ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

“ملفات دمشق”: “كان مستشفى الموت”

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تكشف تحقيقات دولية الدور المركزي الذي لعبته المستشفيات العسكرية السورية في آلة القتل التابعة لنظام الأسد. وبعض الأطباء الذين عملوا في هذه المستشفيات يمارسون مهنتهم اليوم في ألمانيا.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في شمال شرقي دمشق يقف مبنى مستشفى حرستا العسكري، الذي كان يُعد لعقود رمزاً للرعاية الطبية المميزة لعناصر النظام وعائلاتهم. لكن خلف هذه الصورة الرسمية، يخفي المبنى طابقاً مظلماً حُوّل بعد اندلاع الثورة السورية إلى جناح لاحتجاز المعتقلين، حيث تعرّض كثيرون للتعذيب وبعضهم قضى داخله.

تحدّثت NDR وWDR وصحيفة زود دويتشه تسايتونغ مع أكثر من 10 أشخاص عملوا في ذلك الطابق أو أمضوا فيه فترات اعتقال.

وبحسب النتائج، كان المبنى يُستخدم كمستشفى – بما في ذلك جناح الاحتجاز المعزول – حتى عام 2015. ثم استُخدم كمبنى إداري، وموقع مركزي لتوثيق ضحايا التعذيب على يد النظام.

رسمت شهادات الناجين صورة مروّعة: الضرب المبرح، الإهمال الطبي المتعمّد، والإهانات المستمرة. فراس الشاطر، الذي أمضى 10 أيام في الطابق السابع عام 2012، قال إن التعذيب هناك “كان بلا هدف… 24 ساعة يومياً”، ويصف هو وشهود آخرون الجنود وهم يضربون المرضى عشوائيًا باستخدام القبضات والأحزمة.

قال الشاطر: “دخلت ممرضة وأطفأت سيجارتها على قدمي فجأة”، إذ أُطفئت سجائر عدة على جسده خلال فترة إقامته. لم ينجُ كثر من رفاقه المعتقلين من هذه المحنة. تابع الشاطر، الذي كتب لاحقًا عن تجربته في كتاب: “أطلقت عليه اسم مستشفى الموت”.

وأكّد بعض الشهود الذين تعرضوا للتعذيب في المستشفى، أن الأطباء أصبحوا أيضًا مرتكبي جرائم. نائل الماجرَبي، الذي يعيش اليوم في شتوتغارت الألمانية، روى كيف عالجه طبيباً في حرستا من دون تخدير بعد إصابته برصاصة في ساقه: “صرخت حتى فقدت الوعي”، ثم وضع الطبيب الكحول تحت أنفه وانتظر حتى استعاد وعيه قبل مواصلة الإجراء، وأثناء ذلك، سمع الماجربي  أحد الحراس يخبر الطبيب أن السجين يجب أن يشعر بالألم. كما أفاد الماجربي أيضًا أن زملاءه المعتقلين ماتوا بسبب التعذيب في الطابق السابع.

لكن توثيق هذه الانتهاكات صعب للغاية، فهويّات المعتقلين أُخفيت عمداً، و كانوا معصوبي الأعين، ولا يعرفون أسماء عناصر الطاقم. لذلك بقيت هذه الجرائم لسنوات بلا أسماء ولا مسؤولين.

تغيّر هذا الوضع بعد تسريب قاعدة بيانات ضخمة عُرفت باسم “ملفات دمشق” إلى NDR، تضم عشرات آلاف الوثائق الصادرة عن أجهزة المخابرات والشرطة العسكرية السورية. وقد تم تحليل البيانات بالتعاون مع الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين (ICIJ) ومؤسسات إعلامية دولية. ومن بين الوثائق أكثر من 70 شهادة وفاة صادرة من مستشفى حرستا بحق معتقلين، تحمل جميعها توقيع أطباء، وتذكر في غالبيتها أن الوفاة كانت نتيجة “توقف القلب”.  

لكن هذا كان إخفاءً متعمدًا للسبب الحقيقي للوفاة، بحسب أحد الأطباء الذين وقّعوا شهادات الوفاة هناك، والذي يرغب في عدم الكشف عن هويته. وأضاف: “تخيلوا لو كتبتُ: لقد عُذّب وهو الآن ميت. بالطبع لا أستطيع كتابة ذلك”.

المدعي العام الألماني ينس رومل، الذي سبق أن نظر في قضايا مشابهة، أكد أن إعطاء شهادات وفاة مزوّرة يمكن أن يشكّل دوراً مباشراً في تسهيل القتل المنهجي، وبالتالي تعتبر هذه جريمة جنائية. وبموجب الولاية القضائية العالمية، تستطيع ألمانيا ملاحقة مرتكبي هذه الجرائم حتى لو ارتُكبت في الخارج وضحاياها غير ألمان.

خلال التحقيق، تمكن الصحافيون من تحديد 18 طبيباً عملوا في مستشفى حرستا ويعيشون اليوم في ألمانيا، بعضهم في مناصب طبية رفيعة. وتواصل الفريق مع عدد منهم، جميعهم نفوا أي صلة بالتعذيب، على رغم اعتراف بعضهم بأنهم كانوا يدخلون إلى الطابق السابع. أحدهم يحمل الاسم الذي قال الماجرَبي إنه كان يسمعه مراراً أثناء تعذيبه، لكنه شدّد على أنه “عمل بشكل مهني”، وأن الانتهاكات ارتكبها عناصر الحراسة.

حتى الآن، لم يُثبت التحقيق مسؤولية فردية على أي من الأطباء، وتبقى قرينة البراءة قائمة. لكن سوزانا يوهنا، رئيسة “اتحاد ماربورغ”، تدعو إلى متابعة القضية سريعاً: “الأطباء من أصل سوري يشكلون جزءاً أساسياً من النظام الصحي الألماني، لكن من الضروري كشف أي شخص ربما شارك في جرائم تعذيب. لا يمكن السماح لهؤلاء بمزاولة المهنة هنا”. 

وتشير التقديرات إلى أن نحو 7,000 طبيب سوري يعملون في ألمانيا.

هلا نهاد نصرالدين - صحافية لبنانية | 16.01.2026

“الإبادة البيئيّة” في سلطنة عمان: من يحمي الحوت الأحدب والنمر العربي من شركات النفط والغاز؟

سلطنة عُمان تحتل المركز الثاني بين أكثر الدول التي تتضمن تراخيص نفط وغاز داخل مناطق محمية معترف بها دوليًا بمساحة تداخل تبلغ نحو 56 ألف كم²، حيث تتقاطع 20 ترخيصًا للنفط والغاز مع 35 منطقة محمية.
05.12.2025
زمن القراءة: 3 minutes

تكشف تحقيقات دولية الدور المركزي الذي لعبته المستشفيات العسكرية السورية في آلة القتل التابعة لنظام الأسد. وبعض الأطباء الذين عملوا في هذه المستشفيات يمارسون مهنتهم اليوم في ألمانيا.

في شمال شرقي دمشق يقف مبنى مستشفى حرستا العسكري، الذي كان يُعد لعقود رمزاً للرعاية الطبية المميزة لعناصر النظام وعائلاتهم. لكن خلف هذه الصورة الرسمية، يخفي المبنى طابقاً مظلماً حُوّل بعد اندلاع الثورة السورية إلى جناح لاحتجاز المعتقلين، حيث تعرّض كثيرون للتعذيب وبعضهم قضى داخله.

تحدّثت NDR وWDR وصحيفة زود دويتشه تسايتونغ مع أكثر من 10 أشخاص عملوا في ذلك الطابق أو أمضوا فيه فترات اعتقال.

وبحسب النتائج، كان المبنى يُستخدم كمستشفى – بما في ذلك جناح الاحتجاز المعزول – حتى عام 2015. ثم استُخدم كمبنى إداري، وموقع مركزي لتوثيق ضحايا التعذيب على يد النظام.

رسمت شهادات الناجين صورة مروّعة: الضرب المبرح، الإهمال الطبي المتعمّد، والإهانات المستمرة. فراس الشاطر، الذي أمضى 10 أيام في الطابق السابع عام 2012، قال إن التعذيب هناك “كان بلا هدف… 24 ساعة يومياً”، ويصف هو وشهود آخرون الجنود وهم يضربون المرضى عشوائيًا باستخدام القبضات والأحزمة.

قال الشاطر: “دخلت ممرضة وأطفأت سيجارتها على قدمي فجأة”، إذ أُطفئت سجائر عدة على جسده خلال فترة إقامته. لم ينجُ كثر من رفاقه المعتقلين من هذه المحنة. تابع الشاطر، الذي كتب لاحقًا عن تجربته في كتاب: “أطلقت عليه اسم مستشفى الموت”.

وأكّد بعض الشهود الذين تعرضوا للتعذيب في المستشفى، أن الأطباء أصبحوا أيضًا مرتكبي جرائم. نائل الماجرَبي، الذي يعيش اليوم في شتوتغارت الألمانية، روى كيف عالجه طبيباً في حرستا من دون تخدير بعد إصابته برصاصة في ساقه: “صرخت حتى فقدت الوعي”، ثم وضع الطبيب الكحول تحت أنفه وانتظر حتى استعاد وعيه قبل مواصلة الإجراء، وأثناء ذلك، سمع الماجربي  أحد الحراس يخبر الطبيب أن السجين يجب أن يشعر بالألم. كما أفاد الماجربي أيضًا أن زملاءه المعتقلين ماتوا بسبب التعذيب في الطابق السابع.

لكن توثيق هذه الانتهاكات صعب للغاية، فهويّات المعتقلين أُخفيت عمداً، و كانوا معصوبي الأعين، ولا يعرفون أسماء عناصر الطاقم. لذلك بقيت هذه الجرائم لسنوات بلا أسماء ولا مسؤولين.

تغيّر هذا الوضع بعد تسريب قاعدة بيانات ضخمة عُرفت باسم “ملفات دمشق” إلى NDR، تضم عشرات آلاف الوثائق الصادرة عن أجهزة المخابرات والشرطة العسكرية السورية. وقد تم تحليل البيانات بالتعاون مع الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين (ICIJ) ومؤسسات إعلامية دولية. ومن بين الوثائق أكثر من 70 شهادة وفاة صادرة من مستشفى حرستا بحق معتقلين، تحمل جميعها توقيع أطباء، وتذكر في غالبيتها أن الوفاة كانت نتيجة “توقف القلب”.  

لكن هذا كان إخفاءً متعمدًا للسبب الحقيقي للوفاة، بحسب أحد الأطباء الذين وقّعوا شهادات الوفاة هناك، والذي يرغب في عدم الكشف عن هويته. وأضاف: “تخيلوا لو كتبتُ: لقد عُذّب وهو الآن ميت. بالطبع لا أستطيع كتابة ذلك”.

المدعي العام الألماني ينس رومل، الذي سبق أن نظر في قضايا مشابهة، أكد أن إعطاء شهادات وفاة مزوّرة يمكن أن يشكّل دوراً مباشراً في تسهيل القتل المنهجي، وبالتالي تعتبر هذه جريمة جنائية. وبموجب الولاية القضائية العالمية، تستطيع ألمانيا ملاحقة مرتكبي هذه الجرائم حتى لو ارتُكبت في الخارج وضحاياها غير ألمان.

خلال التحقيق، تمكن الصحافيون من تحديد 18 طبيباً عملوا في مستشفى حرستا ويعيشون اليوم في ألمانيا، بعضهم في مناصب طبية رفيعة. وتواصل الفريق مع عدد منهم، جميعهم نفوا أي صلة بالتعذيب، على رغم اعتراف بعضهم بأنهم كانوا يدخلون إلى الطابق السابع. أحدهم يحمل الاسم الذي قال الماجرَبي إنه كان يسمعه مراراً أثناء تعذيبه، لكنه شدّد على أنه “عمل بشكل مهني”، وأن الانتهاكات ارتكبها عناصر الحراسة.

حتى الآن، لم يُثبت التحقيق مسؤولية فردية على أي من الأطباء، وتبقى قرينة البراءة قائمة. لكن سوزانا يوهنا، رئيسة “اتحاد ماربورغ”، تدعو إلى متابعة القضية سريعاً: “الأطباء من أصل سوري يشكلون جزءاً أساسياً من النظام الصحي الألماني، لكن من الضروري كشف أي شخص ربما شارك في جرائم تعذيب. لا يمكن السماح لهؤلاء بمزاولة المهنة هنا”. 

وتشير التقديرات إلى أن نحو 7,000 طبيب سوري يعملون في ألمانيا.