قوانين نقابية قديمة تعرقل الانتساب
يعاني الصحافيون الأردنيون من تعريف ضيق لمفهوم “الصحافي”، وفق قانون النقابة، الذي يشترط عضوية النقابة لمزاولة المهنة. وللانضمام إلى النقابة، ينبغي على الصحافي العمل في مؤسسة صحافية أو إعلامية مرخصة في الأردن، مع استثناء المؤسسات الرسمية والحزبية والأندية والجمعيات والجامعات والهيئات التي تصدر مطبوعات صحافية. حتى مراسلو الإذاعات والتلفزيونات والعاملون في إعداد البرامج، لا يحق لهم الانضمام الى النقابة إذا لم يعملوا في أقسام الأخبار والتحرير حصراً.
على رغم إدخال تعديلات عام 2014 لتشمل الصحافيين العاملين في المواقع الإلكترونية، إلا أن القوانين الناظمة ظلت مقيدة. إذ رافقها تعديل قانون المطبوعات والنشر عام 2012، الذي وسّع من رقابة السلطات على المحتوى الرقمي، وحجب مئات المواقع. كما منح قانون الجرائم الإلكترونية الجديد، الذي أقر في آب/أغسطس 2023، الحكومة أدوات إضافية لتقييد حرية التعبير تحت ذرائع “مكافحة الأخبار الكاذبة” و”تقويض الوحدة الوطنية”.
تراجع في حرية الصحافة ومخاوف من الملاحقات
تقرير “مراسلون بلا حدود” أشار إلى تراجع الأردن في تصنيف حرية الصحافة العالمي، ليحل في المرتبة 147 من أصل 180 دولة. يأتي هذا التراجع على رغم استقرار سياسي نسبي، إلا أن الصحافيين الأردنيين يواجهون رقابة ذاتية صارمة خشية الملاحقات القضائية.
في هذا السياق، أعلن مجلس نقابة الصحافيين الأردنيين نهاية أيار/ مايو الماضي عزمه اتخاذ إجراءات قانونية بحق كل من “ينتحل صفة الصحافي” عبر منصات التواصل الاجتماعي، بدعوى الحفاظ على هيبة المهنة.
تجارب مهنية ومعارضة واسعة
الصحافية تهاني القطاوي، خريجة بكالوريوس الصحافة عام 2004، تتحدث عن معاناتها من انعدام الأمان الوظيفي، إذ لم تحصل على وظيفة حكومية إلا في 2024، بعد 20 عاماً من التخرج. على رغم عملها مراسلة ميدانية في التلفزيون الأردني، حُرمت من عضوية النقابة بسبب العمل بنظام شراء الخدمات من دون ضمان اجتماعي.
تؤكد القطاوي أن “قانون النقابة مجحف بحق خريجي الصحافة والإعلام، ولا يليق بخريجين جامعيين لم يحصلوا على فرصة عمل نظامية”.
أما الصحافي المستقل أنس ضمرة، الذي يعمل في الإعلام منذ 15 عاماً، فيقول: “مجلس النقابة ما زال ينظر الى العمل الصحافي وكأنه مقتصر على الصحف الورقية، ولا يمكن للنقابة ضبط حرية النشر على وسائل التواصل الاجتماعي”. ويضيف: “الجريمة هي نشر الأخبار المفبركة، وليس حمل صفة صحافي”.
الإعلاميون المستقلون: خارج النقابة ولكن في قلب المهنة
الإعلامي جواد العمري، الذي أمضى 37 عاماً في الإعلام، يرى أن “النقابة ليست الجهة المخولة لتصنيف من هو إعلامي أو صحافي، ما دامت قوانينها لا تواكب التطورات في الإعلام الرقمي”. ويطالب العمري النقابة بتقديم قانون عصري يحفظ كرامة الصحافة ويستوعب المستجدات.
من جهته، يلفت الصحافي الحقوقي محمد شما إلى أن “حرية النشر لم تعد حكراً على الصحافيين، والنقابة مطالبة بالتفريق بين حرية التعبير ومزاولة المهنة وفق الأصول”. ويضيف: “في الأردن هناك صحافيون مستقلون منذ أكثر من 20 عاماً خارج عضوية النقابة، ومع ذلك يقدمون أفضل إنتاج إعلامي”.
موقف النقابة: تنظيم لا تقييد
الصحافي خالد القضاة، عضو سابق في مجلس النقابة، يرى أن “الفوضى الإعلامية الحالية تستغلها المؤسسات الإعلامية لتشغيل الخريجين من دون التزامات وظيفية”. ويؤكد أن “النقابة معنية بحماية المهنة من الدخلاء الذين ينشرون الأخبار المضللة، بينما يظل الإعلاميون المستقلون خارج الملاحقة ما لم ينسبوا أنفسهم زيفاً الى الصحافة”.
عضو مجلس النقابة محمد الزيود شدد على أن “القرار لا يستهدف الصحافيين العاملين في المؤسسات المرخصة، بل فقط من ينتحلون الصفة عبر مواقع التواصل الاجتماعي”. وقال: “الفوضى أضرت بسمعة المهنة والدولة، وحان وقت تنظيمه”.
بدوره، أشار نقيب الصحافيين الأردنيين طارق المومني، إلى أن “القانون الحالي بحاجة إلى مراجعة شاملة تأخذ في الحسبان التطورات التكنولوجية وتضمن مسارا تدريجيا لانتساب خريجي الإعلام”.
الحاجة الى قانون عصري يحتضن الجميع
يبقى الجدل قائماً بين الرغبة في حماية هيبة مهنة الصحافة وضرورة احترام حرية التعبير في العصر الرقمي. وبينما تنادي نقابة الصحافيين بتطبيق القوانين للحفاظ على المهنة، يرى صحافيون مستقلون وحقوقيون أن المطلوب اليوم هو تطوير تشريعات عصرية، تنصف الصحافيين المستقلين وتجدد تعريف العمل الصحافي ليواكب العصر الرقمي، بعيداً عن تضييق الخناق على حرية الرأي والتعبير.









