ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي وبعض القنوات، بالإعلان عن محاضرة للضابط السوري السابق المنشقّ عن نظام الأسد مناف طلاس، سيلقيها في “كليّة العلوم السياسية” في باريس، بتنظيم من تجمّع “الدائرة الفرنسية- اللبنانية”.
مكان المحاضرة مرموق، وذو تاريخ وهالة و”برستيج”، وعلينا دفع 5 يورو لحضور المحاضرة، المبلغ الذي لا يعود إلى جيب طلاس، بل إلى المُنظّمين، كون الدخول مجّانياً للطلّاب، لهذا جاء الإعلان مفاجئاً، السبب الأوّل هو المكان، والثاني كون طلاس مُختفياً عن الساحة العامّة منذ انشقاقه ووصوله إلى فرنسا، ويعمل بعيداً عن الضوء.
يذكر أن “الدائرة” ذاتها سبق أن استقبلت في المكان ذاته، الاقتصادي السوري سمير عيطة، والجنرال سيديريك دو جاردان القائد السابق في قوّات “اليونيفيل”، وجوزيف الصدي وزير الطاقة والمياه في حكومة نوّاف سلام حالياً.
مع سقوط النظام، بصورة أدقّ، أثناء سقوطه، بدأت التخمينات حول الدور الذي يمكن أن يلعبه مناف في “سوريا الجديدة”، لذا انتشرت التحليلات والتخمينات ونظريات المؤامرة، حول “ظهوره” الذي ترافق مع إعادة نشر صور مسرّبة من ألبوم الأسد الشخصي، يظهر فيها يصطاف مع بشّار وباسل الأسد!
مناف طلاس لا يُقيم في باريس سرّاً، كثيرون يتبادلون الزيارات معه، ويعرفون المقاهي التي يتردّد إليها، وهو صديق للكثيرين، سرّاً وعلانية، وفي كلّ مرّة هناك تساؤلات ونوع من الحذر حين الحديث عنه أو معه.
مناف طلاس، ابن مصطفى طلاس وزير دفاع حافظ الأسد، وشقيق فراس طلاس أحد مؤسّسي تيّار “الوعد الحرّ”، ورجل الأعمال المتّهم بتسهيل تمويل “داعش”، والمطلوب دولياً، ويشارك عبد الرزاق طلاس الضابط المنشقّ في الرستن، الكنية ذاتها. الأهمّ من هذه العلاقات العائلية أن مناف، قائد الحرس الجمهوري، كان صديقاً مقرّباً لكلّ من باسل وبشّار الأسد، كما أن شقيقته هي زوجة أكرم عجّة، تاجر السلاح المعروف.
مناف طلاس سليل أسرة من صلب النظام السوري السابق. يصف الكاتب الصحافي سام داغر حضوره في دمشق بين الفنّانين والمثقّفين في كتابه “الأسد أو نحرق البلد- 2019″، بـ”كان ساحراً وجميلاً، بشكله الصبياني، وأزيائه العادية، وكتفيه العريضتين، وشعره الذي يتخلّله الشيب… بدا مناف أقرب إلى نجم أفلام منه إلى جنرال في الجيش”.
اليوم مناف طلاس أشيب، تفاصيل حياته في سوريا ومحاولة اغتياله ومساعدته الكثير من الضبّاط على الانشقاق، وهربه نحو تركيا ثم فرنسا، كلّها موثّقة في كتاب داغر. السؤال الذي سبق الندوة كان ما الذي يريده مناف الآن بعد سقوط النظام وهو في منفاه الباريسي؟ ورجال أسرته تحيط بهم الشبهات السياسية، وتهم الفساد والاستفادة من نظام الأسد، والفضائح الجنسية بعد تسريب فيديوهات فاضحة لأفراد من عائلته.
لكنّ مناف الآن يستعدّ لاستقبال “الجموع” في أوّل ظهور إعلامي له منذ العام 2012، وصل المسجّلين لحضور المؤتمر بريد إلكتروني، يؤكّد “منع استخدام الهواتف النقّالة، والكاميرات، أو أجهزة التسجيل في الصالة”، و”ممنوع أي نشاط صحافي: مقابلات، التقاط صور، تسجيلات أو نشر. أثارت هذه الرسالة حين نُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي سخرية وجدلاً حول طبيعة ما سيُقال في “المحاضرة”، فـ”الجنرال” يُثير الجدل حتى قبل ظهوره علناً، حدّ تدخّل “المرصد السوري لحقوق الإنسان”، ومنصّة “تأكّد” لنفي الإشاعات.
في الطريق للقاء الجنرال!
استيقظت صباح السبت يوم المحاضرة، أخرجت قميصاً أبيض من علامة “بيير كاردان” وقمت بكيّه جيّداً، حذاء أسود لامع، وجاكيت جلدية سوداء، الجوّ قد يمطر، ولا أمان لباريس أو غيومها، واتّجهت نحو “مدرسة العلوم السياسية”، ملامح باريس على حالها، لكنّ الجوّ مشحون، لا بسبب مناف طبعاً، إذ شهدت العاصمة الفرنسية اشتباكات تحت شعار “أغلقوا باريس!”، احتجاجاً على سياسات إيمانويل ماكرون، الذي لم يعد من السهل إحصاء الثورات التي خرجت ضدّه!
أمام باب “مدرسة العلوم السياسية”، وقبل ساعة من بدء “المحاضرة”، لا حركة غريبة، اثنان واضح أنهما سوريان يخوضان حديثاً، أو بصورة أدقّ، رجل أشيب يلقي محاضرة على شابّ سوري، كانا أوّل الواصلين، وطلّاب فرنسيون يدخلون ويخرجون من باب المكان، ليتوافد بعدها السوريون، وينتظموا في دور الدخول.
الحذر طاغٍ، بعض الوجوه مألوفة، وأخرى جديدة، طيف واسع من السوريين والسوريات ينتظر الدخول: صحافيون، ناشطون، فضوليون، طلّاب، شبيحة قدامى وشبيحة جدد، ثوّار ومتربصون، صنّاع محتوى وهزليون، أحدهم يضع “عقاب” السلطة الجديدة دبّوساً، وآخرون يتبادلون النكات حول العقاب نفسه، الاصطفافات والتجمّعات واضحة، الكلّ يلقي السلام على الآخر، والأهمّ “الجميع” قادم لسبب واحد: “ما الذي سيقوله الجنرال؟”.
دخل الحشد فرداً فرداً، إذ تأكّد “المنظّمون” من أسماء المسجّلين، فلا دخول لمن لم يسجّل اسمه، وفي الطابق السادس حيث المحاضرة، تمّ التأكّد من الأسماء مرّة أخرى، وفي المدرّج متوسّط الحجم، ظهر “رجال” طلاس، التعبير المتداول لوصف المقرّبين ممن “يعملون” مع آل طلاس، سواء فراس سابقاً أو مناف حالياً.
توزّع الحشد بين صفوف المدرّج إلى حدّ أن نرى خصوماً يجلسون في ريبة متجاورين، ريبة تحوّلت لاحقاً إلى ضحك وهمسات وملاحظات سريعة، إلى أن أُعلن عن دخول “الجنرال” الذي اعتلى المنصّة، بشوشاً، يلوّح لبعض من “ميّزهم” من الحضور ويبتسم لآخرين، بينما يتمّ التعريف عنه.
تحدّث طلاس بالعربية، وأشار إلى أن الترجمة إلى الفرنسية لن تكون حرفية، بل أقرب إلى الاختزال، الشأن الذي أثار استغراباً في بعض الأحيان، خصوصاً حين تحدّث عن “الإسلام الأشعري” والصوفي، في سؤاله عن الإسلام السياسي، هذا التيّار الذي لا نعلم لِمَ تمّ اختياره من كلّ “علوم الكلام”، لِمَ لا نروّج للمعتزلة مثلاً، أو الجهميين، أو المشبّهة، أو الماتريديّة، هذا الحذر في التعامل مع الكتلة السنّية السورية وتصنيفها، ربما محاولة لعدم مواجهة مشكلة الإسلام والإسلام الثقافي في سوريا، ودور الكثير من رجال الدين والمنظّمات الدينية في دعم الأسد، لذا الأشاعرة خيار آمن!
إقرأوا أيضاً:
ما الذي يريده الجنرال؟
الأسئلة التي طُرحت على مناف، مكتوبة سلفاً، والواضح أنه جهّز مسبقاً رؤوس أقلام، يستطرد بعدها، يمتلك مناف تصوّراً عن شكل “الدولة” لا السلطة، إذ يركّز على ضرورة الانتقال إلى “الدولة”، ومشاركة الجميع فيها، هذا ما سعى إليه منذ 2011 إلى الآن حسب قوله، مؤكّداً ضرورة تجريد رئيس الجمهورية من سلطات واسعه، ومنحها لـ”مجلس عسكري” يضبط المرحلة الانتقالية، المجلس الذي تحدّث عنه مراراً، دون أن نعلم عنه شيئاً، لكنّه مجلس عسكري يضمّ “بنادق” الجميع من ضمنهم: “قسد”، والسويداء، ومن يوجد في الساحل. مؤكّداً أنه على تواصل مع 10 آلاف ضابط! الرقم الذي أثار الاستغراب، مشدّداً على العلاقة الوثيقة مع الكرد كونهم “النبض”، لكن، هل نحتاج مرّة أخرى إلى حكم فصائل وعسكر؟ وما الضامن لقدرة طلاس على ضبط سلاح “الجميع”؟
يستطرد مناف متحدّثاً عن ضرورة بناء “جيش علماني” لا كما هو حالياً، مضيفاً أن الأمان والعدل هما ما سيجذبان الاستثمار، فسوريا أرض خصبة للعمل، وهنا قهقه البعض، نعم، عائلة طلاس وخصوصاً فراس، تعلم بدقّة كم هي خصبة سوريا للاستثمار!
اعترض البعض، بصورة أدقّ، علا صوت أحدهم، على تسمية مناف طلاس أحمد الشرع برئيس سوريا، لكنّ مناف لم يقدّم موقفاً “معارضاً” لحكومة الشرع، وأشار إلى أنه منفتح على التعاون مع السلطة الجديدة في دمشق كـ”قائد عسكري” لأجل بناء الجيش، و”توحيد البندقية” بشكل وطني، العبارة التي كرّرها عدّة مرّات، في إشارة إلى ارتهان الجيش سواء في عهد الأسد أو الآن، لأجندات خارجية، مشيراً إلى أنه حاول “الحفاظ على الجيش السوري” وتحييده عن الصراع، لكنّه فشل!
لا يخلو كلام مناف طلاس من رطانة بعثية عروبية، عن عمق سوريا في التاريخ، وأن سوريا “منطق حياة”، ولا أحد فيها يفكّر بالطائفية! مشيراً إلى أنه “رفض حمل البندقية” على الشعب السوري، سابقاً والآن، كما أشاد بتجربة لؤي حسين، مؤسّس تيّار “بناء الدولة”، لكن، لا أقران له، وما كان يملكه من سلطة، وهناك نوع من الاعتداد لا يمكن له أن يُخفيه أو يتواضع أمام السوريين، فهو الجنرال الذي لم يخض حرباً!
الواضح أن مناف طلاس يبحث عن دور ما في “سوريا الجديدة”، كونه “شعر” بأن هناك “فتحة” تاريخية، لا بدّ لكلّ السوريين الاستفادة منها لاستعادة سوريا، وتجاوز التناقضات الدولية، فسوريا تحتاج “عدالة لا لجاناً”، مؤكّداً أهمّية القرار الأممي 2245، وضرورة وجود مجلس عسكري، وحين طُرح سؤال عن الدستور، أجاب: “نابليون قال الدستور شقفة ورقة وبتتغيّر”.
أما بشأن السلام مع إسرائيل أو التطبيع، فكان طلاس دبلوماسياً، مؤكّداً أن قراراً كهذا سيادي، وأشار إلى القصف الإسرائيلي المتكرّر.
ما أثار بعض الهرج في القاعة، هو السؤال عن العلاقات اللبنانية- السورية، التي لُخّصت فقط بـ”احتلال سوريا للبنان”، وخروج معتقلين لبنانيين من السجون السورية، فصحتُ: وماذا عن “حزب الله؟”.
أجاب مناف: “السؤال ناقص”، ولم يتمّ الحديث عنه، لكنّ المفارقة أن مناف قال: “سوريا قابلة للتوسّع!”، فضحك كثيرون، وبدأت النكات عن لبنان بوصفه المحافظة السورية رقم 15 بالتطاير، ناهيك بأن العبارة أعادت الدعوات الهزلية إلى ضمّ طرابلس إلى سوريا، وإطلاق سراح الشيخ أحمد الأسير من سجن رومية وتسليمه لسوريا بوصفه من “معتقلي الثورة السورية”.
أحد أكثر التكهّنات والأسئلة، كان يدور حول مكان مناف طلاس ودوره أثناء سقوط النظام، وأجاب أنه كان في تركيا حينها، مؤكّداً أن قرار سقوط النظام كان تركياً، خوفاً من “قسد” واحتمال انفصالها، وعن ودوره قال إن “الحقيقة لا تُقال كلّها”، مؤكّداً أنه “ليس طالب سلطة”، وهنا سألته، هناك شخصيّات سورية نعلم أنها لعبت دوراً في إسقاط النظام أو التنسيق بين “الهيئة” وبعض رجالات النظام، أبرزهم خالد الأحمد، فأكّد طلاس “هذا كلّه كلام فايسبوك”.
حقيقةً، لا نعلم ما الذي يريده مناف طلاس من هذا اللقاء، ربما صيغة “البودكاست” ستكون أكثر انتشاراً من محاضرة مغلقة لم تحضرها شخصيّات ذات ثقل سياسي سوري أو فرنسي، فلا نعلم من يخاطب “الجنرال” بدقّة، كون الحضور من السوريين كان شديد التباين في مواقفه، بين المؤمن بقدرة “الجنرال” وسطوته، وبين الساخرين والهازئين والفضوليين، ربما كان الأمر أقرب إلى “تجربة أداء”، أمام طيف شديد التباين من السوريين حدّ العداوة في بعض الأحيان، والصراخ في القاعة والاستفزاز، وانتقاد المنظّمين على توزيع المايكروفونات لطرح الأسئلة، الأمر الذي تجاهله البعض وبدأ يطرح الاسئلة مباشرة دون إذن!
مناف طلاس الذي يعمل في الخفاء حسب قوله، بدا كمن يبحث عن جمهور في اللقاء. نعم هو ساعد الكثيرين على الانشقاق، وساهم في حقن الدماء بداية الثورة بشهادة الكثيرين، لكن حالياً، حسب ما هو متداول، لا ثقل له على الأرض، لا فصيل، ولا ولاء.
“سنّيته” لم تشفع له، و”تاريخ” أسرته والمنفعة التي حصل عليها أيضاً، لا يمكن تجاهلها من قِبل طيف واسع من السوريين، لكنّ هذا يعكس أيضاً فقراً شديداً في “المعارضة” القائمة حالياً في دمشق للنظام، استنزفت الثورة والولاءات والتمويل الأجنبي والتواريخ المشبوهة الكثيرين، ناهيك بتعدّد الحكايات حول “الثورة السورية” وتحوّلاتها، لا ننفي حقّ أي سوري بالفعل السياسي، لكن لا خصوم أشداء للشرع الآن، ظهور مناف حُمّل أكثر مما يستحقّ، خصوصاً أنه ليس مُختفياً كلّياً، وإن كان الأمر جسّ نبض، بحث صغير عن اسمه عبر فايسبوك، يكشف كرنفال الضحك السوري.
لكن، لابدّ من مشاجرة!
تفاديت شرب القهوة قبل المؤتمر وأثناءه خوفاً على القميص الأبيض، لن يكون لائقاً وجود بقعة في حضرة “الجنرال” ذي ال10 آلاف ضابط، وصاحب نظرية “الفتحات التاريخية” الذي ينتظر فرصة زيارة سوريا، التي لم يتركها كي لا يعود إليها.
خرجنا من القاعة نحو الرصيف حيث بدأت الأحاديث، والنكات، والتكهّنات، لكنّ البعض لم يتمكّن من الدخول كونه تأخّر، من بين هؤلاء، شخصيّة شهيرة، على الأقلّ في أوساط السوريين في باريس، كونه كان أحد من يُعرفون بـ”الشبيحة” الذين اعتدوا بالضرب على المتظاهرين السوريين قبل سقوط النظام، ونظّم مظاهرات داعمة للأسد، وبعد سقوط النظام، نظّم مظاهرات ضدّ أحمد الشرع.
فجأة، بينما الجموع تتحاور ويتفادى الخصوم بعضهم بعضاً، بدأ الصراخ، وتبادل الشتائم مع هذا الشخص (شاركت ببعضها) وكرّر عليه سؤال “لماذا أنت هنا يا شبيح؟”، ليبدأ بعدها الاشتباك بالأيدي، خصوصاً أن بعض الموجودين تعرّضوا للضرب من قِبله في مظاهرات قبل سقوط النظام، اشتباك سريع وشتائم، انتهى بأن أدمى “الشبيح” أحدهم، وسارع البعض إلى فضّ الاشتباك، والبعض الآخر يشاهد عن قرب، ليختفي المتشاجران بعدها، ونعود إلى تبادل النكات والقفشات، ونقل وقائع “الاشتباك” إلى من لم يشاهده، لينتهي الأمر ببقعة دم على القميص، لم أستطع تحديد مصدرها.
إقرأوا أيضاً:














