قبل ستة أعوام، فوجئت «ليلى إمام» بزوجها يعلن زواجه من امرأة أخرى، بعد أكثر من 25 عاماً على زواجهما. برّر قراره بأنه يمارس حقاً يتيحه له الشرع وفق فهمه، وحين أعلنت رفضها خلال جلسة عائلية ضمّت زوجها وأشقاءها وأبناءها، خيّرها بين البقاء في الزواج أو الطلاق ومغادرة منزل الزوجية المملوك له.
كان أبناؤها قد تجاوزوا سن الحضانة. وتقول ليلى إنها كانت تخشى، استناداً إلى ما قيل لها داخل العائلة، ألا تتمكن من البقاء في منزل الزوجية في حال الطلاق. وفي الوقت نفسه، رفض أشقاؤها قرار الانفصال، بذريعة الحفاظ على استقرار الأبناء.
لكن ليلى تعتقد أن رفضهم لم يكن منفصلاً عن وضعها الاقتصادي؛ إذ لم يكن لديها دخل مستقل أو منزل تلجأ إليه، ولم تشعر بأن أشقاءها مستعدون لتحمّل مسؤولية إقامتها أو نفقاتها. لذلك، وجدت نفسها أمام خيارين كلاهما قاسٍ: البقاء في علاقة لم تعد تقبلها، أو المغادرة من دون مورد مالي أو مكان آمن.
خلال سنوات الزواج، لم يسمح لها زوجها بالعمل، بحجة ضرورة تفرّغها لرعاية المنزل والأبناء، وأنه قادر على تغطية احتياجات الأسرة.
تكشف تجربة ليلى واحداً من أشكال العنف الاقتصادي، الذي لا يقتصر على الحرمان المباشر من المال، بل يشمل أيضاً منع النساء من العمل، أو التحكم في دخولهن وممتلكاتهن، أو تقييد قدرتهن على اتخاذ القرارات المالية. وقد تؤدي هذه الممارسات إلى إبقاء المرأة في حالة تبعيّة، وتقليص قدرتها على الاعتراض أو مغادرة علاقة مؤذية.
تقول ليلى: «تربيت في مجتمع يرى أن عمل المرأة ليس مهماً، وأنها لا تعمل إلا عندما تكون الأسرة في حاجة إلى دخلها، كأن تكون أرملة أو مطلقة، أو يكون زوجها عاجزاً عن تغطية النفقات. كنت أظن أن هذا التقسيم عادل، خصوصاً أن جميع الأعمال المنزلية كانت ملقاة على عاتق المرأة».
مصروف أسبوعي تحت المراقبة
لم تكن ليلى تشارك في إدارة ميزانية المنزل. وبحكم عمل زوجها في مجال التغذية، كان يشتري بنفسه معظم احتياجات الأسرة، ويترك لها مبلغاً أسبوعياً محدوداً لشراء الخضروات وبعض المستلزمات اليومية، ثم يطلب منها أن تشرح له ما أنفقته.
ولم يكن يخصص لها مصروفاً شخصياً، على اعتبار أنها، كما كان يقول، تأكل وتشرب في المنزل، وأنه يشتري لها الملابس، وبالتالي لا تحتاج إلى الاحتفاظ بأموال خاصة بها.
بعد وفاة والدها، حصلت ليلى على مبلغ من ميراثها مقابل بيع قطعة أرض في بلدتها بمحافظة أسيوط. وتقول إن الأرض بيعت بأقل من قيمتها، في ظل سيطرة أعمامها على إجراءات البيع. احتفظت بالمبلغ في صورة مشغولات ذهبية، أضافتها إلى الشبكة التي قدمها لها زوجها عند الزواج.
لكنها، بحسب روايتها، لم تكن تملك حرية التصرف في هذه المشغولات. وبعد مدة، أخذها زوجها وباعها، قائلاً إنه سيقرض قيمتها إلى شقيقه.
وحين طالبت باستعادة الذهب أو قيمته خلال الجلسة العائلية، قال زوجها إنه حصل على المبلغ من شقيقه، لكنه رفض تسليمه إليها، مدعياً أنه اشترى الجزء الأكبر من المشغولات.
لم تتمكن ليلى، بعد جلسات عائلية متكررة، من استعادة أموالها أو الوصول إلى تسوية تضمن لها قدراً من الاستقلال الاقتصادي. ولم يعد منزل والدها متاحاً لها، كما لم يدعم أشقاؤها قرارها بالطلاق، بينما مارس بعض أبنائها ضغوطاً عليها للاستمرار في الزواج.
بقيت ليلى في منزل الزوجية، لكن من دون علاقة فعلية بزوجها، الذي أصبح يأتي إلى المنزل يوماً واحداً في الأسبوع ويحضر بعض الاحتياجات. وأصبح يترك المصروف الأسبوعي مع ابنته الكبرى كي تشتري المستلزمات اليومية، فيما بقيت ليلى من دون مبلغ خاص تستطيع التصرف فيه.
راتب فريدة ليس ملكاً لها
اختلفت تجربة «فريدة مصطفى» عن تجربة ليلى. ففريدة لم تُمنع من العمل، لكنها فقدت السيطرة على الدخل الذي تحصل عليه.
تعرّفت إلى زوجها في مكان عملهما المشترك، واتفقا على الزواج. وبعد شهر واحد من الزواج، طلب منها تسليمه بطاقة صرف راتبها، تحت شعار أنهما أصبحا «بيتاً واحداً وميزانية واحدة».
في البداية، لم تبدِ فريدة اعتراضاً، فقد اعتادت في منزل أسرتها أن تتولى والدتها إدارة ميزانية الأسرة. لكنها سرعان ما اكتشفت أنها لا تستطيع شراء احتياجات شخصية بسيطة، أو المشاركة مع زميلاتها في شراء وجبة طعام أثناء العمل، من دون موافقة زوجها.
وكان يرفض إعطاءها مبلغاً نقدياً خاصاً بها، بحجة أنها تذهب إلى العمل وتعود منه برفقته، ولا تحتاج إلى المال خلال اليوم.
وحين اعترضت، أخبرها بأن حصوله على راتبها أمر طبيعي لأنه «وافق على عملها»، وأن الساعات التي تمضيها في الوظيفة هي من حق الأسرة. كما استند إلى تجربة والدته، التي كانت تسلّم دخلها إلى والده.
احتجّت فريدة معتبرة أن من حقها الاحتفاظ بذمة مالية مستقلة. لكنه رد، وفق روايتها، بأن هذا الحق ينطبق فقط على الأموال التي تأتيها عن طريق الميراث، لا على الدخل الناتج من عمل وافق هو على استمرارها فيه.
كان يبرر تصرفه أيضاً بأنه لا ينفق راتبها على احتياجاته الشخصية، بل على المنزل الذي تعيش فيه، وأنه لا يحق لها الاعتراض ما دام يوفر لها ما يعتبره احتياجات أساسية.
ومع أن راتبها كاملاً كان يُنفق على مصاريف الأسرة، بقيت فريدة وحدها مسؤولة عن الأعمال المنزلية. ولم يكن زوجها يشاركها فيها، كما رفض الاستعانة بعاملة منزلية للمساعدة في التنظيف، ما وضعها أمام عبء مزدوج: العمل المأجور خارج المنزل، والعمل غير مدفوع الأجر داخله.
تفاقمت الخلافات بعدما اكتشفت، بحسب روايتها، أنه يدخر نحو 75 في المئة من راتبه، الذي لم تكن تعرف قيمته الحقيقية، بينما ينفق راتبها كاملاً على معيشة الأسرة.
طلبت فريدة الطلاق، واستطاعت إقناع أسرتها بدعم قرارها. وبعد جلسات تفاوض عائلية، وافق الزوج على الطلاق مقابل تنازلها عن حقوق مالية مترتبة على الانفصال. ورأت فريدة أن قبولها بهذا الشرط كان أقل كلفة من الدخول في إجراءات قضائية قد تكون طويلة ومرهقة.
المال بوصفه وسيلة للسيطرة
تعرّف لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا «الإسكوا»، العنف الاقتصادي بين الشريكين باعتباره نمطاً من السلوك يحرم فيه أحد الطرفين الآخر من الوصول إلى الموارد المالية أو التحكم فيها، ويُستخدم للإساءة أو السيطرة أو العزل أو تقويض الاستقلال والرفاه.
وقد يشمل العنف الاقتصادي الاستيلاء على دخل المرأة، ومنعها من العمل، والتحكم في إنفاقها، وحرمانها من الميراث، وإخفاء المعلومات المتعلقة بموارد الأسرة، وتسجيل الأصول المشتركة باسم الزوج وحده، وإجبارها على الاقتراض أو التوقيع على التزامات مالية لا تستفيد منها.
ولا يعترف القانون المصري، بحسب حقوقيات ومحاميات، بالعنف الاقتصادي كجريمة مستقلة وشاملة بكل صوره. لكن بعض الأفعال التي تندرج تحته يمكن أن تخضع لنصوص قانونية أخرى، وفق طبيعة كل واقعة، مثل الامتناع عن تسليم الميراث، أو الاستيلاء على الأموال، أو التزوير، أو الإكراه.
غير أن وجود نصوص قانونية تعالج بعض الأفعال لا يعني بالضرورة توفير حماية متكاملة للنساء من نمط السيطرة الاقتصادية داخل الأسرة، خصوصاً عندما تُقدّم هذه الممارسات اجتماعياً باعتبارها جزءاً طبيعياً من إدارة الزواج.
ولا تقتصر التبريرات على المحيط الأسري. ففي مقطع مصور متداول، قال عبد الله رشدي، وهو صانع محتوى يقدم نفسه بصفته باحثاً وداعية إسلامياً، إن على المرأة أن تمنح زوجها نسبة من راتبها مقابل موافقته على عملها. كما نُسبت تصريحات مشابهة إلى الممثل المصري مصطفى حشيش.
لا تمثل آراء كهذه بالضرورة موقفاً دينياً رسمياً أو موحداً، لكنها تساهم في تعزيز خطاب يجعل حق المرأة في العمل والتصرف بدخلها مشروطاً بموافقة الزوج، ويمنح السيطرة على مواردها تبريراً أخلاقياً أو دينياً.
كما صرّح المستشار عبد الرحمن محمد، بصفته رئيساً للجنة إعداد مشروعات قوانين الأسرة، بأن من حق الزوج منع زوجته من العمل إذا كان عملها يؤثر على الأسرة. ويثير مثل هذا الطرح مخاوف حقوقية من تحويل تصورات اجتماعية أبوية إلى قواعد قانونية تقيد حق النساء في العمل والاستقلال.
وتصدر عن بعض الوعاظ ورجال الدين آراء تمنح الزوج سلطة واسعة في السماح للزوجة بالعمل أو منعها منه. لكن من الضروري التمييز بين هذه الآراء الفردية، وبين المواقف الرسمية للمؤسسات الدينية، وبين النصوص القانونية النافذة.
من الحرمان من المال إلى الحرمان من العلاج
تذكر هبة راشد، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة «مرسال» الخيرية، إحدى النتائج المباشرة للحرمان الاقتصادي، والمتمثلة في عدم قدرة بعض النساء، خصوصاً في المناطق الريفية، على الوصول إلى العلاج بسبب عدم امتلاكهن المال، أو بسبب سيطرة فرد آخر من الأسرة على الموارد المتاحة.
وقد تجد المرأة نفسها مضطرة إلى الحصول على موافقة الزوج أو الأب أو أحد الأقارب قبل زيارة الطبيب أو شراء الدواء، حتى عندما تكون الأموال المستخدمة في العلاج ناتجة من عملها أو مملوكة لها.
تقول منى عزت، عضوة في مجلس أمناء مؤسسة «النون» لرعاية الأسرة واستشارية التمكين الاقتصادي، إن العنف الاقتصادي ضد النساء لا يمكن فصله عن منظومة أوسع من التمييز والعنف القائم على النوع الاجتماعي، تبدأ داخل الأسرة وتمتد إلى المجالين العام والخاص. وترى أن الأطر الثقافية والاجتماعية السائدة تكرس توزيعاً غير متكافئ للأدوار بين النساء والرجال، ما ينعكس على فرص النساء الاقتصادية ومكانتهن وقدرتهن على اتخاذ القرار.
توضح عزت أن أحد أبرز مظاهر هذا الاختلال هو عدم الاعتراف بالقيمة الاقتصادية للعمل غير مدفوع الأجر الذي تؤديه النساء داخل المنازل، من رعاية الأطفال والمسنين، وإعداد الطعام، والتنظيف، وإدارة شؤون الأسرة اليومية.
وتوفر هذه الأعمال على الأسر تكاليف كبيرة كان يمكن دفعها للحصول على الخدمات نفسها من السوق، إلا أنها تبقى غالباً غير مرئية في الحسابات الاقتصادية، ولا تمنح النساء في المقابل دخلاً مستقلاً أو حقوقاً في الأصول العائلية.
يؤدي تجاهل هذا الجهد إلى تكريس صورة نمطية مفادها أن المرأة «لا تعمل» ما دامت لا تتلقى أجراً، على الرغم من أن ما تؤديه من أعمال رعاية يدعم قدرة بقية أفراد الأسرة على العمل والإنتاج والادخار.
وتلفت عزت إلى شكل آخر من العنف الاقتصادي يتمثل في تجاهل مساهمات النساء المالية في تكوين الأصول المشتركة. فقد تشارك امرأة بجزء أساسي من دخلها في شراء منزل أو سيارة أو أرض، لكن الأصل يُسجّل باسم الزوج وحده، من دون وثائق تثبت مساهمتها أو تضمن حقها فيه عند الانفصال أو الوفاة.
ولا يعني تسجيل أصل باسم الزوج وحده، في جميع الأحوال، وجود عنف اقتصادي بالضرورة، لكن المشكلة تنشأ عندما تكون المرأة قد ساهمت في تمويله، ثم تُحرم من الاعتراف بمساهمتها أو من أي حق فيه، أو عندما يُستخدم التسجيل المنفرد أداة لإخضاعها وتهديدها بفقدان المسكن أو الممتلكات.
إقرأوا أيضاً:
وتعدّ ممارسات حرمان النساء من الميراث من أكثر صور العنف الاقتصادي وضوحاً، خصوصاً في الأسر التي تمتلك أراضي زراعية أو عقارات. وتوضح عزت أن بعض العائلات تسعى إلى إبقاء الثروة تحت سيطرة الرجال، للحفاظ على النفوذ الاقتصادي والاجتماعي داخل العائلة، ولو جاء ذلك على حساب حقوق النساء المقررة قانوناً وشرعاً.
وترى أن هذه الممارسات ترتبط بما تصفه بـ«السلطة الأبوية»، التي تمنح الرجال مساحة أوسع لاتخاذ القرار والتنقل والعمل وبناء الخبرات والعلاقات، بينما تتحمل النساء عبئاً مزدوجاً من العمل المأجور خارج المنزل وأعمال الرعاية غير المدفوعة داخله.
ولا تستفيد الأسر وحدها من استمرار هذا الوضع. فبقاء أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر يخفف من التكاليف التي قد تتحملها الدولة أو أصحاب العمل، مثل توفير الحضانات وخدمات رعاية الأطفال والمسنين، أو منح أجور وإجازات تتناسب مع مسؤوليات الرعاية.
وبذلك، يصبح العمل غير المدفوع الذي تؤديه النساء جزءاً من بنية اقتصادية أوسع تستفيد من بقائه غير مرئي وغير محسوب.
وتخلص عزت إلى أن مواجهة العنف الاقتصادي تتطلب الاعتراف بقيمة أعمال الرعاية والعمل المنزلي، إلى جانب توفير ضمانات قانونية واجتماعية تحمي حق النساء في الأجر والميراث والملكية، وتفكيك البنى التي تعيد إنتاج التبعية واختلال موازين القوة داخل الأسرة.
الاستدانة القسرية
قبل أسابيع، نشر رجل مقطع فيديو يشكو فيه من تعرضه للاعتداء على يد أفراد من أسرة زوجته. وأقر خلال حديثه بأنه ضرب زوجته بعدما رفضت الحصول على قرض باسمها لتمويل مشروع خاص به.
اللافت في المقطع، أنه تعامل مع مطالبتها بالاقتراض باسـمها باعتبارها أمراً طبيعياً، من دون أن يولي اهتماماً واضحاً للمخاطر القانونية والمالية التي قد تتحملها وحدها إذا تعثر السداد.
لا يمكن اعتبار ما ورد في مقطع واحد دليلاً على مدى انتشار الظاهرة، لكنه يسلط الضوء على أحد أشكال العنف الاقتصادي الذي ترصده عاملات في المجال الحقوقي، وهو دفع النساء أو الضغط عليهن للحصول على قروض أو تمويلات أو التوقيع على إيصالات والتزامات مالية لمصلحة الزوج أو الأسرة.
وفي هذه الحالات، قد تتولى المرأة المسؤولية القانونية عن الدين، حتى عندما لا تكون المستفيدة الفعلية منه. وإذا توقف الطرف الآخر عن السداد، فقد تواجه مطالبات مالية ودعاوى قضائية، إلى جانب تضرر تصنيفها الائتماني. وتتوقف العواقب القانونية الدقيقة على طبيعة العقد، والضمانات، والمستندات التي وقعتها، والمسار القضائي لكل واقعة.
هذا ما تقوله «زهراء حسان» عن تجربتها. فقد وافقت، تحت ضغط زوجها، على الحصول على تمويل استهلاكي باسـمها، لاستخدامه في دفع مقدم سيارة كان يعتزم العمل من خلالها على أحد تطبيقات التوصيل. وبعد فترة، توقف عن دفع الأقساط، فوجدت نفسها مطالبة بالسداد، وتضرّر تصنيفها الائتماني.
بلغت قيمة الأقساط المتأخرة نحو 25 ألف جنيه. وحين طالبته بالسداد، نشبت بينهما مشاجرة، أخبرها خلالها بأنه لن يدفع شيئاً إضافياً، وأن سداد أقساط السيارة يكفيه. كما قال لها، وفق روايتها، إنه يوافق على تطليقها مقابل تنازلها عن حقوقها المالية، أو يمكنها اللجوء إلى الخلع.
بعد الانفصال، اضطرت زهراء إلى سداد الأقساط المتأخرة وبقية الالتزامات. وحتى كتابة هذه السطور، تقول إنها لا تستطيع الحصول على تمويل مصرفي جديد بسبب تضرر سجلها الائتماني.
تكشف هذه التجربة أن العنف الاقتصادي لا يتحقق فقط من خلال الاستيلاء على المال الموجود، بل يمكن أن يتم أيضاً عبر تحميل المرأة ديوناً والتزامات مستقبلية تحدّ من قدرتها على الاستقلال، حتى بعد انتهاء العلاقة الزوجية.
العمل لا يعني بالضرورة الاستقلال
تقول لمياء لطفي، مؤسِّسة مبادرة المرأة الريفية لتمكين النساء، إن العنف الاقتصادي لا يقتصر على منع النساء من العمل أو التمييز ضدهن في الأجور، بل يمتد إلى السيطرة على الموارد التي يمتلكنها أو ينتجنها، بما يحرمهن من اتخاذ القرار والتحكم في حياتهن.
وتوضح أن التمييز والعنف الاقتصاديَّين مفهومان مترابطان، لكنهما ليسا متطابقين. فالتمييز الاقتصادي يظهر، مثلاً، في فجوات الأجور، أو في تقسيم سوق العمل على أسس جندرية تحصر النساء في وظائف وقطاعات أقل أجراً أو أقل استقراراً.
أما العنف الاقتصادي، فيظهر عندما تُحرم المرأة، داخل علاقة أو أسرة، من التصرف في دخلها أو ممتلكاتها أو مواردها، أو عندما يُستخدم المال لإخضاعها أو عزلها أو تقليص خياراتها.
وتضيف: «قد تعمل المرأة وتحصل على أجرها، لكنها لا تملك حرية التصرف به. يُفرض عليها ما تنفقه وما لا تنفقه، وتُحرم أحياناً من تلبية احتياجاتها الشخصية الأساسية. وفي هذه الحالة، يصبح المال أداة للسيطرة عليها، وعزلها عن محيطها الاجتماعي، وتقليص قدرتها على الحركة والتواصل واتخاذ القرار».
وترى لطفي أن جوهر العنف الاقتصادي هو تقويض استقلالية النساء، وليس مجرد الخلاف حول المال. فقد يشمل الحرمان أجورهن أو ميراثهن أو ممتلكاتهن أو الأموال التي يحصلن عليها من أسرهن.
وتشير إلى أن بعض النساء يُحرمن من المشاركة في إدارة مصروف الأسرة أو اتخاذ قرارات الإنفاق، بينما تُنقل هذه الصلاحيات إلى الزوج أو أحد الأبناء أو أقارب آخرين. ولا تمثل كل اختلافات الأزواج حول إدارة الميزانية عنفاً اقتصادياً، لكن الأمر يتحول إلى عنف عندما تكون العلاقة قائمة على الإكراه والحرمان والرقابة، ويُسلب أحد الطرفين حقه في الوصول إلى المال أو اتخاذ القرار.
وتلفت لطفي إلى أن الأرامل في بعض المناطق الريفية يواجهن أوضاعاً أكثر تعقيداً، إذ تنتقل السيطرة الفعلية على موارد الأسرة، في حالات ترصدها المبادرة، إلى الجد أو العم أو أحد أقارب الزوج المتوفى.
وقد تصبح المرأة، على الرغم من أنها المسؤولة المباشرة عن رعاية أبنائها، عاجزة عن اتخاذ قرارات تتعلق بتعليمهم أو احتياجاتهم أو مستقبلهم، نتيجة افتقارها إلى السيطرة على الموارد الاقتصادية.
وتقول إن العنف الاقتصادي لا يقتصر على الحرمان المادي، بل قد يمتد إلى التحكم في تفاصيل حياة المرأة اليومية، من التنقل والعلاج إلى العلاقات الاجتماعية والاحتياجات الشخصية.
وقد يتقاطع هذا النمط من السيطرة مع أشكال أخرى من العنف النفسي أو الاجتماعي أو الجسدي. كما يمكن أن يزيد من عزلة المرأة وشعورها بالعجز، ويحدّ من قدرتها على طلب المساعدة أو مغادرة علاقة مؤذية.
وتستشهد لطفي بحالات لنساء حُرمن من التصرف في أموال حصلن عليها من أسرهن، أو من استخدام ممتلكاتهن الشخصية، أو فُرضت عليهن رقابة مشددة على تحركاتهن واحتياجاتهن اليومية.
وترى أن هذه الوقائع تكشف كيف يمكن استخدام السيطرة الاقتصادية ضمن نمط أوسع من التحكم القسري، وهو مفهوم يشير إلى مجموعة من السلوكيات المتكررة التي تهدف إلى إخضاع شخص آخر وتقليص حريته واستقلاله، ولا تقتصر بالضرورة على الاعتداء الجسدي.
وتؤكد أن حصول المرأة على وظيفة أو دخل لا يكفي وحده لتحقيق التمكين الاقتصادي، إذا بقي شخص آخر يسيطر على هذا الدخل أو يحدد أوجه إنفاقه.
وتضيف: «المشكلة ليست فقط في حصول المرأة على الموارد، بل في حقها الكامل بالتحكم بها. فالتمكين الاقتصادي الحقيقي يبدأ عندما تصبح المرأة قادرة على اتخاذ قراراتها بحرية وإدارة مواردها من دون وصاية أو إكراه».
وتختتم لطفي بالقول إن خطورة العنف الاقتصادي تكمن في استهدافه أحد أسس الاستقلال الإنساني، إذ يحرم النساء من القدرة على الاختيار والحركة والمشاركة، ويقوض إحساسهن بالأمان والكرامة، وقدرتهن على رسم مسارات حياتهن بأنفسهن.
العنف الاقتصادي ليس مجرد خلاف عائلي حول إدارة المال، ولا يُقاس فقط بحجم المبلغ الذي تحصل عليه المرأة. فقد تُوفَّر لها احتياجات الطعام والملبس، فيما تظل محرومة من امتلاك المال، أو معرفة موارد الأسرة، أو التصرف بدخلها، أو اتخاذ قرار يتعلق بمستقبلها. وهو أيضاً أحد العوامل التي قد تسمح باستمرار أشكال أخرى من العنف، لأن المرأة التي لا تملك دخلاً أو مسكناً أو حقاً مثبتاً في ممتلكات الأسرة، تكون أقل قدرة على مغادرة العلاقة أو طلب الحماية أو تحمّل كلفة التقاضي.
وما لم يُعترف بالعنف الاقتصادي بوصفه جزءاً من منظومة أوسع للسيطرة والتمييز، وتُوفَّر للنساء وسائل الشكوى والمساعدة القانونية والسكن الآمن وفرص العمل والحماية الاجتماعية، ستبقى نساء مثل ليلى وفريدة وزهراء أمام خيارات محدودة، لا بسبب غياب الإرادة، بل لأن الاستقلال يحتاج إلى موارد وحقوق وآليات حماية فعلية.
إقرأوا أيضاً:












