بأيدٍ متعبة كبرت عشرين عاماً في شهرين، أعادت النساء ترتيب البيوت التي بعثرها عصف الدمار، وبالأصابع التي جرحتها الحرب والغربة والنزوح المذلّ، لملمن الزجاج ومسحن الأرضية، حتى تعود الحياة “على نظافة”، وحتى لا يفلت الأمل أيديهنّ.
رائحة البلد الآن خليط من الغبار والدم والحزن، وماء الجافيل ومنظّفات الأرضية، مع الكثير من “الديتول” والمعقّمات التي تبيد 99 في المئة من البكتيريا، وتحسبها الأمهات قادرة على إبادة الخوف. وربما تكون الأمّهات على حق، هذه المرّة أيضاً.
تريد نساء الجنوب والبقاع وبيروت، مسح الحرب عن الزجاج لو استطعن، وحين يدركن عجزهنّ، يكتفين بمسح الدماء وبقع الغبار، ثمّ ينظرن إلى المكان ويرينه أجمل. ينفضن الغسيل على الحبال، حتى يتغلغل الهواء ويتسلل رذاذ الندى إلى الثياب التي أتعبها السفر وطوابير العودة البطيئة.
تحاول النساء محو أثر الصراخ والخوف من البيوت والأحياء التي كانت هانئة قبل أيلول/ سبتمبر 2024، وحين يخرج الصراخ مجدداً من النوافذ والأسرّة وخيوط الستائر، يغتسلن مجدداً. لا تيأس النساء من محاولة التقاط الحياة، مهما بدت أيديهنّ هزيلة وعاجزة، لكنها أيدٍ تستطيع صنع الغيم إذا شاءت.
تعالج النساء كل شيء بالتنظيف والمأكولات الشهية والحبّ، إنها طريقهنّ للنجاة، يحاولن مواجهة الحرب بالجافيل، ويعتقدن أن إعادة الفرح إلى عيون أطفالهنّ تكون بالحلويات البيتية والعناقات الدافئة والتعقيم.
لقد دفعت النساء بالفعل أثماناً باهظة في الحرب التي فتكت بالجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، من القصف إلى النزوح، وصولاً إلى العودة ورؤية الخراب، ثمّ مهمّة إرجاع كل شيء إلى مكانه وافتراش البيوت بالسجاد، حتى تتدفأ البيوت ويطمئن ساكنوها.
في الضاحية الجنوبية، فوق ركام منزلها الذي لم يبقَ منه أي شيء، دعتنا أم علي لشرب القهوة، وحين امتنعنا أصرّت، كما لو كانت تستطيع استقبالنا حقاً، فيما كانت تحاول العثور على بعض أغراضها وكنس الركام.
وأخبرتني زينة، وهي قريبة لي تسكن في بعلبك، بكل فرح أنها انتهت من العزيل قبل أن تستدرك: “انهدّوا إيديي من العزيل”، ثم أضافت: “أيمتا بدك تشرفينا؟”. يا إلهي ما أجملك يا زينة، وما أجمل البيت الذي مرّت عليه يداك! وليتني أستطيع منح أم علي يديّ حتى تلملم بهما بيتها من تحت الأنقاض، ربّما تساعدان في صنع المعجزة.
عاشت النساء على وقع تهديدات أفيخاي أدرعي على مدى 66 يوماً، وكان عليهنّ ربط ساعة العائلة والحياة على جحيم تغريداته، وقد رميت على عاتقهنّ مهمّة توضيب حياة كاملة في حقيبة يد كلّما رغب أفيخاي بضرب مبنى قريب أو استهداف شخصية، والركض، ثم البحث عن كلمات لإفهام الطفولة أن القصف ليس سوى مفرقعات نارية وأن النجوم تحتفي الآن، وهذا كل شيء.
دفعت النساء الكثير، وهنّ يحاولن إطفاء النار بالعاطفة، وربّما نجحن في أحيان كثيرة، فالنار لا تطفئ النار، ربما تستطيع العاطفة ذلك. لقد التقيت بنساء مرضعات وحوامل في مراكز الإيواء، وكانت تلك المشاهد القاسية بمثابة طاقة إضافية أبثّها في عروقي حتى أواصل تغطية الحرب بأعصاب مشدودة… قدر المستطاع. إنهنّ مناضلات، مدافعات حقيقيات عن الحق بالحياة والحق بالأمان، علماً أنهنّ كنّ مسؤولات عن نجاة جميع أفراد العائلة صغاراً وكباراً، لا نجاتهن الشخصية وحسب.
مع اتهام الهدنة بين إسرائيل و”حزب الله” بالهشاشة بسبب الخروقات بين الطرفين، انتشرت صور وفيديوات ساخرة لنساء يعترضن على عودة الحرب قبل أن ينهين طقوس “العزيل” المنزلي كلّها… إنها سخرية لا تخلو من أسباب البكاء، من أجل أيادي النساء التي حملت الأطفال على عجل بحثاً عن طريق للهرب، الأيادي التي أقفلت الأبواب، إنما تركت النوافذ مفتوحة لعلّ ذلك يحمي البيوت من الجنون إذا عصف، أيادي النساء التي وضعت الفرش وحوّلت الخرق إلى ملاءات في مراكز الإيواء، الأيادي التي أطعمت وغنّت، وأيادي النساء وحدها تستطيع الغناء!
من أجل تلك الأيادي التي أحدثت عجائب في البيوت المدمّرة، ووضعت ورداً فوق الطاولات التي كسرت أقدامها، وصنعت الحلوى في أوانٍ لم تعد صالحة، وفتحت الستائر الممزّقة، وقالت أهلاً لنور الشمس، ثمّ صنعت القهوة وسكبتها في فناجين تكفي الجميع، من أجل الأيادي التي جنت عليها الحرب، ثم جنى عليها “الجافيل”… فليسكت صوت القصف مرّة واحدة وإلى الأبد.
إقرأوا أيضاً:












