أحرق سوريون مكتبة ممدوح عزام ومنزله، في تعارة غربي مدينة السويداء، في 14 تمّوز/ يوليو 2025، أحرق “مقاتلون ضمن قوّات الأمن العامّ ووزارة الدفاع السورية والقوّات الرديفة من البدو والعشائر السورية” القرية بما فيها، حسب تعبير الكاتب الذي كان في بريطانيا وقتها.
ممدوح عزّام كالكثير من السوريين شاهد الهجمة الإبادية عبر الشاشة غير مصدّق ما يحصل، “الغزاة” أنفسهم “وثّقوا” بفحش مريع التقتيل والحرق والنهب، المنزل والمكتبة تحوّلا إلى أثر رقمي، فيديو وصور التُقطت سريعاً، نشرها الكاتب على وسائل التواصل الاجتماعي وكتب: “ليسوا برابرة بل سوريون هؤلاء الذين أحرقوا بيتي”.
احترقت المكتبة والبيت، الفصل بين الفضائين حاضر لفظياً فقط، ففي منزل عزّام يتداخل نحو 7 آلاف كتاب وذكريات الأسرة وتاريخ القرية في هذا الفضاء الذي لم يبقَ منه إلا الرماد، لكن هل يمكن أن نرثي المكتبة/ المنزل/ شجرة الزيتون؟ هل تُصحّ كلمة الرثاء أو النحيب؟ كل هذا يتجاوزه ممدوح عزّام الذي يقف في “كابوس” أمام الغزاة الذين اقتحموا منزله محاولاً أن يفهم: لِمَ تُحرقون الكتب؟

محاولات إجابة ممدوح عزّام عن السؤال السابق وغيرها من الأسئلة بمواجهة رصاص “الغزاة”، نقرأها في كتابه “من الشمال حتى الجنوب- حكايات عن البيت والناس والكتب والجنود”، الصادر مؤخّراً عن داري “سرد” للنشر و”ممدوح عدوان للنشر والتوزيع”، الذي يُفتتح بعبارة: “أحلم كل ليلة أنهم قتلوني!”، الحلم الذي يتكرّر طوال الكتاب آخذاً إيّانا نحن القراء نحو مواجهة احتمالات الموت حيث يقتل فيها سوري سورياً آخر، نتتبّع أيضاً حريق المكتبة كتاباً كتاباً، ومحاولات فهم “الجنود” القتلة المباشرين، والأهمّ، نحن أمام درس في فنّ الرواية، حيث يستعيد عزّام “الحكايات” وكيف أضحت “رواية”، مشيراً إلى دور الكتب التي “كان” يمتلكها في تكوينه الروائي.
الحديد لا يصدّ “الغزاة”
يراود ممدوح عزّام حلم متكرّر، طرق على البوابة الحديدة لمنزله وصوت الرصاص القريب، ذاك الذي لو كان للكتاب “صوت” لأصمّ دويّه آذان القرّاء، أزيزه يتخلّل الصفحات، لكنّ الروائي يكتب، يستلّ الحكاية بين الموت والحريق ، ليواجه قاتله المحتمل، مؤسّساً لمسرح الموت المكان الشخصي القرية وحكاياتها التي تسلّلت إلى رواياتها، ويفصل هنا بين الراوي وبين صوته نفسه مستعيداً ما كتب، في الوقت ذاته ينهر الجنود دون أن يخرج صوته، دعوا شجرة الزيتون، دعوا كتبي، لكن “الإباديين” لا يقرأون، مؤسّساً للانفصال العميق بين الجنود والضحايا، ذاك الذي اختزل بسؤال: “أيش يعني سوري؟”.
حديد البوابة، وذاكرة القرية وآلاف الكتب لا توقف “الجنود”، وكأنهم من عالم غير عالمنا، هل هذه كانت الأوامر التي تلقّوها، أحرقوا المنازل بمن فيها! يتأمّل عزّام في عالم الجنود، ويستعرض تاريخ الفنّ والأدب حيث تختفي وجوههم، ليصل إلى الحالة السورية، الجنود القتلة وجوههم واضحة، يصوّرون أنفسهم ويلعبون بين الجثث والرماد، هؤلاء، قرار القتل بيدهم، خصوصاً أن الكثيرين منهم “فزعوا” ولم يأتهم أمر مباشر، وهذا ما يروّع عزّام مراراً، “جنود” سوريون، الأدنى في السلسلة لكن الأشدّ بطشاً، واستعراضاً للقتل.
تقف ذاكرة عزّام وحكاياته بوجه النار ولظاها، يستعيد في الكتاب القرية وتاريخها وسكّانها واحداً واحداً، يتقمّص عزّام لحظات موتهم، يحكي قصصهم، ولحظاته الأخيرة، ويستعيد في كل مرّة احتمالات موته الشخصي المؤجّل، إذ يحكي عن أولئك الذين لا نعرف سوى صور موتهم وجثثهم بينما يضحك “الغزاة” ويلهون بقتل الآخر، لأنه درزي فقط.
“المهنة قارئ”
يقدّم لنا ممدوح عزّام في الكتاب درساً في الكتابة، يبدأ بعبارة بسيطة: “تنتهي الحكاية حين تبدأ الرواية، تتحوّل إلى نصّ يُعاد خلقه من جديد…”، ومن هنا نكتشف تواريخ المكان والأشخاص والكتب، تلك يستعيدها واحداً واحداً، مستطرداً في تفاصيل بعضها، وحانّاً إلى بعضها الآخر، ممدوح عزّام يظهر روائياً وناقداً أدبياً وفنّياً، كل هذه المناورات وحكايات وتفريعاتها أشبه بتمارين استعداداً لكتابة “الرواية”، صنعة عزّام التي حتى في لحظة القتل التي يصفها.
نقرأ كيف يستطرد في حديث عن الأشجار في الكتب، وما يقتنيه منها، وكأنه يحاول أن يواجه العسكري ذا الرصاص الموجّه نحو شجرة الزيتون بالحكايات، انتظر لا تطلق النار على الشجرة، تعال أحكي لك عنها، انتظر قبل أن تحرق هذا الكتاب، تعال أخبرك بسيرة مؤلفه، لكنّ الجندي أصمّ ولا صوت لعزّام في الحلم، الموت والحريق لا تصدهما الحكايات.
يستَفزّ عزّام أسباب جمال الكتب أمام الجنود، لكن لا جدوى، هم “موعودون بالغنائم”، هم “لا يعرفون أنه بيتي، وأن صاحبه هو الروائي فلان الفلاني”، يؤكّد عزّام أناه أمام وحشية الجنود، لكن لا الجمال والتعريف عن الذات يقفان بوجه الحديد والنار، وهنا يستعيد عزّام مشهد لوركا أمام فصيل الإعدام، وجهل الجنود العميق أين سيحطّ رصاصهم، يحاول عزّام إيجاد كلام أو وسيلة كي يتوقّفوا أو على الأقلّ، يخوضوا حواراً، لكن وكما يثبت التاريخ مراراً، الفم عاجز أمام فوهة البندقية، لتتكرّر بعدها احتمالات ميتات ممدوح عزّام.
اللاتصديق يسيطر على الكتاب، ممدوح عزّام ككثير من السوريين، لم يصدّق ما يحدث، أهكذا مصيرنا بعد سقوط الأسد؟ أهكذا تسقط سوريا وما دُفع من أثمان ضد النظام أمام دعوات للإبادة؟ مع ذلك، الحكاية تنتصر لعزّام ويسأل: “ماذا يفعل الأعزل في مواجهة السلاح؟!”، هنا يجيب عزّام القارئ، مستعيداً مكتبته وما فيها محاولاً الإجابة على ألسنة كتاب آخرين، لكنّ المصائر تتشابه: يُقتل الأعزل وتُحرق مكتبة من نجا حتى لو كان روائياً، لم يكتب حرفاً واحداً من رواياته خارج بيته.
الكتابة عن نصّ ممدوح عزام تحدٍّ، هو القارئ الذي وإن تحذلق الناقد أمامه تراه لاحقاً يثير فضوله، يخاطب عزّام طبقات القرّاء على رغم الفاجعة، هو الذي يُعيد تكوين المكتبة والقرية وسوريا مقدّماً درساً في كتابة الذاكرة، يستعيد مكاتب سوريين آخرين أُحرقت أيضاً، ويلفت النظر إلى تفصيل مهمّ، لا يظهر صاحب المكتبة في صورة الحريق، فقط الكتب المحترقة والرماد وقصاصات الورق الناجية، هشاشة الكتابة ولا جدواها أمام المقتلة، يختزلها عزّام لنا بعبارة تثير القشعريرة: “حين تنتصر الثورة، لا يمكن أن تخشى على الكتب”، ويلحقها فوراً بعبارة: “حريق مكتبتي يشير بقوّة إلى أن ثورة السوريين لم تنتصر”.
إقرأوا أيضاً:
يقرأ ممدوح عزّام تاريخ سوريا بشكل عامّ، والسويداء بشكل خاصّ، يستعرض في مقاربة سياسية انحسار الدولة وقيام العُرف في المنطقة، متتبّعاً الحياة خارج الحرب- خارج الدولة، مساحة معزولة استقرّ فيها ومن حوله، لكن وكما يكتب “الطمأنينة قد تكون أحياناً شركاً، مصيدةً، سبباً لموت غامض سريع مبهم”، موت استعرضه في تاريخ المنطقة، وأعاد سرده في روايته “جهات الجنوب”، يتداخل الروائي والسياسي والشخصي في نصّ عزّام، معيداً تأسيس مكتبته أمامنا، يتتبّع الأثر الممحي في الذاكرة والنار شارحاً لماذا قرأ ما قرأ وكتب ما كتب، وكأن المكتبة عتبة بين عالمين، الحكاية اللامتناهية، والرواية المحكومة بعدد صفحات محدّد، المكتبة، مختبر اللعب والسرد، والذاكرة، تلك التي مسّت خسارتها عزّام عميقاً فيكتب: “لا شارب لديّ كي يستخدموا المقصّات، بل مكتبة”.
تأمّلات في المكتبة والقتل!
لا يخفي عزّام ولعه بالكتب، هي التي تشغل حيّزاً ليس بقليل من بيته، ليدخل الكتاب ضمن النوع الأدبي المعروف بـ”كتاب عن الكتب”، النوع الأشدّ إمتاعاً لأولئك الذين يدلّلون الصفحات ويجيدون لغة الكتب إن تحاورت، يكتب عزّام أن “المكتبة في البيت مكان مضادّ للأرشيف”، ترتيبها وتنسيقها يخضع لهوى صاحبها، هي فردوسه، حديقة الملذّات المسوّرة، وبعكس الأرشيف، يخضع الترتيب لهوى صاحب المكتبة وذوقه، القارئ الملك، سيّد المكان، لا رمل في كتب عزّام، بل ملاحظاتها وذكرياته وما يحيط بكل كتاب من هالة، المكتبة في المنزل، أداة لترويض وحوش مانغويل، والعملاقين غارغانتوا وبانتاغرويل، هي استراحة كيخوته ومهرب طيف حسين مرّوة وحطّه، لكنّها لا تردّ الرصاص.
يحاول ممدوح عزّام طوال الكتاب محاورة قاتله المحتمل، يخبره عن القرية والمكتبة والكتب وسيرها لكنّ الأخير أصمّ، بل يوجّه أوامر “احفر قبرك” مثلاً، وعلى رغم استطراد عزّام في الكلمات الأخيرة للضحايا، وطاعتهم الآلية لأوامر القاتل الذي يقودهم إلى حتوفهم، يقف بتحدٍّ: “أرفض الأمر… لا أقبل أمراً من قاتل”، لكن ربما هو حظّ الروائي أن يمتلك القدرة على هذه المواجهة، فالطاعة وعدمها سيّان أمام الجندي القاتل.
لا لغة تردّ الرصاص، ذاك الذي لا يغتال الأبدان فقط، بل يحطّم الكؤوس والفناجين و”يعفّش” المنزل، ينزع عن “الأغراض” حميميتها لتصبح غنائم، قيمتها مادّية صرفة، لتأتي النار بعدها لتفني أسباب الاستقرار، فحسب تعبير عزّام “مئات الأشياء التي لا يفكّر فيها أحد غيري أنا…”، أطلس للفقدان يؤرّخه عزّام ضمن جغرافيا المكتبة والبيت، يُتاح سرداً لتتحوّل الأشياء والكتب إلى حكايات نعلم أنها ستنجو.
ضد “الأسلوب المتأخّر”؟
يقاوم عزّام الأسلوب المتأخّر، هذه ليست النهاية، هو يُعيد ترتيب الحكايات والروايات والمكتبة والقرية والمدينة وسوريا، يُعيد نظمها، استعداداً للكتابة، فلكل هؤلاء الذي قُتلوا رواية، وحكاية هي وصيّة لنا نحن القرّاء ومن يحلمون بالكتابة، أن هاكم الحكايات، النار والرصاص والجنود لا يقتلون الحكاية، وربما هنا شعرية دفينة في العبارة التي يكرّرها عزّام “أيقظتني الطلقات”، الرصاص يبعث الروائي ويستفزّ السرد ليقف ضد النار.
يكتب عزّام موظّفاً الفعل الماضي، يكتب “احتفظت” بكتاب، “كان” لدي كتب، المضارع حريق والماضي أثر يُمحى بفعل الذاكرة والنار، أمّا المستقبل فحكايات تأتلف نصّاً، يلتقط ما نعجز عن تفسيره، كيف يمكن لمن قتل رجلاً وأخذ آلته الموسيقية أن يجلس فوق جثّته ضاحكاً؟
أسئلة تثير القشعريرية يطرحها الروائي ممدوح عزّام، كـ”ماذا يمكنك أن تفعل إذا اقتحم بيتك جنود غاضبون، لا رادع لهم، ولا وازع، وطلبوا منك أن تعزف على الكمان ؟!”، أسئلة يعجز عن الإجابة عنها في حلم الموت المتكرّر، حتى لو كان السؤال الذي طرحه الموت بهيئة جندي، بسيطاً كـ”وين صورتك؟”، لكن، عجز عزّام الشخص عن الإجابة أمام هكذا أسئلة، يختلف أمام عزّام الروائي، الذي يبشرنا برواية جديدة يختصرها بسؤال/ فرضية: “ماذا حدث للسوريين؟!”، سؤال على بساطته وقسوته، هو بشرى لنا بأن الكاتب لن يدفن في الرماد والذاكرة.
حتى آخر صفحة في الكتاب، يحافظ عزّام على ذاته كقارئ، يُخبرنا عن “في انتظار البرابرة” القصيدة التي تناسلت روايات وأفلاماً لاحقاً، يعلّق كأي قارئ محترف على تاريخ الأدب، مشيراً إلى أن “البرابرة” لا يظهرون في النصوص الأدبية، عالم الفنّ كأنه يهمل وجوه القتلة، لكن في الواقع هم يوثّقون وجوههم، وفي سوريا، يكتب عزّام: “من اجتاحوا قرانا وبيوتنا وقتلونا هم من السوريين، لا من البرابرة”، ويضيف: “إنهم من السوريين، وليسوا كل السوريين…”.
يلخّص ممدوح عزّام في النهاية سيرة الكتب قائلاً:
“في المقدّمة تمهّد الكتب للآتي
وفي الوسط تحاول أن تشرح أسباب الخوف والحبّ والحرب.
في الخاتمة تأكلها النار”.
إقرأوا أيضاً:












