ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

مفاوضات وسلطات وصواريخ ونقاشات عبثيّة أيضاً

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

نحن إزاء نمط مهيمن، في الحياة السياسية الفلسطينية، يتأسس على اعتبار الفصيل كأنه أهم من الشعب، وأهم من القضية، أو كأنه يتماهى مع كل منهما، وهذه العقلية تفضي، بداهة، إلى اعتبار أن القيادات، التي تقرر الخيارات السياسية والكفاحية، معصومة عن الخطأ، الأمر الذي يقتل السياسة، أو يفقدها معناها، باعتبارها فعل بشر، قد يخطئون، وقد يصيبون، وأن هؤلاء يفترض أن يخضعوا للنقد، والتقييم، والمساءلة، والمحاسبة، باعتبارهم مسؤولين عن كل ما حدث، سلبا أو ايجابا.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

منذ الانتفاضة الفلسطينية الثانية (2000 ـ 2004)، وخصوصاً منذ عقد الانتخابات التشريعية والرئاسية، بمحطتها الثانية (2005 و2006)، التي تمخّضت عن هبوط مكانة “فتح”، وصعود “حماس”، بات الحقل السياسي الفلسطيني رهينة هاتين الحركتين، اللتين تحكمتا بالخيارات السياسية والكفاحية للحركة الوطنية الفلسطينية، طوال الفترة الماضية؛ علماً أن “فتح” تحكمت لوحدها بكل تلك الخيارات طوال أكثر من ثلاثة عقود (1965 ـ 2000).

على أية حال، فقد تمظهر هذا التطور التاريخي بسمات عدة، ربما أهمها يكمن في:

أولاً، حصول تصدع سياسي ووجداني عند الفلسطينيين، إذ لم يتخذ الانقسام بينهم هذه المرة الطابع السياسي والأيديولوجي والتنظيمي، فقط، بل كان أعمق من ذلك بكثير، إلى درجة أن الشعب الفلسطيني بدا معه كأنه انشطر إلى تيارين سياسيين وأيديولوجيين، وطني، وديني/ إسلامي، للمرة الأولى في تاريخه.

ثانياً، تبعاً لطبيعة ذلك الانقسام، فقد تعذر قيام نوع من شراكة بين الحركتين المذكورتين، إذ باتت كل واحدة منهما بمثابة سلطة في الإقليم الذي تسيطر عليه (“فتح” في الضفة، و”حماس” في غزة)، ولكل منهما موارده، وأجهزته، وقواته، وسرديته، وهما تتصارعان، هذه المرة، ليس على المكانة والقيادة والزعامة فقط، وإنما على السلطة أيضاً.

ثالثاً، ما فاقم من هذا الوضع أفول تيار اليسار الفلسطيني، أو أفول بقية الفصائل الفلسطينية، التي لم تعد لها مكانة أو فاعلية، أيضاً بالقدر الذي كانته في السبعينات، زاد من ذلك اشتغالها على هامش الصراع بين حركتي “فتح” و”حماس”، الأمر الذي عمق من أزمة الحركة الوطنية الفلسطينية، التي باتت منقسمة على ذاتها بشكل عمودي.

رابعاً، في هذه المرحلة بالذات لا يمكن إغفال دور العامل الخارجي، المتمثل في إيران، و”حزب الله” في لبنان، في تعضيد كفة “حماس”، ولا سيما في تشنّجها إزاء “فتح” والفصائل الأخرى، وتقديم الدعم المادي والتسليحي والسياسي لها، لترسيخ مكانتها وفرض خياراتها.

خامساً، في هذه المرحلة دخلت “فتح” في طور الانحسار، بخاصة بعدما فقدت قائدها، ياسر عرفات (أواخر 2004)، والذي كان بمنزلة الزعيم للشعب الفلسطيني، أو لمعظمه، مع بروز مراكز قوة متعددة داخلها، لا سيما وأنها كانت أُنهكت، واستُهلكت، سواء بسبب الضربات التي وجهت إسرائيل إليها، أو بسبب دفعها ضريبة تحوّلها إلى حزب للسلطة، بكل التبعات السلبية الناجمة عن ذلك، مع إدراك أن محمود عباس، الذي خلف ياسر عرفات في قيادة المنظمة والسلطة و”فتح”، لم يكن بالقدرة ذاتها التي كانت لسلفه، في ختلف المستويات. 

منذ ذلك الوقت، أي طوال عقدين من الزمن، دخلت الساحة الفلسطينية في جدالات عقيمة، وفي دوامة لا نهاية لها، من الحوارات، واللقاءات، والمؤتمرات، والبيانات، والاتهامات، والتشكيكات، لكن من دون أن تصل إلى أي نتيجة. 

فمن جهتها، بقيت القيادة الفلسطينية، وهي قيادة المنظمة والسلطة وفتح، تفتقد القدرة على إنتاج أي مبادرة، في ظل تركيزها على الحفاظ على سلطتها في الضفة، إزاء محاولة إسرائيل قضم تلك السلطة، وإزاء صد محاولات “حماس” الحط من مكانتها الوطنية. بيد إن مسار الانحسار، والتفكك، ظلّ يحيط بـ “فتح”، في عهد محمود عباس، الذي عقدت خلاله ثلاثة مؤتمرات (2009، 2016، 2026)، لكنها في كل مرة كانت تخرج أضعف، وأكثر تفككاً من سابقتها. وفي هذا العهد، أيضاً، هُمِّشت منظمة التحرير، أكثر من أية فترة سبقت، إذ عقد المجلس الوطني دورة عادية واحدة له (رام الله، 2018)، فضلاً عن استعصاء خيار “فتح” بالتسوية، والمفاوضة، والدولة المستقلة، مع تقويض إسرائيل اتفاق أوسلو جملة وتفصيلاً.    

لم تشهد “فتح” (ولا المنظمة)، في ظل قيادة عباس، لعقدين من الزمن، أية مبادرات سياسية لافتة، لانتشال الحالة الوطنية من جمودها واستهلاكها ذاتها، عدا تشبّثها بمكانتها كقيادة للمنظمة والسلطة، بل وصل الأمر إلى حدّ حلّ المجلس التشريعي (أواخر 2018)، والاستعاضة عن انعقاد المجلس الوطني بعقد جلسات للمجلس المركزي، وعدم الذهاب نحو انتخابات تشريعية ورئاسية طوال 20 عاماً، أي طوال أربع دورات انتخابية، إلى درجة التراجع عن مرسوم إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في العام 2021، وساهم ذالك كله في إضعاف شرعية المكانة القيادية والتمثيلية للقيادة السائدة، في المنظمة والسلطة و”فتح”.

ربما يتمثل الإنجاز الوحيد في هذا العهد، وهو إنجاز معنوي أكثر منه عملي، في الجهد الدبلوماسي الفلسطيني والعربي والدولي الذي أفضى إلى الاعتراف بفلسطين كدولة تحت الاحتلال في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، ضمن إطار حلّ الدولتين. 

في المقابل، لم تكن حركة “حماس” أفضل حالاً من غريمتها “فتح” لجهة الجمود، وافتقاد استراتيجية سياسية وكفاحية تتناسب مع الواقع، ومع المعطيات العربية والدولية، مع غياب أية مبادرة للتغيير طوال عقدين.

ومشكلة “حماس”، عدا عن تحولها إلى سلطة وفقاً لاتفاق أوسلو (1993)، على الرغم من معاداتها ذلك الاتفاق، أنها أرادت المزاوجة بين وضعها كسلطة ووضعها كمقاومة، علماً أن المقاومة هنا تختلف عن المفهوم المعروف لحرب الشعب طويلة الأمد، المتدرجة، والتي تراعي قدرته على التحمّل، وعدم الدخول في معارك كجيش في مواجهة جيش.

ومشكلتها، أيضاً، أنها لم تأخذ في اعتباراتها الإمكانات الضعيفة لقطاع صغير، يعيش فيه أكثر من مليوني إنسان، تحت الحصار الإسرائيلي، وأنها بنت رؤيتها لذاتها وفقاً لتصورات غيبية، وقدرية، وضمنها الاستخفاف بقوة إسرائيل، باعتبارها آيلة للانهيار، وأنها أوهن من خيوط العنكبوت (نظرية “حزب الله”)، وأنها استطاعت فرض معادلة توازن الردع معها.

هكذا، انتهجت “حماس” مقاومة إسرائيل، وفق نمط عمليات القصف الصاروخي، ثم توجت ذلك بعملية “طوفان الأقصى” (أواخر 2023)، التي شكلت أقوى، وأقسى، ضربة لإسرائيل في تاريخها. 

أما ردّ إسرائيل على عمليات القصف الصاروخي فتمثل بفرض حصار مشدد ضد قطاع غزة، وشنّ حرب تلو أخرى ضده، مع كل ما في ذلك من قتل وتدمير، بلغ أوجه في حرب الإبادة الوحشية التي شنتها ضد غزة، طوال الألف يوم الماضية، ولا تزال، والتي حولت غزة إلى منطقة غير صالحة للعيش، وأدت إلى نكبة جديدة للشعب الفلسطيني.   

الملاحظ أن “حماس” لم تترجم نقدها سلطة “فتح” في الضفة، لا في شأن علاقتها بمجتمعها، ولا في شأن إشراك الفصائل الأخرى، القريبة منها، علماً أنها سيطرت بطريقة عنيفة على السلطة في غزة، بثمن مئات الضحايا من منتسبي “فتح” (صيف 2007).

أيضاً، يلفت الانتباه أن “حماس” التي لم ترض بأي اتفاق يفضي إلى تنازلها عن سلطتها، على الأقل لتخليص فلسطينيي غزة من الحصار ومن البطش الإسرائيلي، طوال عقدين، أبدت موافقتها أخيراً على التخلي عن السلطة لصالح اللجنة الإدارية، المنبثقة من خطة “ترامب”، علماً أن ذلك أتى بعد خراب غزة، وتدمير مقدراتها وعمرانها، وبعد تمكن إسرائيل من توجيه ضربات قاسية لحركة “حماس” ذاتها.

في الحالين، نحن إزاء نمط مهيمن، في الحياة السياسية الفلسطينية، يتأسس على اعتبار الفصيل كأنه أهم من الشعب، وأهم من القضية، أو كأنه يتماهى مع كل منهما، وهذه العقلية تفضي، بداهة، إلى اعتبار أن القيادات، التي تقرر الخيارات السياسية والكفاحية، معصومة عن الخطأ، الأمر الذي يقتل السياسة، أو يفقدها معناها، باعتبارها فعل بشر، قد يخطئون، وقد يصيبون، وأن هؤلاء يفترض أن يخضعوا للنقد، والتقييم، والمساءلة، والمحاسبة، باعتبارهم مسؤولين عن كل ما حدث، سلبا أو ايجابا.

هذا يفسر نأي الفصائل بذاتها عن النقد السياسي، وتالياً غياب ثقافة الاعتذار، إذ إن الحركة الوطنية الفلسطينية، بكل قياداتها وفصائلها، لم تذهب ولا مرة لمراجعة تجاربها، وخياراتها، من الأردن إلى لبنان إلى الأرض المحتلة، لا في العمل السياسي ولا في الكفاح المسلح، لا في المفاوضة ولا الانتفاضة، لا في عملية بناء المنظمة ولا في عملية بناء السلطة.

يلفت الانتباه في هذا الإطار، مثلاً، تصويت أعضاء مؤتمر “فتح” الثامن، الذي عقد أخيراً في رام الله، لى التجديد لمحمود عباس، كرئيس، أو كقائد، لتلك الحركة، برفع الأيدي، في مستهل أعمال المؤتمر، أي قبل القيام بأي مراجعة، أو تقييم، للمرحلة الماضية، ودوره فيها، علماً أن هذا يحدث في حركة عمرها أكثر من ستة عقود، مع كل ما فيها من خبرات، وتجارب، وكفاءات. الأمر نفسه يحصل في “حماس”، التي باتت تعجز عن انتخاب رئيس لمكتبها السياسي، لأشهر عدة، بسبب توزّع الأصوات على شخصيتين (خليل الحية وخالد مشعل)، والتي لم تقف، حتى الآن، أي بعد قرابة ثلاثة أعوام، على خيار “الطوفان”، لتقديم كشف حساب لشعبها، على الرغم من كل ما حصل في غزة.

الآن، من الواضح أن حال الحركة الوطنية الفلسطينية إلى أفول، من الناحية العملية، هذا يتعلق بالمنظمة المغيبة أو المهمشة، وبالسلطة، بحكم استعصاء تحولها إلى دولة، وبقائها سلطة على شعبها تحت سلطة الاحتلال، وبالفصائل، وضمنها “فتح” و”حماس”، بواقع تراجع قدراتها وإمكاناتها وفاعليتها.

بناء على ذلك، لم يعد ينفع في هذا الوضع، أو يجدي، لا حديث عن وحدة وطنية بعد عشرات جولات الحوار منذ عقدين، ولا عقد انتخابات مضى على موسمها عقدان أيضاً، وتم التنصل من عقدها مراراً، ولا طرح خيارات مجرّبة، ولم تدر بطريقة ناجعة، لا في المفاوضات ولا في المقاومات، لا في إدارة السلطة ولا في إدارة المنظمة.

في هذا الوضع لم يعد ثمة خيار للفلسطينيين، في ظروف تآكل حركتهم الوطنية، التي بات عمرها ستة عقود، سوى الصمود في أرضهم، وتكثيف الجهود لإعادة بناء البيت الفلسطيني، على قواعد وطنية وكفاحية جديدة، تقطع مع التجربة الماضية، بخطاباتها وكياناتها وأشكال عملها، وخياراتها السياسية والكفاحية، على أساس الاستفادة من دروسها، مع كل الاحترام للتضحيات والبطولات التي بذلت. 

باختصار، شعب فلسطين، بعد كل ما حدث، يستحق من قياداته وقفة مراجعة نقدية ومسؤولة.

20.07.2026
زمن القراءة: 6 minutes

نحن إزاء نمط مهيمن، في الحياة السياسية الفلسطينية، يتأسس على اعتبار الفصيل كأنه أهم من الشعب، وأهم من القضية، أو كأنه يتماهى مع كل منهما، وهذه العقلية تفضي، بداهة، إلى اعتبار أن القيادات، التي تقرر الخيارات السياسية والكفاحية، معصومة عن الخطأ، الأمر الذي يقتل السياسة، أو يفقدها معناها، باعتبارها فعل بشر، قد يخطئون، وقد يصيبون، وأن هؤلاء يفترض أن يخضعوا للنقد، والتقييم، والمساءلة، والمحاسبة، باعتبارهم مسؤولين عن كل ما حدث، سلبا أو ايجابا.

منذ الانتفاضة الفلسطينية الثانية (2000 ـ 2004)، وخصوصاً منذ عقد الانتخابات التشريعية والرئاسية، بمحطتها الثانية (2005 و2006)، التي تمخّضت عن هبوط مكانة “فتح”، وصعود “حماس”، بات الحقل السياسي الفلسطيني رهينة هاتين الحركتين، اللتين تحكمتا بالخيارات السياسية والكفاحية للحركة الوطنية الفلسطينية، طوال الفترة الماضية؛ علماً أن “فتح” تحكمت لوحدها بكل تلك الخيارات طوال أكثر من ثلاثة عقود (1965 ـ 2000).

على أية حال، فقد تمظهر هذا التطور التاريخي بسمات عدة، ربما أهمها يكمن في:

أولاً، حصول تصدع سياسي ووجداني عند الفلسطينيين، إذ لم يتخذ الانقسام بينهم هذه المرة الطابع السياسي والأيديولوجي والتنظيمي، فقط، بل كان أعمق من ذلك بكثير، إلى درجة أن الشعب الفلسطيني بدا معه كأنه انشطر إلى تيارين سياسيين وأيديولوجيين، وطني، وديني/ إسلامي، للمرة الأولى في تاريخه.

ثانياً، تبعاً لطبيعة ذلك الانقسام، فقد تعذر قيام نوع من شراكة بين الحركتين المذكورتين، إذ باتت كل واحدة منهما بمثابة سلطة في الإقليم الذي تسيطر عليه (“فتح” في الضفة، و”حماس” في غزة)، ولكل منهما موارده، وأجهزته، وقواته، وسرديته، وهما تتصارعان، هذه المرة، ليس على المكانة والقيادة والزعامة فقط، وإنما على السلطة أيضاً.

ثالثاً، ما فاقم من هذا الوضع أفول تيار اليسار الفلسطيني، أو أفول بقية الفصائل الفلسطينية، التي لم تعد لها مكانة أو فاعلية، أيضاً بالقدر الذي كانته في السبعينات، زاد من ذلك اشتغالها على هامش الصراع بين حركتي “فتح” و”حماس”، الأمر الذي عمق من أزمة الحركة الوطنية الفلسطينية، التي باتت منقسمة على ذاتها بشكل عمودي.

رابعاً، في هذه المرحلة بالذات لا يمكن إغفال دور العامل الخارجي، المتمثل في إيران، و”حزب الله” في لبنان، في تعضيد كفة “حماس”، ولا سيما في تشنّجها إزاء “فتح” والفصائل الأخرى، وتقديم الدعم المادي والتسليحي والسياسي لها، لترسيخ مكانتها وفرض خياراتها.

خامساً، في هذه المرحلة دخلت “فتح” في طور الانحسار، بخاصة بعدما فقدت قائدها، ياسر عرفات (أواخر 2004)، والذي كان بمنزلة الزعيم للشعب الفلسطيني، أو لمعظمه، مع بروز مراكز قوة متعددة داخلها، لا سيما وأنها كانت أُنهكت، واستُهلكت، سواء بسبب الضربات التي وجهت إسرائيل إليها، أو بسبب دفعها ضريبة تحوّلها إلى حزب للسلطة، بكل التبعات السلبية الناجمة عن ذلك، مع إدراك أن محمود عباس، الذي خلف ياسر عرفات في قيادة المنظمة والسلطة و”فتح”، لم يكن بالقدرة ذاتها التي كانت لسلفه، في ختلف المستويات. 

منذ ذلك الوقت، أي طوال عقدين من الزمن، دخلت الساحة الفلسطينية في جدالات عقيمة، وفي دوامة لا نهاية لها، من الحوارات، واللقاءات، والمؤتمرات، والبيانات، والاتهامات، والتشكيكات، لكن من دون أن تصل إلى أي نتيجة. 

فمن جهتها، بقيت القيادة الفلسطينية، وهي قيادة المنظمة والسلطة وفتح، تفتقد القدرة على إنتاج أي مبادرة، في ظل تركيزها على الحفاظ على سلطتها في الضفة، إزاء محاولة إسرائيل قضم تلك السلطة، وإزاء صد محاولات “حماس” الحط من مكانتها الوطنية. بيد إن مسار الانحسار، والتفكك، ظلّ يحيط بـ “فتح”، في عهد محمود عباس، الذي عقدت خلاله ثلاثة مؤتمرات (2009، 2016، 2026)، لكنها في كل مرة كانت تخرج أضعف، وأكثر تفككاً من سابقتها. وفي هذا العهد، أيضاً، هُمِّشت منظمة التحرير، أكثر من أية فترة سبقت، إذ عقد المجلس الوطني دورة عادية واحدة له (رام الله، 2018)، فضلاً عن استعصاء خيار “فتح” بالتسوية، والمفاوضة، والدولة المستقلة، مع تقويض إسرائيل اتفاق أوسلو جملة وتفصيلاً.    

لم تشهد “فتح” (ولا المنظمة)، في ظل قيادة عباس، لعقدين من الزمن، أية مبادرات سياسية لافتة، لانتشال الحالة الوطنية من جمودها واستهلاكها ذاتها، عدا تشبّثها بمكانتها كقيادة للمنظمة والسلطة، بل وصل الأمر إلى حدّ حلّ المجلس التشريعي (أواخر 2018)، والاستعاضة عن انعقاد المجلس الوطني بعقد جلسات للمجلس المركزي، وعدم الذهاب نحو انتخابات تشريعية ورئاسية طوال 20 عاماً، أي طوال أربع دورات انتخابية، إلى درجة التراجع عن مرسوم إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في العام 2021، وساهم ذالك كله في إضعاف شرعية المكانة القيادية والتمثيلية للقيادة السائدة، في المنظمة والسلطة و”فتح”.

ربما يتمثل الإنجاز الوحيد في هذا العهد، وهو إنجاز معنوي أكثر منه عملي، في الجهد الدبلوماسي الفلسطيني والعربي والدولي الذي أفضى إلى الاعتراف بفلسطين كدولة تحت الاحتلال في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، ضمن إطار حلّ الدولتين. 

في المقابل، لم تكن حركة “حماس” أفضل حالاً من غريمتها “فتح” لجهة الجمود، وافتقاد استراتيجية سياسية وكفاحية تتناسب مع الواقع، ومع المعطيات العربية والدولية، مع غياب أية مبادرة للتغيير طوال عقدين.

ومشكلة “حماس”، عدا عن تحولها إلى سلطة وفقاً لاتفاق أوسلو (1993)، على الرغم من معاداتها ذلك الاتفاق، أنها أرادت المزاوجة بين وضعها كسلطة ووضعها كمقاومة، علماً أن المقاومة هنا تختلف عن المفهوم المعروف لحرب الشعب طويلة الأمد، المتدرجة، والتي تراعي قدرته على التحمّل، وعدم الدخول في معارك كجيش في مواجهة جيش.

ومشكلتها، أيضاً، أنها لم تأخذ في اعتباراتها الإمكانات الضعيفة لقطاع صغير، يعيش فيه أكثر من مليوني إنسان، تحت الحصار الإسرائيلي، وأنها بنت رؤيتها لذاتها وفقاً لتصورات غيبية، وقدرية، وضمنها الاستخفاف بقوة إسرائيل، باعتبارها آيلة للانهيار، وأنها أوهن من خيوط العنكبوت (نظرية “حزب الله”)، وأنها استطاعت فرض معادلة توازن الردع معها.

هكذا، انتهجت “حماس” مقاومة إسرائيل، وفق نمط عمليات القصف الصاروخي، ثم توجت ذلك بعملية “طوفان الأقصى” (أواخر 2023)، التي شكلت أقوى، وأقسى، ضربة لإسرائيل في تاريخها. 

أما ردّ إسرائيل على عمليات القصف الصاروخي فتمثل بفرض حصار مشدد ضد قطاع غزة، وشنّ حرب تلو أخرى ضده، مع كل ما في ذلك من قتل وتدمير، بلغ أوجه في حرب الإبادة الوحشية التي شنتها ضد غزة، طوال الألف يوم الماضية، ولا تزال، والتي حولت غزة إلى منطقة غير صالحة للعيش، وأدت إلى نكبة جديدة للشعب الفلسطيني.   

الملاحظ أن “حماس” لم تترجم نقدها سلطة “فتح” في الضفة، لا في شأن علاقتها بمجتمعها، ولا في شأن إشراك الفصائل الأخرى، القريبة منها، علماً أنها سيطرت بطريقة عنيفة على السلطة في غزة، بثمن مئات الضحايا من منتسبي “فتح” (صيف 2007).

أيضاً، يلفت الانتباه أن “حماس” التي لم ترض بأي اتفاق يفضي إلى تنازلها عن سلطتها، على الأقل لتخليص فلسطينيي غزة من الحصار ومن البطش الإسرائيلي، طوال عقدين، أبدت موافقتها أخيراً على التخلي عن السلطة لصالح اللجنة الإدارية، المنبثقة من خطة “ترامب”، علماً أن ذلك أتى بعد خراب غزة، وتدمير مقدراتها وعمرانها، وبعد تمكن إسرائيل من توجيه ضربات قاسية لحركة “حماس” ذاتها.

في الحالين، نحن إزاء نمط مهيمن، في الحياة السياسية الفلسطينية، يتأسس على اعتبار الفصيل كأنه أهم من الشعب، وأهم من القضية، أو كأنه يتماهى مع كل منهما، وهذه العقلية تفضي، بداهة، إلى اعتبار أن القيادات، التي تقرر الخيارات السياسية والكفاحية، معصومة عن الخطأ، الأمر الذي يقتل السياسة، أو يفقدها معناها، باعتبارها فعل بشر، قد يخطئون، وقد يصيبون، وأن هؤلاء يفترض أن يخضعوا للنقد، والتقييم، والمساءلة، والمحاسبة، باعتبارهم مسؤولين عن كل ما حدث، سلبا أو ايجابا.

هذا يفسر نأي الفصائل بذاتها عن النقد السياسي، وتالياً غياب ثقافة الاعتذار، إذ إن الحركة الوطنية الفلسطينية، بكل قياداتها وفصائلها، لم تذهب ولا مرة لمراجعة تجاربها، وخياراتها، من الأردن إلى لبنان إلى الأرض المحتلة، لا في العمل السياسي ولا في الكفاح المسلح، لا في المفاوضة ولا الانتفاضة، لا في عملية بناء المنظمة ولا في عملية بناء السلطة.

يلفت الانتباه في هذا الإطار، مثلاً، تصويت أعضاء مؤتمر “فتح” الثامن، الذي عقد أخيراً في رام الله، لى التجديد لمحمود عباس، كرئيس، أو كقائد، لتلك الحركة، برفع الأيدي، في مستهل أعمال المؤتمر، أي قبل القيام بأي مراجعة، أو تقييم، للمرحلة الماضية، ودوره فيها، علماً أن هذا يحدث في حركة عمرها أكثر من ستة عقود، مع كل ما فيها من خبرات، وتجارب، وكفاءات. الأمر نفسه يحصل في “حماس”، التي باتت تعجز عن انتخاب رئيس لمكتبها السياسي، لأشهر عدة، بسبب توزّع الأصوات على شخصيتين (خليل الحية وخالد مشعل)، والتي لم تقف، حتى الآن، أي بعد قرابة ثلاثة أعوام، على خيار “الطوفان”، لتقديم كشف حساب لشعبها، على الرغم من كل ما حصل في غزة.

الآن، من الواضح أن حال الحركة الوطنية الفلسطينية إلى أفول، من الناحية العملية، هذا يتعلق بالمنظمة المغيبة أو المهمشة، وبالسلطة، بحكم استعصاء تحولها إلى دولة، وبقائها سلطة على شعبها تحت سلطة الاحتلال، وبالفصائل، وضمنها “فتح” و”حماس”، بواقع تراجع قدراتها وإمكاناتها وفاعليتها.

بناء على ذلك، لم يعد ينفع في هذا الوضع، أو يجدي، لا حديث عن وحدة وطنية بعد عشرات جولات الحوار منذ عقدين، ولا عقد انتخابات مضى على موسمها عقدان أيضاً، وتم التنصل من عقدها مراراً، ولا طرح خيارات مجرّبة، ولم تدر بطريقة ناجعة، لا في المفاوضات ولا في المقاومات، لا في إدارة السلطة ولا في إدارة المنظمة.

في هذا الوضع لم يعد ثمة خيار للفلسطينيين، في ظروف تآكل حركتهم الوطنية، التي بات عمرها ستة عقود، سوى الصمود في أرضهم، وتكثيف الجهود لإعادة بناء البيت الفلسطيني، على قواعد وطنية وكفاحية جديدة، تقطع مع التجربة الماضية، بخطاباتها وكياناتها وأشكال عملها، وخياراتها السياسية والكفاحية، على أساس الاستفادة من دروسها، مع كل الاحترام للتضحيات والبطولات التي بذلت. 

باختصار، شعب فلسطين، بعد كل ما حدث، يستحق من قياداته وقفة مراجعة نقدية ومسؤولة.