ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

18 دولاراً مقابل 15 مليون دولار: بلدية بيروت باعت أرض سكّة الحديد لـ”بنك بيروت”!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

جاء في القرار، الذي حصل عليه “درج”، أن توقيع بلدية بيروت ممثّلة برئيسها السابق جمال عيتاني وأعضاء المجلس البلدي، شابته مخالفة قانونية، مشدّداً على أن “إسقاطها من أملاك عامّة بلدية إلى أملاك خاصّة بلدية تمهيداً لبيعها (…) لا يتوافق إطلاقاً مع اعتبارها غير صالحة للاستعمال، لأن إمكانيات استثمار هكذا مساحة تبقى متوفّرة ومتاحة لأكثر من وجهة”.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

18 دولاراً أميركياً هي قيمة الغرامة المالية التي فرضها ديوان المحاسبة على محافظ بيروت السابق القاضي زياد شبيب وأعضاء المجلس البلدي، مقابل بيع عقار بـ15 مليون دولار لصالح شركة “مدوّر 1216″، بحسب قرار ديوان المحاسبة الذي صدر في شباط/ فبراير 2026، واطّلع عليه “درج”. ديوان المحاسبة اعتبر أن صفقة بيع العقار أُجريت بـ”التراضي”، وهو ما استوجب الغرامة.

مقابل مرفأ بيروت، يقع مبنى أبيض اللون مؤلّف من أربع طبقات، يقصده مواطنون لإنجاز معاملات جمركية وأخرى مرتبطة بالمرفأ. في الطبقة الأرضية من المبنى، يقع فرع لـ”بنك بيروت” الذي يترأس مجلس إدارته رئيس “جمعية المصارف” سليم صفير.

بين هذا العقار، الذي يحمل الرقم 1216، والعقار المقابل له رقم 247، تمتدّ مساحة أرض واسعة، 1091 متراً مربّعاً تحديداً، وتعود ملكيتها إلى مصلحة سكك الحديد التابعة لوزارة الأشغال العامّة، بحسب رئيس مجلس إدارتها زياد شيّا، وكانت تُستخدم موقفاً للسيارات.

في عام 2016، تقدّم “بنك بيروت” بطلب إلى بلدية بيروت ووزارة الداخلية، التي كان يتولاها آنذاك نهاد المشنوق، لشراء هذه الأرض وتحويلها إلى فضلة، أي غير قابلة للاستخدام، لضمّها إلى العقارين المذكورين، وهذا ما ذكره محامي “بنك بيروت” شادي مخزوم في ردّه على “درج”. 

من هنا بدأت معركة قضائية طويلة الأمد بين مصلحة سكك الحديد وبلدية بيروت، انتهت بقرار مجلس شورى الدولة الذي اعتبر أن العقار يمكن إسقاطه من الملك العام إلى الملك الخاص لمصلحة بلدية بيروت، إلا أن رئيس مجلس إدارة سكك الحديد الحالي زياد شيّا استغرب القرار وعارضه.

كذلك، أكّد مصدر قضائي لـ”درج” أنه لا يحقّ لأي طرف قانونيًا الاعتداء على سكك الحديد في لبنان، وأن أي اعتداء تقابله إزالة، إضافة إلى تسطير مخالفة بحقّ المعتدي.

الجدير ذكره أن فريق “درج” زار هذا العقار، حيث وجدنا مساحة شاسعة تظهر فيها بنى تحتية تابعة لمصلحة سكك الحديد، مرفقة بالصور أدناه. 

لكنّ المشكلة تتجاوز النزاع على ملكية العقار بين الطرفيْن، وتتركّز على خسارة الدولة اللبنانية نحو 10 ملايين دولار بسبب “الالتفاف على القانون” وبيعه بالتراضي، وفقًا للمحامي المتابع للقضيّة واصف الحركة. 

تحويل العقار إلى “فضلة” 

بعد إسقاط العقار من الملكية العامّة إلى الخاصّة لمصلحة بلدية بيروت، باعته بلدية بيروت بموافقة أعضائها لـشركتي “مدوّر 1216” و”مدوّر247″ العائدتيْن الى “بنك بيروت”، وفقاً للمستندات التي اطّلع عليها “درج”، الأمر الذي لم ينفه أيضاً مخزوم في ردّه على “درج”. 

وبحسب المحامي واصف الحركة، كان أمام بلدية بيروت مساران قانونيان لبيع العقار:

المسار الأوّل يقضي باعتبار العقار ملكاً عامّاً تابعاً للدولة اللبنانية، ما يستوجب بيعه عبر مزايدة عمومية وفق المادّة 77 من القانون رقم 275، وبموجب مرسوم صادر عن مجلس الوزراء، وفي هذه الحالة، كان يمكن أن تصل قيمة العقار إلى نحو 25 مليون دولار.

أما المسار الثاني، فيقوم على اعتبار العقار “فضلة” (أي غير قابل للاستخدام)، ما يتيح بيعه بالتراضي من دون الحاجة إلى مرسوم من مجلس الوزراء، بحيث يتم التفاوض مباشرة بين البائع، أي بلدية بيروت، والمشتري، أي “بنك بيروت” عبر “مدور 1216″، استناداً إلى المادّة 80 من القانون نفسه.

المسار الثاني ليس معقّداً كما الأوّل ولا يتطلّب خطوات متعدّدة. بناءً عليه، اعتبر محافظ بيروت آنذاك، القاضي زياد شبيب، العقار “فضلة”، أي مسلك ملغى غير قابل للاستعمال، فأصدر “فتوى قانونية” بهذا المعنى إلى وزير الداخلية حينها نهاد المشنوق، الذي وافق عليها. وأتاح هذا التصنيف بيع العقار بالتراضي بنحو 24 مليار ليرة لبنانية، أي ما يعادل نحو 16 مليون دولار وفق سعر الصرف الرسمي السائد آنذاك، وذلك لمصلحة شركة “مدوّر 1216” عبر محاميها يوسف عطيّة، بحسب المستندات التي اطّلع عليها “درج”. 

وهذا أيضاً ما أكّده محامي “بنك بيروت” شادي مخزوم في ردّه على “درج”، قائلاً إن لجنة التخمين في وزارة المالية حدّدت سعر المتر بـ22 مليون ليرة لبنانية (16 ألف دولار حينها). 

ووفق المستندات، كان الهدف من الشراء ضمّ العقار إلى العقار رقم 247، حيث يقع مقرّ “بنك بيروت” الرئيسي، كما أن شبيب لم يُحل الملفّ إلى المجلس البلدي لدراسته إلا بعد تولّي جمال عيتاني رئاسة البلدية، مرفقاً برأي من مصلحة الهندسة جاء فيه أن “الأملاك العامّة المشار إليها والبالغة مساحتها 1091 متراً مربعاً، اقتُطعت من العقار الأساسي رقم 247 – المدوّر، وضُمّت إلى الأملاك العامّة، وهي خالية من الإنشاءات وغير معبّدة”.

إثر ذلك، تقدّم المحامي واصف الحركة بإخبار أمام المدّعي العامّ المالي آنذاك القاضي علي إبراهيم، غير أن الملفّ حُفظ، بحسب الحركة، بانتظار انتهاء ديوان المحاسبة برئاسة القاضي أحمد حمدان من النظر في القضيّة.

مرّة أخرى، وعلى الرغم من إصدار قرار من ديوان المحاسبة اعتبر فيه أنه كان يجب لعمليّة البيع أن تتمّ بالمزاد العلني وليس بالتراضي، اكتفى شبيب و”بنك بيروت” بقرار مجلس شورى الدولة، واعتبار قرار ديوان المحاسبة السابق الصادر في 2017. 

حتى أن شبيب اعتبر في ردّه على “درج” أن ديوان المحاسبة “ليس المرجع القضائي المختصّ بالنظر في مشروعية القرارات الإدارية بل مجلس شورى الدولة، الذي أصدر بتاريخ 12 شباط/ فبراير 2026، قراراً نهائياً تناول بصورة مباشرة الأسس القانونية التي استندت إليها بلدية بيروت في إسقاط العقار من الملك العامّ البلدي إلى الملك الخاصّ البلدي”.

لم يجب عيتاني عن أسئلة “درج”. 

عمليّة البيع والشراء بين البلدية والمصرف 

تبلغ مساحة العقار المتنازع عليه 1091 متراً مربعاً، وبما أن المصارف لا يحقّ لها استملاك أراضٍ مباشرة، وهذا ما أكدّه أيضاً المحامي واصف الحركة، أسّس “بنك بيروت” شركتَي “مدوّر 1216” و”مدوّر 247″ لإتمام الصفقة، وفقاً لمستندات اطّلع عليها “درج”، وأكّد محامي المصرف أن الشركتين المذكورتين تعودان الى المصرف. 

في 12 كانون الثاني/ يناير 2017، صادق وزير الداخلية والبلديات آنذاك نهاد المشنوق على إسقاط العقار التابع لمصلحة سكك الحديد من الملكية العامّة، واعتباره من أملاك بلدية بيروت الخاصّة، بعدما تقدّم بهذا الطلب محافظ بيروت حينها القاضي زياد شبيب، بحسب وثيقة حصل عليها “درج”.

وبموجب القرار، نُقلت ملكية العقار من مصلحة سكك الحديد إلى بلدية بيروت، ما دفع رئيس مجلس إدارة المصلحة سابقاً زياد ناصر إلى رفع دعوى قضائية لإثبات أن العقار ليس “فضلة” (أي مساحة غير قابلة للاستخدام)، بل يُعدّ جزءاً من الأملاك العامّة وامتداداً لخطّ سكك الحديد في بيروت، وفق ما قاله ناصر لـ”درج”.

وأضاف ناصر: “العقار عليه إشارة بمرسوم صادر في عام 1940، يؤكّد أنّه امتداد لسكّة حديد مرفأ بيروت”، لذلك لا يمكن الاعتداء عليه، أو اعتبار أيّ سكّة للقطار “غير قابلة للاستخدام”. 

أما في ما يتعلّق باعتبار العقار “فضلة”، فأكّد ناصر أنّ الأرض كانت تُستخدم موقفاً للسيارات بعلم بلدية بيروت ورئيسها آنذاك جمال عيتاني وموافقتهما، ما ينفي، بحسب قوله، اعتبارها مساحة غير مستخدمة أو غير صالحة للاستثمار.

في إطار حقّ الردّ، قال المشنوق لـ”درج” إنه لا يتذكّر هذا الإجراء الذي اعتبره إدارياً، مشدّداً: “كانت معاملة مثل أيّ معاملة أخرى واتّكلت على نظرية المحافظ شبيب كونه قاضياً”. 

أما عن البيع، فقال إنه لم يكن على علم بعمليّة البيع والشراء بين بلدية بيروت و”بنك بيروت”، حتى إنه لا يتذكّر أنه تلقّى أيّ اعتراض من مصلحة سكك الحديد. 

مصدر قضائي قال لـ”درج” إنه من المستحيل لوزير أن يتّخذ مثل هذه الخطوة من دون أن يعلم تفاصيلها، بخاصّة أن مساحة العقار وموقعه مهمّان للغاية، بحسب قوله، مستبعداً أن يكون الإمضاء شكلياً. 

ردّ شبيب على “درج” بقرار مجلس شورى الدولة الصادر في 19 شباط/ فبراير 2026، الذي اعتبر أن العقار لا يعود الى سكك الحديد وأنه مسلك ملغى، الأمر الذي رفضه واستغربه رئيس مجلس إدارة سكك الحديد الحالي زياد شيّا وفقا لحديثه مع “درج”. 

يمكنكم الاطّلاع على رد شبيب كاملاً هنا. 

“بنك بيروت” في ردّه على “درج”، اعتبر أن قرار مجلس شورى الدولة هو المعتمد، كما جاء في نصّ الردّ: “لم تكن لتتمّ العمليّة كاملة لو لم تحظَ بالموافقة القانونیة الكاملة من قِبل الجھات المختصّة المختلفة والمستقلّة عن بعضھا بعضاً، لا سیّما موافقة ديوان المحاسبة المسبقة، وقد تمّ تفصيل جميع الإجراءات القانونية التي أدّت إلى انتقال الملكية من بلدیة بیروت لصالح الشركة، بموجب المراجعات التي قدّمها في مجلس شورى الدولة وفي قرار مجلس الشورى المذكور”.

يمكنكم الاطّلاع على ردّ “بنك بيروت” كاملاً هنا. 

قرار ديوان المحاسبة: تغريم البلدية 

بعد نحو عشر سنوات من الأخذ والردّ القضائيين والإداريين، أصدر ديوان المحاسبة، بهيئته الجديدة، قراراً في 12 شباط/ فبراير 2026، اعتبر فيه أن بيع العقار على أساس أنه “فضلة” وغير صالح للاستخدام تمّ خلافاً للقانون، متراجعاً عن القرار السابق الذي اعتبر ألا مخالفة في عمليّة البيع. 

وجاء في القرار، الذي حصل عليه “درج”، أن توقيع بلدية بيروت ممثّلة برئيسها السابق جمال عيتاني وأعضاء المجلس البلدي، شابته مخالفة قانونية، مشدّداً على أن “إسقاطها من أملاك عامّة بلدية إلى أملاك خاصّة بلدية تمهيداً لبيعها (…) لا يتوافق إطلاقاً مع اعتبارها غير صالحة للاستعمال، لأن إمكانيات استثمار هكذا مساحة تبقى متوفّرة ومتاحة لأكثر من وجهة”.

وبناءً عليه، خلص ديوان المحاسبة إلى أن العقار كان ينبغي بيعه عبر مزايدة عمومية، وبموجب مرسوم صادر عن مجلس الوزراء، لا من خلال البيع بالتراضي.

واكتفى ديوان المحاسبة بتغريم شبيب وأعضاء المجلس البلدي بمليون و500 ألف ليرة لبنانية، ما يعادل 18 دولاراً فقط لا غير. 

وشرح مصدر قانوني لـ”درج” أنه لا يحقّ لديوان المحاسبة إبطال عمليّة البيع أو إجبار الجهة المختصّة على التراجع عنها لأنها خارج صلاحياته القانونية، وهو يكتفي بفرض غرامة مالية فقط. 

بالتالي، ينقض ذلك ردّ شبيب الذي اعتبر أن “قرار دیوان المحاسبة لم یخلص في قراره إلى إبطال أيّ من الإجراءات التي تمّت في ما یخصّ العقار المذكور”، لأن إبطال القرارات ليس من صلاحياته.  

بل اكتفى بتغریم بعض أعضاء المجلس البلدي لبلدیة بیروت ضمن الرقابة القضائية على الموظفين.  هذا لا ينفي أيضاً أن كلفة الغرامة متدنيّة جداً مقارنة بالمبلغ الذي دُفع مقابل العقار، ويرى المحامي واصف الحركة أن القرار يستدعي تحرّكاً من المدّعي العامّ المالي الحالي ماهر شعيتو لإعادة النظر في الملفّ.

لكن قانونياً، بما أن شبيب قاضٍ، يذهب الملفّ تلقائياً إلى النيابة العامّة التمييزية للبتّ في القضيّة، فتخرج من صلاحيات النيابة العامّة المالية. 

في موازاة ذلك، أشار المدير العامّ لمصلحة سكك الحديد زياد شيّا لـ”درج”، إلى ألا مبرّر لبيع هذه الممتلكات العامّة، لما لها من أهمّية خاصّة مع غلاء النقل، إذ يمكن في أيّ لحظة إعادة النقل المشترك، لا سيّما القطار الذي يخفّف من زحمة السير ومن كلفة النقل العالية، مع ارتفاع أسعار النفط عالمياً نتيجة حرب إيران والولايات المتّحدة وإغلاق مضيق هرمز. 

17.06.2026
زمن القراءة: 7 minutes

جاء في القرار، الذي حصل عليه “درج”، أن توقيع بلدية بيروت ممثّلة برئيسها السابق جمال عيتاني وأعضاء المجلس البلدي، شابته مخالفة قانونية، مشدّداً على أن “إسقاطها من أملاك عامّة بلدية إلى أملاك خاصّة بلدية تمهيداً لبيعها (…) لا يتوافق إطلاقاً مع اعتبارها غير صالحة للاستعمال، لأن إمكانيات استثمار هكذا مساحة تبقى متوفّرة ومتاحة لأكثر من وجهة”.

18 دولاراً أميركياً هي قيمة الغرامة المالية التي فرضها ديوان المحاسبة على محافظ بيروت السابق القاضي زياد شبيب وأعضاء المجلس البلدي، مقابل بيع عقار بـ15 مليون دولار لصالح شركة “مدوّر 1216″، بحسب قرار ديوان المحاسبة الذي صدر في شباط/ فبراير 2026، واطّلع عليه “درج”. ديوان المحاسبة اعتبر أن صفقة بيع العقار أُجريت بـ”التراضي”، وهو ما استوجب الغرامة.

مقابل مرفأ بيروت، يقع مبنى أبيض اللون مؤلّف من أربع طبقات، يقصده مواطنون لإنجاز معاملات جمركية وأخرى مرتبطة بالمرفأ. في الطبقة الأرضية من المبنى، يقع فرع لـ”بنك بيروت” الذي يترأس مجلس إدارته رئيس “جمعية المصارف” سليم صفير.

بين هذا العقار، الذي يحمل الرقم 1216، والعقار المقابل له رقم 247، تمتدّ مساحة أرض واسعة، 1091 متراً مربّعاً تحديداً، وتعود ملكيتها إلى مصلحة سكك الحديد التابعة لوزارة الأشغال العامّة، بحسب رئيس مجلس إدارتها زياد شيّا، وكانت تُستخدم موقفاً للسيارات.

في عام 2016، تقدّم “بنك بيروت” بطلب إلى بلدية بيروت ووزارة الداخلية، التي كان يتولاها آنذاك نهاد المشنوق، لشراء هذه الأرض وتحويلها إلى فضلة، أي غير قابلة للاستخدام، لضمّها إلى العقارين المذكورين، وهذا ما ذكره محامي “بنك بيروت” شادي مخزوم في ردّه على “درج”. 

من هنا بدأت معركة قضائية طويلة الأمد بين مصلحة سكك الحديد وبلدية بيروت، انتهت بقرار مجلس شورى الدولة الذي اعتبر أن العقار يمكن إسقاطه من الملك العام إلى الملك الخاص لمصلحة بلدية بيروت، إلا أن رئيس مجلس إدارة سكك الحديد الحالي زياد شيّا استغرب القرار وعارضه.

كذلك، أكّد مصدر قضائي لـ”درج” أنه لا يحقّ لأي طرف قانونيًا الاعتداء على سكك الحديد في لبنان، وأن أي اعتداء تقابله إزالة، إضافة إلى تسطير مخالفة بحقّ المعتدي.

الجدير ذكره أن فريق “درج” زار هذا العقار، حيث وجدنا مساحة شاسعة تظهر فيها بنى تحتية تابعة لمصلحة سكك الحديد، مرفقة بالصور أدناه. 

لكنّ المشكلة تتجاوز النزاع على ملكية العقار بين الطرفيْن، وتتركّز على خسارة الدولة اللبنانية نحو 10 ملايين دولار بسبب “الالتفاف على القانون” وبيعه بالتراضي، وفقًا للمحامي المتابع للقضيّة واصف الحركة. 

تحويل العقار إلى “فضلة” 

بعد إسقاط العقار من الملكية العامّة إلى الخاصّة لمصلحة بلدية بيروت، باعته بلدية بيروت بموافقة أعضائها لـشركتي “مدوّر 1216” و”مدوّر247″ العائدتيْن الى “بنك بيروت”، وفقاً للمستندات التي اطّلع عليها “درج”، الأمر الذي لم ينفه أيضاً مخزوم في ردّه على “درج”. 

وبحسب المحامي واصف الحركة، كان أمام بلدية بيروت مساران قانونيان لبيع العقار:

المسار الأوّل يقضي باعتبار العقار ملكاً عامّاً تابعاً للدولة اللبنانية، ما يستوجب بيعه عبر مزايدة عمومية وفق المادّة 77 من القانون رقم 275، وبموجب مرسوم صادر عن مجلس الوزراء، وفي هذه الحالة، كان يمكن أن تصل قيمة العقار إلى نحو 25 مليون دولار.

أما المسار الثاني، فيقوم على اعتبار العقار “فضلة” (أي غير قابل للاستخدام)، ما يتيح بيعه بالتراضي من دون الحاجة إلى مرسوم من مجلس الوزراء، بحيث يتم التفاوض مباشرة بين البائع، أي بلدية بيروت، والمشتري، أي “بنك بيروت” عبر “مدور 1216″، استناداً إلى المادّة 80 من القانون نفسه.

المسار الثاني ليس معقّداً كما الأوّل ولا يتطلّب خطوات متعدّدة. بناءً عليه، اعتبر محافظ بيروت آنذاك، القاضي زياد شبيب، العقار “فضلة”، أي مسلك ملغى غير قابل للاستعمال، فأصدر “فتوى قانونية” بهذا المعنى إلى وزير الداخلية حينها نهاد المشنوق، الذي وافق عليها. وأتاح هذا التصنيف بيع العقار بالتراضي بنحو 24 مليار ليرة لبنانية، أي ما يعادل نحو 16 مليون دولار وفق سعر الصرف الرسمي السائد آنذاك، وذلك لمصلحة شركة “مدوّر 1216” عبر محاميها يوسف عطيّة، بحسب المستندات التي اطّلع عليها “درج”. 

وهذا أيضاً ما أكّده محامي “بنك بيروت” شادي مخزوم في ردّه على “درج”، قائلاً إن لجنة التخمين في وزارة المالية حدّدت سعر المتر بـ22 مليون ليرة لبنانية (16 ألف دولار حينها). 

ووفق المستندات، كان الهدف من الشراء ضمّ العقار إلى العقار رقم 247، حيث يقع مقرّ “بنك بيروت” الرئيسي، كما أن شبيب لم يُحل الملفّ إلى المجلس البلدي لدراسته إلا بعد تولّي جمال عيتاني رئاسة البلدية، مرفقاً برأي من مصلحة الهندسة جاء فيه أن “الأملاك العامّة المشار إليها والبالغة مساحتها 1091 متراً مربعاً، اقتُطعت من العقار الأساسي رقم 247 – المدوّر، وضُمّت إلى الأملاك العامّة، وهي خالية من الإنشاءات وغير معبّدة”.

إثر ذلك، تقدّم المحامي واصف الحركة بإخبار أمام المدّعي العامّ المالي آنذاك القاضي علي إبراهيم، غير أن الملفّ حُفظ، بحسب الحركة، بانتظار انتهاء ديوان المحاسبة برئاسة القاضي أحمد حمدان من النظر في القضيّة.

مرّة أخرى، وعلى الرغم من إصدار قرار من ديوان المحاسبة اعتبر فيه أنه كان يجب لعمليّة البيع أن تتمّ بالمزاد العلني وليس بالتراضي، اكتفى شبيب و”بنك بيروت” بقرار مجلس شورى الدولة، واعتبار قرار ديوان المحاسبة السابق الصادر في 2017. 

حتى أن شبيب اعتبر في ردّه على “درج” أن ديوان المحاسبة “ليس المرجع القضائي المختصّ بالنظر في مشروعية القرارات الإدارية بل مجلس شورى الدولة، الذي أصدر بتاريخ 12 شباط/ فبراير 2026، قراراً نهائياً تناول بصورة مباشرة الأسس القانونية التي استندت إليها بلدية بيروت في إسقاط العقار من الملك العامّ البلدي إلى الملك الخاصّ البلدي”.

لم يجب عيتاني عن أسئلة “درج”. 

عمليّة البيع والشراء بين البلدية والمصرف 

تبلغ مساحة العقار المتنازع عليه 1091 متراً مربعاً، وبما أن المصارف لا يحقّ لها استملاك أراضٍ مباشرة، وهذا ما أكدّه أيضاً المحامي واصف الحركة، أسّس “بنك بيروت” شركتَي “مدوّر 1216” و”مدوّر 247″ لإتمام الصفقة، وفقاً لمستندات اطّلع عليها “درج”، وأكّد محامي المصرف أن الشركتين المذكورتين تعودان الى المصرف. 

في 12 كانون الثاني/ يناير 2017، صادق وزير الداخلية والبلديات آنذاك نهاد المشنوق على إسقاط العقار التابع لمصلحة سكك الحديد من الملكية العامّة، واعتباره من أملاك بلدية بيروت الخاصّة، بعدما تقدّم بهذا الطلب محافظ بيروت حينها القاضي زياد شبيب، بحسب وثيقة حصل عليها “درج”.

وبموجب القرار، نُقلت ملكية العقار من مصلحة سكك الحديد إلى بلدية بيروت، ما دفع رئيس مجلس إدارة المصلحة سابقاً زياد ناصر إلى رفع دعوى قضائية لإثبات أن العقار ليس “فضلة” (أي مساحة غير قابلة للاستخدام)، بل يُعدّ جزءاً من الأملاك العامّة وامتداداً لخطّ سكك الحديد في بيروت، وفق ما قاله ناصر لـ”درج”.

وأضاف ناصر: “العقار عليه إشارة بمرسوم صادر في عام 1940، يؤكّد أنّه امتداد لسكّة حديد مرفأ بيروت”، لذلك لا يمكن الاعتداء عليه، أو اعتبار أيّ سكّة للقطار “غير قابلة للاستخدام”. 

أما في ما يتعلّق باعتبار العقار “فضلة”، فأكّد ناصر أنّ الأرض كانت تُستخدم موقفاً للسيارات بعلم بلدية بيروت ورئيسها آنذاك جمال عيتاني وموافقتهما، ما ينفي، بحسب قوله، اعتبارها مساحة غير مستخدمة أو غير صالحة للاستثمار.

في إطار حقّ الردّ، قال المشنوق لـ”درج” إنه لا يتذكّر هذا الإجراء الذي اعتبره إدارياً، مشدّداً: “كانت معاملة مثل أيّ معاملة أخرى واتّكلت على نظرية المحافظ شبيب كونه قاضياً”. 

أما عن البيع، فقال إنه لم يكن على علم بعمليّة البيع والشراء بين بلدية بيروت و”بنك بيروت”، حتى إنه لا يتذكّر أنه تلقّى أيّ اعتراض من مصلحة سكك الحديد. 

مصدر قضائي قال لـ”درج” إنه من المستحيل لوزير أن يتّخذ مثل هذه الخطوة من دون أن يعلم تفاصيلها، بخاصّة أن مساحة العقار وموقعه مهمّان للغاية، بحسب قوله، مستبعداً أن يكون الإمضاء شكلياً. 

ردّ شبيب على “درج” بقرار مجلس شورى الدولة الصادر في 19 شباط/ فبراير 2026، الذي اعتبر أن العقار لا يعود الى سكك الحديد وأنه مسلك ملغى، الأمر الذي رفضه واستغربه رئيس مجلس إدارة سكك الحديد الحالي زياد شيّا وفقا لحديثه مع “درج”. 

يمكنكم الاطّلاع على رد شبيب كاملاً هنا. 

“بنك بيروت” في ردّه على “درج”، اعتبر أن قرار مجلس شورى الدولة هو المعتمد، كما جاء في نصّ الردّ: “لم تكن لتتمّ العمليّة كاملة لو لم تحظَ بالموافقة القانونیة الكاملة من قِبل الجھات المختصّة المختلفة والمستقلّة عن بعضھا بعضاً، لا سیّما موافقة ديوان المحاسبة المسبقة، وقد تمّ تفصيل جميع الإجراءات القانونية التي أدّت إلى انتقال الملكية من بلدیة بیروت لصالح الشركة، بموجب المراجعات التي قدّمها في مجلس شورى الدولة وفي قرار مجلس الشورى المذكور”.

يمكنكم الاطّلاع على ردّ “بنك بيروت” كاملاً هنا. 

قرار ديوان المحاسبة: تغريم البلدية 

بعد نحو عشر سنوات من الأخذ والردّ القضائيين والإداريين، أصدر ديوان المحاسبة، بهيئته الجديدة، قراراً في 12 شباط/ فبراير 2026، اعتبر فيه أن بيع العقار على أساس أنه “فضلة” وغير صالح للاستخدام تمّ خلافاً للقانون، متراجعاً عن القرار السابق الذي اعتبر ألا مخالفة في عمليّة البيع. 

وجاء في القرار، الذي حصل عليه “درج”، أن توقيع بلدية بيروت ممثّلة برئيسها السابق جمال عيتاني وأعضاء المجلس البلدي، شابته مخالفة قانونية، مشدّداً على أن “إسقاطها من أملاك عامّة بلدية إلى أملاك خاصّة بلدية تمهيداً لبيعها (…) لا يتوافق إطلاقاً مع اعتبارها غير صالحة للاستعمال، لأن إمكانيات استثمار هكذا مساحة تبقى متوفّرة ومتاحة لأكثر من وجهة”.

وبناءً عليه، خلص ديوان المحاسبة إلى أن العقار كان ينبغي بيعه عبر مزايدة عمومية، وبموجب مرسوم صادر عن مجلس الوزراء، لا من خلال البيع بالتراضي.

واكتفى ديوان المحاسبة بتغريم شبيب وأعضاء المجلس البلدي بمليون و500 ألف ليرة لبنانية، ما يعادل 18 دولاراً فقط لا غير. 

وشرح مصدر قانوني لـ”درج” أنه لا يحقّ لديوان المحاسبة إبطال عمليّة البيع أو إجبار الجهة المختصّة على التراجع عنها لأنها خارج صلاحياته القانونية، وهو يكتفي بفرض غرامة مالية فقط. 

بالتالي، ينقض ذلك ردّ شبيب الذي اعتبر أن “قرار دیوان المحاسبة لم یخلص في قراره إلى إبطال أيّ من الإجراءات التي تمّت في ما یخصّ العقار المذكور”، لأن إبطال القرارات ليس من صلاحياته.  

بل اكتفى بتغریم بعض أعضاء المجلس البلدي لبلدیة بیروت ضمن الرقابة القضائية على الموظفين.  هذا لا ينفي أيضاً أن كلفة الغرامة متدنيّة جداً مقارنة بالمبلغ الذي دُفع مقابل العقار، ويرى المحامي واصف الحركة أن القرار يستدعي تحرّكاً من المدّعي العامّ المالي الحالي ماهر شعيتو لإعادة النظر في الملفّ.

لكن قانونياً، بما أن شبيب قاضٍ، يذهب الملفّ تلقائياً إلى النيابة العامّة التمييزية للبتّ في القضيّة، فتخرج من صلاحيات النيابة العامّة المالية. 

في موازاة ذلك، أشار المدير العامّ لمصلحة سكك الحديد زياد شيّا لـ”درج”، إلى ألا مبرّر لبيع هذه الممتلكات العامّة، لما لها من أهمّية خاصّة مع غلاء النقل، إذ يمكن في أيّ لحظة إعادة النقل المشترك، لا سيّما القطار الذي يخفّف من زحمة السير ومن كلفة النقل العالية، مع ارتفاع أسعار النفط عالمياً نتيجة حرب إيران والولايات المتّحدة وإغلاق مضيق هرمز.