ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

ملفات إبستين: حياة “الشرّ” اليوميّة 

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

كل حياة إجرامية عالية العنف تجاورها حياة يومية عادية، هذا هو الدرس الأول الذي تُمليه قراءة رسائل إبستين. هذا ما نعرفه عن عالمنا، نحن نعيش حياة يومية مشتركة مع العنف.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لا يكتفي “العالم” من إبستين وملفاته، إذ هناك ميلٌ الى المتابعة، لاكتناز المعلومات ومعرفتها، كأن الأمر لا يتعلق بفضيحة فقط، بما فيها من بنى سلطوية وقضائية فاقدة قدرتها على العقاب والمحاسبة، بل أيضاً بمحاولة خفية للمشاركة في فهم وحشٍ ما، أو جعلنا جميعًا مشاركين في فهمه.

 “انتحار” إبستين ونشر وزارة العدل الأميركيّة نحو نصف البيانات عنه، فتحا الباب أمام الفضوليين والمحققين والمحامين والضحايا و”كل” من يمتلك اتصالاً بالإنترنت لاكتشاف “الحياة اليومية” لهذا “الوحش”، ملايين الوثائق والصور، متاحة، بل حتى قائمة الكتب التي اشتراها، والموسيقى التي كان يستمع إليها.

“الغرق” في الوثائق، يتركنا أمام وحش يمارس يومياته كما لو أنه لا يرتكب أي شي: يشكر، يرتب موعداً، يمازح، يكتب كلمات عابرة أو ودية. رسائل تبدو تافهة أحيانًا، نقرأها لاكتشاف شيء، أو لنندهش من تشابهه معنا. إنها رسائل إنسانٍ ميت، إنسان لم تعد تعنيه العائلة ولا الإرث ولا البنى الوراثية للعار؛ لا أبناء يحملون اسمه، ولا سلالة تحاسب نيابة عنه. 

ومع ذلك يبقى السؤال، سؤال اليومي: كيف عاش هذا الشخص بيننا طبيعيًا؟، هو مات نعم، لكنه يستمر رمزيًا عبر ملايين الرسائل عنه، والرسائل التي كتبها، المرمية أمامنا. هذا الاستمرار لا يحدث بإرادته، بل أيضًا رغمًا عنا. لم نعد مجرد متابعين، بل ورثة رمزيين: نحمل الاسم، نكرر القصة، ونعيد إنتاج الأثر. الحساب التأويلي لا ينتهي، لأنه بلا وريثٍ يُغلقه. لكن سيبقى الكثيرون ممن كانوا معه، ويراسلونه، ويعرفونه، بيننا، أو حاولوا أن يكونوا معه، والأهم، هناك الضحايا، الباحثات عن العدالة، أولئك الذين عرضهم التسريب للخطر، مع ذلك، صمموا على المواجهة، المشكلة ليست فقط في الوحش، بل في البنية التي تحتويه.

في الشرّ

لا يُفهم شر إبستين بوصفه انحرافًا فرديًا عابرًا، إنه بشكل ما نمط للعيش داخل عالم اجتماعي معين، التسريبات أتاحت لنا اكتشاف الوحش الذي لا يُعرف فقط بأفعاله القصوى، بل أيضًا بأفعاله اليومية، بما يكتبه، بما يقوله، وباللغة التي تسمح له أن يستمر. نحن نملك رسائل متقاربة في يومياتنا مثله، شكر، مجاملة، اشتياق، ترتيب مواعيد. كل حياة إجرامية عالية العنف تجاورها حياة يومية عادية، هذا هو الدرس الأول الذي تُمليه قراءة رسائل إبستين. هذا ما نعرفه عن عالمنا، نحن نعيش حياة يومية مشتركة مع العنف.

إبستين لم يكن وحيدًا، بل له شركاء. غير أن موته جعله معزولًا، واختصر نية شريرة أوليغارشية في جسد واحد واسم واحد. هذا الاختصار، مع الفضيحة والعقاب، حرّك فينا فضولًا أقرب إلى التلصّص، تلصّص جماعي بلا تجميل، يختلط فيه الميل إلى المحاسبة والقضاء بالرغبة في النفوذ. هنا يظهر فرح ضمني، فرح لدينا جميعًا، لأننا فككنا وحشًا، وعرفنا عالمًا بروتوكوليًا ناعمًا. لكن المشكلة أننا سنعتاد عليه، سنتجاوز الفظاعة التي عشناها من خلاله.

يبقى السؤال نفسه. الوحش لم يكن واحدًا، بل مكررًا. وما انكسر هو الاسم، لا الإيقاع. الإيقاع هو الأهم، وهو ما يبدو عصيًّا على الكسر. المعرفة التي لا تعطل هذا الإيقاع تتحول إلى وظيفة داخل النظام نفسه. هنا لا يعود السؤال أخلاقيًا محضًا، ولا نفسيًا فرديًا؛ فالشر لا يُقاوَم لأن لغته تعيش معنا، نقرأ اللغة نفسها التي كُتب بها، اللغة التي تتيح له أن يكون مفهومًا، طبيعيًا، وقابلًا للعيش بيننا. إنه الشر اليومي المندمج بزمننا، بالسياسة، بالعلاقات، وبالقضاء. الفرد لا يعمل خارج المجتمع، بل داخله، ضمن علاقات قوة، ولغة، ومؤسسات، تسمح له بأن يكون ما هو عليه من دون أن يخرج عن القاعدة. الشر هنا ليس انحرافًا شاذًا عن النظام، بل أحد أشكاله الممكنة.

لهذا، فإن اختزال المسألة في شخص واحد، أو فضيحة واحدة، لا يفسر شيئًا. هو يعفي البنية من المساءلة، ويحوّل النقد إلى تصفية حساب مع فرد، وأي فرد فردٌ ميت، بدل أن يكون تفكيكًا لشروط اجتماعية كاملة، سمحت له، ولغيره، بأن يعيشوا بيننا بلا انقطاع.

اقتصاد الرغبات

كان إبستين شريراً ماهراً، شريراً حديثاً من دون تفكيك، يبحث عن استضافة لشره في مكان ما من هذا العالم، وأسوأ تسوياته هي يومياته التي لا نعرفها باللغة بل بالسرد، سرد الوثائق وسرد الضحايا، وسرد مكتوم لضحايا نازحين ومقتولين في الحروب، الأسوأ حياته الخاصة، القائمة على انتزاع سلم الآخرين، وفي الفتيات القاصرات اللواتي انتزع داخلهن العالم، العالم مليء بالرغبات، هذا مؤكد، لكن ما تغير أن هذه الرغبات باتت متاحة بسهولة، لم تعد نادرة، ولا تحتاج انتظاراً، ولا خيالاً، هنا يظهر السلطوي الجديد بوصفه بدائياً، لا لأنه خارج الحداثة، بل لأنه فقد القدرة على الرغبة نفسها كما نعرفها نحن.

 هو لا يحب اللغة ولا العرض ولا التخييل، بل يميل الى انتزاع ما هو ساكن، إلى الفرض المباشر، الى الاقتحام، الرغبات التي لا تمر عبر العنف لا تشكل عنده عيشاً حقيقياً، ما لا ينتزع لا قيمة له، لذلك يتحول الفعل الى تحرش، الى فرض، الى غضب، ليس بوصفه انفجار شهوة، بل بوصفه فشلاً في الرغبة، العنف هنا ليس إفراطاً، بل تعويض عن فراغ.

هكذا تصنع ضحايا نموذجية، قابلة للإنكسار، للتفتت، وللقضاء عليها، ليست الضحية عدواً، بل مادة، هذه طرق قديمة جداً، بدائية، تشبه أساليب تعذيب الحيوانات، لكنها تعود اليوم لأن البشر ملّوا من الإتاحة، من سهولة الأشياء، من الحصول السريع عليها، حين تفقد الرغبة معناها، يعاد تصنيع الندرة عبر الالم،

كان العقل قد صنع التعقيد للفلسفة كي يفتح مجال الفهم، كي ينتج مخيالاً، كي يبطئ العنف، لكن التعقيد نفسه يمكن أن ينقلب الى شر، حين لا يعود أداة للفهم، بل أداة لإنتاج معنى للألم، عندها لا يلغى العنف، بل يبرر، يفسر، ويمنح شكلاً عقلانياً، حيث يصبح الشر خالقاً لمعنى الألم عند الضحايا، لا مجرد فعل قاس، بل نظاماً يشرح نفسه، ويقنع، ويستمر. 

الرغبة السوية تحتاج مسافة، لعباً، تمثيلاً، قناعاً متبادلاً، نوعاً من المسرح، أما المفترس فيكره المسرح لأنه يفرض اعترافاً بالآخر، لذلك يختصر الطريق الى الاقتحام، يسرق السيناريو كي لا يفاوض على حضور الضحية، ومن يطلع على مقابلات ضحايا إبستين، أو رسائله، سيعرف امتداد السادية جيداً، كيف هذبت خطابها، وكيف يصبح الاقتناص يملك بدلة وسلطة وخطاباً يومياً عادياً لكي يتحول الى إقناع، كم كان من الصعب على إبستين أن ينفضح قبل موته، لا لأن الحكاية لم تكن هناك، بل لأن القناع كان يعمل، بدلة، علاقات، وعادية يومية تبتلع الاستثناء، وتحوّل الشهادة الى التباس، والضحية الى سؤال.

ذكورة العالم في شخص!

كان إبستين تكثيفًا عامًا لنموذج ذكوري عالمي، نموذج يُكافأ لأنه ينجح في مراتب كثيرة، في السياسة، في الاجتماع، في اللطف، وفي القدرة على الاشتراك مع حكّام العالم. لم يكن إبستين ذكورة أصلية، ولا قوة طبيعية، بل أداءً مقنعًا للسلطة الذكورية. بدلة، علاقات، خطاب ناعم، وعادية يومية. أداء يعمل طالما لم يُكسر القناع، وطالما بقيت العادية قادرة على ابتلاع الاستثناء.

 لا تعمل السلطة عبر أي استثناء، بل عبر العادية نفسها لا تحتاج إلى عنف فاضح كي تستمر، بل إلى انتظام يومي، إلى لغة مألوفة، وإلى سلوك يبدو طبيعيًا. الهيمنة هنا لا تُمارَس بالقوة وحدها، بل بالثقافة، بالتمثيل، وبإعادة تعريف العنف بوصفه التباسًا أو سوء فهم. ما تبتلعه الثقافة المهيمنة لا يختفي، بل يُعاد ترتيبه داخل خطاب مقبول، يُخفَّف حدّه، ويُنزَع عنه طابعه الإجرامي، ليصير قابلًا للتأجيل، أو للنقاش، أو للتأويل.

لا يشكّل الذكاء ولا الثقافة عائقًا أمام السلوك المفترس. على العكس، قد يتحوّلان إلى شرط من شروط نجاحه. المعرفة، حين تنفصل عن المساءلة، لا تُنتج وعيًا، بل قدرة أعلى على التخفّي. الذكاء لا يردع، بل ينظّم. بإمكاننا مشاهدة إبستين قبل اعتقاله في سياق التحقيقات، بارد ذكيّ، يعيش يومياته بثقة، ذكورية غريبة انتزاعية وقاهرة وغريبة. الثقافة لا تمنع العنف، بل تمنحه لغة، وتتيح له أن يتحرّك داخل المجتمع من دون أن يُسمّى باسمه. هكذا لا يعود المفترس خارج النظام، بل يعمل في داخله، مستفيداً من أدواته الرمزية، ومن قدرته على تحويل الوقائع إلى روايات، والضحايا إلى إشكاليات مُصابة، والعنف إلى مسألة قابلة للتأويل.

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 13.03.2026

“نسف – قصف – عصف”: النسخة الثالثة من بلدتي شقرا

هل سنكون بفعل هذه الحرب أمام النسخة الثالثة من المنازل؟ النسخة الثالثة من شقرا التي تبعدني كل حرب عنها مسافة جديدة. أدقق في الفيديوات التي تصلني عساني أعثر على منزل بنسخته الأولى. أقرأ على شاشة التلفزيون خبراً عن استهداف شقرا بغارة جديدة. أفتح الفيديوات وأدقق في المنازل. قال لي فادي إن الغارة الأخيرة ربما استهدفت…
06.02.2026
زمن القراءة: 6 minutes

كل حياة إجرامية عالية العنف تجاورها حياة يومية عادية، هذا هو الدرس الأول الذي تُمليه قراءة رسائل إبستين. هذا ما نعرفه عن عالمنا، نحن نعيش حياة يومية مشتركة مع العنف.

لا يكتفي “العالم” من إبستين وملفاته، إذ هناك ميلٌ الى المتابعة، لاكتناز المعلومات ومعرفتها، كأن الأمر لا يتعلق بفضيحة فقط، بما فيها من بنى سلطوية وقضائية فاقدة قدرتها على العقاب والمحاسبة، بل أيضاً بمحاولة خفية للمشاركة في فهم وحشٍ ما، أو جعلنا جميعًا مشاركين في فهمه.

 “انتحار” إبستين ونشر وزارة العدل الأميركيّة نحو نصف البيانات عنه، فتحا الباب أمام الفضوليين والمحققين والمحامين والضحايا و”كل” من يمتلك اتصالاً بالإنترنت لاكتشاف “الحياة اليومية” لهذا “الوحش”، ملايين الوثائق والصور، متاحة، بل حتى قائمة الكتب التي اشتراها، والموسيقى التي كان يستمع إليها.

“الغرق” في الوثائق، يتركنا أمام وحش يمارس يومياته كما لو أنه لا يرتكب أي شي: يشكر، يرتب موعداً، يمازح، يكتب كلمات عابرة أو ودية. رسائل تبدو تافهة أحيانًا، نقرأها لاكتشاف شيء، أو لنندهش من تشابهه معنا. إنها رسائل إنسانٍ ميت، إنسان لم تعد تعنيه العائلة ولا الإرث ولا البنى الوراثية للعار؛ لا أبناء يحملون اسمه، ولا سلالة تحاسب نيابة عنه. 

ومع ذلك يبقى السؤال، سؤال اليومي: كيف عاش هذا الشخص بيننا طبيعيًا؟، هو مات نعم، لكنه يستمر رمزيًا عبر ملايين الرسائل عنه، والرسائل التي كتبها، المرمية أمامنا. هذا الاستمرار لا يحدث بإرادته، بل أيضًا رغمًا عنا. لم نعد مجرد متابعين، بل ورثة رمزيين: نحمل الاسم، نكرر القصة، ونعيد إنتاج الأثر. الحساب التأويلي لا ينتهي، لأنه بلا وريثٍ يُغلقه. لكن سيبقى الكثيرون ممن كانوا معه، ويراسلونه، ويعرفونه، بيننا، أو حاولوا أن يكونوا معه، والأهم، هناك الضحايا، الباحثات عن العدالة، أولئك الذين عرضهم التسريب للخطر، مع ذلك، صمموا على المواجهة، المشكلة ليست فقط في الوحش، بل في البنية التي تحتويه.

في الشرّ

لا يُفهم شر إبستين بوصفه انحرافًا فرديًا عابرًا، إنه بشكل ما نمط للعيش داخل عالم اجتماعي معين، التسريبات أتاحت لنا اكتشاف الوحش الذي لا يُعرف فقط بأفعاله القصوى، بل أيضًا بأفعاله اليومية، بما يكتبه، بما يقوله، وباللغة التي تسمح له أن يستمر. نحن نملك رسائل متقاربة في يومياتنا مثله، شكر، مجاملة، اشتياق، ترتيب مواعيد. كل حياة إجرامية عالية العنف تجاورها حياة يومية عادية، هذا هو الدرس الأول الذي تُمليه قراءة رسائل إبستين. هذا ما نعرفه عن عالمنا، نحن نعيش حياة يومية مشتركة مع العنف.

إبستين لم يكن وحيدًا، بل له شركاء. غير أن موته جعله معزولًا، واختصر نية شريرة أوليغارشية في جسد واحد واسم واحد. هذا الاختصار، مع الفضيحة والعقاب، حرّك فينا فضولًا أقرب إلى التلصّص، تلصّص جماعي بلا تجميل، يختلط فيه الميل إلى المحاسبة والقضاء بالرغبة في النفوذ. هنا يظهر فرح ضمني، فرح لدينا جميعًا، لأننا فككنا وحشًا، وعرفنا عالمًا بروتوكوليًا ناعمًا. لكن المشكلة أننا سنعتاد عليه، سنتجاوز الفظاعة التي عشناها من خلاله.

يبقى السؤال نفسه. الوحش لم يكن واحدًا، بل مكررًا. وما انكسر هو الاسم، لا الإيقاع. الإيقاع هو الأهم، وهو ما يبدو عصيًّا على الكسر. المعرفة التي لا تعطل هذا الإيقاع تتحول إلى وظيفة داخل النظام نفسه. هنا لا يعود السؤال أخلاقيًا محضًا، ولا نفسيًا فرديًا؛ فالشر لا يُقاوَم لأن لغته تعيش معنا، نقرأ اللغة نفسها التي كُتب بها، اللغة التي تتيح له أن يكون مفهومًا، طبيعيًا، وقابلًا للعيش بيننا. إنه الشر اليومي المندمج بزمننا، بالسياسة، بالعلاقات، وبالقضاء. الفرد لا يعمل خارج المجتمع، بل داخله، ضمن علاقات قوة، ولغة، ومؤسسات، تسمح له بأن يكون ما هو عليه من دون أن يخرج عن القاعدة. الشر هنا ليس انحرافًا شاذًا عن النظام، بل أحد أشكاله الممكنة.

لهذا، فإن اختزال المسألة في شخص واحد، أو فضيحة واحدة، لا يفسر شيئًا. هو يعفي البنية من المساءلة، ويحوّل النقد إلى تصفية حساب مع فرد، وأي فرد فردٌ ميت، بدل أن يكون تفكيكًا لشروط اجتماعية كاملة، سمحت له، ولغيره، بأن يعيشوا بيننا بلا انقطاع.

اقتصاد الرغبات

كان إبستين شريراً ماهراً، شريراً حديثاً من دون تفكيك، يبحث عن استضافة لشره في مكان ما من هذا العالم، وأسوأ تسوياته هي يومياته التي لا نعرفها باللغة بل بالسرد، سرد الوثائق وسرد الضحايا، وسرد مكتوم لضحايا نازحين ومقتولين في الحروب، الأسوأ حياته الخاصة، القائمة على انتزاع سلم الآخرين، وفي الفتيات القاصرات اللواتي انتزع داخلهن العالم، العالم مليء بالرغبات، هذا مؤكد، لكن ما تغير أن هذه الرغبات باتت متاحة بسهولة، لم تعد نادرة، ولا تحتاج انتظاراً، ولا خيالاً، هنا يظهر السلطوي الجديد بوصفه بدائياً، لا لأنه خارج الحداثة، بل لأنه فقد القدرة على الرغبة نفسها كما نعرفها نحن.

 هو لا يحب اللغة ولا العرض ولا التخييل، بل يميل الى انتزاع ما هو ساكن، إلى الفرض المباشر، الى الاقتحام، الرغبات التي لا تمر عبر العنف لا تشكل عنده عيشاً حقيقياً، ما لا ينتزع لا قيمة له، لذلك يتحول الفعل الى تحرش، الى فرض، الى غضب، ليس بوصفه انفجار شهوة، بل بوصفه فشلاً في الرغبة، العنف هنا ليس إفراطاً، بل تعويض عن فراغ.

هكذا تصنع ضحايا نموذجية، قابلة للإنكسار، للتفتت، وللقضاء عليها، ليست الضحية عدواً، بل مادة، هذه طرق قديمة جداً، بدائية، تشبه أساليب تعذيب الحيوانات، لكنها تعود اليوم لأن البشر ملّوا من الإتاحة، من سهولة الأشياء، من الحصول السريع عليها، حين تفقد الرغبة معناها، يعاد تصنيع الندرة عبر الالم،

كان العقل قد صنع التعقيد للفلسفة كي يفتح مجال الفهم، كي ينتج مخيالاً، كي يبطئ العنف، لكن التعقيد نفسه يمكن أن ينقلب الى شر، حين لا يعود أداة للفهم، بل أداة لإنتاج معنى للألم، عندها لا يلغى العنف، بل يبرر، يفسر، ويمنح شكلاً عقلانياً، حيث يصبح الشر خالقاً لمعنى الألم عند الضحايا، لا مجرد فعل قاس، بل نظاماً يشرح نفسه، ويقنع، ويستمر. 

الرغبة السوية تحتاج مسافة، لعباً، تمثيلاً، قناعاً متبادلاً، نوعاً من المسرح، أما المفترس فيكره المسرح لأنه يفرض اعترافاً بالآخر، لذلك يختصر الطريق الى الاقتحام، يسرق السيناريو كي لا يفاوض على حضور الضحية، ومن يطلع على مقابلات ضحايا إبستين، أو رسائله، سيعرف امتداد السادية جيداً، كيف هذبت خطابها، وكيف يصبح الاقتناص يملك بدلة وسلطة وخطاباً يومياً عادياً لكي يتحول الى إقناع، كم كان من الصعب على إبستين أن ينفضح قبل موته، لا لأن الحكاية لم تكن هناك، بل لأن القناع كان يعمل، بدلة، علاقات، وعادية يومية تبتلع الاستثناء، وتحوّل الشهادة الى التباس، والضحية الى سؤال.

ذكورة العالم في شخص!

كان إبستين تكثيفًا عامًا لنموذج ذكوري عالمي، نموذج يُكافأ لأنه ينجح في مراتب كثيرة، في السياسة، في الاجتماع، في اللطف، وفي القدرة على الاشتراك مع حكّام العالم. لم يكن إبستين ذكورة أصلية، ولا قوة طبيعية، بل أداءً مقنعًا للسلطة الذكورية. بدلة، علاقات، خطاب ناعم، وعادية يومية. أداء يعمل طالما لم يُكسر القناع، وطالما بقيت العادية قادرة على ابتلاع الاستثناء.

 لا تعمل السلطة عبر أي استثناء، بل عبر العادية نفسها لا تحتاج إلى عنف فاضح كي تستمر، بل إلى انتظام يومي، إلى لغة مألوفة، وإلى سلوك يبدو طبيعيًا. الهيمنة هنا لا تُمارَس بالقوة وحدها، بل بالثقافة، بالتمثيل، وبإعادة تعريف العنف بوصفه التباسًا أو سوء فهم. ما تبتلعه الثقافة المهيمنة لا يختفي، بل يُعاد ترتيبه داخل خطاب مقبول، يُخفَّف حدّه، ويُنزَع عنه طابعه الإجرامي، ليصير قابلًا للتأجيل، أو للنقاش، أو للتأويل.

لا يشكّل الذكاء ولا الثقافة عائقًا أمام السلوك المفترس. على العكس، قد يتحوّلان إلى شرط من شروط نجاحه. المعرفة، حين تنفصل عن المساءلة، لا تُنتج وعيًا، بل قدرة أعلى على التخفّي. الذكاء لا يردع، بل ينظّم. بإمكاننا مشاهدة إبستين قبل اعتقاله في سياق التحقيقات، بارد ذكيّ، يعيش يومياته بثقة، ذكورية غريبة انتزاعية وقاهرة وغريبة. الثقافة لا تمنع العنف، بل تمنحه لغة، وتتيح له أن يتحرّك داخل المجتمع من دون أن يُسمّى باسمه. هكذا لا يعود المفترس خارج النظام، بل يعمل في داخله، مستفيداً من أدواته الرمزية، ومن قدرته على تحويل الوقائع إلى روايات، والضحايا إلى إشكاليات مُصابة، والعنف إلى مسألة قابلة للتأويل.