فيما تكثّف إسرائيل قصفها وهجومها الجوّي والبرّي على مدينة غزّة، كان مقهى
“نوتيلا” الفاخر يستقبل زبائنه، وسط المدينة المهدَّدة بالتدمير الكامل، والتحوّل إلى ركام غير صالح للحياة.
افتتح المقهى أبوابه بالتزامن مع أوامر الإخلاء الإسرائيلية لمدينة غزّة، في قلب حيّ الرمال المعروف بكونه الأرقى في المدينة. بدا وكأنه خارج الزمن، وكأن الحرب والإبادة لم تقعا بعد، وأن غزّة تعافت ولا قصف أو قتل خلف جدرانه. غير أن اشتداد الهجوم الإسرائيلي، مع دخول الدبابات إلى الأحياء، دفع إدارة المقهى إلى تفكيكه، والنزوح نحو جنوب وادي غزّة.
كان المقهى، بكلّ تفاصيله من التشطيبات الراقية في الداخل، ونوعية الشوكولاتة التي يقدّمها، وفريق العمل المنسجم، يجسّد التناقض الحادّ داخل المدينة: موت متواصل في الخارج، مقابل إصرار بعض الناس على التمسّك بالحياة كما يحبّونها.
“نوتيلا” هو الاسم الذي حمله المقهى الذي تسابق السكّان للذهاب إليه، لتذوّق الشوكولاتة التي يقدّمها، والتقاط صور السيلفي حول طاولاته، وتمضية بعض الوقت هرباً من الحرب المسعورة الدائرة خلف بابه.
حول إحدى الطاولات، جلست مجموعة فتيات يرتدين نظّارات شمسية ويحملن هواتف آيفون. ضحكاتهن تتعالى في المكان، تمنح أملاً بأن ثمّة حياة ورفاهية صغيرة لا تزال ممكنة في مدينة تُقصف كلّ ثانية.
أسيل، طالبة جامعية، اعتادت ارتياد المقهى منذ أيّامه الأولى. كانت تهرب من مشاهد القصف والموت في الخارج، لتجلس مع صديقاتها في مكان يتوفّر فيه الإنترنت، ويقدّم حلويات اعتدن على تناولها قبل الحرب.
تقول أسيل: “حتى الآن لم نغادر مدينة غزّة أو ننزح إلى الجنوب على رغم اشتداد القصف وكثرة الموت، لكنّنا نقلنا عفش منزلنا من شرق المدينة إلى غربها، وما زلنا نبحث عن أيّ مكان آمن”.
كانت أسيل بحاجة الى قضاء وقت في المقهى شبه الوحيد الذي ما زال يعمل في المدينة، للشعور ببعض الأمان والراحة النفسية، واستعادة لمحة من حياة طبيعية. لكن ما إن تخرج وتسمع سقوط الصواريخ وانهيار الأبراج السكنية، حتى يعود الضجيج إلى رأسها ويقترب معه الإحساس بالموت.
أجمل ما في المقهى إضاءته الخافتة التي تعمل بالطاقة الشمسية، ولوحاته الفنّية المعلّقة على الجدران، وصوت الموسيقى الذي يملأ أركانه، وقائمته الغنيّة بأنواع الشوكولاتة المختلفة.
أما أبشع ما فيه، فهو أصوات الانفجارات التي ترتفع بمجرّد الاقتراب من بابه، والدمار الكبير في الشارع الملاصق له، حيث المحلّات التجارية المهدّمة، وسيارات الإسعاف وعربات التوك توك التي تنتشل الضحايا المضرّجين بالدماء وتمرّ من أمامه، فيما تتهاوى الأبراج السكنية تحت صواريخ إسرائيلية لا تهدأ.
في ظلّ المشهدين المتناقضين، أصرّ القائمون على المقهى على مواصلة عملهم وتقديم الشوكولاتة لزبائنهم، على رغم اشتداد القصف وإعلان الجيش الإسرائيلي هجومه البرّي وازدياد أعداد النازحين جنوباً.
يحصل المقهى على شوكولاتة النوتيلا من داخل إسرائيل، إذ تدخل إلى القطاع عبر شاحنات التجّار من معبري كرم أبو سالم التجاري جنوباً وكيسوفيم في الوسط، وتُباع بأسعار تفوق قدرة كثيرين على تحمّلها.
تُباع عبوة النوتيلا (900 غرام) بـ120 شيكلاً (35 دولاراً)، بعدما كان سعرها قبل الحرب لا يتجاوز الـ10 شواكل (3 دولارات). وعلى رغم هذه الأسعار الباهظة، يجد سكّان غزّة أنفسهم مدفوعين لشرائها، في محاولة للعودة إلى حياتهم الطبيعية التي افتقدوها.
كان مرتادو المقهى يبحثون عن سرقة لحظات قصيرة من جحيم الحرب المستمرّة، وعن تغيير طعم المرارة التي عاشوها طوال شهور المجاعة القاسية.
إقرأوا أيضاً:









