ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

ملك الكحلوت وصغارها: على صراط الانتظار!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

فريال الصغيرة التي حرمت باكراً من أبيها، تركض نحو كل رجل تراه، تقول: “بابا”، وتجلس حين ينهمر المطر بين أخوتها، يرفعون أيديهم باكين إلى السماء، يلهجون بالدعاء معاً، كأنهم يعرفون أن هذا سبيلهم الوحيد بعد أن تقطّعت بهم السبل.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

أزاح باب الخيمة القماشي بيده وأطلّ برأسه، بدت أسنانه الناصعة من خلف ابتسامته، ولمعت عيناه فرحاً، نظر إليها بشوق عمره أطول من عمر الأيّام التي غابها، أو أكثر. كانت جالسة تبكي وسط أطفالها الستّة النائمين في الخيمة التي نزحوا إليها بمواصي مدينة خانيونس جنوب قطاع غزّة.

لم تنطق بحرف، اقترب منها، ولمس وجهها كي يمسحَ دموعها، كما كان يفعل في كل مرّة ينتابها الخوف أو الحزن، في أيّام الحرب القاسية. تفقّد الصغار، سألها بلهفة هل ما زالوا جياعاً؟ هل أعدّت لهم الطعام في غيابه؟ من ملأ غالونات المياه في زاوية الخيمة؟ كيف كسّرت ألواح الخشب؟ من أشعل النار لتسخّن الماء ولتعدَّ كوب الحليب لفريال؟

أرادت أن تقطع الشّك باليقين، أن تصرخ بأعلى صوت: “أين كنت؟ ماذا جرى؟”، لم يخرج الصوت، وأيقظتها قطرات المطر تتساقط من سقف الخيمة على وجهها، تختلط بدموع هذا الحلم الذي ما زال يرافقها منذ وداعهما الأخير قبل عام.

“أحلم كل يوم بنادر، أراه هنا في خيمتنا، أشعر بحضوره، أشم رائحته، يتفقّد الأولاد، أندهش، أضحك، ونبكي معاً”، عن آلامها النفسية تتحدّث ملك الكحلوت (28 عاماً) التي فقدت زوجها نادر النجّار (38 عاماً) أثناء محاولته الحصول على الطعام من “مركز المساعدات الإنسانية لمؤسّسة غزّة الأميركية” في منطقة الشاكوش غرب مدينة رفح جنوباً، صبيحة الرابع والعشرين من حزيران/ يونيو 2025.

معاناة ملك التي ما زالت تذكر اللحظات الأخيرة مع زوجها، الذي كان يعمل مدرباً لفريق نادي “خدمات جباليا” لكرة القدم، وتعاظمت معاناتها واشتدّت في ظلّ الروايات المتضاربة عن مصيره، وغياب جواب حاسم يقطع الشكّ باليقين، لعدم وجود قانون وطني يوّثق حالات الخطف والإخفاء القسري وفق المعايير الدولية، والتباطؤ في تشكيل مسار رسمي يفضي لمعرفة مصير المفقودين، وتضاعف أعدادهم نتيجة حرب تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023.

البداية: كان أقوى منها

بعد ثلاثة أشهر من اشتداد الحصار الإسرائيلي على القطاع، فُقد أثر نادر في المرّة الرابعة التي ذهب فيها إلى مركز المساعدات إيّاه. كانت ملك في كل مرّة تحاول منعه، خوفاً عليه، لكنّ بكاء أطفاله من الجوع أمام ناظريه، وأصغرهم رضيعة بعمر الخمسة شهور حينها، كان أقوى من توسّلاتها.

خرج نادر مودعاً زوجته ملك، وأطفاله ماسة (11 عاماً)، وحمزة (9 أعوام)، ومحمّد (7 أعوام)، والتوأمين موسى وهارون (4 أعوام)، وفريال (عام واحد) التي اختار لها هذا الاسم تكريماً لذكرى والدته، التي راحت ضحية استهداف جيش الاحتلال الإسرائيلي لمنزلها في تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، مع اثنتين من أخواته وعائلتيهما.

كان الاتفاق بين نادر وملك التي كُتب لها أن تكون زوجة وأماً وأختاً لشريك حياتها، بعد ما عاشه من فقد، أن يتّصل بها فور خروجه من مركز المساعدات، ليطمئنها أنه بخير، ويطمئن عليها. وبالفعل خرج من خيمتهما عند السادسة والنصف صباحاً، وانشغلت هي بتفاصيل صغارها، وتسيير أمور الخيمة وفق عجلة الحياة، فوق أرضية وعرة من القلق والتوتّر من قصف هنا، أو استهداف هناك.

تقول ملك: “كان الوقت يمضي، وأنا أنظر إلى هاتفي، أترقّب الاتصال. من فوق سطح الخيمة التي صارت لي مسكناً بعدما دمّر الاحتلال بيتي في جباليا، تعلو شمس منتصف النهار، يصبح الجو في الداخل جحيماً، فأنسحب إلى الجوار، أتناول قدراً متّشحاً بالسواد، كحياتي في غياب نادر، أضعه على النار، فتشتعل في قلبي، ويبقى الطعام بارداً، إذا ما لمسته ببرودة يديّ اللتين كانتا ترتجفان خوفاً وقلقاً، من أي خبر محتمل”.

لحظات حاسمة: أين نادر؟

اقتربت الساعة من الثالثة عصراً، لم تعد ملك قادرة على الهروب من شيء، فلا الوقت في صالحها، ولا عقلها الذي افترسته أفكارها حتى اللقمة الأخيرة. اتّصلت بأخوتها وأخوة زوجها وعلى رأسهم محمّد الذي يتولّى اليوم ملفّ البحث عنه، هبّوا جميعاً للسؤال عنه في المستشفيات العاملة، والاتصال بمن رافقوه، علّهم يصلون إلى أيّ خبر يبدّد هذا الضباب الكثيف الذي حال بينهم وبينه.

في اليوم نفسه الذي اختفى فيه نادر، بلغ العدد الإجمالي لضحايا مراكز توزيع المساعدات الأميركية 516 شهيداً، و3799 مصاباً، و39 مفقوداً، بحسب ما أعلن المكتب الإعلامي الحكومي في غزّة، قبل أن يصل العدد الإجمالي لاحقاً بحسب المصدر ذاته، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، إلى 1109 شهداء، و19182 مصاباً، مع تضارب كبير في أعداد المفقودين جراء حرب تشرين الأوّل/ أكتوبر، في تلك المراكز وخارجها.

بالمجمل بحسب تقرير صادر عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC) في شباط/ فبراير 2024، فإن أكثر من 6,000 بلاغ عن أشخاص مفقودين تمّ تقديمه خلال الشهور الثلاثة الأولى من الحرب، إلا أن غالبيتهم لم يُسجّل رسمياً ضمن سجلات حكومية واضحة، بحسب تقرير للهيئة المستقلّة لحقوق الإنسان في كانون الثاني/ يناير 2026، أما بحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني فقد تجاوزت أعداد المفقودين 11,200 مفقود في حزيران/ يونيو 2025، قبل أن يعلن المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسراً في شباط/ فبراير 2026، عن “استمرار الغموض حول مصير أكثر من 7 آلاف شخص منذ  أكتوبر 2023”. 

في ذلك اليوم لم تكن الأخبار التي حصلت عليها العائلة شافية، كانت متضاربة، وتكثّف الضباب بين الأب وأسرته حتى استشعر الأطفال غياب والدهم، فالتفّوا مع مغيب الشمس كحبل حول جذع والدتهم، كانت أسئلتهم تحفر في قلبها، وتُجري دموعها، فكل الإجابات التي حصلت عليها كانت عقيمة.

تتابع ملك بصوت يختنق شيئاً فشيئاً: “لم نجد نادر في أيّ مستشفى، لا مصاباً، ولا حتّى.. جثّة، قال ثلاثة شبّان، لا أذكر أسماءهم، كانوا برفقته في مركز المساعدات، لأخوة نادر إنهم شاهدوه جالساً داخل حفرة كبيرة موجودة خلف حاجز ترابي هناك، وكان ينتظر أن يفتح المركز أبوابه، ثم بمجرّد أن فتح الباب، ركض أوّلاً، قبل أن يباغته جيش الاحتلال ومن معه بإطلاق نار كثيف.

لاحقاً بعد أسابيع من البحث عرف محمّد شقيق نادر من عائلة شابّ آخر مفقود يدعى حسام الشحري، أن شابّاً آخر من عائلة القدرة كان في المكان، قال لهم: “إن باصاً كان في المكان جمع قرابة عشرين مصاباً وغادر”. 

الطرق الوعرة: فجوات واضحة

في اليوم التالي اتّخذ الأعمام والأخوال قراراً بالذهاب إلى مركز المساعدات للبحث عن نادر، أو جثّته، لكنّ هذه المخاطرة لم تجدِ نفعاً، وأمام جميع الروايات التي كانت تزيد القلق قلقاً، طرقت العائلة خلال أسبوع من فقدانه أبواب المؤسّسات ذات العلاقة، على رأسها: الصليب الأحمر، ومركز الدفاع عن الفرد “המוקד” (HaMoked) ومقرّه القدس المحتلّة، وكذلك مؤسّسات محلّية مثل “الميزان”، و”الضمير”، والمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، والهيئة المستقلّة، فجميعها لديها طلبات رسمية لمتابعة القضيّة.

هذه السبل التي سلكتها العائلة كانت السبل المتاحة أمامها، فبحسب تقرير حقوقي نشره المرصد الفلسطيني للنزوح الداخلي في نيسان/ أبريل 2025، قال: “تبرز فجوات واضحة على المستوى الوطني الفلسطيني، حيث لا تعالج التشريعات المحلّية حالات الفقد والإخفاء القسري أثناء النزاعات، ولا تضع القوانين الخاصّة آليّات فعالة لحماية المفقودين أو ذويهم، وتتحمّل السلطة الفلسطينية مسؤولية قانونية وأخلاقية واضحة تجاه معالجة ملفّ المفقودين والمخفيين قسراً، ويتطلّب ذلك الالتزام بالمعايير الدولية ذات الصلة، فضلاً عن أن السلطة الفلسطينية لم تصادق على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الإخفاء القسري للعام 2006”.

الهيئة المستقلّة لحقوق الإنسان في التقرير السابق، اعتبرت أن غياب الآليات المؤسّسية الفعّالة للإبلاغ عن المفقودين والمخفيين قسراً في القطاع، واحدة من أبرز نقاط الضعف في الاستجابة المحلّية للكارثة، أضف إلى أنه لا توجد قاعدة بيانات مركزية محدّثة، ولا آليّات رقمية متقدّمة لربط معلومات الضحايا مع المستشفيات، أو مع الجهات المختصّة كالدفاع المدني أو الهلال الأحمر، ما يجعل عمليّة التحقّق من هويّة المفقودين بطيئة ومعقّدة، ومرهونة في كثير من الأحيان بالمبادرات الفردية أو المجتمعية.

توضح ملك: “يحرقني أنه لا توجد جهة فلسطينية رسمية لمتابعة مثل هذه الأمور، فنحن لم نحصل على أيّ معلومات شافية من الجهات الدولية، فالصليب الأحمر يؤكّد أنه تقدّم بطلب لجيش الاحتلال؛ لمعرفة إذا ما كان نادر معتقلاً لديه، لكنّه لم يحصل على ردّ، فالأوضاع الحالية بهذا الخصوص زادت تعقيدا منذ أكتوبر 2023، كذلك مركز الدفاع عن الفرد أخبرنا بعد عشرين يوماً، بأن مصلحة السجون أكّدت أنه غير موجود في السجون المركزية التابعة لها، ثم بعد شهر تقريباً عاودوا وأخبرونا بأن الجيش لم يترك ردّاً مقابل اسمه، لا إيجاباً ولا سلباً”.

بين هذا الغياب الرسمي الفلسطيني، والعجز الدولي، ونفي الاحتلال الإسرائيلي، اختارت ملك أن تتمسّك باحتمالية وجود نادر في إحدى معسكرات الاعتقال التي أقامها جيش الاحتلال في مناطق غلاف غزّة، دون أن يُفصح عن أسماء من فيها. هذا الاحتمال الذي حذّرت منه “هيومن رايتس ووتش”، في تقرير صادر في كانون الأوّل/ ديسمبر 2024، يبقيها كما تقول: “حافية على صراط رفيع بين الجنّة والنار، وعلى هذا تمضي في حياتها كل يوم”.

عتمة المكان: أيّ رمضان؟

رأفةً بالآلاف من أهالي المفقودين والمخفيين قسراً، تحدّثت الهيئة المستقلّة لحقوق الإنسان “ديوان المظالم” في منتصف حزيران/ يونيو 2025، عن حاجة ماسّة لصياغة تشريع وطني يُعرّف المفقودين والمخفيين قسراً بشكل دقيق يتماشى مع المعايير الدولية، وكذلك الانضمام إلى الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الإخفاء القسري.

كما دعت لتأسيس هيئة وطنية مستقلّة تعنى بتوثيق هذه الحالات، على أن تكون مزوّدة بصلاحيات تحقيق وتعاون مع الجهات المحلّية والدولية، وكذلك إنشاء منصّة إلكترونية موحّدة لجمع بيانات المفقودين، وتخصيص أرقام طوارئ على مدار الساعة للإبلاغ، وتشكيل فرق ميدانية مدرّبة للتوثيق والتنسيق مع المستشفيات والجهات الجنائية، وتشكيل لجنة وطنية متخصّصة تعمل على توثيق المقابر الجماعية وإنشاء سجلّ وطني للجثامين مجهولة الهويّة باستخدام تقنيات حديثة تشمل البصمات الوراثية والتصوير الفضائي، بالتنسيق مع الجهات الطبّية والقضائية المعنيّة.

أشهر مرّت على تلك المطالبات من المؤسّسات الحقوقية الفلسطينية بما فيها الهيئة المستقلّة، وأمام ذلك اتّخذت السلطة الفلسطينية بعد أشهر طويلة وقاسية من اندلاع الكارثة إجراءات، من بينها: الانضمام إلى اللجنة الدولية لشؤون المفقودين، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، وتشكيل الفريق الوطني لمتابعة ملفّ المفقودين في نيسان/ أبريل 2026، لكنّ ذلك أمام ما يرتكبه الاحتلال ويرفض الكشف عنه، وأمام التقصير الدولي، وضعف المساءلة الوطنية للجهات الدولية المعنيّة، لم يغيّر في واقع ملك وصغارها شيئاً، حتى إنها لم تكن سمعت قبل هذه المقابلة بالرابط الألكتروني الذي أطلقته وزارة العدل لجمع البيانات حول المفقودين والمخفيين قسراً، ولا حتى بإمكانية تقديم طلب من خلال الموقع الألكتروني للجنة الدولية لشؤون المفقودين.

ومرّ عيد الأضحى 2026، ومن قبله رمضان، وعيد الفطر الأثقل على صدر ملك، التي انسكبت دموعها بلا توقّف حين سألتها: كيف مضت هذه الأيّام في غياب نادر، الذي طالما أحبّ تعليق الزينة حتى في الخيمة، وطالما كان أوّل المهنئين بحلوله، وبشراء الفوانيس لصغاره، واستباق الجميع إلى السوق ليشتري لهم ملابس العيد؟

“أيّ عيد، و أيّ رمضان في غيابه؟”، تجيب ملك التي تصرخ حرقةً في وجه من يسألها، فهذا السؤال يشعل فتيل عجزها، ويفجّر ذكرياتها مع زوجٍ طالما كان حانياً عليها، ويدلّلها، ويرافقها في كل خطوة، ويتركها لتنام، حاملاً صغاره، ثم يعدّ السحور ويوقظها لتضيء كما كان يقول ببراءة بوجهها عتمة المكان.

تتحدّث ملك: “مهما قلت فأنا عاجزة عن شرح كم كنت محظوظة بنادر، لقد كان مهذّباً، حنوناً، متعاوناً، محبوباً من الجميع، هادئاً، دائم الابتسام، يعلّمني كما لو كنت طفلة، ومولعاً بأطفاله، يساعدهم، ويفوق صبره عليهم صبري، حتى عندما أبلغته باستشهاد والدته وأختيه كان هادئاً، شاكراً وراضياً”.

غياب نادر حوّل ملك المدلّلة، إلى امرأة تحمل ثقل المسئولية على كاهلها، تتابع شؤون أسرتها، تسعى لقوت أطفالها، تعلّم الصغار دروسهم، تصلح الثقوب في الخيمة استعداداً لتقلّبات الطقس، تبحثُ عن علاجهم إذا مرضوا، وتفكّر كيف توفّر الملابس المناسبة لهم، هي لا تجني دخلاً من عمل، وتعيش على المساعدات الإنسانية، لكنّها كما لو كانت تستعدّ في كل لحظة، للحظة يعود فيها الأب، فيكون كل شيء نموذجياً كما كان يحبّ.

انتظار: هذا سبيلهم الوحيد

فريال الصغيرة التي حرمت باكراً من أبيها، تركض نحو كل رجل تراه، تقول: “بابا”، وتجلس حين ينهمر المطر بين أخوتها، يرفعون أيديهم باكين إلى السماء، يلهجون بالدعاء معاً، كأنهم يعرفون أن هذا سبيلهم الوحيد بعد أن تقطّعت بهم السبل.

بعد شهرين من فقدان نادر، التقى محمّد أخوه بشابّ من عائلة جربوع من مدينة رفح، كان معتقلاً في سجن سدي تيمان الذي أنشأه جيش الاحتلال في قاعدة عسكرية بصحراء النقب بعد ترين الأوّل/ أكتوبر 2023، أعطاه مواصفات نادر، وأكّد أنه التقى به هناك. أما حمزة منصور، وهو من رفح أيضاً، الذي التقاه محمّد في أواخر العام 2025، بعد إطلاق سراحه من السجن ذاته، فأكّد أنه سمع اسم الكابتن نادر النجّار هناك، لكنّه لم يلتقِ به.

تعريف القانون الدولي الإنساني للمفقود ينطبق حتى لحظة كتابة هذه المادّة على نادر، فهو “من انقطعت أخباره في سياق النزاعات المسلّحة أو الكوارث الطبيعية أو أوضاع العنف الأخرى، بحيث تغيب المعلومات المؤكّدة لدى أقاربه أو السلطات المختصّة حول مصيره أو مكان وجوده”.

ويمنع الاحتلال الإسرائيلي من الكشف عن مصير نادر، كما يفعل مع العشرات غيره، بحسب مصادر حقوقية، الأمر الذي يبقيه “مفقوداً” لا “مخفياً قسراً”، وهذا من أخطر انتهاكات حقوق الإنسان، لأنه يشكّل خرقاً للقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، وقد يُعتبر جريمة ضد الإنسانية بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية للعام 1998، في بعض الحالات، ناهيك بأنه ينتهك الحقوق الأساسية كالحقّ في الحرّية والأمان الشخصي، والحقّ في عدم التعرّض للتعذيب وغيرها. 

كما أن حقّ ملك وأطفالها في معرفة مصير نادر مكفول بموجب اتفاقيات جنيف (1949) والبروتوكولات الإضافية الملحقة بها، فالمادّة 17 من الاتفاقية تؤكّد ضرورة إبلاغ أسر المعتقلين والمفقودين بمكانهم في أقرب وقت ممكن، ويعزّز البروتوكول الإضافي الأوّل (1977) حقّ المدنيين في معرفة مصير المفقودين، ويحثّ الأطراف المتنازعة على اتخاذ تدابير ملموسة للكشف عن مصيرهم، لضمان حماية أسرهم من القلق المستمرّ والعذاب النفسي.

نادر كان مولعاً بالرياضة وطموحاً وشغوفاً بالتقدّم والازدهار، وقبل أن يتولّى تدريب فريق “خدمات جباليا” لكرة القدم، درّب أندية أخرى كنادي “السلام”، ونادي “أهلي بيت حانون”، كما عمل لفترة مساعداً للمدرّب في نادي “خدمات النصيرات”، ولعب من قبل في أندية عديدة أبرزها “شباب جباليا”، و”اتّحاد خانيونس”، و”المشتل”، و”نماء”.

هذا التنوّع في مسيرته الرياضية جعل محبّيه كثراً، ويسألون عنه دائماً، ويتّصلون بعائلته وزوجته، متطلّعين لأي خبر يطمئن قلوبهم. في كل مرّة حين يرنّ رقم هاتفه الذي تحمله ملك ليل نهار، يقفز قلبها من موضعه، فتردّ على أمل جواب، لا على أمل سؤال.

إقرأوا أيضاً:

20.07.2026
زمن القراءة: 10 minutes

فريال الصغيرة التي حرمت باكراً من أبيها، تركض نحو كل رجل تراه، تقول: “بابا”، وتجلس حين ينهمر المطر بين أخوتها، يرفعون أيديهم باكين إلى السماء، يلهجون بالدعاء معاً، كأنهم يعرفون أن هذا سبيلهم الوحيد بعد أن تقطّعت بهم السبل.

أزاح باب الخيمة القماشي بيده وأطلّ برأسه، بدت أسنانه الناصعة من خلف ابتسامته، ولمعت عيناه فرحاً، نظر إليها بشوق عمره أطول من عمر الأيّام التي غابها، أو أكثر. كانت جالسة تبكي وسط أطفالها الستّة النائمين في الخيمة التي نزحوا إليها بمواصي مدينة خانيونس جنوب قطاع غزّة.

لم تنطق بحرف، اقترب منها، ولمس وجهها كي يمسحَ دموعها، كما كان يفعل في كل مرّة ينتابها الخوف أو الحزن، في أيّام الحرب القاسية. تفقّد الصغار، سألها بلهفة هل ما زالوا جياعاً؟ هل أعدّت لهم الطعام في غيابه؟ من ملأ غالونات المياه في زاوية الخيمة؟ كيف كسّرت ألواح الخشب؟ من أشعل النار لتسخّن الماء ولتعدَّ كوب الحليب لفريال؟

أرادت أن تقطع الشّك باليقين، أن تصرخ بأعلى صوت: “أين كنت؟ ماذا جرى؟”، لم يخرج الصوت، وأيقظتها قطرات المطر تتساقط من سقف الخيمة على وجهها، تختلط بدموع هذا الحلم الذي ما زال يرافقها منذ وداعهما الأخير قبل عام.

“أحلم كل يوم بنادر، أراه هنا في خيمتنا، أشعر بحضوره، أشم رائحته، يتفقّد الأولاد، أندهش، أضحك، ونبكي معاً”، عن آلامها النفسية تتحدّث ملك الكحلوت (28 عاماً) التي فقدت زوجها نادر النجّار (38 عاماً) أثناء محاولته الحصول على الطعام من “مركز المساعدات الإنسانية لمؤسّسة غزّة الأميركية” في منطقة الشاكوش غرب مدينة رفح جنوباً، صبيحة الرابع والعشرين من حزيران/ يونيو 2025.

معاناة ملك التي ما زالت تذكر اللحظات الأخيرة مع زوجها، الذي كان يعمل مدرباً لفريق نادي “خدمات جباليا” لكرة القدم، وتعاظمت معاناتها واشتدّت في ظلّ الروايات المتضاربة عن مصيره، وغياب جواب حاسم يقطع الشكّ باليقين، لعدم وجود قانون وطني يوّثق حالات الخطف والإخفاء القسري وفق المعايير الدولية، والتباطؤ في تشكيل مسار رسمي يفضي لمعرفة مصير المفقودين، وتضاعف أعدادهم نتيجة حرب تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023.

البداية: كان أقوى منها

بعد ثلاثة أشهر من اشتداد الحصار الإسرائيلي على القطاع، فُقد أثر نادر في المرّة الرابعة التي ذهب فيها إلى مركز المساعدات إيّاه. كانت ملك في كل مرّة تحاول منعه، خوفاً عليه، لكنّ بكاء أطفاله من الجوع أمام ناظريه، وأصغرهم رضيعة بعمر الخمسة شهور حينها، كان أقوى من توسّلاتها.

خرج نادر مودعاً زوجته ملك، وأطفاله ماسة (11 عاماً)، وحمزة (9 أعوام)، ومحمّد (7 أعوام)، والتوأمين موسى وهارون (4 أعوام)، وفريال (عام واحد) التي اختار لها هذا الاسم تكريماً لذكرى والدته، التي راحت ضحية استهداف جيش الاحتلال الإسرائيلي لمنزلها في تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، مع اثنتين من أخواته وعائلتيهما.

كان الاتفاق بين نادر وملك التي كُتب لها أن تكون زوجة وأماً وأختاً لشريك حياتها، بعد ما عاشه من فقد، أن يتّصل بها فور خروجه من مركز المساعدات، ليطمئنها أنه بخير، ويطمئن عليها. وبالفعل خرج من خيمتهما عند السادسة والنصف صباحاً، وانشغلت هي بتفاصيل صغارها، وتسيير أمور الخيمة وفق عجلة الحياة، فوق أرضية وعرة من القلق والتوتّر من قصف هنا، أو استهداف هناك.

تقول ملك: “كان الوقت يمضي، وأنا أنظر إلى هاتفي، أترقّب الاتصال. من فوق سطح الخيمة التي صارت لي مسكناً بعدما دمّر الاحتلال بيتي في جباليا، تعلو شمس منتصف النهار، يصبح الجو في الداخل جحيماً، فأنسحب إلى الجوار، أتناول قدراً متّشحاً بالسواد، كحياتي في غياب نادر، أضعه على النار، فتشتعل في قلبي، ويبقى الطعام بارداً، إذا ما لمسته ببرودة يديّ اللتين كانتا ترتجفان خوفاً وقلقاً، من أي خبر محتمل”.

لحظات حاسمة: أين نادر؟

اقتربت الساعة من الثالثة عصراً، لم تعد ملك قادرة على الهروب من شيء، فلا الوقت في صالحها، ولا عقلها الذي افترسته أفكارها حتى اللقمة الأخيرة. اتّصلت بأخوتها وأخوة زوجها وعلى رأسهم محمّد الذي يتولّى اليوم ملفّ البحث عنه، هبّوا جميعاً للسؤال عنه في المستشفيات العاملة، والاتصال بمن رافقوه، علّهم يصلون إلى أيّ خبر يبدّد هذا الضباب الكثيف الذي حال بينهم وبينه.

في اليوم نفسه الذي اختفى فيه نادر، بلغ العدد الإجمالي لضحايا مراكز توزيع المساعدات الأميركية 516 شهيداً، و3799 مصاباً، و39 مفقوداً، بحسب ما أعلن المكتب الإعلامي الحكومي في غزّة، قبل أن يصل العدد الإجمالي لاحقاً بحسب المصدر ذاته، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، إلى 1109 شهداء، و19182 مصاباً، مع تضارب كبير في أعداد المفقودين جراء حرب تشرين الأوّل/ أكتوبر، في تلك المراكز وخارجها.

بالمجمل بحسب تقرير صادر عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC) في شباط/ فبراير 2024، فإن أكثر من 6,000 بلاغ عن أشخاص مفقودين تمّ تقديمه خلال الشهور الثلاثة الأولى من الحرب، إلا أن غالبيتهم لم يُسجّل رسمياً ضمن سجلات حكومية واضحة، بحسب تقرير للهيئة المستقلّة لحقوق الإنسان في كانون الثاني/ يناير 2026، أما بحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني فقد تجاوزت أعداد المفقودين 11,200 مفقود في حزيران/ يونيو 2025، قبل أن يعلن المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسراً في شباط/ فبراير 2026، عن “استمرار الغموض حول مصير أكثر من 7 آلاف شخص منذ  أكتوبر 2023”. 

في ذلك اليوم لم تكن الأخبار التي حصلت عليها العائلة شافية، كانت متضاربة، وتكثّف الضباب بين الأب وأسرته حتى استشعر الأطفال غياب والدهم، فالتفّوا مع مغيب الشمس كحبل حول جذع والدتهم، كانت أسئلتهم تحفر في قلبها، وتُجري دموعها، فكل الإجابات التي حصلت عليها كانت عقيمة.

تتابع ملك بصوت يختنق شيئاً فشيئاً: “لم نجد نادر في أيّ مستشفى، لا مصاباً، ولا حتّى.. جثّة، قال ثلاثة شبّان، لا أذكر أسماءهم، كانوا برفقته في مركز المساعدات، لأخوة نادر إنهم شاهدوه جالساً داخل حفرة كبيرة موجودة خلف حاجز ترابي هناك، وكان ينتظر أن يفتح المركز أبوابه، ثم بمجرّد أن فتح الباب، ركض أوّلاً، قبل أن يباغته جيش الاحتلال ومن معه بإطلاق نار كثيف.

لاحقاً بعد أسابيع من البحث عرف محمّد شقيق نادر من عائلة شابّ آخر مفقود يدعى حسام الشحري، أن شابّاً آخر من عائلة القدرة كان في المكان، قال لهم: “إن باصاً كان في المكان جمع قرابة عشرين مصاباً وغادر”. 

الطرق الوعرة: فجوات واضحة

في اليوم التالي اتّخذ الأعمام والأخوال قراراً بالذهاب إلى مركز المساعدات للبحث عن نادر، أو جثّته، لكنّ هذه المخاطرة لم تجدِ نفعاً، وأمام جميع الروايات التي كانت تزيد القلق قلقاً، طرقت العائلة خلال أسبوع من فقدانه أبواب المؤسّسات ذات العلاقة، على رأسها: الصليب الأحمر، ومركز الدفاع عن الفرد “המוקד” (HaMoked) ومقرّه القدس المحتلّة، وكذلك مؤسّسات محلّية مثل “الميزان”، و”الضمير”، والمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، والهيئة المستقلّة، فجميعها لديها طلبات رسمية لمتابعة القضيّة.

هذه السبل التي سلكتها العائلة كانت السبل المتاحة أمامها، فبحسب تقرير حقوقي نشره المرصد الفلسطيني للنزوح الداخلي في نيسان/ أبريل 2025، قال: “تبرز فجوات واضحة على المستوى الوطني الفلسطيني، حيث لا تعالج التشريعات المحلّية حالات الفقد والإخفاء القسري أثناء النزاعات، ولا تضع القوانين الخاصّة آليّات فعالة لحماية المفقودين أو ذويهم، وتتحمّل السلطة الفلسطينية مسؤولية قانونية وأخلاقية واضحة تجاه معالجة ملفّ المفقودين والمخفيين قسراً، ويتطلّب ذلك الالتزام بالمعايير الدولية ذات الصلة، فضلاً عن أن السلطة الفلسطينية لم تصادق على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الإخفاء القسري للعام 2006”.

الهيئة المستقلّة لحقوق الإنسان في التقرير السابق، اعتبرت أن غياب الآليات المؤسّسية الفعّالة للإبلاغ عن المفقودين والمخفيين قسراً في القطاع، واحدة من أبرز نقاط الضعف في الاستجابة المحلّية للكارثة، أضف إلى أنه لا توجد قاعدة بيانات مركزية محدّثة، ولا آليّات رقمية متقدّمة لربط معلومات الضحايا مع المستشفيات، أو مع الجهات المختصّة كالدفاع المدني أو الهلال الأحمر، ما يجعل عمليّة التحقّق من هويّة المفقودين بطيئة ومعقّدة، ومرهونة في كثير من الأحيان بالمبادرات الفردية أو المجتمعية.

توضح ملك: “يحرقني أنه لا توجد جهة فلسطينية رسمية لمتابعة مثل هذه الأمور، فنحن لم نحصل على أيّ معلومات شافية من الجهات الدولية، فالصليب الأحمر يؤكّد أنه تقدّم بطلب لجيش الاحتلال؛ لمعرفة إذا ما كان نادر معتقلاً لديه، لكنّه لم يحصل على ردّ، فالأوضاع الحالية بهذا الخصوص زادت تعقيدا منذ أكتوبر 2023، كذلك مركز الدفاع عن الفرد أخبرنا بعد عشرين يوماً، بأن مصلحة السجون أكّدت أنه غير موجود في السجون المركزية التابعة لها، ثم بعد شهر تقريباً عاودوا وأخبرونا بأن الجيش لم يترك ردّاً مقابل اسمه، لا إيجاباً ولا سلباً”.

بين هذا الغياب الرسمي الفلسطيني، والعجز الدولي، ونفي الاحتلال الإسرائيلي، اختارت ملك أن تتمسّك باحتمالية وجود نادر في إحدى معسكرات الاعتقال التي أقامها جيش الاحتلال في مناطق غلاف غزّة، دون أن يُفصح عن أسماء من فيها. هذا الاحتمال الذي حذّرت منه “هيومن رايتس ووتش”، في تقرير صادر في كانون الأوّل/ ديسمبر 2024، يبقيها كما تقول: “حافية على صراط رفيع بين الجنّة والنار، وعلى هذا تمضي في حياتها كل يوم”.

عتمة المكان: أيّ رمضان؟

رأفةً بالآلاف من أهالي المفقودين والمخفيين قسراً، تحدّثت الهيئة المستقلّة لحقوق الإنسان “ديوان المظالم” في منتصف حزيران/ يونيو 2025، عن حاجة ماسّة لصياغة تشريع وطني يُعرّف المفقودين والمخفيين قسراً بشكل دقيق يتماشى مع المعايير الدولية، وكذلك الانضمام إلى الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الإخفاء القسري.

كما دعت لتأسيس هيئة وطنية مستقلّة تعنى بتوثيق هذه الحالات، على أن تكون مزوّدة بصلاحيات تحقيق وتعاون مع الجهات المحلّية والدولية، وكذلك إنشاء منصّة إلكترونية موحّدة لجمع بيانات المفقودين، وتخصيص أرقام طوارئ على مدار الساعة للإبلاغ، وتشكيل فرق ميدانية مدرّبة للتوثيق والتنسيق مع المستشفيات والجهات الجنائية، وتشكيل لجنة وطنية متخصّصة تعمل على توثيق المقابر الجماعية وإنشاء سجلّ وطني للجثامين مجهولة الهويّة باستخدام تقنيات حديثة تشمل البصمات الوراثية والتصوير الفضائي، بالتنسيق مع الجهات الطبّية والقضائية المعنيّة.

أشهر مرّت على تلك المطالبات من المؤسّسات الحقوقية الفلسطينية بما فيها الهيئة المستقلّة، وأمام ذلك اتّخذت السلطة الفلسطينية بعد أشهر طويلة وقاسية من اندلاع الكارثة إجراءات، من بينها: الانضمام إلى اللجنة الدولية لشؤون المفقودين، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، وتشكيل الفريق الوطني لمتابعة ملفّ المفقودين في نيسان/ أبريل 2026، لكنّ ذلك أمام ما يرتكبه الاحتلال ويرفض الكشف عنه، وأمام التقصير الدولي، وضعف المساءلة الوطنية للجهات الدولية المعنيّة، لم يغيّر في واقع ملك وصغارها شيئاً، حتى إنها لم تكن سمعت قبل هذه المقابلة بالرابط الألكتروني الذي أطلقته وزارة العدل لجمع البيانات حول المفقودين والمخفيين قسراً، ولا حتى بإمكانية تقديم طلب من خلال الموقع الألكتروني للجنة الدولية لشؤون المفقودين.

ومرّ عيد الأضحى 2026، ومن قبله رمضان، وعيد الفطر الأثقل على صدر ملك، التي انسكبت دموعها بلا توقّف حين سألتها: كيف مضت هذه الأيّام في غياب نادر، الذي طالما أحبّ تعليق الزينة حتى في الخيمة، وطالما كان أوّل المهنئين بحلوله، وبشراء الفوانيس لصغاره، واستباق الجميع إلى السوق ليشتري لهم ملابس العيد؟

“أيّ عيد، و أيّ رمضان في غيابه؟”، تجيب ملك التي تصرخ حرقةً في وجه من يسألها، فهذا السؤال يشعل فتيل عجزها، ويفجّر ذكرياتها مع زوجٍ طالما كان حانياً عليها، ويدلّلها، ويرافقها في كل خطوة، ويتركها لتنام، حاملاً صغاره، ثم يعدّ السحور ويوقظها لتضيء كما كان يقول ببراءة بوجهها عتمة المكان.

تتحدّث ملك: “مهما قلت فأنا عاجزة عن شرح كم كنت محظوظة بنادر، لقد كان مهذّباً، حنوناً، متعاوناً، محبوباً من الجميع، هادئاً، دائم الابتسام، يعلّمني كما لو كنت طفلة، ومولعاً بأطفاله، يساعدهم، ويفوق صبره عليهم صبري، حتى عندما أبلغته باستشهاد والدته وأختيه كان هادئاً، شاكراً وراضياً”.

غياب نادر حوّل ملك المدلّلة، إلى امرأة تحمل ثقل المسئولية على كاهلها، تتابع شؤون أسرتها، تسعى لقوت أطفالها، تعلّم الصغار دروسهم، تصلح الثقوب في الخيمة استعداداً لتقلّبات الطقس، تبحثُ عن علاجهم إذا مرضوا، وتفكّر كيف توفّر الملابس المناسبة لهم، هي لا تجني دخلاً من عمل، وتعيش على المساعدات الإنسانية، لكنّها كما لو كانت تستعدّ في كل لحظة، للحظة يعود فيها الأب، فيكون كل شيء نموذجياً كما كان يحبّ.

انتظار: هذا سبيلهم الوحيد

فريال الصغيرة التي حرمت باكراً من أبيها، تركض نحو كل رجل تراه، تقول: “بابا”، وتجلس حين ينهمر المطر بين أخوتها، يرفعون أيديهم باكين إلى السماء، يلهجون بالدعاء معاً، كأنهم يعرفون أن هذا سبيلهم الوحيد بعد أن تقطّعت بهم السبل.

بعد شهرين من فقدان نادر، التقى محمّد أخوه بشابّ من عائلة جربوع من مدينة رفح، كان معتقلاً في سجن سدي تيمان الذي أنشأه جيش الاحتلال في قاعدة عسكرية بصحراء النقب بعد ترين الأوّل/ أكتوبر 2023، أعطاه مواصفات نادر، وأكّد أنه التقى به هناك. أما حمزة منصور، وهو من رفح أيضاً، الذي التقاه محمّد في أواخر العام 2025، بعد إطلاق سراحه من السجن ذاته، فأكّد أنه سمع اسم الكابتن نادر النجّار هناك، لكنّه لم يلتقِ به.

تعريف القانون الدولي الإنساني للمفقود ينطبق حتى لحظة كتابة هذه المادّة على نادر، فهو “من انقطعت أخباره في سياق النزاعات المسلّحة أو الكوارث الطبيعية أو أوضاع العنف الأخرى، بحيث تغيب المعلومات المؤكّدة لدى أقاربه أو السلطات المختصّة حول مصيره أو مكان وجوده”.

ويمنع الاحتلال الإسرائيلي من الكشف عن مصير نادر، كما يفعل مع العشرات غيره، بحسب مصادر حقوقية، الأمر الذي يبقيه “مفقوداً” لا “مخفياً قسراً”، وهذا من أخطر انتهاكات حقوق الإنسان، لأنه يشكّل خرقاً للقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، وقد يُعتبر جريمة ضد الإنسانية بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية للعام 1998، في بعض الحالات، ناهيك بأنه ينتهك الحقوق الأساسية كالحقّ في الحرّية والأمان الشخصي، والحقّ في عدم التعرّض للتعذيب وغيرها. 

كما أن حقّ ملك وأطفالها في معرفة مصير نادر مكفول بموجب اتفاقيات جنيف (1949) والبروتوكولات الإضافية الملحقة بها، فالمادّة 17 من الاتفاقية تؤكّد ضرورة إبلاغ أسر المعتقلين والمفقودين بمكانهم في أقرب وقت ممكن، ويعزّز البروتوكول الإضافي الأوّل (1977) حقّ المدنيين في معرفة مصير المفقودين، ويحثّ الأطراف المتنازعة على اتخاذ تدابير ملموسة للكشف عن مصيرهم، لضمان حماية أسرهم من القلق المستمرّ والعذاب النفسي.

نادر كان مولعاً بالرياضة وطموحاً وشغوفاً بالتقدّم والازدهار، وقبل أن يتولّى تدريب فريق “خدمات جباليا” لكرة القدم، درّب أندية أخرى كنادي “السلام”، ونادي “أهلي بيت حانون”، كما عمل لفترة مساعداً للمدرّب في نادي “خدمات النصيرات”، ولعب من قبل في أندية عديدة أبرزها “شباب جباليا”، و”اتّحاد خانيونس”، و”المشتل”، و”نماء”.

هذا التنوّع في مسيرته الرياضية جعل محبّيه كثراً، ويسألون عنه دائماً، ويتّصلون بعائلته وزوجته، متطلّعين لأي خبر يطمئن قلوبهم. في كل مرّة حين يرنّ رقم هاتفه الذي تحمله ملك ليل نهار، يقفز قلبها من موضعه، فتردّ على أمل جواب، لا على أمل سؤال.

إقرأوا أيضاً: