في قضاء الشوف، وبمحاذاة بلدة برجا، تقع بعاصير المميّزة بإطلالة بانورامية على البحر، والممتدّة على مساحة تقارب الخمسة ملايين متر مربّع. في هذه البلدة تعمل كسّارتان منذ زمن طويل: الأولى لأحد أبنائها وهو من آل قعقور، والثانية يملكها من بات يوصف بأنه “مقاول الجمهورية” جهاد العرب مع شقيقه خليل.
تُعدّ المقالع والكسّارات من أبرز مصادر الدمار البيئي في لبنان، إذ تسبّبت على مدى عقود في إزالة آلاف الهكتارات من الغابات والتلال، وخلّفت وراءها حفراً ومرتفعات مدمّرة، بعضها تحوّل إلى مكبّات نفايات أو خزانات لمياه ملوّثة، فيما بقي معظمها بدون إعادة تشجير أو تأهيل.
وفق تقرير أعدّه برنامج الأمم المتّحدة الإنمائي، تسبّبت المقالع حتى العام 2021، في تخريب أكثر من 50 مليون متر مربّع من الأراضي اللبنانية، فيما لم تتجاوز إعادة التأهيل الـ4 في المئة من هذه المساحات.
على الرغم من صدور مرسوم يحدّد المناطق المسموح الاستثمار فيها، إلّا أن تطبيقه ظلّ انتقائياً، ومُنحت استثناءات مشبوهة، غالباً لأصحاب علاقات سياسية. والسبب الأساسي لغياب المحاسبة، هو وجود شبكة مصالح تربط أصحاب المقالع والكسّارات بنفوذ سياسي من مختلف الاتّجاهات، إذ يُستخدم هذا القطاع كأداة تمويل غير مباشر للأحزاب والنافذين، وهو ساحة تبادل خدمات سياسية.
فوفقاً لدراسة أعدّتها النائبة نجاة صليبا وفريق علمي مستقلّ، تبيّن أن غالبية المقالع مملوكة بشكل مباشر أو غير مباشر لأطراف سياسية نافذة، ما يجعل هذا الملفّ محاطاً بحصانة غير مكتوبة.
ماذا يحصل في بعاصير؟
بالعودة الى عقار بعاصير وعلى رغم أن الأخوين العرب يُشغّلان كسّارتهما على العقار رقم 1029 المملوك لهما، والبعيد نسبياً عن المناطق السكنية ويصعب الوصول إليه، فقد قرّرا التوسّع وقضم أراضٍ جديدة من العقار رقم 1031 المجاور، المصنَّف مشاعات.

يصف المحامي زيدان القعقور ابن بلدة بعاصير، في حديث لـ”درج”، الأثر البيئي الكبير لعمل هذه الكسّارة، لافتاً إلى أن العقار المعتدى عليه يحمل اسم “تلّة غصون”، وهي من أجمل تلال البلدة، “وباتت أعمال الحفر تنهشها”، مشيراً إلى أنه “فضلاً عن تشويه الطبيعة، هناك تطاير للغبار جرّاء عمل الكسّارة، وأصوات مزعجة ومتواصلة تُسمع نحو حارة بعاصير”.
يشرح القعقور أن “هذه التعدّيات وُثّقت بالاستعانة بمسّاحٍ مجاز محلّف؛ إذ أفاد تقريره بوجود تعدٍّ على العقار 1031 المصنّف مشاعاً لأهالي بعاصير وحارة بعاصير، من العقار 1029 العائد الى العرب، عبر الجرف والاستعمال، على مساحة بلغت نحو 4500 متر مربّع تقريباً، من أصل مساحة تقارب الـ106 آلاف متر مربّع يبلغها العقار 1031”.

وعلى أثر التقرير، تقدّم القعقور بدعوى لدى قاضي الأمور المستعجلة في شحيم، طالباً وقف التعدّي فوراً، وإعادة الوضع إلى ما كان عليه.
ما بين الملكيّة والتشغيل: مسؤوليّة مباشرة
بحسب ما نُقل عن الأخوين العرب، فإن المقلع لا يعود إليهما مباشرة، بل إلى شركة مستثمِرة. غير أن وثيقة ملكيّة العقار 1029 تؤكّد أن الأخوين العرب هما المالكان للأرض، ما يعزّز فرضية امتلاكهما المقلع، وهنا يشدّد القعقور على أن “الدعوى ليست لشخصنة الملفّ ضدّ جهاد العرب، وإنما لمواجهة مخالفة القوانين والتعدّي على المشاعات، وهي تستند إلى الملكيّة بصرف النظر عمّن يشغّل المقلع، سواء كان الأخوين العرب أم طرفاً ثالثاً يستثمر بالنيابة عنهما”.

الإطار القانوني: أين تقع بعاصير من المخطّط التوجيهي؟
تقع بعاصير خارج المناطق المسموح فيها باستثمار المقالع والكسّارات، وفق المخطّط التوجيهي للمقالع والكسّارات. فقد حدّد المرسوم المعني أربع مناطق يُسمح فيها بإقامة الكسّارات: عرسال، الطفيل، قوسايا، وراشيا، وقد أُضيفت لاحقاً 11 منطقة أخرى يُسمَح فيها بالحفر والتكسير فقط خارج المحميّات الطبيعية وبعيداً عن الأنهار.
من هنا، يصبح عمل الأخوين العرب على العقار 1029، مستنداً إمّا إلى استثناء من المجلس الوطني للمقالع والكسّارات، يتيح العمل ضمن محافظة جبل لبنان، وهو استثناء يُجدَّد سنوياً (وغير واضح ما إذا كان لا يزال ساري المفعول)، وإمّا أنه لا يستند إلى أيّ مسوّغ قانوني، فتعمل الكسّارة في موقع مخالف للخطّة الوطنية، وهذا المشهد ليس استثناءً؛ إذ وثّقت دراسة للمهندس أنطوان عطالله (2018) عمل عشرات الكسّارات خارج المخطّط.
يؤكّد القعقور أن المجلس البلدي علم بالتعدّي منذ 3 أشهر ولم يتحرّك، وبعد ضغط من بعض الأعضاء، استعان بمسّاح أكّد في تقريره وجود تعدٍّ على المشاع، لكنّ المجلس امتنع عن نشر التقرير واختار المسار الإداري عبر رفعه إلى القائمقام والمحافظ.
يضع القعقور علامة استفهام على هذا الخيار: “المطلوب هو المسار القضائي لا الإداري”. إلى ذلك، يستعدّ القعقور لرفع دعاوى قضائية إضافية تشمل جميع التعدّيات على المشاع ضمن نطاق البلدة، والمقدّرة بمئات آلاف الأمتار.
يعترف رئيس بلدية بعاصير أمين القعقور بأن المجلس استعان بمسّاح وأرسل تقريره إلى وزارة الداخلية، لكنّه رفض توضيح نتائجه، ويؤكّد أن “العقارات منحدرة بنسبة تصل إلى 90 في المئة، ولا يمكن للجرافات الصعود عمودياً؛ فشقّ المقاول طريقاً أفقياً للوصول إلى عقاراته”، في محاولة لتبرير التعدّي، كما ينفي أن تكون البلدية قد لجأت إلى القضاء، قائلاً: “أحد أهالي البلدة هو من رفع الدعوى، وللقضاء الكلمة الفصل”.
حاول “درج” الحصول على ردّ من رئيس دائرة حماية الموارد الطبيعية في وزارة البيئة عادل يعقوب، المعني بقطاع المقالع والكسّارات، إلا أنه امتنع عن التجاوب طالباً موافقة خطّية من وزيرة البيئة تمارا الزين.
كما حاول “درج” التواصل مع الوزيرة الزين، التي ترأس المجلس الوطني للمقالع والكسّارات، لكنّها لم تجب على المحاولات المتكرّرة.
جهاد العرب… خلفية نافذة وعلاقات سياسية متشابكة
يُوصَف جهاد العرب بـ”مقاول الجمهورية” لكونه من أكبر المتعهّدين لمشاريع الدولة، ويتمتّع بنفوذ واسع وارتباطات سياسية مكّنته من الحصول على عشرات المشاريع والمناقصات من الوزارات والإدارات العامّة. ووفق تقاسم الحصص بين الطوائف والزعامات التقليدية، كان العرب من “حصّة” رئيس الحكومة السابق سعد الحريري.
العلاقة بين آل العرب والحريرية السياسية قديمة. فعبد العرب، شقيق جهاد، مسؤول أمني لدى الحريري الابن، أمّا يحيى العرب، مرافق الرئيس رفيق الحريري الذي قضى معه في انفجار السان جورج، فهو عمّه، شقيق والده، من جهة، وعمّ والد زوجته من جهة أخرى.
إقرأوا أيضاً:
في حزيران/ يونيو 2021، أعلن العرب أنه بصدد إقفال جميع أعماله في لبنان “بعد تسليم المشاريع وفقاً للأصول”، مع الحفاظ على الموظّفين الذين خدموا شركاته “سنين طويلة”، ووضع قراره في سياق الردّ على الهجوم والتحريض والافتراءات.
ولم تمضِ أشهر حتى قرّرت وزارة الخزانة الأميركية في تشرين الأوّل/ أكتوبر 2021، فرض عقوبات عليه إلى جانب النائب جميل السيّد ورجل الأعمال داني خوري المقرّب من جبران باسيل، مشيرة إلى أن القرار جاء بسبب استفادة كلّ منهم شخصياً من تفشّي الفساد والمحسوبية في لبنان، والإثراء على حساب اللبنانيين ومؤسّسات الدولة.
قراءة في ملفّ المقالع
قضيّة بعاصير ليست سوى نموذج عن تداخل مصالح المقالع والكسّارات مع السياسة. لطالما حظيت هذه التعدّيات بحماية حزبية وشكّلت مورداً مالياً لمختلف القوى ضمن سياسة توزيع المنافع.
تلفت النائبة نجاة عون صليبا، وهي خبيرة وأستاذة جامعية في البيئة، إلى أنها منذ بداية عملها البرلماني في عام 2022، أعطت ملفّ المقالع والكسّارات أولوية، وخلال مساءلتها الحكومة لم تتطرّق سوى إلى هذا الملفّ، إذ توجّهت مع النائبة حليمة قعقور بسؤال حكومي حول وجود 3.7 مليار دولار متوجّبات على المقالع والكسّارات (ضرائب، رسوم، أضرار بيئية).
توضح صليبا أن هذه الأرقام مبنيّة على دراسة من إعداد برنامج الأمم المتّحدة الإنمائي، بموافقة وزارة البيئة وبناءً على مسح للجيش اللبناني، وتُظهِر وجود 1506 مقالع وكسّارات، جزء منها مرخّص وآخر غير مرخّص، مع تقدير كميّات الأحجار التي اقتُلعت، وعلى هذا الأساس حُدِّد حجم الأموال المتوجّبة.
وتضيف أن وزيرة البيئة تمارا الزين قرّرت إعادة النظر بمسح الجيش، وبالتالي إعادة النظر بالحسابات، لكنّ القرار الوزاري المؤلّف من 3 صفحات لا يحتوي على أي مواعيد نهائية.
وتُرجّح صليبا أنه في حال حصول انتخابات في أيّار/ مايو المقبل، قد يصدر القرار بعد دخول الحكومة في مرحلة تصريف الأعمال، ما يفتح الباب أمام أيّ وزير بيئة جديد لنسفه واعتماد مسار آخر.
احتكار وحماية سياسية… والأسمنت نموذجاً
تقول صليبا إنّها أجرت أبحاثاً لسنتين حول مالكي المقالع والكسّارات، وتبيّن أنها في غالبيتها مملوكة من قوى السلطة السياسية، “وكلّ يحمي المقالع التابعة له”، وتأسف لأن “الحكومة الجديدة لا تعطي الأولوية للبيئة كما كان مأمولاً؛ إذ كانت تتوقّع تخفيض الجمارك على استيراد الأسمنت، كي لا تبقى الكسّارات ومعامل الأسمنت محتكرة السوق. فبحسب القانون، بإمكان أيّ شخص استيراد الأسمنت، لكنّ ارتفاع الجمارك المبالَغ فيه يمنع ذلك”، وتؤكّد أنه “كان بإمكان الحكومة اتّخاذ إجراءات سريعة تزيد مداخيل الدولة وتفتح تجارة عادلة للأسمنت”، وتختم: “ملفّ تنظيم المقالع والكسّارات لم يُطرح مرّة في لجنة البيئة النيابية”.
تعدٍّ على المشاع وإفلات مُمنهج من المحاسبة
ما يحصل في بعاصير من تعدٍّ موثّق على 4500 متر مربّع من مشاعات العقار 1031، لصالح نشاط على العقار 1029 المملوك للأخوين جهاد وخليل العرب، ليس حادثاً معزولاً، بل هو مرآة لآليّة عملٍ راسخة: استثناءات ملتبسة، صمت بلدي، تراخٍ وزاري، وشبكة مصالح بين السياسة والاقتصاد الريعي.
وبينما تتراكم المتوجّبات بمليارات الدولارات وتُستنزف البيئة بلا تعويض، يبقى القضاء، بما فيه من دعاوى الأمور المستعجلة، الأمل المتاح لاستعادة المشاعات ووقف النزف البيئي.
ويبقى السؤال معلّقاً: هل تتحرّك السلطات لفرض القانون واسترداد الحقوق العامّة، أم يُطوى هذا الملفّ كسواه في أرشيف الإفلات من العقاب؟
إقرأوا أيضاً:













