ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

مناورات وزارة العدل السوريّة: نظام الأسد ليس فرداً واحداً فقط!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تغييب مفاهيم “جرائم الحرب” و”الجرائم ضد الإنسانية” في سوريا، يحمّل الحكومة السورية مسؤولية قضائية دولية. كما أن إعادة توصيف هذه الجرائم كجنح أو كجرائم قتل عادية تشكّل تزويراً قانونياً مقصوداً، يهدف إلى إسقاطها سياسياً وإخراجها من نطاق المساءلة الدولية.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

يتصدّر ملف العدالة الانتقالية النقاشات السورية، سواء القانونية أو السياسية أو حتى المجتمعية، خصوصاً مع عودة شخصيات محسوبة على الأسد إلى الساحة، إما عبر “تسويات” تقوم بها اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع، أو عبر مصالحات “السلم الأهلي”، أو – وهذا الأخطر – ترك بعض المتهمين أحراراً وعدم توجيه اتهام لهم، بحجة غياب اتهام شخصي.

هذه المناورات تقود بوضوح نحو تمييع “الجرائم الجسيمة”، وآخرها العفو العام الذي أصدره الرئيس في المرحلة المؤقتة أحمد الشرع، والذي يخالف بشكل واضح الإعلان الدستوري.

“العفو العام”: هل الفرد فوق القانون؟

ينص الإعلان الدستوري السوري بوضوح على أن رئيس الجمهورية يملك حق العفو الخاص فقط، أي العفو الذي يُمنح لأشخاص محددين بعد صدور أحكام قضائية مبرمة بحقهم. ومع ذلك، صدر عفو عام، وهي صلاحية تشريعية لا يملكها الرئيس في المرحلة المؤقتة، ولا سيما في غياب مجلس الشعب، الجهة المخوّلة حصراً بإقرار العفو العام.

هذا الخرق برّره وزير العدل بالقول إن حق الرئيس المؤقت في إصدار المراسيم في حال غياب مجلس الشعب لم يُذكر في الإعلان الدستوري، وإن ما حصل هو إجراء قانوني “موجود في سوريا”. إلا أن هذا التبرير، القائم على غياب مجلس الشعب، يتجاهل البعد السياسي لتعطيل تشكيله، ولا يمكن اعتباره تفصيلاً إجرائياً، بل هو مؤشر واضح إلى إعادة إنتاج سلطة الفرد أو “السيد” الذي يتحرك فوق القانون.

وعندما تبدأ المرحلة الانتقالية بمخالفة النص الذي تستمد منه شرعيتها، فهي تهدم من الأساس مفهوم دولة المؤسسات، وتبعث برسالة واضحة مفادها أن العدالة ما زالت خاضعة لإرادة السلطة لا لحكم القانون.
والمفارقة أنه، وعلى الرغم من الفيديوهات الدعائية التي بثّتها السلطة لإطلاق سراح المشمولين بالعفو، أطلق سراح “مخطوفون” من السويداء محتجزون في سجن عدرا من دون توجيه أي اتهام لهم، بل يوصفون بأنهم “أمانة”.

تفتيت الجريمة: من المنظومة إلى الأفراد

الخلل الجوهري في منطق التعامل مع الجرائم التي ارتكبتها ماكينة القتل التي أدارها “النظام السوري”، يتمثل في التعامل معها بوصفها أفعالاً فردية معزولة، في حين أن جرائم النظام السابق لم تكن نتاج تصرفات شخصية، بل نتيجة منظومة أمنية وعسكرية واقتصادية متكاملة.

إهمال اتهام هذه المنظومة وتعريفها يؤدي إلى تفتيت الجريمة الكبرى، ويضيّع خيوط الأدلة التي تقود إلى القيادات العليا، ويستثني الأدوار التي لعبها من كانوا جزءاً أساسياً من آلة القتل.

هذا التمييع، وتغييب مفاهيم “جرائم الحرب” و”الجرائم ضد الإنسانية” في سوريا، يحمّلان الحكومة السورية مسؤولية قضائية دولية. كما أن إعادة توصيف هذه الجرائم كجنح أو كجرائم قتل عادية تشكّل تزويراً قانونياً مقصوداً، يهدف إلى إسقاطها سياسياً وإخراجها من نطاق المساءلة الدولية.

وتتجلّى هذه المواربات في تصريحات وزير العدل في الحكومة السورية الانتقالية، مظهر الويس، عن قرب انطلاق أولى جلسات المحاكمة بحق رموز النظام السابق، وهي محاكمات وصفها بأنها “علنية حسب القانون السوري، وفوق العلنية، ستكون إعلامية”، في إشارة إلى من أُلقي القبض عليهم سابقاً. لكن السؤال الجوهري يبقى: ما هي التهم الموجّهة إليهم؟

فبحسب الفيديوهات التي بثّتها وزارة العدل، والخاضعة للمونتاج، وجّه قاضي التحقيق إلى أربعة من رموز النظام (المفتي السابق أحمد بدر الدين حسون، ووزير الداخلية الأسبق محمد إبراهيم الشعار، ومدير إدارة المخابرات الجوية الأسبق إبراهيم الحويجة، إضافة إلى عاطف نجيب، رئيس فرع الأمن السياسي في درعا) تهماً غير واضحة الترتيب بسبب المونتاج، إذ وُجّهت إلى كل شخص تهمة واحدة، بينما مجموع التهم هو: “القتل العمد، ارتكاب أعمال التعذيب والموت الناجم عنه، الاعتداء الذي يؤدي إلى إثارة الحرب الأهلية، والتحريض والاشتراك والتدخل بالقتل”.
غير أن هذه التهم تحاسب الأفراد بوصفهم أشخاصاً، لا باعتبارهم جزءاً من منظومة قتل متكاملة.

بماذا اتُّهم الأسد ورجاله؟

كشف تحقيق صحافي نشرته وكالة رويترز العام الماضي، عن إعادة هيكلة للنظام السوري عبر لجنة سرية تقوم بتسويات مع رجالات النظام السابق. وكان محمد حمشو أول من اعترفت حكومة دمشق بإجراء تسوية معه، لتتبع ذلك تسريبات عن تسويات مع واجهات اقتصادية للنظام، مثل سامر فوز وطريف الأخرس، الخاضعين لعقوبات دولية.

ولا يمكن اعتبار هذه التسويات المالية إجراءات اقتصادية بحتة، بل هي صفقات سياسية على حساب العدالة. فهؤلاء موّلوا آلة القمع وأدوات الالتفاف على العقوبات الدولية، ومقايضة المال بتأجيل الملفات القضائية تحوّل الجريمة إلى استثمار يمكن دفع ثمنه لاحقاً، وتنسف أي أساس لبناء ثقة حقيقية بين الدولة والمجتمع.

وحين وصفت اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية هذه التسويات بأنها “غير مرتبطة بمسار العدالة الانتقالية، ولا تشكّل بديلاً عن المساءلة القضائية، ولا تمنح أي حصانة قانونية دائمة أو إعفاء من المسؤولية”، يبرز السؤال: هل كانت اللجنة تدير هذه التسويات أم لا تعلم بها؟ وهل لعبت دوراً فيها؟ وكيف سيتم توجيه الاتهام الى هؤلاء في دعاوى الحق الشخصي؟

هذا التداخل – أو اللاتداخل – يفضي إلى ضياع الملفات بين الجهات، ويفرغ الهيئة من مضمونها، ويحوّل العدالة الانتقالية إلى عنوان شكلي بلا صلاحيات فعلية.

لكن السؤال الأهم يبقى: بماذا اتُّهم بشار الأسد؟ المعروف أنه متهم في فرنسا بارتكاب “جرائم ضد الإنسانية” و”جرائم حرب في سوريا” بوصفه “مهندس النظام” ومن يتربع على رأسه، وهي تهم تجعله مطلوباً للمحاكم الدولية، خصوصاً بعد سقوط الحصانة عنه كرئيس دولة.

في المقابل، أعلن وزير العدل في الحكومة السورية الجديدة أن الدولة السورية “طلبت رسمياً من الدول المعنية تسليم الرئيس السابق بشار الأسد والمتورطين كافة” الذين غادروا البلاد. غير أن هذا الإعلان يثير أسئلة قانونية جوهرية لم تتم الإجابة عنها: من هي الجهة القضائية التي أصدرت طلب التسليم؟ هل هو قاضٍ عادي؟ أم النيابة العامة؟ أم بناء على ملف من هيئة العدالة الانتقالية؟

وقبل هذا الإعلان، كان القضاء السوري أصدر في أيلول/ سبتمبر الماضي مذكرة توقيف غيابية بحق الأسد بتهم “مرتبطة بأحداث درعا 2011″، شملت القتل العمد والتعذيب المؤدي إلى الوفاة وحرمان الحرية. لكن يبقى السؤال: هل وُجّهت هذه التهم وفق قانون العقوبات السوري فقط، أم على أساس جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب؟

أسئلة كثيرة تُطرح هنا: هل عُمّمت المذكرة؟ هل أُرسلت إلى الإنتربول؟ أم إلى روسيا؟ أم إلى دول أخرى عبر وزارة الخارجية؟
لدينا مثال واحد في هذا السياق، إذ نقلت رويترز عن وفد أمني سوري زار لبنان مطالبته بتسليم 200 ضابط سوري. وقد علّق مسؤول أمني لبناني قائلاً: “لا مذكرات اعتقال بحق الضباط السوريين في لبنان، ولا طلبات من الإنتربول”، مضيفاً: “لا نستطيع فعل شيء تجاههم”.  السؤال إذاً: من الجهة التي تُعد هذه القوائم، وبأي معايير قانونية؟

قانونياً، تختلف أهمية طلب التسليم جذرياً بحسب الجهة التي أصدرته وبحسب توصيف الجريمة. فطلب صادر عن قاضٍ محلي بتهمة قتل عادية غالباً ما تتجاهله الدول، بينما يكتسب الطلب المبني على جرائم دولية، والصادر عن جهة مختصة بالعدالة الانتقالية، والمدعوم بتحقيقات موثّقة، قيمة قانونية وأخلاقية حقيقية.

تمييع الجريمة تمهيداً لمحو الحقيقة؟

المفارقة في التهم الموجّهة إلى رجال الأسد أن قانون العقوبات السوري وتعديلاته لا يتضمنان حتى الآن تعريفاً لجرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية كوحدات جرمية مستقلة. لذلك لا يستطيع القضاء السوري، وفق النصوص الحالية، توجيه اتهامات صريحة من هذا النوع استناداً إلى نص محلي واضح، فيلجأ إلى استخدام تهم عامة كالقتل أو التعذيب أو الحرمان من الحرية، وهي تهم لا تعكس الطابع المنهجي والواسع للجرائم الدولية.

وبالتالي، فإن الخطوة الأولى لعكس الجدية في التعاطي مع هذا الملف تقتضي إدخال التشريعات الدولية في القانون المحلي، وإلا فإن ما يحدث هو تصغير ممنهج للجريمة. إذ لا يُعقل أن يُتهم بشار الأسد، بغض النظر عن العقوبة، بقتل عمد لشخصين أو أكثر، وهي أقصى تهمة يمكن توجيهها وفق القانون السوري الحالي.
فحتى لو كانت العقوبة إعداماً أو مؤبداً، فإن العدالة لا تتحقق بالعقوبة وحدها، بل بتوصيف الجريمة وقيمتها أمام الضحايا وأمام القانون الدولي.

ما يحدث اليوم ليس مجرد ارتباك إداري، بل مسار خطير لتفكيك ملف الجرائم الجسيمة وتحويله إلى تسويات وصفقات ومذكرات غيابية بلا أثر. فالعدالة التي تُشترى بالمال أو تُدار بالإعلام ليست عدالة، بل إعادة إنتاج للإفلات من العقاب. وضياع الجرائم في دهاليز التداخل المؤسسي والمناورات القانونية الخاطئة هو جريمة ثانية بحق السوريين. والحل الوحيد يكمن في مسار عدالة انتقالية حقيقي، شفاف وموحّد، تقوده الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، ويضع المحاسبة فوق المساومة، ويحفظ الجريمة من المحو، لأن محو الجريمة هو الخطوة الأخيرة في محو الحقيقة نفسها.

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 13.03.2026

“نسف – قصف – عصف”: النسخة الثالثة من بلدتي شقرا

هل سنكون بفعل هذه الحرب أمام النسخة الثالثة من المنازل؟ النسخة الثالثة من شقرا التي تبعدني كل حرب عنها مسافة جديدة. أدقق في الفيديوات التي تصلني عساني أعثر على منزل بنسخته الأولى. أقرأ على شاشة التلفزيون خبراً عن استهداف شقرا بغارة جديدة. أفتح الفيديوات وأدقق في المنازل. قال لي فادي إن الغارة الأخيرة ربما استهدفت…

تغييب مفاهيم “جرائم الحرب” و”الجرائم ضد الإنسانية” في سوريا، يحمّل الحكومة السورية مسؤولية قضائية دولية. كما أن إعادة توصيف هذه الجرائم كجنح أو كجرائم قتل عادية تشكّل تزويراً قانونياً مقصوداً، يهدف إلى إسقاطها سياسياً وإخراجها من نطاق المساءلة الدولية.

يتصدّر ملف العدالة الانتقالية النقاشات السورية، سواء القانونية أو السياسية أو حتى المجتمعية، خصوصاً مع عودة شخصيات محسوبة على الأسد إلى الساحة، إما عبر “تسويات” تقوم بها اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع، أو عبر مصالحات “السلم الأهلي”، أو – وهذا الأخطر – ترك بعض المتهمين أحراراً وعدم توجيه اتهام لهم، بحجة غياب اتهام شخصي.

هذه المناورات تقود بوضوح نحو تمييع “الجرائم الجسيمة”، وآخرها العفو العام الذي أصدره الرئيس في المرحلة المؤقتة أحمد الشرع، والذي يخالف بشكل واضح الإعلان الدستوري.

“العفو العام”: هل الفرد فوق القانون؟

ينص الإعلان الدستوري السوري بوضوح على أن رئيس الجمهورية يملك حق العفو الخاص فقط، أي العفو الذي يُمنح لأشخاص محددين بعد صدور أحكام قضائية مبرمة بحقهم. ومع ذلك، صدر عفو عام، وهي صلاحية تشريعية لا يملكها الرئيس في المرحلة المؤقتة، ولا سيما في غياب مجلس الشعب، الجهة المخوّلة حصراً بإقرار العفو العام.

هذا الخرق برّره وزير العدل بالقول إن حق الرئيس المؤقت في إصدار المراسيم في حال غياب مجلس الشعب لم يُذكر في الإعلان الدستوري، وإن ما حصل هو إجراء قانوني “موجود في سوريا”. إلا أن هذا التبرير، القائم على غياب مجلس الشعب، يتجاهل البعد السياسي لتعطيل تشكيله، ولا يمكن اعتباره تفصيلاً إجرائياً، بل هو مؤشر واضح إلى إعادة إنتاج سلطة الفرد أو “السيد” الذي يتحرك فوق القانون.

وعندما تبدأ المرحلة الانتقالية بمخالفة النص الذي تستمد منه شرعيتها، فهي تهدم من الأساس مفهوم دولة المؤسسات، وتبعث برسالة واضحة مفادها أن العدالة ما زالت خاضعة لإرادة السلطة لا لحكم القانون.
والمفارقة أنه، وعلى الرغم من الفيديوهات الدعائية التي بثّتها السلطة لإطلاق سراح المشمولين بالعفو، أطلق سراح “مخطوفون” من السويداء محتجزون في سجن عدرا من دون توجيه أي اتهام لهم، بل يوصفون بأنهم “أمانة”.

تفتيت الجريمة: من المنظومة إلى الأفراد

الخلل الجوهري في منطق التعامل مع الجرائم التي ارتكبتها ماكينة القتل التي أدارها “النظام السوري”، يتمثل في التعامل معها بوصفها أفعالاً فردية معزولة، في حين أن جرائم النظام السابق لم تكن نتاج تصرفات شخصية، بل نتيجة منظومة أمنية وعسكرية واقتصادية متكاملة.

إهمال اتهام هذه المنظومة وتعريفها يؤدي إلى تفتيت الجريمة الكبرى، ويضيّع خيوط الأدلة التي تقود إلى القيادات العليا، ويستثني الأدوار التي لعبها من كانوا جزءاً أساسياً من آلة القتل.

هذا التمييع، وتغييب مفاهيم “جرائم الحرب” و”الجرائم ضد الإنسانية” في سوريا، يحمّلان الحكومة السورية مسؤولية قضائية دولية. كما أن إعادة توصيف هذه الجرائم كجنح أو كجرائم قتل عادية تشكّل تزويراً قانونياً مقصوداً، يهدف إلى إسقاطها سياسياً وإخراجها من نطاق المساءلة الدولية.

وتتجلّى هذه المواربات في تصريحات وزير العدل في الحكومة السورية الانتقالية، مظهر الويس، عن قرب انطلاق أولى جلسات المحاكمة بحق رموز النظام السابق، وهي محاكمات وصفها بأنها “علنية حسب القانون السوري، وفوق العلنية، ستكون إعلامية”، في إشارة إلى من أُلقي القبض عليهم سابقاً. لكن السؤال الجوهري يبقى: ما هي التهم الموجّهة إليهم؟

فبحسب الفيديوهات التي بثّتها وزارة العدل، والخاضعة للمونتاج، وجّه قاضي التحقيق إلى أربعة من رموز النظام (المفتي السابق أحمد بدر الدين حسون، ووزير الداخلية الأسبق محمد إبراهيم الشعار، ومدير إدارة المخابرات الجوية الأسبق إبراهيم الحويجة، إضافة إلى عاطف نجيب، رئيس فرع الأمن السياسي في درعا) تهماً غير واضحة الترتيب بسبب المونتاج، إذ وُجّهت إلى كل شخص تهمة واحدة، بينما مجموع التهم هو: “القتل العمد، ارتكاب أعمال التعذيب والموت الناجم عنه، الاعتداء الذي يؤدي إلى إثارة الحرب الأهلية، والتحريض والاشتراك والتدخل بالقتل”.
غير أن هذه التهم تحاسب الأفراد بوصفهم أشخاصاً، لا باعتبارهم جزءاً من منظومة قتل متكاملة.

بماذا اتُّهم الأسد ورجاله؟

كشف تحقيق صحافي نشرته وكالة رويترز العام الماضي، عن إعادة هيكلة للنظام السوري عبر لجنة سرية تقوم بتسويات مع رجالات النظام السابق. وكان محمد حمشو أول من اعترفت حكومة دمشق بإجراء تسوية معه، لتتبع ذلك تسريبات عن تسويات مع واجهات اقتصادية للنظام، مثل سامر فوز وطريف الأخرس، الخاضعين لعقوبات دولية.

ولا يمكن اعتبار هذه التسويات المالية إجراءات اقتصادية بحتة، بل هي صفقات سياسية على حساب العدالة. فهؤلاء موّلوا آلة القمع وأدوات الالتفاف على العقوبات الدولية، ومقايضة المال بتأجيل الملفات القضائية تحوّل الجريمة إلى استثمار يمكن دفع ثمنه لاحقاً، وتنسف أي أساس لبناء ثقة حقيقية بين الدولة والمجتمع.

وحين وصفت اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية هذه التسويات بأنها “غير مرتبطة بمسار العدالة الانتقالية، ولا تشكّل بديلاً عن المساءلة القضائية، ولا تمنح أي حصانة قانونية دائمة أو إعفاء من المسؤولية”، يبرز السؤال: هل كانت اللجنة تدير هذه التسويات أم لا تعلم بها؟ وهل لعبت دوراً فيها؟ وكيف سيتم توجيه الاتهام الى هؤلاء في دعاوى الحق الشخصي؟

هذا التداخل – أو اللاتداخل – يفضي إلى ضياع الملفات بين الجهات، ويفرغ الهيئة من مضمونها، ويحوّل العدالة الانتقالية إلى عنوان شكلي بلا صلاحيات فعلية.

لكن السؤال الأهم يبقى: بماذا اتُّهم بشار الأسد؟ المعروف أنه متهم في فرنسا بارتكاب “جرائم ضد الإنسانية” و”جرائم حرب في سوريا” بوصفه “مهندس النظام” ومن يتربع على رأسه، وهي تهم تجعله مطلوباً للمحاكم الدولية، خصوصاً بعد سقوط الحصانة عنه كرئيس دولة.

في المقابل، أعلن وزير العدل في الحكومة السورية الجديدة أن الدولة السورية “طلبت رسمياً من الدول المعنية تسليم الرئيس السابق بشار الأسد والمتورطين كافة” الذين غادروا البلاد. غير أن هذا الإعلان يثير أسئلة قانونية جوهرية لم تتم الإجابة عنها: من هي الجهة القضائية التي أصدرت طلب التسليم؟ هل هو قاضٍ عادي؟ أم النيابة العامة؟ أم بناء على ملف من هيئة العدالة الانتقالية؟

وقبل هذا الإعلان، كان القضاء السوري أصدر في أيلول/ سبتمبر الماضي مذكرة توقيف غيابية بحق الأسد بتهم “مرتبطة بأحداث درعا 2011″، شملت القتل العمد والتعذيب المؤدي إلى الوفاة وحرمان الحرية. لكن يبقى السؤال: هل وُجّهت هذه التهم وفق قانون العقوبات السوري فقط، أم على أساس جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب؟

أسئلة كثيرة تُطرح هنا: هل عُمّمت المذكرة؟ هل أُرسلت إلى الإنتربول؟ أم إلى روسيا؟ أم إلى دول أخرى عبر وزارة الخارجية؟
لدينا مثال واحد في هذا السياق، إذ نقلت رويترز عن وفد أمني سوري زار لبنان مطالبته بتسليم 200 ضابط سوري. وقد علّق مسؤول أمني لبناني قائلاً: “لا مذكرات اعتقال بحق الضباط السوريين في لبنان، ولا طلبات من الإنتربول”، مضيفاً: “لا نستطيع فعل شيء تجاههم”.  السؤال إذاً: من الجهة التي تُعد هذه القوائم، وبأي معايير قانونية؟

قانونياً، تختلف أهمية طلب التسليم جذرياً بحسب الجهة التي أصدرته وبحسب توصيف الجريمة. فطلب صادر عن قاضٍ محلي بتهمة قتل عادية غالباً ما تتجاهله الدول، بينما يكتسب الطلب المبني على جرائم دولية، والصادر عن جهة مختصة بالعدالة الانتقالية، والمدعوم بتحقيقات موثّقة، قيمة قانونية وأخلاقية حقيقية.

تمييع الجريمة تمهيداً لمحو الحقيقة؟

المفارقة في التهم الموجّهة إلى رجال الأسد أن قانون العقوبات السوري وتعديلاته لا يتضمنان حتى الآن تعريفاً لجرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية كوحدات جرمية مستقلة. لذلك لا يستطيع القضاء السوري، وفق النصوص الحالية، توجيه اتهامات صريحة من هذا النوع استناداً إلى نص محلي واضح، فيلجأ إلى استخدام تهم عامة كالقتل أو التعذيب أو الحرمان من الحرية، وهي تهم لا تعكس الطابع المنهجي والواسع للجرائم الدولية.

وبالتالي، فإن الخطوة الأولى لعكس الجدية في التعاطي مع هذا الملف تقتضي إدخال التشريعات الدولية في القانون المحلي، وإلا فإن ما يحدث هو تصغير ممنهج للجريمة. إذ لا يُعقل أن يُتهم بشار الأسد، بغض النظر عن العقوبة، بقتل عمد لشخصين أو أكثر، وهي أقصى تهمة يمكن توجيهها وفق القانون السوري الحالي.
فحتى لو كانت العقوبة إعداماً أو مؤبداً، فإن العدالة لا تتحقق بالعقوبة وحدها، بل بتوصيف الجريمة وقيمتها أمام الضحايا وأمام القانون الدولي.

ما يحدث اليوم ليس مجرد ارتباك إداري، بل مسار خطير لتفكيك ملف الجرائم الجسيمة وتحويله إلى تسويات وصفقات ومذكرات غيابية بلا أثر. فالعدالة التي تُشترى بالمال أو تُدار بالإعلام ليست عدالة، بل إعادة إنتاج للإفلات من العقاب. وضياع الجرائم في دهاليز التداخل المؤسسي والمناورات القانونية الخاطئة هو جريمة ثانية بحق السوريين. والحل الوحيد يكمن في مسار عدالة انتقالية حقيقي، شفاف وموحّد، تقوده الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، ويضع المحاسبة فوق المساومة، ويحفظ الجريمة من المحو، لأن محو الجريمة هو الخطوة الأخيرة في محو الحقيقة نفسها.