاتل “الآخرين” إلا كموضوعات للعنف: خنازير، كلاب، شلكّات، كيوت، هؤلاء هم الذين لا يُشبهون “السلطة”، ذكورة تشتدّ تحت اسم “الدولة” ودفاعاً عنها، رجال مفرطون في رجولتهم، بعضهم لا يمسّ النساء، وآخرون يخطفونهن متاعاً، وكلّ هذا بتواطؤ “الدولة”، عنجهية العنف والقتل تغذّي هذا المتخيّل الفحولي، الذي يمكن القول إنه بدأ منذ أوّل يوم لسقوط النظام، وإلا ما تفسير ركوب الأحصنة في ساحات دمشق وحلب!

المرعب أن بعض القتلة، لم يكونوا ينفّذون “الأوامر”، بعضهم “فزع”، أي تصرّف من تلقاء نفسه، قرّر خوض البادية السورية لا لشيء سوى للقتل والتطهير، جغرافيا الرحلة نفسها تتكشّف في الفيديوهات المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي، القتل لم يكن وليد انفعال عاطفي، بل قرار امتدّ ساعات، وأحياناً أيّاماً للوصول إلى “الآخر”، لم يكن قتلاً للدفاع عن النفس، بل قتل تطهيري، يتجوّل بين المدن السورية ويبثّ مباشرةً لنا.

وثّقت التحقيقات الاستقصائية وصفحات وسائل التواصل الاجتماعي هوّيات القتلة، لكن هل نعرفهم؟ هل نألفهم فعلاً؟ أم استوحشوا؟ والوحشة هنا من المجهول، السؤال قد تكشف الإجابة عنه التناقض بين اليومي والإبادي، وجوابه في الحالة السورية واضح، كون القتلة أنفسهم يعرّفوننا بأنفسهم في سياق القتل ذاته، “التنكّر” المستخدم كالقناع أو زيّ الأمن العامّ، أو عناصر الجيش، وغيرها بلا جدوى، كون القاتل يظهر في صورة سيلفي، هو اختار أن يلتقطها في بعض الأحيان، نحن أمام صورة  للقتل مكوّناتها: “وجه القاتل، وجه الضحيّة، السلاح”، معادلة للرعب والفزع، واختزال القتل في لحظة تتطابق فيها فتحة الكاميرا مع فتحة البندقيّة.

عام 1882، أي بعد عشرين عاماً على ظهور أول صورة فوتوغرافيّة مطبوعة، قام عالم الأحياء، وطبيب القلب، والمهتم بالطيران، الفرنسي إيتيان جولز ماري، بتطوير اختراع باسم “البندقية الكرونو-فوتوغرافية”،

المرعب وما يهدّد “الجميع” هو تساهل سلطات دمشق مع القتلة، وظنّ الكثير من “المتفائلين” بالسلطة الجديدة أن المشكلة قضائية أو قانونية، لكنّنا أمام مشكلة “سلطة”، تلك التي لا تحتكر السلاح، ولا تحوي بيروقراطية قرار، بل رسائل تليغرام، وهي تُطلق العنف وتتركه لهوى حاملي السلاح وفزعتهم.

السلطة إذاً، تُدير التوحّش، ترسم قنوات تفريغ العنف وتوجيهه، لا تضبطه أو تحدّ منه، بالتالي هي لا تمارس سلطتها على السلاح، هي أشبه براعٍ، يحاول ضبط تحرّكات القطيع دون السيطرة كلّياً عليها، يوجّهه حيث عليه أن يجترّ الأرض وما عليها، والمجاز هنا، واقعي، حيث تسبّب الرعي الجائر في تهديد الأمن الغذائي في سوريا بعد انفلات الرعاة في أراضي سهل الغاب!

يعود قتلة سوريا لممارسة حيواتهم اليومية، يركبون سيّارتهم، يأكلون، ربما لبعضهم زوجة/ زوجات وأطفال، إيقاع اليومي، والمبتذل يتداخل مع إيقاع القتل، كلمة “وحش” بمعناها السياسي لا تنطبق، ولا تصوّر مجاهدين في كهوف خارج الحياة المدنية ينفع، نحن أمام قتل صرف يستهدف الأرض، إبادي، لا لأجل البناء، بل لتعطيل أسباب الحياة ومنعها،  فمن يقتل، يتراجع،  لا يستقرّ أو يحتلّ، بل يترك الأرض لمن نجا منها وللمقابر الجماعية!

هلا نهاد نصرالدين - صحافية لبنانية | 16.01.2026

“الإبادة البيئيّة” في سلطنة عمان: من يحمي الحوت الأحدب والنمر العربي من شركات النفط والغاز؟

سلطنة عُمان تحتل المركز الثاني بين أكثر الدول التي تتضمن تراخيص نفط وغاز داخل مناطق محمية معترف بها دوليًا بمساحة تداخل تبلغ نحو 56 ألف كم²، حيث تتقاطع 20 ترخيصًا للنفط والغاز مع 35 منطقة محمية.
11.08.2025
زمن القراءة: 7 minutes

“من هم أولئك القادرون على القتل في سوريا؟ ما الذي يدور في عقولهم وفي حياتهم لتفسير أفعالهم؟”.

البندقيةُ سريعةٌ كالجفن
والزنادُ الوحشي هادئٌ أمام العينين الخضراوين

القتل- محمد الماغوط (مجلّة شعر عـ 6، 1958)

أصدر الباحث والمحلّل النفسي الفرنسي ريشارد ريتشمان في عام 2015، كتاب “الحياة اليومية لمرتكبي الإبادة “، ريتشمان الذي عمل لأكثر من 30 عاماً مع الناجين من الإبادات الجماعية من مختلف أنحاء العالم، يحاول أن “يقرأ” حياة مرتكبي القتل الجماعي وتفاصيلهم اليومية، ولا نقصد القتل بشكله الجنائي بهدف السرقة أو الانتقام الفردي، بل ذاك القتل الإبادي، التطهيري، الذي يستهدف جماعة ذات “حياة” لا تستحقّ أن تُعاش.

الشهادات المتنوّعة في الكتاب وتحليلها، تُلخّص بمحاولة الإجابة عن سؤال: “من هم أولئك القادرون على القتل؟ ما الذي يدور في عقولهم وفي حياتهم لتفسير أفعالهم؟”، ويشير إلى أن غيابهم العلني، أي القتلة، أو الجهل بهم “يدفعنا إلى التخيّل وبناء حيواتهم من أجل إعطاء معنى”، وعادة “ما يكون التفسير باثولوجياً/ مرضياً”.

أثناء محاولات  الإجابة عن السؤال، تمرّ عبارة في مقدّمة الكتاب، على لسان ريتشمان عبارة “الأيديولوجيا لا تقتل، بل البشر”، والسؤال عن هوّيات “هؤلاء”، يفسّر عنوان الكتاب الذي لا يبحث في الأيديولوجيا أو الأمراض النفسية، بل يوظّف مفهوم “الحياة اليومية” لفهم أولئك الذين يقتلون دون أن يرتجف لهم جفن، ولا نقصد الانغماسيين، بل من يقتل، ويعود لـ”يتابع حياته”، لكنّ السؤال نفسه يفتح الباب على تقسيم بين “نحن الذين لا نقتل”، و”أولئك الذين يقتلون”، وكأن “نحن” ذات خصائص أو تكوين فكري/ عاطفي/ لغوي، لا تجعل خيار القتل الجماعي حاضراً في تصوّرهم عن العلاقة مع الآخر.

التشابه والتصنيف في سوريا

التقسيم السابق (قتلة/ لا قتلة) يُحيلنا إلى سوريا في زمن الإدارة الانتقالية، وأشكال القتل الجماعي التي يُمارسها أفراد، وتحتفي به جموع تتبنّى هوّية “نيو أموية” وهمية، وخطاب مظلومية أعمى، وتحتفل بالقتل، ومزيج من الرموز الإسلاموية، لكنّ أبرز العبارات  التي تكرّرت  هي “الإدارة الجديدة تُشبهنا”، العبارة الغريبة لم تفسّر، فمن “هم” الذين يتشابهون مع “السلطة”؟ وما هي أوجه الشبه؟

مجازر الساحل ومجازر السويداء وحملات الاغتيال المعنوي التي يمارسها “ناشطو الدولة”، كشفت بدقّة عن شكل التشابه المرجوّ، من لا ينصاع لإرادة “الدولة الجديدة” ولا يتشابه معها، هو محطّ القتل، المادّي أو الرمزي، التشابه إذاً، شكل من أشكال الولاء، ولا يعني فقط استهلاك رموز السلطة واستعراضها، بل “قتل” الآخر الذي يرفض التشابه، ناهيك بالتمسّك بـ”الدولة” التي نظرياً مهمّتها، حصر السلاح، أي تجريد القتلة من أدوات القتل المعاصرة التي يتباهون بها.

التشابه يتحرّك بين أشدّ المعاني ابتذالاً، تقليد قصّة شعر أحمد الشرع وطقومه، وصولاً إلى نزع المعاني التي تحملها رموز معروفة كراية “داعش” و”جبهة النصرة”، وارتداء تي شيرتات “أمويّة”، التشابه قائم على إعادة إنتاج الرموز لخلق “الجماعة” وحدود اختلافها عن “الآخرين”، وأطيافهم المستحقّة لأشكال متنوّعة من الاغتيال والتهجير ونزع الملكيّة، تدمير الرموز التي يحتفون بها علناً وإذلالاً (حلق شوارب المشايخ الدروز هي المثال الأوضح).

التشابه هنا ضدّ الفردانية وسبيل الدخول في الحشد، والتماهي مع “الكلّ”، والعمه عن تلاشي “الأفراد” حدّ القتل، نحن أمام خلق إجماع جديد حول الرموز والحكايات، حدّ إنكار الحقائق، الهمّ اليومي والمُعاش يتلاشى على حساب الرمز، ومن يرفض، أو ينتقد “يُقتل” لأنه لا يتشابه مع الحشد الإبادي المتفائل! 

القتل الذي يمارَس بحقّ جماعات سورية عبر حشود مسلّحة، هو الأشدّ تمكيناً لسطوة التشابه، يُفني “الآخر” ويحقّر من بقي حياً عبر حيونته عواء، ونزع إنسانيته استكلاباً وخنزرة، أي يُباح قتله لأنه” لا يُشبهنا”، لكن نعود للسؤال، من هم هؤلاء القتلة؟

هل هم “وحوش”؟

حكايات القتلة السوريين دخلت التاريخ عبر المحاكمات التي أُقيمت في أوروبا ضدّ مجرمي الحرب الفارّين، نحن أمام جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية، وُثّقت بلسان مرتكبيها أمام القضاء، وربما أقساها هي شهادة الطبيب علاء موسى، الذي حُكم بالسجن المؤبّد في ألمانيا.

لكن، في “سوريا الجديدة”، لا شهادات بعد على ألسنة القتلة، هناك فقط وصف الضحايا لقاتليهم، حيث تتكرّر كلمة “وحوش” أو “وحش”، وإن سحبنا الكلمة من سياقها اليومي نحو النظرية السياسية، فتُحيلنا إلى كائن عصيّ على الترويض، خارج السيادة كونه لا ينصاع لها عنفاً أو ترويضاً، الوحش خارج العقد الاجتماعي، مُنفلت من “السلطة” ويتحرّك خارج “الدولة،” وهذا الوحش لا يعترف بـ”الآخر” أياً كان، لا ندّاً ولا قريناً.

الوحش/ القاتل يتجاوز أساليب التعاقد الأيديولوجي والوطني، وهذا يتّضح بدقّة في تسجيل الإعدام الميداني الشهير في السويداء، حيث سأل القاتل ضحيّته “أيش يعني سوري؟”، ضرب السؤال قبل القتل عمق الانتماء والهوّية الوطنية السابقة واللاحقة، والمرعب، أن الآخر الضحيّة لم يكذب لينجو بنفسه، لم يختر الجواب الأسلم، بل اختار ما يمكن أن يجمعه مع من يوجه إليه، سوريا!

خيار الضحيّة السابق،  يدفعنا إلى إعادة النظر بعبارة الفرنسي ألبير كامو”لم أرَ أحداً مات من أجل إشكاليّة أنطولوجية”، في إشارة إلى حقائق الكون الكبرى ككروية الأرض أو تسطيحها، لكن وفي سياق القتل في سوريا، هل سؤال “أيش يعني سوري؟” سؤال أنطولوجي؟ والتباس الإجابة قد يؤدّي إلى القتل؟ نعم، لأن الجدل لم يكن حول هل هو سوري أو غير سوري، بل هل تُشبهنا أم لا تُشبهنا؟ هل ولدت خنزيراً أم أموياً؟

الملاحظ في القتل الطائفي في سوريا هو نزع الوطنية عن الضحيّة، سوريته لا تنقذ حياته ولا تشفع له (الوهم الذي عاشه الكثيرون) ولا نقصد على مستوى الصراع السياسي على شكل الحكم، بل على مستوى القتل اليومي القائم على المواجهة، قتل في الشوارع وعلى الأرصفة وفي البيوت، والمفارقة الأشدّ، أن أصابع الاتّهام كانت موجّهة إلى “المقاتلين الأجانب”، ضمن معادلة، من يقتل ليس بسوري و”لا يُشبهنا”، لكن مع انتشار الفيديوهات والتسجيلات التي يبثّها القتلة، أصبح سؤال المقاتلين الأجانب ساخراً، فمن يقتل يتحدّث عربية سورية تتنوّع بلاغتها ولهجاتها.

الإبادي الإنفلونسر

الإجابة عن الأسئلة حول “الحياة اليومية لمرتكبي الإبادة” كانت أشبه بلغز، لأن مصدرها المحاكمات والشهادات الطبّية والاعترافات، لا المراقبة المخبرية شبه المستحيلة. بصورة ما، كانت التفاصيل تتّضح خارج سياق القتل نفسه و”الحياة اليومية”.

 لكن اليوم، نحن أمام القاتل – الإنفلونسر، منذ مجازر الساحل مروراً بالسويداء “يوميات القتلة” تُبثّ بصورة مباشرة، هم أنفسهم يستعرضون القتل، ورحلات في السيّارات من مجزرة إلى أخرى، وسخرية وتهكّماً من المدن المنكوبة، وتوثيقاً للقتل في لحظته، ونشر  لحظات مختلفة مما قبله أو بعده، كشرب العصير، والغناء،  الزمن بين القتل واكتشافه لم يعد طويلاً، بل شبه آني.

 نرى القاتل يلهو، يُهين، و”يصنع محتوى”، وأحياناً يسبح ويمارس أنشطة رياضية، القاتل يخاطب جمهوراً، نحن أمام فعل واعٍ بأن يكون القاتل معروفاً، ملامحه واضحة، القتل إذاً حدث يومي، غير استثنائي، وكأن لا جديد فيه!

لكن لا إجابة إلى الآن، من هم هؤلاء الذين يُشبهون السلطة؟ هنا نرتجل، هم رجال أذاب التستسترون عقولهم، يخطفون، يشتمون، يبصقون، يضربون، ويقتلون، بسطوة الذراع والساعد وأحياناً السيف والبندقيّة، لا يُحدّث هؤلاء ضحاياهم وجهاً لوجه، بل يُذل القاتل “هدفه” على ركبتيه، يحدّق من أعلى بالتوازي مع عدسة الكاميرا، هي تعابير عن القضيبية الموتورة، تطبيق عملي للتحديقة الذكورية.

 لا يرى القاتل “الآخرين” إلا كموضوعات للعنف: خنازير، كلاب، شلكّات، كيوت، هؤلاء هم الذين لا يُشبهون “السلطة”، ذكورة تشتدّ تحت اسم “الدولة” ودفاعاً عنها، رجال مفرطون في رجولتهم، بعضهم لا يمسّ النساء، وآخرون يخطفونهن متاعاً، وكلّ هذا بتواطؤ “الدولة”، عنجهية العنف والقتل تغذّي هذا المتخيّل الفحولي، الذي يمكن القول إنه بدأ منذ أوّل يوم لسقوط النظام، وإلا ما تفسير ركوب الأحصنة في ساحات دمشق وحلب!

المرعب أن بعض القتلة، لم يكونوا ينفّذون “الأوامر”، بعضهم “فزع”، أي تصرّف من تلقاء نفسه، قرّر خوض البادية السورية لا لشيء سوى للقتل والتطهير، جغرافيا الرحلة نفسها تتكشّف في الفيديوهات المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي، القتل لم يكن وليد انفعال عاطفي، بل قرار امتدّ ساعات، وأحياناً أيّاماً للوصول إلى “الآخر”، لم يكن قتلاً للدفاع عن النفس، بل قتل تطهيري، يتجوّل بين المدن السورية ويبثّ مباشرةً لنا.

وثّقت التحقيقات الاستقصائية وصفحات وسائل التواصل الاجتماعي هوّيات القتلة، لكن هل نعرفهم؟ هل نألفهم فعلاً؟ أم استوحشوا؟ والوحشة هنا من المجهول، السؤال قد تكشف الإجابة عنه التناقض بين اليومي والإبادي، وجوابه في الحالة السورية واضح، كون القتلة أنفسهم يعرّفوننا بأنفسهم في سياق القتل ذاته، “التنكّر” المستخدم كالقناع أو زيّ الأمن العامّ، أو عناصر الجيش، وغيرها بلا جدوى، كون القاتل يظهر في صورة سيلفي، هو اختار أن يلتقطها في بعض الأحيان، نحن أمام صورة  للقتل مكوّناتها: “وجه القاتل، وجه الضحيّة، السلاح”، معادلة للرعب والفزع، واختزال القتل في لحظة تتطابق فيها فتحة الكاميرا مع فتحة البندقيّة.

عام 1882، أي بعد عشرين عاماً على ظهور أول صورة فوتوغرافيّة مطبوعة، قام عالم الأحياء، وطبيب القلب، والمهتم بالطيران، الفرنسي إيتيان جولز ماري، بتطوير اختراع باسم “البندقية الكرونو-فوتوغرافية”،

المرعب وما يهدّد “الجميع” هو تساهل سلطات دمشق مع القتلة، وظنّ الكثير من “المتفائلين” بالسلطة الجديدة أن المشكلة قضائية أو قانونية، لكنّنا أمام مشكلة “سلطة”، تلك التي لا تحتكر السلاح، ولا تحوي بيروقراطية قرار، بل رسائل تليغرام، وهي تُطلق العنف وتتركه لهوى حاملي السلاح وفزعتهم.

السلطة إذاً، تُدير التوحّش، ترسم قنوات تفريغ العنف وتوجيهه، لا تضبطه أو تحدّ منه، بالتالي هي لا تمارس سلطتها على السلاح، هي أشبه براعٍ، يحاول ضبط تحرّكات القطيع دون السيطرة كلّياً عليها، يوجّهه حيث عليه أن يجترّ الأرض وما عليها، والمجاز هنا، واقعي، حيث تسبّب الرعي الجائر في تهديد الأمن الغذائي في سوريا بعد انفلات الرعاة في أراضي سهل الغاب!

يعود قتلة سوريا لممارسة حيواتهم اليومية، يركبون سيّارتهم، يأكلون، ربما لبعضهم زوجة/ زوجات وأطفال، إيقاع اليومي، والمبتذل يتداخل مع إيقاع القتل، كلمة “وحش” بمعناها السياسي لا تنطبق، ولا تصوّر مجاهدين في كهوف خارج الحياة المدنية ينفع، نحن أمام قتل صرف يستهدف الأرض، إبادي، لا لأجل البناء، بل لتعطيل أسباب الحياة ومنعها،  فمن يقتل، يتراجع،  لا يستقرّ أو يحتلّ، بل يترك الأرض لمن نجا منها وللمقابر الجماعية!