ليست قضية جيفري إبستين حادثةً معزولة، ولا انحرافاً فردياً، بل هي مرآة فاضحة لمنظومات سلطة تجعل من الرغبات حقاً مُقنَّعاً، وتحوّل أجساد الطفلات والفتيات إلى مساحات مباحة تحت غطاء النفوذ والمال والصمت المؤسسي. في هذا المعنى، لا يشير اسم إبستين إلى شخص بقدر ما يحيل إلى منطقٍ متجذّر، يُعاد إنتاجه كلما انفصلت السلطة عن المساءلة، وكلما تم التعامل مع العنف، ولا سيما العنف الجنسي، بوصفه أثراً جانبياً لا بنيةً قائمة بذاتها.
لقد سُمِعت أصوات الناجيات، ربما، لكن نادراً ما احتُرم وجع هذه الأصوات. تحوّلت شهادات الضحايا إلى مادة استعراض، والصورة إلى أداة تعبئة، بينما ظل الصوت محاصراً بشروط التوظيف للحظة إعلامية ما، أو حملة سياسية ضد خصم المرحلة. تم تداول صور الضحايا، أحياناً بوجوه ظاهرة وأحياناً بلا وجوه، بحجة الحماية، فيما كانت كل واحدة من الفتيات تعرف أنها حاضرة في المشهد، مُعاد تدويره، مُجرّد من السياق والمعنى.
هكذا، لم يكن الإخفاء فعلَ صون، بل شكلاً آخر من المحو: حضور الجسد بوصفه دليلاً، وغياب الذات بوصفها الكيان والروح والمعنى. فإخفاء الوجوه لم يمنع تحويل الأجساد إلى أدلة بصرية تُستَخدم في الإعلام والسياسة والخطاب العام. هذه الصور، التي تتكرر بلا سياق وبلا صوت، لم تُنقذ الفتيات من الانكشاف، بل جرّدتهن من حق السرد والتموضع. أصبح الجسد حاضراً بوصفه مادة إثبات، فيما غاب الصوت، واختُزلت التجربة، واستُبعدت الإنسانية.
أما المناصرة الحقة، فتقتضي ضبط النفس، وقبول الصمت والحدود، ورفض استخراج التفاصيل لإشباع الأثر العاطفي أو الادعاء الأخلاقي. في المقابل، يزدهر التلصص عبر التكرار والاستعراض، وتحويل الشهادة إلى محتوى، والمعاناة إلى “دليل”. وهنا قد تنزلق أعمال المناصرة نفسها إلى إعادة إنتاج اختلالات القوة التي تزعم مقاومتها.
في هذا الفضاء، يضيق الخط الفاصل بين الإصغاء الأصيل لآلام الضحايا وبين التلصص. فحين تُستَخدم المعاناة لإنتاج الغضب العام، وحين تُستثمر القصة من دون موافقة أو وكالة، يُعاد إنتاج منطق الاستباحة نفسه الذي سمح بالعنف أصلاً. لا يعود السؤال مقتصراً على من ارتكب الجريمة، بل يمتد إلى من مكَّن، وصمت، وتطلّع، وما زال في الظل. كم من الأسماء لم تُذكر بعد؟ وكم من الأجساد ستظل عرضة للخطر ما دامت السلطة تُمارَس كحق في إشباع الرغبات لا كمسؤولية؟
إقرأوا أيضاً:
غالباً ما تُقدَّم قضية إبستين بوصفها لحظة مفصلية في الوعي العام بالاستغلال الجنسي، والإتجار بالبشر، وإفلات النخب من العقاب. نعم، تم تصديق بعض الناجيات بطرق لم تكن ممكنة قبل عقود، وساهمت شهاداتهن في كسر جدران الإنكار الطويلة. غير أن التصديق وحده لا يرقى إلى العدالة، كما أن الظهور العلني لا يعني بالضرورة الاحترام. فعلى الرغم من الزخم غير المسبوق الذي أحاط بالقضية، كشفت هذه اللحظة عن فشل أعمق: عجز المؤسسات، والإعلام، والخطاب العام عن احترام أصوات الضحايا ووكالتهن (Agency) وكرامتهن.
لعقود، تم تجاهل ضحايا إبستين، أو التشكيك فيهن، أو إسكاتهن بشكل مباشر. وعندما دخلت قصصهن المجال العام، حدث ذلك فجأة وبكثافة. تصاعدت التغطيات الإعلامية، تكاثرت الوثائقيات، وفُكِّكت الوثائق القانونية على مرأى الجميع. صارت تجارب الناجيات محور السرد، لكنها كثيراً ما استُخدمت كمادة خام، لا كحيوات تتطلب رعاية، وموافقة، وسياقاً.
انصبّ الاهتمام العام سريعاً على أسئلة مثيرة: من هم المتورطون الآخرون؟ من هم أصحاب النفوذ؟ ما الذي ما زال مخفياً؟ وفي خضم ذلك، تم توظيف أصوات الضحايا توظيفاً أداتياً، واستُخدم الألم لتغذية الفضول العام بدل أن يقود إلى مساءلة حقيقية وإصلاح بنيوي.
تسييس صور ضحايا إبستين واستخدامها كوقود للغضب العام يكشفان فشلاً أخلاقياً عميقاً في التمييز بين الشهادة والتلصص. فالاستماع الحقيقي الى الناجيات يتطلب الاعتراف بحقهن في التحكم بكيفية تمثيل قصصهن، وبحدود ما يُروى وما يُحجب. أما حين تتحول الصور إلى أدوات تعبئة تُستدعى عند الحاجة وتُنسى عند انتفاء المصلحة، فإننا نعيد إنتاج منطق الاستباحة نفسه: استباحة الجسد، ثم الصورة، وأخيراً المعنى.
صُدِّقت كثيرات من الناجيات في شبكة إبستين، وهذا مهم. لكن في كل زاوية ومفترق ولحظة، هناك من يترقب الانقضاض على جسد ضعيف، وعقل لم يكتمل نموه، ومعرفة هشة، وشبكة أمان مترهلة. وهنا يصعب استخدام عبارة “الناجيات”، لأن النجاة أبعد وأعمق من كون الفتيات لم يمتْن جسدياً، على الأقل. فالمعتدي يبقى فينا، في الخفاء، يتلصص، ويتمنى نفوذاً ما ليتكرر المشهد.
توظيف وثائق إبستين سياسياً لن يشفع لمن حلّل زواج القاصرات، أو انقضّ على الأطفال في دور الرعاية والعبادة، أو برّر استخدام النفوذ في تلبية عنف جنسي هو أساس العنف وجوهره.
بالأمس، وفي طريقي من طرابلس إلى بيروت، رأيت، وبالعين المجرّدة، فتيات على نوافذ سيارات اللاهثين وراء غريزة هي نفسها التي يلهث وراءها من هو في موقع سلطة أو نفوذ. المسألة هنا نسبية: نسبية السلطة، ونسبية ضعف الفتيات وظروفهن. لا شيء “غريب” في هذا كله. إبستين قريب جداً منا جميعاً، وبعضنا شريك أحياناً عبر غضّ الطرف، وأحياناً كثيرة عن سابق إصرار وتصميم.
إقرأوا أيضاً:














